انطاكية عاصمة الحضارة الهلنستية

انطاكية عاصمة الحضارة الهلنستية

انطاكية عاصمة الحضارة الهلنستية
إن أنطاكية أُسست مدينة يونانية، وازدهرت فيها حياة فكرية يونانية. وإن أثينا وأنطاكية كانتا مشعلين اضاءا العالم كله، الواحد أضاء أوروبا والآخر آسية ، و”الدم الذي كان في سكانها كان دماً أثينائياً* ومكدونياً، وآلهتها كانت آلهة يونانية ” …
هذا وليس من الغريب أن يكون تجمع في هذه المدينة سكان سوريون غير اليونانيين يتكلمون اللغة الآرامية. هؤلاء يدعوهم يوحنا الذهبي الفم المواطن الأنطاكي، ب أعاجم اللغة … ” ويظهر من هنا أن لغة المدينة هي الرومية “اليونانية” والناطقون بالسريانية حسب يوحنا الذهبي الفم هم أعاجم اللغة أي الغرباء.
” وقد كانت انطاكية و سورية على العموم مركز ديانات مختلفة ،لأنها كانت موئلاً لمذاهب وديانات كانت تأتيها من كل الجهات، من اليونان وروميه، ومصر والعربية والعجم وأرمينية “.
وكانت أنطاكية تعتبر المدينة العظمى في سورية، وكان معظم سكانها من الروم. وازدهرت فيها الخطابة اليونانية وطرق العيش واللغة والعبادات اليونانية …
ويقول فيليب حتي إن شمال سورية يمكنها أن تعتبر مقدونيا جديدة، لكثرة ما ساد فيها من العنصر اليوناني والشعب اليوناني الذي اعتبرها بيته الخاص .
” واذا ألقينا نظرة عامة على سورية وفلسطين وشرق الأردن في تلك العصور نجد أن حدود الشام الغربية على سواحل بحر الروم كان يغلب فيها العنصر اليوناني. وحدودها الشرقية مما يلي البادية يغلب فيها العنصر العربي. وأما أواسط البلاد فكان يغلب فيها العنصر الآرامي كما يؤيد ذلك المحققون من المؤرخين العرب والافرنج”.
لكن الناطقين باليونانية كانوا كثيرين جداً أيضاً في الوسط والشرق كما تدلنا على ذلك الآثار المتبقية.
ومن الثابت أن “غزة في القرن السادس كانت أهم من أثينا في تعليم اليونانية “.
يقول العلامة بابادوبولوس عنها: ” إنها أصبحت مع الزمن مركزاً هاماً من مراكز الثقافة اليونانية … وقد نشأ منها عدد من رجال الفكر والأدب اليوناني مثل بروكوبيوس سوفستيس والخطيب خوريكيوس ويوحنا الجغرافي والشاعر ، وثيوفيلوس الشاعر … “
وحين يتحدث المؤرخ ول ديورانت عن مدن رفح وغزة وعسقلان ويافا وابولونيا والسامرة وقيصرية يقول:   “إن هذه المدن رغم وجودها في فلسطين كانت نصف يونانية في سكانها ، تسودها لغة اليونان وثقافتهم وأنظمتهم” 
ويقول:” وأنشئت في داخل البلاد مدن أخرى يونانية فلسطينية – ليفياس ، وفيلادلفيا وجيراسا وجدارا … وكانت جداراً، التي تتردد في ملهاها صدی ذكريات المسارح اليونانية، تشتهر بمدارسها، وأساتذتها ومؤلفيها “.. وفي هذه المدينة التي يصفها ب ” أثينا سورية “، أنشأ ميلياجر مقطوعاته الشعرية بلغة يونانية صافية يتغزل فيها بفتاة أحبها في مدينة صور اسمها” ايليوذورا” .
كما يعتبر ديورانت ان هيرودس في عصر المسيح كان يحكم كثيراً من المدن “التي كانت يونانية أكثر منها يهودية في سكانها وثقافتها ، وقد تأثر بما تمتاز به الحضارة الهلينية من رقة وتنوع” . و يقول إنه أحاط نفسه “بالعلماء اليونان” من اليونان المشرقيين طبعا ، وعين ” نيقولاس الدمشقي ، وهو رجل يوناني ، مستشاره ومؤرخه الرسمي” .
حواشي البحث
1- فيليب حتي، تاريخ سورية ص 252 – 254
2- *أي من أثينا
3- تاريخ كنيسة أنطاكية، بابادوبولوس ص 36 – 39 – 28
4- روم المشرق الهوية واللغة ص 70 – 71
5- ويل ديورانت – قصة حضارة ج 11 ص 118-119-165-166 ..