ايقونة القيامة

عيد الفصح وعيد الفطير

عيد الفصح وعيد الفطير
عند الكنعانيين
يظهر تاريخياً أن عيد الفصح هو عيد رعاةٍ كانوا يقرّبون فيه أبكار مواشيهم، خصوصاً من الغنم والماعز، عبادةً منهم وشكراً لآلهتهم؛ بينما عيد الفطير كان عيد مزارعين يقرّبون فيه “بواكير” مواسمهم، خصوصاً الشعير، وذلك في تمام بدء شهر نيسان. فالحملان والجداء، وحزمُ الشعير وأرغفة الفطير الأولى، كانت كلّها تعبيراً دينياً واضحاً في كل سنة عن إيمان الشعوب الكنعانية القديمة بأنّ تلك الخيرات المادية هي من فيض جود آلهتهم. ولذلك ينبغي أن تكون “الأبكار” و”البواكير” لهم دون سواهم من البشر، لأنهم أحقّ بها وأَوْلى!

عيد الفصح اليهودي
خرج الشعب اليهودي من أرض مصر الى صحراء سيناء بقيادة موسى النبي، ودخل “أرض كنعان” وتملّكها مع يشوع بن نون، خليفة موسى، وسكن الأرض وبدأ يصلحها ويزرعها، وأخذ يربّي المواشي والقطعان ويرعاها، وتبنَّى كثيراً من تقاليد تلك الشعوب التي سكـن بينها، فجمع عيديّ الفصح والفطير في عيد واحد هو
عيد الفصح، وربطه بحدث الخروج من مصر، فأعطاه معنىً روحياً خلاصياً جديداً. فقد عاش الشعب اليهودي مع إلهه يَهْوَه تاريخ خلاص عظيم، منذ إبراهيم (1800 ق.م.) حتى موسى (1250 ق.م.)، فآمن بالله لا كسيّد للطبيعة فحسب، بل كسيّد للتاريخ أيضاً، لذلك يرى حضور الله مُتجلّياً وفاعلاً لا في خصب أراضيهم ومواشيهم فقط بل أيضاً وخصوصاً في صنع تاريخهم وخلاصهم العظيم الذي حقّقه على يد موسى، من العبوديّة في مصر الى الحريّة في سيناء وأرض كنعان.
ولأهمية هذا الحدث الذي لا يضاهيه في تاريخهم حدث آخر غير العودة من سبي بابل (586-538ق.م.)، خصَّص شعب التوراة لهذا العيد الفصحيّ رتبةً خاصةً تحتفل بمقتضاها كلّ سنة يهوديّة بعيد الفصح في ليلة 14-15 نيسان القَمَريّ. وهذه الرتبة هي عائلية محض، يترأسها “ربّ العائلة”، وتشترك فيها كل العائلة: فيها يؤكل الحمل الفصحيّ والخبز الفطير، وتُشرب خمرة على أربع دفعات؛ وفيها الصلوات، والأناشيد والمزامير والقراءات من الكتاب المقدس؛ وفيها أيضاً بعض الأغاني الخاصة بالأولاد، وبعض الهدايا أيضاً تُخبّأ عنهم، وينبغي أن يكتشفوها وقت العشاء ليأخذوها، وتلك وسيلة لكي يستمر الأولاد متيقّظين طوال الرتبة، التي تدوم أكثر من ساعتين في ليلة العيد. ويُعطى أيضاً للأولاد، علاوةً على ذلك كلّه، دور خاص ليسألوا عن معنى أكل الحمَل، والخبز الفطير، والأعشاب المرَّة، وغيرها…وعلى ربّ العائلة أن يشرح كلّ هذا بوضوح وتدقيق فيُعطي التعليم الأصلي وهو أن الله وحده هو الإله الحقيقيّ ولا إله سواه، لأنه هو وحده المخلّص الذي خلّصهم من الاستعباد في مصر، فله وحده يحقّ السجود والعبادة!
أما المفاجأة الكبرى التي تبقى للجميع فهي الكأس التي تُسكَب في أوّل “العشاء الفصحي”، ولا يحقّ لأحد أن يشربها! وبعد شرب الكأس الثالثة، أي في أواخر العشاء، يكون من واجب “فتاة العائلة” أن تقوم عن العشاء وتفتح الباب باحترام تامّ، وكأنها تستقبل شخصاً كبيراً هاماً، وتدعوه الى الدخول: هو إيليا النبيّ الذي تنتظره كل عائلة يهودية مؤمنة في مثل هذا الوقت من رتبة عيد الفصح كلّ سنة، ليدخل ويبشّرها بمجيء المسيـح وهــو “موسى الثاني” المخلّص العظيم لشعبه الآتي ليحقق ملكوت الله نهائياً على الأرض لشعبه الخاص ولجميع الشعوب التي تؤمن به.
ولكن إيليّا لا يأتي!…حينئذ يشرب ربّ العائلة تلك الكأس المخصَّصة لإيليّا، داعياً للجميع بصوت عال: “هَشَّنا هَبَّا بِبروتَلاَيِم: السنة القادمة في أورشليم!”.
ولا تزال كل عائلة يهودية مؤمنة ومحافظة تقوم بتلك الرتبة كل سنة حتى اليوم، بكلّ دقةٍ واحترام وإيمان ورجاء! ولكنّ المسيح الموعود به والمنتظرَ قد جاء من ألفَي سنة ونيّف، واحتفل شخصياً هو أيضاً بتلك الرتبة عينها، وشرح فيها للتلاميذ سرَّ فصحه الجديد، و”الخروج الجديد” الذي كان سيحقّقه بموته وقيامته لهم ولجميع المؤمنين به، وهو أعظم من الخروج الذي حقّقه موسى. أمّا إيليّا فلن يعود هو شخصياً، بل قام بدوره يوحنا المعمدان، ودلّ على يسوع وشهد له أنه هو المسيح “الموعود به” قد أتى!
عيد الفصح المسيحي
ملاحظة: في آخر العشاء الفصحيّ، صلّى يسوع مع تلاميذه مُنشِداً المزامير 113-118 التي تدعى صلاة التسبيح “هلّل”،كما اعتاد اليهود إنشاده بعد العشاء الفصحيّ!.(راجع متى 26: 30، مر14: 26)
* في تقليد متى ومرقس، يقول يسوع على الخم: “هذا هو دمي (دمَ) العهد، الذي يُهرَق من أجل كثيرين” (متى26/28؛ مر14/24). وهذا إشارة واضحة وحرفيَّة الى كلمات موسى، عندما قطع العهد بين الله والشعب، قائلاً: “هوذا دم العهد الذي قطعه الربّ معكم” (خروج 24/8). شدّد اذاً متّى ومرقس على طابع الذبيحة لدم يسوع، ويضيف متى: “لمغفرة الخطايا”. وهي إشارة واضحة الى عبد يهوه المتألّم في أشعيا (53)، وهو الذي يبرّر الخطأة حاملاً خطيئتهم!
أما في لوقا وبولس فيقول يسوع قولاً مختلفاً على الخمر: “هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، الذي يُهرَق من أجلكم” (لوقا 22/20؛ 1قور11/25). ويرى بعض الشرّاح ان هذا التقليد أقدم من “تقليد” متّى ومرقس، وهو تقليد الكنيسة الإنطاكية، في أيام بولس ولوقا رفيقه.
ولكننا نرى اليوم أن الليتورجيات المسيحيّة كلّها، بدون استثناء، قد حافظت على تعبير متّى ومرقس، دون لوقا وبولس!!
* احتفلت الجماعة المسيحية الأولى بذكرى عشاء الرّب الفصحي الافخارستيّ، لا سنويّاً في عيد الفصح فقط كالشعب اليهودي، بل في كل ليلة أحد من الأسبوع أي يوم الرّب، وذلك استناداً الى كلمة الرّب يسوع: “اصنعوا هذا لذكري” (لو 22/19؛1قور 11/ 24 ، 25). وشدَّد على ذلك لوقا في أعمال الرسل: “وكانوا مواظبين على تعليم الرسل، والمشاركة، وكسر الخبز، والصلوات” (2/42). فما يدعوه لوقا “كسر الخبز”، وبولس “عشاء الرّب”، والتقليد الكنسيّ “سرّ الافخارستيا”، هو الذكرى “الأسبوعية” لعشاء الرب الفصحيّ الإفخارستيّ الأخير مع تلاميذه ليلة آلامه. وهذا واضح في نصّ بولس الى أهل قورنتس (1قور11/17-34: 10/14-22)، حيث نرى وصفاً لاحتفال الجماعة المسيحية بفصح الرّب الجديد في كل أحد. وكان الاحتفال يضمّ عشاءً مشتركاً عاديّاً، في أثناء الإحتفال بسرّ المسيح ودمه الإفخرستيّ، كما فعل يسوع مع تلاميذه (راجع أعم 20: 7).
في تلك الذكرى الأسبوعية للعشاء الفصحيّ الإفخارستيّ، لا نرى أي إلزام باستعمال الخبز الفطير، كما كان في فترة الفصح اليهودي إلزام بأكل الخبز الفطير وحده.
ولكن بعض الطقوس الكنسية “العريقة” حافظت على استعمال الخبز الفطير على مدى آحاد السنة كاملة. وفي هذا معنى بعيد المدى، يجمع العيد الفصحيّ اليهوديّ والعيد الفصحيّ الكنعانيّ في آنٍ معاً ويوحّدهما ويرفعهما الى مستوى جسد المسيح ودمه، في كل احتفال مسيحيّ افخرستيّ، على مدى الزمان والمكان.
ملاحظة: كلمة “نافور” هي في الأصل اليونانيّ “آنافورا“، أي تقدمة الخبز والخمر ليصيرا جسد الرّب ودمه الأقدس.
كان زمنٌ شدّدت فيه الكنيسة على تكريم سرّ القربان المقدس، “خارج” الاحتفال الإفخارستيّ بالقداس الإلهي، وذلك بزياحات في الكنيسة وخارجها…ولكن الحفاظ على طابع “عشاء الربّ” يبقى ضرورة جوهرية في الإحتفال الإفخرستيّ. ولذلك فالروحانية “القربانية” الصحيحة إنّما هي في الاتحاد الحميم الدائم بشخص المسيح يسوع، من خلال “التناول” السرّي، لا من خلال السجود أمامه وتكريمه ومَدْحِه فقط.
 عندما احتفل يسوع بالعشاء الأخير مع رسله أثناء الطعام الفصحيّ، أضفى على الفصح اليهوديّ معناه النهائيّ. فانتقال يسوع الى أبيه، بموته وقيامته، وهو الفصح الجديد، قد تمّ قبل أوانه في العشاء، ونحتفل به في الافخارستيّا التي تكمل الفصح اليهوديّ وتستبق فصح الكنيسة الأخير في مجد الملكوت.
 فالمسيحيون واليهود يحتفلون بالفصح: فصح التاريخ المشدود الى المستقبل عند اليهود، والفصح الناجز بموت المسيح وقيامته عند المسيحيين، مع الترقّب الدائم لانقضائه الحاسم.
 ليس الفصح، من ثمّ، عيداً بين أعياد: إنه “عيد الأعياد وموسم المواسم”…
ومع الزمن تحوّل عيد الفصح الى عيد الهيكل. لم يعد العيد عائلياً بل صار الاحتفال به “في الموقع الذي يختاره الربّ”. ثم حُصر في هيكل أورشليم وعن أيدي اللاويين والكهنة الذين ينضحون المذبح بالدم. وقد يؤَخَّر عيد الفصح لشهر، لأسباب قاهرة. وكان اليهود يقرأون في الفصح سفر “نشيد الأناشيد” لأنه يعبّر عن زواج الله لاسرائيل وحبّه له، منذ أن أخرجه من مصر وفي مراحل تاريخه كلها.
وبعد أن هُدم الهيكل وتشتّت الشعب، استعاض اليهود عن الحمَل بلحم مشويّ مع عظمه، إنما حافظوا على الفطير وأكل الأعشاب المرّة.
تناوَلَ يسوع، بحسب الأناجيل الازائية، في ليلة الفصح، آخر وليمة له مع تلاميذه، وكانت اذاً “السدر” (وليمة الفصح). ولكنّ الإنجيل الرابع الذي يروي التاريخ بدقّة أكبر، يوضح أن العشاء السريّ كان في الثالث عشر من نيسان أي في المساء الذي يسبق ليلة الفصح. وتشير بعض العناصر في الأناجيل “الإزائيّة” الى عدم إمكان وقوع وليمة الفصح مساء ذلك الخميس: ففيها أنّ سمعان “القيرواني” كان عائداً من حقله في صباح الجمعة، الأمر الذي لا يمكن أن يكون سمعان قد فعله ليلة الفصح، لأن الشريعة تمنع أي نشاط أو عمل بدءاً من مساء الخميس وقبل وليمة الفصح. وبالتالي ليس من الصواب الاعتقاد ان المحفل قد حدّد توقيف يسوع في مساء السدر. وكذلك لم يكن ممكناًُ “ليوسف الرامي” أن يذهب يوم الفصح ليشتري ما يلزم للدفن.
وقد طرح الدكتور شفولسن، وهو أستاذ قديم في جامعة بطرسبورغ اللاهوتية، فرضيّة مفادها أن المحفل كان قد سبّق لنهار الخميس رتبة ذبح الخراف، بسب وقوع عيد الفصح في تلك السنة يوم السبت – يوم الراحة. ومع ذلك، سبق للمعلّم هلّيل، بضع عشرات من السنين قبل المسيح، أن قال بعدم وجوب نقل رتب الفصح بسبب وقوعه يوم السبت. ومن جهة أخرى، إنّ كل محاولة إنكار للصيغة الفصحيّة لعشاء يسوع مع تلاميذه، يتضمّن إنكاراً كاملاً لمحتويات الأناجيل الازائية. وافترض الاستاذ “جوبير” أن يسوع كان يتبع التقويم القديم الذي يضع عيد الفصح تلك السنة يوم الأربعاء. وقد كان الأسينيون والأوساط المقرّبة اليهم يستخدمون هذا التقويم. ومع ذلك، لا بدّ من القول إنّ يسوع قد تبع التقويم الكهنوتيّ الرسميّ المستخدم في عصره. فلا مبرّر لمثل هذا الطرح الذي يقرّب يسوع من الأسينيّين. بناء على ذلك، يبدو لنا منطقياً أن تُقبل فرضية تسبيق يسوع لرتبة الفصح، لأنه كان عالماً بتوقيفه الوشيك (راجع يوحنا الذهبي الفم في كتابه “تعليق على إنجيل متّى”).
* يشهد المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس، أنّه في يوم واحد من أحد أعياد الفصح التي شهدتها السنوات الستّون الأولى من القرن الأوّل، قد تمّت إراقة دماء256500 حمَل، وعلى الرغم من أن الحجاج أنفسهم هم الذين أتمّوا هذه الرتبة، فقد كان من الصعب جداً إتمامها لو لم يكن الشروع بها مسموحاً به من قبل الأوان المحدّد. هذه الحجّة – وقد تقدّم بها للمرة الاولى رئيس الأساقفة – Tchernigov Philarète Goumilevsky، تقول لنا إن الحمَل الفصحيّ يمكن أن يكون قد أُعدَّ في 13 نيسان.