الإمبراطور فيلهلم الثاني وصف دمشق التي لقي فيها استقبالا حارا بأنها أجمل مدن الأرض سوق الحميدية بدمشق اشتق اسمه بعد بنائه في عهد السلطان عبد الحميد الأول عام 1780 ويعد أشهر أسواق الشام التراثية (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول) سوق الحميدية بدمشق اشتق اسمه بعد بنائه في عهد السلطان عبد الحميد الأول عام 1780 ويعد أشهر أسواق الشام التراثية (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

صور دمشق العثمانية كما لم ترها من قبل.. رحلة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني نهاية القرن الـ19

صور دمشق العثمانية كما لم ترها من قبل..
رحلة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني نهاية القرن الـ19

الإمبراطور فيلهلم الثاني وصف دمشق التي لقي فيها استقبالا حارا بأنها أجمل مدن الأرض

في العام 1898 قام الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني (غليوم الثاني) قيصر الرايخ الثاني الألماني وملك بروسيا وآخر ملوك أسرة هوهنتسولرن بتلبية دعوة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لزيارة الأراضي العثمانية، وبدأت الجولة بإسطنبول ثم ولاية الشام وسنجق القدس ومتصرفية لبنان، حيث زار الإمبراطور مواقع تاريخية ودينية، وألقى خطابات مهمة.

يقدم هذا الموضوع الزيارة عبر أرشيف صحف عربية عريقة غطت زيارة الإمبراطور، وأبرزها “لسان الحال” اللبنانية، والأهرام المصرية، وجريدتا المؤيد والمقطم، ومجلة المنار (الارثوذكسية البيروتية لمؤسسها شماس مطرانية بيروت غريغوريوس حداد ( البطريرك لاحقا))، إضافة إلى مجموعة من صور الأرشيف العثماني التي احتفظت بها مكتبة جامعة إسطنبول وتوثق للزيارة التي وصفت بالاستثنائية.

الإمبراطور فيلهلم الثاني وزوجته أوغستا فيكتوريا ابنة شقيقة الملكة فيكتوريا من المملكة المتحدة في بيت دمشقي عريق  (هذا البيت هو بيت آل شامية وكبيرهم السيد توفيق شامية عضو المجلس الملي الارثوذكسي  وصار فيما بعد محافظاً للحسكة ووزيراً في عدة حكومات زمن الانتداب الفرنسي وكان ينزل فيه ضيوفاً على السلطنة العثمانية وولاية دمشق) ( الصورة الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

كان السلطان عبد الحميد قد أعلن منذ البداية استعداده لتحمل جميع نفقات الرحلة ووضعها تحت الإشراف العثماني بما يتفق مع كرم الضيافة الشرقية، ومع ذلك فضل الإمبراطور تكليف شركة “توماس كوك وابنه” بجميع مستلزمات الرحلة.

وهكذا اشترت الشركة من السوق السوري العديد من المستلزمات، مثل السجاد والخيام والأواني، وتعاقدت مع موظفين محليين مثل المترجمين الفوريين والطهاة والخدم وسائقي البغال.. إلخ، وقبل أن يبدأ رحلته بوقت قصير تم نقل الخيول والمركبات من برلين إلى فلسطين، بحسب جريدة المقطم (18 أغسطس/آب 1898).

فرسان عرب (رجال العشائر السورية) يمتطون جيادا أصيلة للترحيب بالإمبراطور والوفد المرافق له في دمشق( منطقة المرج الاخضر كما كانت تسمى بجانب ضفة بردى قبل التكية السليمانية وهي ارض معرض دمشق الدولي سابقاً) ( الصورةالأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

تم تشكيل وفد من كبار المسؤولين العثمانيين -بمن في ذلك العديد من الوزراء- والذي سيستقبل الإمبراطور عند وصوله إلى الدردنيل، ووفد آخر بقيادة رئيس أركان الجيش شاكر باشا، لمرافقة الإمبراطور في بلاد الشام، فيما رافق الصحفي أحمد راسم بك وفد الإمبراطور، إلى جانب 15 صحفيا أجنبيا وعربيا، بحسب جريدة البشير اللبنانية الأسبوعية ومجلة مصباح الشرق الأدبية المصرية.

قصر ناظم باشا (1854-1927) على سفح جبل قاسيون خصصه والي دمشق ناظم باشا لإقامة الإمبراطور وزوجته (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول) (هذا القصر يقع في المهاجرين آخر خط الترامواي 1907 وآخر بناء في المنطقة ويشرف جنوباً على الشام وبساتينها وحواكير الصبارة وبساتين كيوان والبرامكة وساحة الامويين اليوم)

في محافظتي (ولايتي) سورية وبيروت وفي قضاء (المتصرفية) في جبل لبنان شكلت 3 لجان من قبل المسؤولين السياسيين العثمانيين والي دمشق حسين ناظم باشا، ورشيد باشا (والي بيروت) ونعيم (نعوم) باشا (متصرف جبل لبنان)، من أجل الاستعداد لوصول الوفد الإمبراطوري، وكان الاستقبال بحضور وفود مؤلفة من كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين والوجهاء المحليين، بحسب ورقة الأكاديمي اللبناني عبد الرؤوف سنو عن تغطية الصحف العربية لزيارة الإمبراطور.

تم تجهيز بعض سفن البحرية العثمانية لاستقبال يخت الإمبراطور عند مدخل مضيق الدردنيل، وأخرى لمرافقة قافلته البحرية إلى حيفا وبيروت، وعلى متنها وفد عثماني، وتم تجديد العديد من السفن الحربية وإعادة دهانها، وبالإضافة إلى ذلك نظمت الاستعراضات في إسطنبول وبيروت ودمشق.

ونزل فوج خيالة في حيفا لاستقبال الضيف الألماني، ثم تم اصطحابه إلى يافا والقدس حيث استقبل بعرض هائل من آلاف الجنود بزيهم الجديد.

فندق دمشق العريق (وهو فندق الملكة فكتوريا عندما بني كان مخصصا لاستقبال ملكة بريطانيا فيكتوريا لكن الزيارة لم تتم وبقي الفندق يحمل اسم الملكة فكتوريا وكان يقع على جسر فكتوريا حالياً وقد تم هدمه) الذي خصصه حسين ناظم باشا لإقامة الإمبراطور في دمشق (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

تمت تغطية كل الاستعدادات لزيارة الإمبراطور إلى سورية بدقة من قبل الصحافة العربية، ومن حيفا إلى يافا والقدس، ومن بيروت إلى دمشق وبعلبك شوهدت جميع أنواع الزخارف والزينة، ورفعت الأعلام الألمانية والعثمانية مع شعار النسر والطغراء العثمانية وأقواس النصر ولافتات التحية على شرف الضيف والمضيف.

في دمشق، دعي الجمهور لإقامة احتفال لمدة 3 أيام، ورفعت الأعلام وأضاءت شركة الكاز الميناء الذي كان من المقرر أن يرسو فيه يخت الإمبراطور، حيث أقيمت قبة كبيرة، وتم تزيين المدن من حي (بلدة) الشوف في جبل لبنان إلى جبل صنين الغربي، وأمر الوالي سكان القرى المطلة على البحر الأبيض المتوسط ​​بإقامة احتفالات بالألعاب النارية، كما كانت القدس ويافا وسارونا (بجوار اللد) (على الساحل قرب يافا) مزخرفة بشكل رائع، بحسب تغطية صحيفتي الأهرام والمقطم.

زيارة الإمبراطور الألماني وقرينته للجامع الأموي العريق بدمشق (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

ورغم أن الزيارة الإمبراطورية للمشرق كانت يمكن أن تستكمل بزيارة مصر فإن صحيفة المؤيد في عددها الصادر منتصف نوفمبر/كانون الثاني عللت إلغاء الذهاب إلى مصر بحرص الإمبراطور على “عدم السماح لبريطانيا باستغلال الزيارة لترسيخ نفوذها في مصر”.

أقيمت مخيمات لاستراحة الإمبراطور أثناء سفره بالقطار من بيروت إلى دمشق يوم الاثنين 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتم تزيين الطرق وإعادة طلاء جدران المباني العامة والخاصة والمحلات التجارية، والعناية بالشارع الواصل من محطة قطار البرامكة إلى حي (ساحة) المرجة، وهو ما تم أيضا في مدن لبنان وفلسطين التي جرى فيها بناء طريق جديد بين القدس وجبل الزيتون.

صورة داخلية من القصر الذي خصصه ناظم باشا لإقامة الإمبراطور وزوجته خلال زيارتهما للجامع الأموي العريق بدمشق (قصر توفيق شامية) (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

وبعد الاستقبال والغداء في قصر الشمعة ذهب الإمبراطور إلى محطة قطار البرامكة في دمشق مساء، دخل المدينة على ظهور الخيل، فيما ركبت زوجته في عربة في الشوارع، وسُمعت تحيات إطلاق النار والهتافات الحماسية من حشود المتفرجين.

مر ولهلم الثاني (فيلهلم) بتكية السلطان سليم ثم جسر الحديد (جسر فكتوريا)، حيث صفق العديد من طلاب المدارس العسكرية والمدنية للزائر، وأخيرا، دخل السراي (القصر) العسكري الذي كان سيمكث فيه أثناء إقامته في دمشق (جامعة دمشق كلية الحقوق).

ووصفت صحيفة المقطم استقبال الإمبراطور بأنه حدث دافئ وودي للغاية، مشيرة إلى أن الناس قد أظهروا فرحا وسعادة إلى حد لم يشهده الشرق من قبل.

فيلهلم الثاني رفع الستار عن قطعة حجرية من الرخام الأبيض محاطة بالفسيفساء الأسود والأبيض صنعت بأمر من السلطان تخليدا لزيارة الإمبراطور لبعلبك (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

وشمل برنامج الزيارة الجامع الأموي وضريح السلطان صلاح الدين وقصر العظم ومنازل شامية تقليدية (منها قصر آل شامية الواقع في منطقة باب توما القديمة اول طلعة سفل التلة وقصر النعسان)، كما قام الإمبراطور بجولة في المدينة وبجبل قاسيون، وشهد مناورات سلاح الفرسان والاستعراضات العسكرية في المرجة، قبل أن يغادر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني برفقة ألف فارس عربي (فرسان العشائر السورية) إلى قلعة بعلبك، حيث قدم الأديب ميخائيل موسى ألوف كتابه “تاريخ بعلبك” للإمبراطور.

وركزت خطابات ولهلم الثاني التي ألقاها خلال رحلته على 3 مواضيع هي: الاستقبال الحار الذي لقيه بسبب الصداقة الألمانية العثمانية، والدعم المقدم للوجود الألماني في الإمبراطورية العثمانية، و”ولاؤه للمسلمين والسلطان كخليفة لهم”، حيث كان لافتا -أثناء رحلته للحج للأراضي المقدسة- انتقاده للصليبيين “الذين غزوا فلسطين بالسيف”.

ترجمة من العثمانية “مسرحية استعراضية قدمها الفرسان العرب للإمبراطور والإمبراطورة في شام شريف” (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

عشية مغادرته بيروت إلى ألمانيا طلب ولهلم الثاني من الوفد العثماني أن يخبر السلطان بأنه لن ينسى هذه الرحلة أبدا، ويحترم دائما الصداقة بينه وبين عبد الحميد، وفي مذكراته قال الإمبراطور إنه لم يسبق له أن لقي ترحيباً حاراً منذ توليه العرش مثل زيارته لأهل دمشق.

كما روى خليل خطار سركيس مؤسس جريدة “لسان الحال” قول الإمبراطور عن دمشق أنها أجمل مدن الأرض، وقال كذلك “دع 40 مليون ألماني يأتون إلى هذه الأراضي لمعرفة كيف يتم الترحيب بالملوك في الشرق”.

الجامع الأموي بدمشق في الزمن العثماني (الأرشيف العثماني، جامعة إسطنبول)

حيا الإمبراطور الجمهور المحتفي به في ساحة المرجة، وزار سوق القميلة مقابل القلعة وسوق الحميدية وساحة المسكية، حيث دلف منها للجامع الأموي الذي أثار إعجابه، ثم أطال الوقوف عند زيارة ضريح صلاح الدين، حيث وصف الإمبراطور الألماني السلطان الراحل بأنه أعظم بطل بين جميع الحكام السابقين، مؤكدا على سعادته بأن يكون في مدينة “الرجل النبيل الذي ارتفعت رتبته بتعليم أعدائه كيف يجب أن يكون الأبطال”.

وأثارت زيارة الإمبراطور وكلماته ردود فعل عربية واسعة، وكتب أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدة “عظيم الناس من يبكي العظاما” قائلا:

“فهل من مبلغ غليوم عني

مقالا مرضيا ذاك المقاما

رعاك الله من ملك همام

تعهد في الثرى ملكا هماما

أرى النسيان أظمأه فلما

وقفت بقبره كنت الغماما

تقرب عهده للناس حتى

تركت الجليل في التاريخ عاما”

———-

عمران عبد الله

ملاحظة تم تصويب الاسماء والاماكن من قبلنا وهي بين قوسين (….)