مكتشفات رأس شمرا في ناشيونال جيوغرافيك بقلم كلود شيفر وترجمة أنطون سعاده

مكتشفات رأس شمرا في ناشيونال جيوغرافيك بقلم كلود شيفر وترجمة أنطون سعاده

مكتشفات رأس شمرا في ناشيونال جيوغرافيك بقلم كلود شيفر وترجمة أنطون سعاده
نشر هذا المقال في مجلّة ناشيونال جيوغرافيك في عددها الصادر في شهر 7 عام 1933
بقلم رئيس البعثة الأثرية إلى أوغاريت كلود شيفر
لم تكن خطورة أوقاريت (يرجح المكتشف أن رأس شمرا هي التي كانت تعرف في المدونات القديمة المكتشفة في مصر باسم أوقاريت) قائمة على التجارة والسياسة فحسب. ففيها حيي مؤلفون وفلاسفة عظام لثلاثة آلاف وثلاث مئة سنة خلت. وقد وجدنا فصولاً كاملة من مخلفاتهم في مكتبة الهيكل في رأس شمرا. هم أيضا كتبوا بالعلامات المسمارية للأحرف على ألواح كبيرة فوق المعتاد، قاسمين كتاباتهم إلى أعمدة متعددة.
كثيراً ما كان يحدث للمؤلف أن لا يقدّر تقديراً صحيحاً طول الكتاب الآخذ في كتابته فيضيق مجال الفصول الأخيرة. فيضطر إلى تقريب السطور الأخيرة بعضها من بعض كما يفعل الكاتبون العصريون على الآلة الكاتبة حين يستعملون “الفسحة المفردة الدرجة”، وإلى تصغير حروف هذه السطور. وقد تجمّع لدينا عدة فصول من مؤلف واحد تزيد على ألف كلمة، ويحتمل أن يكون عدد عبارات المؤلف كله أكثر من ثلاثة آلاف بيت. وهذا المؤلف هو ملحمة بطولية.
قبل إلياذة هوميروس الخالدة بزمان طويل أنشأ المؤلفون الفينيقيون (الكنعانيون) في أوقاريت الملاحم في مغامرات غريبة لبطل أسطوري يدعى طافن (أو طافون). كان هذا البطل هو المصطفى عند بعض الآلهة الذين كانوا كثرا في دار الآلهة الفينيقية. ونص رأس شمرا المكتشف يروي أنه كان هنالك لا أقل من خمسين إلها وخمس وعشرين إلهة. فلم بكن طافون يقدر أن يتجنب جلب عداوة بعضهم على نفسه بسبب تحيّزه في مشاحناتهم. هذه الآلهة الفينيقية تظهر بروح حربية منتقمة وقاسية.
ايل (أو إل- يعني الإله)، أب الآلهة الكبير جداً، الذي يسميه المؤلف “ملك السوم”، ملك أو مولوخ، أي “ملك السنة” يبذل الجهد عبثاً لحفظ السلام بين وُلْده. وهو، مع ذلك، ليس كلّي القدرة، لأنّه كثيراً ما يضطر لقبول رغائب زوجته الإلهية عشيرة أ, أشرة، إلهة البحر، التي لها سبعون ولداً تفضل بعضهم على بعض. هذا التخصيص هو سبب المشاحنات في مملكة الآلهة.
المقاوم الأكبر والألدّ لإيل هو بعل، المستبد منذ ولادته، الطامح إلى الملكية المطلقة. ورواية العراك بين ملك السنة، الشيخ العادل، وبعل هي رواية ذات جاذبية نادرة وغنية بالمواقف المثيرة الشعور. وبعل ينتصر في الأخير، والشباب بكل قسوته وظلمه يغلب حرمة السن. وهي العبرة التي يريد المؤلف إبرازها.
القتال بين معط وعلين:
على لوح آخر من ألواح رأس شمرا مدوّن وصف للقتال بين “معط” الرامز إلى الطبيعة المثمرة و “علين” الذي يملك على الغيث والريح.
قتل معطُ علينَ فصار الناس يشكون إلى الآلهة. فقد جفّت الأرض بسبب قتله وأمست السباع تطوف بالمدن. فتنهض الإلهة أناة (أو عناة)، أخت إله الغيث المقتول، لمناقشة معط الحساب على ما جنت يداه، فينكر هذا فعلته ويعد بتحويل الصحارى إلى مروج خضراء (بالنيابة عن علين). ولكنه يخفق وتذهب سدى جميع التقدمات التي تقدّمها إليه البشرية رجاء أن يعطيها الغيث.
حينئذ ينفذ صبر أناة فتأخذ منجلاً وتضرب به معطاً فتقتله. ثم تحرق جثته. وقد تأكل بعضها، وتذري البقية في الحقول. وهكذا يتحول معط إلى الإنتاج أو الحصاد الذي يسقط تحت المنجل ليعطي الخبز للإنسانية.
بعد انتقام أناة يبعث علين ويعود المطر إلى السقوط.
يدخل في هذه الحكاية أشخاص آلهة آخرون. ولكلّ منهم رسالة يؤدّيها: الحكمة، إله الحكمة الذي يذكّر الناس بالصبر ويدعوهم إلى التسليم للقدر. وأدون، أدونيس الفينيقيين الكلاسيكيين، الذي يملأ نفوسهم بالجذل والحماسة للجمال والحب. ثم الإلهة أماة، خادمة أشرة القوية، أم الآلهة، التي تري الناس كيف يصنعون الآجر من الطين لبناء بيوتهم.
وبعل نفسه (رمز الشباب) يعقد عزيمته ويقدم على قتال الأفعى ذات السبعة رؤوس، التي كان البشر يخافونها خوفاً شديداً. اسم هذه الأفعى في نص مؤلف رأس شمرا “لتن”. وفي اشعيا 1:27 والمزامير 14:73 من التوراة نرى الحية تحمل الاسم عينه “لتن” بتحوير قليل في اللفظ “لويتان” أو التنين (اشعيا: في ذلك اليوم يفتقد الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لويتان الحية المقومة ولويتان الحية الملتوية ويقتل التنين الذي في البحر. المزامير: أنت رضَضْتَ رؤوس لويتان، جعلته مأكلا لزمر القفار) هنا نلمس أنباء ذات خطورة مهيجة وثوروية.
جميعنا نتذكر دانيال، الذي كان، مع نوح وأيوب، من أتقى أهل زمانه. دانيال يظهر في أحد نصوص رأس شمرا باسم دين – ايل، الذي يجب أن يترجم: دين أو دينونة الله.