الجلجلة...

الجلجلة…

الجلجلة
نتبع يسوع إلى العليّة في الخميس المقدّس، أمّا في الجمعة العظيمة فنتبعه إلى الجلجلة.
لن نتبعه كبطرس “عن بعد … ليرى النهاية”، بل كأمّه ويوحنا والنسوة القدّيسات، الذين لم يتركوه.
يبدأ يوم الجمعة المقدّسة ليتورجيّاً مساء الخميس بخدمة “الأناجيل الإثني عشر”، التي قوامها سَحَر الجمعة العظيمة.
نقرأ، بعد مزامير السَحَر، نصوصاً مختارَةً من الإنجيل، موزعة على اثنتي عشر قراءة، وتغطي رواية آلام السّيد بكل تفاصيلها.

تبدأ الرواية بكلمات يسوع بعد العشاء الأخير وحتّى صلاته الكهنوتية. ثم تتتابع القراءات فتذكرنا بأحداث إلقاء القبض عليه في بستان الزيتون (من المستغرب أنّ نزاعه في بستان الزيتون يمّر بصمت فلا يُقرأ)، والمقاضاة اليهودية ضد المسيح، تتبعها المقاضاة الرومانية (لكن ظهوره أمام هيرودس لا يُذكر)، ثم الضرب بالسياط وإكليل الشوك، وحمل الصليب، فالصلب، فموته وأخيراً دفنه. تجيب الجوقة بعد كل قراءة إنجيلية: “المجد لطول أناتك يا رب، المجد لك”، كما تُرتل ترانيم وأنديفونات[1] مختلفة.
أحد أجمل هذه التراتيل الأنديفونة الخامسة عشر، التي تُرَتَل بين القراءتين الإنجيليتين الخامسة والسادسة. وتبدأ هكذا:
“اليوم عُلِّق على خشبة الذي عَلَّق الأرض على المياه. إكليلٌ من شوك وُضِع على هامة ملك الملائكة. برفيراً كاذباً تسربل الذي وشّح السماء بالغيوم ….”، ويرَّكَز الصليب، بكل خشوع، في وسط الكنيسة، فيما ترتل الجوقة هذه الترتيلة، ويتقدّم المؤمنون كي يسجدوا للصليب ويقّبلوه”. عندما تنتهي القراءات الإنجيلية الإثني عشر، تنتهي الخدمة بطلبة وبركة، تبدأ بهذه الكلمات: “أيها المسيح إلهنا الحقيقي، يا من احتمل البصاق والسياط والتقريعات والصلب والموت لأجل خلاصنا…”.
الساعات الملوكية[2]
إنّ بنية خدمة ساعات الجمعة العظيمة الملوكية هي إيّاها بنية ساعات عيدي الميلاد والظهور الإلهي. فكل ساعة تتضمن ثلاث مزامير، وقراءة من العهد القديم، وقراءة من الرسائل ثم قراءة من الإنجيل.
المزمور 21 أحد مزامير الساعة الأولى، ويبدأ بالكلمات التي فاه بها يسوع وهو على الصليب. وتلّمح القراءة من النبي زكريا (11/10-13) إلى قطع الفضة الثلاثين التي أرجعها يهوذا إلى الهيكل. أمّا رسالة بولس الرسول فقد اختيرت من غلاطية (6/14-18)، لأنّ الآية الأولى منها: “حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم”. تعيد القراءة الإنجيليّة (متى 27/1-56) رواية الآلام من ظهور يسوع أمام بيلاطس إلى الزلزلة التي تبعت موته، وحادثة ندم يهوذا وشراء “حقل الدم”، فتربط الإنجيل بالنبوءة التي قرأت.
في الساعة الثالثة نقرأ من أشعياء النبي (50/4-11) الذي يلامس الآلام، خاصة في الآية التالية: “بذلت ظهري للسياط وخدّي للطمات وما رددت وجهي من خزي البصاق عليه والرب ربي صار معيني، لهذا السبب لم أستحِ بل جعلت وجهي كصخرة صلدة”.
القراءة الرسائلية من الرسالة إلى روما (5/6-10) وتكلّمنا على الفداء: “مات المسيح عنّا .. لأنّنا إذا كنّا قد صولحنا مع الله بموت ابنه ونحن أعداء، فبالأحرى كثيراً نخلُص ونحن مصالَحون”.
القراءة الإنجيلية من مرقس (15/16-41) وتسير بنا من حادثة تكليل يسوع بإكليل الشوك حتى موته واهتداء قائد المئة.
في الساعة السادسة نسمع نبوءة إشعياء الشهيرة (52/13-54/1) التي تُسَمَّى “الإنجيل الخامس” وتصف نصيب “العبد المتألم” … “مهانٌ ومرذولٌ من الناس، رجل أوجاعٍ … حمل أوجاعنا وآلامنا … جُرح لأجل معاصينا، وتوجع بسبب آثامنا … وبجراحه شُفينا. كشاةٍ سيق إلى الذبح، وكحَمَلٍ أمام الذي يجّزه لم يفتح فاه …. حمل خطيئة الكثيرين وأُسلِم لأجل خطاياهم …”.
القراءة الرسائلية من العبرانيين (2/11-19)، تُقرأ في الساعة التاسعة من عشية الميلاد، وتُقرأ اليوم، ثانيةً، لأنّ الآيتين الأخيرتين تتكلمان عن يسوع، الذي “وجب أن يكون شبيهاً بإخوته، في كل شيء ليكون رئيس كهنة رحيماً أميناً في ما لله، حتى يُكَّفِرَ خطايا الشعب. لأنّه إذا كان قد تألم مجرَبَاً فهو قادر على أن يغيث المصابين بالتجارب”.
القراءة الإنجيليّة (لوقا 23/32-49) تأخذنا من الصلب إلى موت يسوع. يُفتَتَح المزمور الأول (69)، في الساعة التاسعة، بكلمات مناسبة جداً للآلام: “خلّصني يا الله فإنّ المياه قد دخلت إلى نفسي”. أمّا في نبوءة إرميا، (11/18-23؛ 12/1-4؛ 9-10؛ 14-15)، فتتخذ الآية الثانية أهمية مركزية: “وأنا كخروفٍ بريء من الشّر مسوقٍ إلى الذبح ولم أعلم. قد افتكروا عليّ فكراً خبيثاً…”. تحثّنا القراءة الرسائلية (عب 10 /19-31) على أن يكون “لنا ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقاً جديداً حيّاً قد كرّسه لنا بالحجاب أي جسده”.
أمّا القراءة الإنجيلية (يوحنا19/23-37) فتسير بنا من توزيع ثياب يسوع إلى طعن جنبه بحربة”.
يوم الجمعة العظيمة هو اليوم الوحيد في السنة الذي لا يُقام فيه القدّاس الإلهي.
يُحتفل بغروب الجمعة العظيمة يوم الجمعة، حوالي الظهر، ويُعرف ب”خدمة الدفن”.
بعد مزامير المساء وعدة تراتيل، نقرأ ثلاث قراءات من العهد القديم. القراءة الأولى من سفر الخروج (33/11-23). يقول الله لموسى: “أنا أعبر أمامك بمجدي … أجعلك في ثقب الصخرة وأستر عليك بيدي إلى أن أعبر”. تطبِّق الكنيسة هذه الكلمات على دفن المسيح.
القراءة الثانية من سفر أيوب، وتتكلّم عن ازدهار أيامه الأخيرة وموته وفيها ذكرٌ عن قيامته: “سيقوم مع الذين يقيمهم ربنا”. نتذكر أنّ بلايا أيوب وتعزيته التالية تصِّور آلام المسيح وقيامته التالية، مسبقاً. أمّا القراءة الأخيرة، فتتكلّم عن رجل الآلام بحسب النبي اشعياء، وهي التي قُرأت صباحاً في صلاة الساعة التاسعة. بعد قراءات العهد القديم، نسمع قسماً من رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس (1/18-2/2). “نحن نكرز بالمسيح مصلوباً شكاً لليهود وجهالة لليونانيين … ألّا أعرف بينكم شيئاً إلا يسوع المسيح وإيّاه مصلوباً”. تليها قراءة من الإنجيل، ومرّة أخرى، مجموعة من النصوص. تبدأ من تسليم يسوع إلى بيلاطس وحتى الدفن. ثم تبدأ خدمة “الدفن”.
يدور موكب الزياح حول الكنيسة. يُحمَل الإبيطافيون، وهو قماشة مستطيلة مرسوم عليها أيقونة المسيح الميت، إلى “القبر” الذي يكون قد أُعِدَ مسبقاً في وسط الكنيسة وزُين بالزهور. يوضع الإبيطافيون في “القبر”، ويوضع كتاب الإنجيل فوقه. ثم يأتي المؤمنون ويقّبلونهما، في ما تنشد الجوقة بعد ترتيلة سمعان “الآن أطلق عبدك بسلام …”.
تُختَم الخدمة بطروبارية “إنّ يوسف المتقي أحدر جسدك الطاهر من العود، ولّفه بالسباني النقية وحنّطه بالطيب وجّهزه ووضعه في قبر جديد”.
تنتمي خدمة الجناز في الحقيقة إلى يوم السبت العظيم، لأنّ الجوقة ترنّم في إحدى الترنيمات “هذا هو السبت العظيم الذي رقد فيه المسيح وسيقوم في اليوم الثالث” (قنداق[3] السَحَر).
أمّا خدمة الغروب التي سبقت فتنتمي بوضوح إلى الآلام والجمعة العظيمة، لأنّنا نرتل “اليوم سيّد الخليقة يمثل أمام بيلاطس وباريء الكل يُدفع إلى الصلب”. تُقام هذه الخدمة في مساء الجمعة العظيمة وتلعب دوراً تواصلياً ما بين الجمعة والسبت. وتنتهي عندما يُنزل جسد يسوع عن الصليب ويوضع في قبر.
بعد هذه الخدم الغنية الطويلة، من المفيد أن نجّمع نفوسنا، فردياً وبصمت، عند قدم الصليب، ونحاول غربلة معنى الجمعة العظيمة العام.
بالطبع، يقدِّم لنا كل وجه من أوجه الآلام مادة غنية للتأمل، لكن، من المفيد أن نجمّع بعض العناوين الرئيسة، لكي ما نعطي ضبطاً وإدراكاً أعظم لتأملنا.
تواجهنا الجمعة العظيمة بيسوع المسيح المصلوب “لأجل خلاصنا”. في لقائنا مع صليب يسوع يوم الجمعة العظيمة، يمكن أن نميّز بين عدة عناصر أو لحظات أساسية.
هناك أولاً سّر الفداء الهادف.
الصليب أداة خلاصنا، أداة ذبيحة المسيح.
لكن بأيّ طريقة نخلُص بالصليب؟
بأيّ معنى نتكلّم عن ذبيحة المسيح؟ نقول إنّ المسيح مات من أجلنا. حسناً، هذا صحيح. ولكن هل نملك فكرة واضحة عمّا تعنيه هذه الكلمات “مات من أجلنا”؟ نحن نكرّر هذه العبارة “مات من أجلنا” لكن هل لها مضمون حيّ، هل تتطابق مع واقع ما نختبره بعمق؟
إنّه لمخيف، أن يكون معنى آلام المسيح ملتبس ومبهم، ليس عند كثير من المسيحيين الأرثوذكسيين فقط، بل حتى عند العديد من اللاهوتيين الأرثوذكس. لا يأتي تفكيرهم في آلام المسيح بشكل طبيعي. وحتى إنّهم يشعرون بأنّه موقف أرثوذكسي بامتياز، مع أنه شعور خاطيء جداً، ربّما، (لكن بهذا المقياس لا يكون بولس الرسول أرثوذكسياً). نحتاج أن نرى هذا المفهوم بوضوح على الأقل، دون الدخول في دقائق العقيدة. أراد يسوع المسيح، بموته الطوعي، أن يطال جميع الخطايا، ويستبدل حياتنا الفاسدة غير القابلة للمداواة بحياة جديدة، حياته هو. صار في الحقيقة وإلى أقصى درجة ما أظهره، تصويرياً، حَمَل الفصح. هذا “الشفاء” الذي يقدمه يسوع للخطايا هو الحدث الأهم في حياتي.
بالندامة والتوبة فقط يمكننا أن نتمثّل سّر الفداء. يُبرز يسوع، المسّمر على الصليب، الوجه الموضوعي للسّر. بطرس الذي يبكي بمرارة بعد أن أنكر سيده، وبعد أن وقع نظر يسوع عليه، واللص الذي توسل يسوع في ما كان مصلوباً، يُظهران الوجه الذاتي الشخصي. لن تحمل الجمعة العظيمة ثماراً لنا ما لم تطرحنا هزّة عنيفة عند أقدام يسوع. هل هذه الجمعة العظيمة يوم ألم مقدّس في حياتي؟
أُعلن الغفران من أعالي الصليب. يقول يسوع للص: “اليوم تكون معي في الفردوس”. لا يكفي أن أعانق الصليب وسّر خلاصي بواسطة إيماني أو ندمي في هذه الجمعة العظيمة. بل يجب أن أحاول الحصول على كلمة مغفرة من شفاه المخلّص نفسه. ربّما سأسمع كلمة، شخصية بالكلّية، يتفّوه بها يسوع في أعماق نفسي السّرية. لكن يكون لكلمة مغفرة كهذه تقولها الكنيسة، أو الكتب المقدسة، القيمة ذاتها التي لهذا الإعلان الحميمي، إذا عرفت كيف أستقبلها كلمةً من المخلًص ذاته. هل أسعى إلى كلمة مغفرة في هذه الجمعة العظيمة؟
أخيراً يجب أن يوضع صليب يسوع في مركز حياتي. صليب يسوع ليس أداة ألم فقط، بل أداة نصر لكي أجعل ذبيحة يسوع في مركز حياتي وفكري وإرادتي ومشاعري، لكي أنظر إلى البشر والأشياء من وجهة نظر الصليب؛ لكي أقتنع أن ما من شيء أعظم أهمية للعالم من ذبيحة المسيح، الحاضرة والمقدَّمة أبداً. في هذا يكمن “الاهتداء الثاني” الذي تكلّمنا عنه سابقاً، في رؤية جديدة ومدوخة، تجعل ما كان يأخذ بألبابنا قبلاً غير ذي قيمة ومعنى. تتطلّب هذه الرؤية تغييراً جذرياً في حياتنا بكاملها.
صُلب يسوع ليصبح الفيلتر الذي يتوجب علينا أن نجعل كل شيء يعبر من خلاله، من الان فصاعداً. في اليوم الذي يفهم الإنسان “مركزية” الصليب، الصليب المشِّع والملطّخ بالدم، هو اليوم العظيم في حياته. لتكن هذه الجمعة العظيمة ميلاداً جديداً في حياتي.
[1] ترانيم ترتل بالتناوب بين جوقتي اليمين واليسار.
[2] تقام، عادةً، صباح الجمعة ، وتتبعها صلاة الغروب التي يتم فيها إنزال المصلوب وتكفينه.
[3] ترنيم كنسية مختصرة.