"مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَليُنكِر نَفسَهُ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتبَعني".

“مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَليُنكِر نَفسَهُ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتبَعني”.

“مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَليُنكِر نَفسَهُ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتبَعني”.
أن تتبع المسيح يعني أن تسير على طريق المسيح
ما معنى طريق المسيح؟
يعني طريق موته وقيامته، هذه هي النقطة الأساسية، المحور الأساسي. إتّباع المسيح والسير على طريقه، هذا الطريق الذي أدّى به إلى الموت والقيامة. فعلى أساس الموت والقيامة يرتكز مشروع إتّباع المسيح.
في عالم اليوم لا يمكننا أن نفهم يسوع بمنطق النجاحات والسلطة وتحقيق الأعمال الكبرى. منطق عالم اليوم هو التحقيقات العظمى. فبهذا المنطق لا نستطيع أن نفهم المسيح. فلكي نفهم المسيح علينا أن نعود ونكتشف أنّه هو “المسَّيا” المسيح المتألم، ومن خلال هذا الوجه نفهمه.
إنّه “المسَّيا” المسيح المتألم الذي يتخطّى كل المقاييس والمعايير البشريّة المعاصرة. فإذاً نحن أمام مواجهة. المقياس العالمي اليوم يركز على نجاحات العالم الكبيرة. ومقياس آخر هو المسيح المتألّم، من هذا المنطلق الدعوة موجّهة لي للنظر، أي لرؤية وجه المسيح.
أي مسيح نريد؟
الذي هو أولاً خادم الربّ.
يسوع الذي أتم رسالته كمسيح يعني كممسوح مُرسَل من الآب من خلال التضامن مع البشر فأصبح ابن الإنسان.
يسوع الذي أتم رسالته في الخدمة والطاعة حتى الموت.
إنّه مسيح يخرج عن نطاق كل تصوّر. فلا نستطيع إذن أن نفهمه بمنطق النجاحات والتطوّر الذي يتبعه العالم لتحقيق إنجازاته ومشاريعه.
النظر إلى وجه المسيح الذي أتى ليتمم إرادة الآب وقد ظلّ أميناً حتى النهاية، وهو يحقق رسالة الخلاص للذين يؤمنون به ويحبّونه ليس بالكلام فحسب بل بالواقع الحياتي أيضاً. إذا كان الحب هو الشرط لإتباع المسيح، فالتضحية هي التي تبرهن وتمتحن هذا الحبّ.
نص الإنجيل “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَليُنكِر نَفسَهُ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتبَعني”.
يعبّر عن الطابع الراديكالي الجذري، عن اختيار لا يحتمل التردد. هذا الآية واضحة بجذريتها.
إذاً إنّه اختيار لا يحتمل التردد. و واضح. فإتباع يسوع هو أمر متطلّب، أدهش التلاميذ عينهم، ومنع عبر الأجيال عدداً كبيراً من الرجال والنساء من إتباع المسيح. لكن هذه الجذرية عينها هي التي أنتجت أيضاً ثمار القداسة والاستشهاد المذهلة وهي أيضاً عبر الزمن تثبّت الكنيسة.
إذاً هذه الجذرية أخافت البعض فتراجعوا. وهي أيضاً ثبّت الكنيسة في مشروع القداسة.
واليوم أيضاً، هذه الكلمة بالذات “اتبعني … احمل صليبي …” تلقى صدى الشكوك والجنون … “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة”، لها صدى الجنون.
ما هذا المشروع الغريب؟
ومع هذا كلّه تبقى هي المقياس لأن الطريق التي رسمها الآب لابنه هي عينها التي يسلكها التلميذ الذي قرر إتباع الابن؛ فلا توجد طريقان، بل طريق واحد فقط: الطريق الذي سار عليه المعلّم ولا يُسمَح للتلميذ أن يبتكر طريقاً آخر. عمليّة الاختيار تتمّ داخل القلب.
هنا دور قلب وداخل الإنسان في هذا المشروع. تتم في باطن في عمق أعماق الإنسان. الظروف الخارجية لا تتعلّق فينا. فما هو مرتبط بنا مباشرة إنما هوَ الإرادة، أي أن نكون بالقدر الممكن مطيعين للآب مثل يسوع ونكون مستعدّين أيضاً لقبول المشروع الذي يرسمه لكل واحد منّا، وقبول المشروع حتى النهاية. إذا كان الاختيار فعلاً نابع من داخل الإنسان وليس من ظروف خارجية يمكن عندئذ أن نقبل هذا المشروع ونسير به حتى النهاية.
من هنا إن كلمة فليكفر بنفسه هي كلمة صعبة الفهم والقبول، وهي بكل بساطة، أن ينكر الإنسان مشروعه حتى يتقبّل ويستقبل مشروع الله وهذا التقبّل والاستقبال هو طريق التوبة الأساسي والحتمي في الوجود المسيحي. حياة التوبة جعلت بولس يقول: “لست أنا الحيّ بل المسيح حيٌّ فيَّ”.
إذاً “فليكفر بنفسه” فيها أولاً قدرة إنكار المشروع الذاتي الشخصي وقبول مشروع الله بكامله وهذا القبول أو النكران للمشروع الشخصي وقبول مشروع الله هو التوبة. وحياتنا هي توبة مستمرة.
الحياة تُعاش ويتحقق معناها بالعطاء والمجانية. فالمسيح لا يطلب نكران الحياة. “فليكفر بنفسه” لا تعني نكران الحياة بل استقبال الحياة في جديدها وملئها، وهو وحده قادر أن يمنحها بملئها والإنسان في عمق أعماقه يميل إلى التفكير بذاته. هذه الطبيعة البشريّة موجودة بقلب الإنسان، الميل نحو الذات ونحو وضع شخصه في محور المصالح فيكون الإنسان مقياساً لذاته ولا يقوِّم مقياساً لكل الأمور.
أما من تبع المسيح فيرفض الانغلاق ولا يقيّم الأشياء بقدر ما تعود إليه بالأرباح والمكاسب، فتلميذ المسيح يقيس الحياة بمقياس العطاء والمجانية، فالحياة الحقيقية يعبّر عنها بتقدمة الذات، وهي ثمرة نعمة المسيح، وهي الوجود الحرّ في شراكة اتحاد مع الله ومع الأخوة.
فالخيار إذا هو بين إما أن أكون أو أن أملك. بين حياتي الملآنة أو وجودٍ فارغ. في النهاية الخيار هو بين الحقيقة أو الكذب إما أنا في الحقيقة إما في الكذب.
المسيحي لا يبحث عن الألم بل يحمل صليبه. المسيحي لا يبحث عن الألم حبّاً بالألم بل يفتّش عن الحبّ، والصليب المقبول الشخصي والحر والواعي يصبح علامة الحبّ والعطاء الكامل.
الصليب المقبول بحريّة علامة الحب والعطاء والمجانية.
أن نحمل الصليب وراء المسيح يعني أن نتحد به حتى نعبِّرَ عن أقصى درجات الحب. فلا يمكننا أن نتحدث عن الصليب دون أن نأخذ بالاعتبار حبّ الله لنا الذي يريد أن يغمرنا بعطاياه.
بدعوته إيانا اتبعني، لا يعني الله أن أجعل المسيح مثالاً فحسب، بل إن يسوع يقول لي أيضاًَ شاركني في حياتي، شاركني في مصيري، قاسمني اختياري وكمل حياتك معي بمحبّة الآب ومحبّة الأخوة.
وهكذا يفتح المسيح أمامنا طريق الحياة الذي وللأسف مهدد دوماً بطريق الموت.
فالخطيئة هي الطريق الذي يفصل الإنسان عن الله والقريب، ويحقق الانقسامات، مهدِّدةً المجتمع من الداخل.
طريق الحياة هو أيضاً طريق الصليب، طريق الثقة بالمسيح، طريق الخلاص والسعادة الذي لا يأبى الفشل والصعوبات والوحدة، لأنّه الطريق الذي يملأ قلب الإنسان من حضور يسوع. إنّه طريق السلام وضبط النفس والفرح العميق.
إتباع المسيح له غاية واحدة، وهي عالمٌ أفضل.
وشهادتا بطرس وبولس، ونحن دخلنا في زمن الكنيسة، هذا الكنيسة وُلِدت من الصليب ومن المصلوب بالذات، فمصير الرسولان كان كمصير المعلّم، حياتهما البشريّة مليئة بالصعاب من كلّ الأشكال والألوان النفسية والاجتماعية والدينية، وبطرس يقول بعد اختبار التجربة والصحراء، “أنتَ تعرف يا ربّ أنّي أحبّكَ”.
استسلم في نهاية المشروع لينقاد إلى حيث لا يريد إلى حيث إرادة يسوع أن يكون. واعترف وقال وعلى اعترافه تُبنى حياة الكنيسة “أنتَ هو المسيح ابن الله الحيّ”.
أمّا بولس فهو يعشق المسيح الذي شعر به واختبره ولمسه، وحوّل حياته فلم يعد شيء يفصله عن محبّة المسيح. وحياته كلّها هي للمسيح.
بطرس وبولس هما الشهادة الأولى والأكبر والمسلك النموذجي لحياة الكنيسة ومسيرة القديسين.
اتباع يسوع هو تحدٍّ لنا جميعاً. المشروع هو مشروع تحدٍّ، فهلا قبلنا التحدّي؟.
اتباع يسوع وحمل صليبه هما الطريق لعيش القداسة.
آمين.