سقوط القسطنطينية بيد الاتراك العثمانيين وانتهاء امبراطورية الروم

موجز تاريخ الكنيسة في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر

موجز تاريخ الكنيسة المسيحية في العالم

الجزء الخامس

نتابع في هذا الجزء االخامس موجز تاريخ الكنيسة في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر

القرن الثالث عشر

حملة الفرنجة الرابعة

بدأ القرن الثالث عشر بحملة الافرنج (الصليبية) الرابعة التي اعتبرت العامل الاساس في تثبيت الانشقاق بين الشرق والغرب. ففي العام 1202 وصل الغزاة الصليبيون الى القسطنطينية، وخربوا الكنائس ونهبوها كما دنسوا المذابح المقدسة والموائد المقدسة في هياكل كنائسها ومارسوا الموبقات مع العاهرات وسرقوا اوانيها المقدسة وذخائر القديسين ونقلوها الى ايطاليا، وخلعوا البطريرك القسطنطيني ووضعوا مكانه بطريركاً لاتينيا، وامبراطوراً افرنجياً وحكموها بالحديد والنار لمدة ستين سنة قوضوا فيها مجد الامبراطورية الرومية الزاهي ، ومنذ ذلك الوقت صار الغرب اللاتيني عدواً في اذهان الشعب الرومي.

( في هذه نلفت اذهان الكتاب المتعصبين من المسلمين الذين يوصفون مسيحيي الشرق بأنهم بقايا هذه الحملات لأن في ماذكرنا الرد على افتراءاتهم ويقول المثل العامي “انها مصيبة ان لم تكن تعرف ولكنها المصيبة الاعظم ان كنت تعرق وتحرف” لأن ماقاسيناه نحن مسيحيو المشرق وبالذات في دائرة بطريركيات القسطنطينية وانطاكية واورشليم على يد من حملوا شعارهم الحربي الصليب )ويعتبرون انقسهم اخوة في المسيح يفوق الوصف في عدة اسطر وعدة صفحات وقد شهد لها المؤرخون المسلمون المعاصرون ولم يطلقوا على هذه الحملات اسم الحروب الصليبية بل حروب الفرنجة اي عروها من الصفة الدينية وثبتوا عليها الصفة الجنسية والاستعمارية)

حررها الامبراطور ميخائيل باليوغوس وطرد الصليبيين منها، وقد دام الحكم اللاتيني الفرنجي للقسطنطينية حتى العام  1261 بعدما انهكوها واضعفوها وبرأي الخبراء الاستراتيجيين والمؤرخين المنصفين ان ذلك كان السبب المباشر في احتلالها من العثمانيين…

مجمع ليون

لم يكن الامبراطور ميخائيل الثالث في وضع يُحسد عليه، فهجوم الاتراك  من الشرق كان محتملاً وضمان عودة الفرنجة اللاتين من الغرب لم يكن موجودا.

ولأسباب سياسية ارسل اساقفة ممثلين له في مجمع  الكنيسة الغربية في ليون في العام 1274م أملاً  بربح التعاطف الغربي والحصول على مساعدات عسكرية واقتصادية لأمبراطوريته المنهكة. وقد استغل الغربيون هذا الواقع فطلبوا من ممثلي الأمبراطور الصيغة الكلاسيكية للاتحاد مع كنيسة روما اي الحالة الخضوعية واولوية روما وهو ماقدر صار في القرون اللاحقة.

فاقترحوا ان يبقى الشرق على طقوسه الليتورجية. واضافة كلمة و”الابن” على دستور الايمان تعتبر غير الزامية على ان لاتُعد هذه العقيدة هرطوقية عند المعترفين بها، واعتبار البابا هو الاول والاعلى في الكنيسة اي اولوية البابا.

ذهب مندوبو الامبراطور في مجمع ليون الى ابعد مما طلب منهم الغربيون. فقد وافقوا رسمياً على صيغة الاتحاد  الكاثوليكية بما يختص بأولوية البابا وزيادة الفيليوكفي (الابن) وذلك للمرة الاولى في التاريخ المسيحي. دام السلام والعون من الغرب حتى وفاة الامبراطور ميخائيل في العام 1282.

وحالما توفي الامبراطور رفض الأساقفة الشرقيون صيغة اتحاد ليون. ودُفن الامبراطور بدون جنازة في الكنيسة (لاعتباره هرطوقياً).

صربيا

في العام 1217 ذهب القديس سابا الى نيقية ليحصل على بركة كنيسة القسطنطينية في استقلال الكنيسة الصربية، ونُصّب هو نفسه في العام 1219 اول رئيس اساقفة للأراضي الصربية وقد رسمه ونصّبه بطريرك القسطنطينية، مانويل في حضور الأمبراطور ثيودور. وفي خميس الصعود من العام 1220. وفي احتفال للصربيين في دير جيشتا توج  القديس سابا اخاه اسطفان” ملكاً على الاراضي الصربية”.

توفي القديس سابا في 14 كانون الثاني من العام 1235. وبعد قيادة مميزة ومجابهة قوية للأخطار والصعوبات التي واجهت الكنيسة الشرقية، وخلفه ارسانيوس الذي كان القديس سابا قد رسمه اسقفاً.

أُعلنت قداسة سابا  رئيس الأساقفة، وأبي الشعب الصربي الأرثوذكسي، واحد الشخصيات البارزة في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية، وقداسة أبيه سيمون وأخيه اسطفان وخلفه ارسانيوس.

بلغاريا

شهد القرن الثالث عشر إعادة تأسيس الكنيسة الوطنية للبلغاريين، والاقرار برئيس اساقفة ترنوفو كرأس للكنيسة البلغارية.

روسيا

اجتاز الغزو المنغولي روسيا في القرن الثالث عشر، فوقع النير التتري على الارض الروسية وعندما هاجمها

الخان باتو مع اربعمائة الف مقاتل تتري في العام 1237 انهارت دولة كييف في العام 1240.

صار الكسندر نفسكي في العام 1231 أميراً على نوفغورود، أدت هذه المدينة نوفغورود دوراً فريداً في التقليد الروحي والمعماري والأيقوني.

قاد الأمير الكسندر في العام 1240 معركة ناجحة ضد السويديين الكاثوليك. وفي العام 1242 قاد الروس الى النصر على الفرسان التيوثونيك، عند هجومهم على الأراضي الروسية ثم سافر في العام 1247 لمقابلة الخان التتري باتو ليطلب الرحمة للشعب الروسي. ووافق على دفع الجزية للخان مقابل حصوله على السلام لشعبه. وقد عاد من منغوليا ومعه لقب امير كييف الأكبر، ومات في العام 1263 عن عمر 42 عاماً. في العام 1280 أُعلنت قداستُه بسبب قداسة سيرته الشخصية، وشجاعته وحكمته التي كرسها لخدمة شعبه.

ذهب ابنه دانييل الى الشمال، الى موسكو، بعيداً عن التتر، وهناك اقام امارته من العام 1263 حتى نهاية القرن.

كان القديسان كيرلس (1242-1281) وبطرس (1281-1326) اسقفا كييف وقد استقرا في الامارة الموسكوفية، كانا ابرز أُسقفين في تلك الفترة.

الغرب

دُعي القرن 13 ب”القرن الأعظم” في الكنيسة الغربية. فقد نجح البابا اينوسنت الثالث في رفع مرتبة البابوية وقوتها وحدد مجمع اللاتران الرابع في العام 1215، العقيدة الاساسية للكنيسة الغربية.

وأسس فرنسيس الأسيزي(+1226) النظام الرهباني الفرنسيسكاني مع اعظم ممثليه: انطونيوس البادواني (+1231) واللاهوتي بونا فينتورا (+1274) ودن سكوت (+1308).

نأسس في اسبانياايضا النظام الرهباني الدومنيكي التبشيري مع لاهوتيّه الاول البرتو ماغنوس(+1280) وتلميذه المشهور توما الاكويني (+ 1274). الذي كتب ” الخلاصة اللاهوتية” التي سيطرت على اللاهوت الكاثوليكي حتى المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد في النصف الثاني من القرن العشرين. واللاهوتي الصوفي ميستر ايكهارت(+1299) كان من اعضاء الرهبنة الدومينيكية.

الرهبنة الكرملية مع مجموعات دينية صغرى برزت ايضاً، في ذلك الوقت في الكنيسة اللاتينية.

القرن الرابع عشر

القديس غريغوريوس بالاماس

عرف هذا القرن الصراع البالاماسي في الكنيسة الشرقية.

كان بالاماس راهباً في جبل آثوس، وقد فعّلَطريقة الصلاة المعروفة ب”الهدوئية”.

تقوم هذه الطريقة على اتباع منهج جدي صارم لكي يتحد ذهن المؤمن وقلبه مع الرب بواسطة ترداد مستمر لاسم الرب يسوع وهو مايعرف عادةً بصلاة يسوع:

” ياربي يسوع المسيح ابن الله الحي ارحمني انا الخاطيء”.

قال الرهبان انهم يصلون الى شركة حقيقيةمع الله بواسطة هذه الصلاةوايضا يحصلون بهذه الشركة على رؤية نور الله غير المخلوق الذي رآه موسى النبي على جبل سيناء وكذلك رسل الرب الثلاثة على جبل ثابور.

اتى في العام 1326 برلعام الكالابري وهو يوناني متحد بروما وممثل نشوء التقليد الإنسانويفي عصر النهضة الغربي، اتى الى القسطنطينية. رفض ومعه بعض الفلاسفة البيزنطيين المتأثرين بالمذهب الانسانوي الغربي طريقة الصلاة الهدوئية، وانكروا امكانية حصول البشر على اتحاد حقيقي مع الله وانتقد بالاماس موقف برلعام  في العام 1333 ودافع عن الهدوئية وصيغت في الكنيسة الارثوذكسية العقيدة التي تقول بأن الانسان يمكنه ان يعرف الله وان يدخل في شركة معه بواسطة المسيح والروح القدس في الكنيسة.

الجوهر والفعل

عقد في العام 1346 مجمعاً ايد تعليم غريغوريوس وقدم الراهب القديس تمييزه الشهير بين الجوهر الالهي الغير معروف والغير مدرك، وبين اعمال او أفعال  او طاقات الله التي هي بدورها الهية وغير مخلوقة. هذه الافعال تصل الى البشر بواسطة النعمة الالهية وتفتح للبشر مجال الشركة مع الله ومعرفته واختباره.

عُقد في العامين 1347 و1451(سنة اعتلاء غريغوريوس بالاماس كرسي رئيس اساقفة سالونيك). وبعد سنوات من الاضطراب والصراع، مجمع أيَّد غريغوريوس مدعوماً بالكتاب المقدس وتقليد الكنيسة الارثوذكسية. وصار التمييز واضحاً بين جوهر الله وقدراته منذ ذلك الحين، كما صار هذا التعليم جزءاً من العقيدة الارثوذكسية.

أُعلنت قداسة غريغوريوس بالاماس في العام 1463 بعد وفاته بتسع سنوات فقط.

 يوحنا الخامس باليولوغوس وروما

طور علاقاته مع روما آملاً مساعدته الوقوف في جهة الشرق. ودخل في العام 1369 في شركة شخصية مع روما لكن الكنيسة لم تؤيده على الاطلاق مما جعله يفشل في الحصول على المساعدة المرجوة.

روسيا

استمر جنوب روسيا تحت حكم التتار. بينما استمر الشمال حراً ومزدهراً تحت حكم الامير يوحنا كاليتا (+1341) والميتروبوليت الكسي (1353-1378). ويعتبر القديس سرجيوس رادونسكي (+1392) باني روسيا في تلك الفترة.

القديس سرجيوس

ولد في مدينة روستوف عام 1314 وصار راهباً عام 1324، وتوغل وحيداً في الغابات ليتفرغ للصلاة والصوم واعطى اسم الثالوث القدوس لكنيسته الديرية. تبعه آخرون وسلكوا معه مسلكه الرهباني، وآخرون تبعوه ليعيشوا حول شركته الرهبانية كرواد ومستوطنين.

كان القديس سرجيوس شديد التواضع يلبس افقر الثياب، ويعمل باستمرار من اجل الآخرين وعلمَّ بالمثال فقط، متحرراً من منصب رئيس دير  الذي فرضه عليه المتروبوليت الكسي لاحقاً عندما شعر ان الرهبان يرفضون قيادته.

كان متقشفاً صارماً وممارساً كبيراً للصلاة القلبية (الهدوئية) وأنعم عليه الله برؤى الهية وشركة حياة معه.

في العام 1380 بارك القديس سرجيوس الأمير ديمتري دونسكوي قبل معركته مع التتار، وأعطى نصر ديمتري بداية النهاية لسيطرة التتار على اراضي روسيا.

ترك القديس سرجيوس تراثاً عظيماً لروسيا وللكنيسة الارثوذكسية، وقد اسس احد عشر تلميذاً من تلاميذه مراكز رهبانية في الاراضي المحررة من الجنوب الروسي، وساهموا بذلك في استقرار السكان فيها كما وفي تطويرها. كما ان العلاقة المتداخلة بين الكنيسة الروسية والحياة السياسية. الاجتماعية، بالاضافة الى الحياة الروحية والأسرارية في الكنيسة الروسية سوف تتجذر في الأزمان المقبلة بسبب شخص وعمل القديس سرجيوس رادونسكي.

القديس ستيفن من برم

قديس آخر معاصر للقديس سرجيوس، هو القديس ستيفن من برمperm  (+1396)، وكان اسقفاً ومعلماً حمل عبء العمل التبشيري بين قبائل الزريان. مع ان عمله لم يدوم، الا انه انشأ الألفباء الزريانية وترجم كتب الكنيسة الى لغة هذه القبائل الأم. وقد ربط بعمله هذا التقليد البيزنطي بحياة الكنيسة المحلية. ووضع الاسس الروحية للعمل التبشيري المستقبلي في الكنيسة الروسية بين قبائل سيبيريا وفي اليابان وآلاسكا.

القديس اندريه روبليف

يعتبر عن حق، مصور الايقونات الأهم، وربما الأعظم في تاريخ الارثوذكسية. لقد وضع اعماله المذهلة في نهاية القرن 14 وبداية القرن 15.

كان راهباً في دير القديس سرجيوس ومن اتباع مصور الايقونات الشهير ثيوفان الرومي، لقد عمل القديس اندريه في الرسم مع صديقه دانييل كورني. تُعد ايقونة الثالوث القدوس اشهر واهم اعماله وقد رسم هذه الايقونة لدير القديس سرجيوس وصور فيها الوان وخطوط الملائكة الثلاثة بانسجام تام. لقدعرفت تلك الفترة نهضة مهمة للفن الكنسي في الامبراطورية البيزنطية، وأغنت الكنيسة برسوم جدارية ولوحات فسيفسائية شهيرة.

الصرب والبلغار

تمتعت صربيا بفترة ازدهار تحت حكم ستيفان دوشان، وحصلت على رتبة كنيسة وبطريركية في العام 1346. وعاش في ذلك الزمان القديس اكليمنضوس من اورخيد (+1375) الذي لعب دورا وطنياً منيراً بين البلغار. كذلك تأسس  دير زوغرافوس البلغاري في جبل آثوس.

التطور الليتورجي

يكشف القرن 14 نظام العبادة الليتورجية كما هي ممارسة اليوم. لقد كتب القديس نيقولاوس كاباسيلاس تفسير القداس الا لهي، ومؤلفه  الآخرالشهير”الحياة في المسيح”. وظهرت خدمة الذبيحة الالهية كخدمة مستقلة تُتَمم قبل القداس الإلهي في ذلك القرن.

وضع سمعان التسالونيكي (+1420) تفاسيره التي اغنت المعرفة بالعبادة الكنسية.تكشف كتابات سمعان ان المناولة الالهية كانت ماتزال تعطي للعروسين في سر الزواج. وان مباركة الكأس المشتركة كانت تُعطى فقط للذين هم محرومون من المناولة المقدسة.

الغرب

دخل الغرب في القرن 14 بما يُعرف”الأسرالبابلي”، حيث انتقل الباباوات الى مدينة أفينيون (1303-1378)، وحدث الشقاق الكبير في الكنيسة الغربية بين من ادعوا حقهم بالبابوية.

عاشت كاترينا السيينية في ذلك القرن، وكذلك يوحنا ويكلف الذي يُعتبر ممهداً للاصلاح الذي تم فيما بعد في انكلترا، والكتّاب الانكليز والتر هيلتو وجوليا النروشية.

شهدت نهاية القرن 14 وبداية القرن 15 تطور حركة اخوة الحياة المشتركة في البلدان المنخفضة. ويُعتبرتوماس كيمبس أعظم رواد هذه الحركة وهو كاتب المؤَلَفْ الشهير ” الإقتداء بالمسيح” في تلك الفترة كتب دانتي (1221) الكوميديا الالهية، وظهرت رسومات غيرتو(+1337).

القرن الخامس عشر

في هذا القرن حصل اضطراب في قضية البابوية وبعض المجامع الكنسية. فبينما اكد بعض هذه المجامع اولوية البابا وسيادته، قدمت الاخرى سلطة المجامع المقدسة على سلطة البابا

احد هذه المجامع المهمة جداً هو مجمع فيرار فلورنسا (1438-1439). كان مدعوماً من قبل البابا، وحضره ممثلون عن الكنيسة الشرقية على امل حصولهم عى المساعدة في وقف تقدم الاتراك، وقد وافقوا على ماجاء في قرارات المجمع من لاهوت لاتيني يحدوهم الامل بالحصول على المساعدة المنشودة، وكان على رأسهم امبراطور القسطنطينية يوحنا الثامن وبطريركها يوسف ومتروبوليت كييف ايسيدور اليوناني الأصل.

مجمع فلورنسا

وافق ممثلو الكنيسة الشرقية (مرغمين لظروف القسطنطينية المحاصرة وطمعها في نجدة الغرب بقيادة بابا روميه) على اولوية البابا وسلطته، على الرغم من ان الموضوع لم يُناقش بعمق. كذلك وافقوا على عقيدة الانبثاق والمطهر. وتمت الموافقة بضغط من الامبراطور البيزنطي من اجل ايقاف النقاش اللاهوتي. وقّع كل الاساقفة الارثوذكس المجتمعين على وثيقة الاتحاد ماعدا مرقص الأفسسي اسقف أفسس.

لم يُذع اتحاد فلورنسا شعبياً في القسطنطينية حتى العام 1453 خوفاً من هيجان الشعب. وفي 29 ايار 1453 سقطت القسطنطينية تحت هجوم محمد الثاني وهنا تنتهي حقبة (العصور الوسطى) التي امتدت من سقوط رومة عام 378، واسما محمد الذي سمي بالفاتح لأنه فتح القسطنطينية اكبر معقل عسكري في التاريخ، اسماها “اسلام بول” او “عاصمة الاسلام” او “مدينة الاسلام” ثم تحور الاسم الى استانبول.

لقد فعل محمد الفاتح الذي لقب نفسه ب”سلطان الروم” دور الامبراطور الرومي في تنصيب البطريرك المسكوني وكان البطريرك قد استشهد اثناء القتال، فاختار من بقي حياً من المجمع القسطنطيني المقدس  جناديوس سكولاريوس بطريركاً مسكونيا، وقام السلطان العثماني محمد بتنصيبه واعطاه لقب “ملة روم باشي” اي زعيم ملة الروم وتكون عائدية روم الامبراطورية العثمانية تحت قيادته سياسياً وكهنوتياً واجتماعياً وبذلك ارتبط به روم بطريركيات الاسكندرية وانطاكية واورشليم.

البطريرك المسكوني جناديوس يتسلم براءته بطريركا على القسطنطينية من السطان العثماني محمد الفاتح زعيم ملة روم باشي
البطريرك المسكوني جناديوس يتسلم براءته بطريركا على القسطنطينية من السطان العثماني محمد الفاتح زعيم ملة روم باشي

وكان العمل الاول للبطريرك الجديد جناديوس سكولاريوس الذي تولى بطريركية القسطنطينية هو انكار اتحاد فلورنسا. وكان لمرقص الأفسسي دور في ذلك. واعتبر مرقص قديساً بسبب دفاعه الصلب عن الايمان الارثوذكسي ضد ما سماه “الاتحاد غير المستقيم”.

روسيا

بدأت روسيا تعمق جذورها في موسكو في الوقت الذي سقطت فيه الامبراطورية البيزنطية. فقد نجح الأمير المسكوفي ايفان الثالث الكبير(1462-1505) في مد حكمه الى روسيا الشمالية. وتزوج الاميرة البيزنطية صوفيا باليولوغوس في العام 1472، واكتسب لقب القيصر، واتخذ النسر البيزنطي ذا الرأسين والجناحين شعاراً له وولدت ايديولوجيا موسكو ك(رومة الثالثة) بعد القسطنطينية وروما.

صار جدال كبير في روسيا في القرن الخامس عشر حول امكانية قيام الكنيسة بدور لها في المجالين السياسي والاجتماعي للأمة الروسية.

كان قائدا التيارين قديسين وهما نيلس سورسشكي (1433-1508) ويوسف فولتسكي (1439-1515). وكانا من تلاميذ القديس سرجيوس.

قاد القديس نيلس فريق “غير الملاكين” الذيت عاشوا وراء نهر الفولغا. وقال هذا التيار إنه على الكنيسة. وخصوصاً الأديرة، ان لاتملك ممتلكات واسعة وتحكمها. وان الكنيسة يجب ان تكون حرة من مؤثرات الدولة وسلطتها. دافع انصار هذا التيارعن الفقر كفضيلة اساسية. وعن التواضع والحرية الروحية الصائرة بواسطة الصلاة والتأمل، بالنسبة الى الرهبان.

وكان هذا الفريق بذلك وريث تقليد القديس سرجيوس والروحانية الكييفية الذي يقوم على “الهدوئية” والتمسك وحياة الشركة.

اما الفريق الثاني، “فريق الملاكون” فقادهم القديس يوسف، لذلك سُموا احياناً “باليوسفيين”. وقالوا بأن الدولة والكنيسة يجب ان تكونا في تناغم تامّْ. وان الكنيسة يجب ان تخدم الحاجات السياسية والاجتماعية الطارئة للأمة الروسية. وكان هدف “الملاكين” ان تحكم الكنيسة، وخصوصاً الاديرة ممتلكات واسعة. أيضاً قالوا بوجوب رعاية الكنيسة للخدمة الاجتماعية والحياة الروحية التي كانت قد تأصلت في الليتورجيا والطقوس الغنية. في هذا الاتجاه تبع “الملاكون” تقليد سرجيوس.

مع ان روح “غير الملاكين”كانت دائماً حاضرة في الارثوذكسية الروسية، الا ان خط “الملاكين” هو الذي هيمن على العلاقة الكنسية والوطنية الروسيةعبر القرون التالية.

سقوط العالم البيزنطي

سقطت صربيا تحت حكم الاتراك العثمانيين في العام 1459، واليونان بين 1459-1460. والبوسنةالعام 1463، وسورية 1516 واخيراً مصر 1517.

وهيمن الاتراك لمدة اربعة قرون عجاف على كل العالم الارثوذكسي الرومي البيزنطي الأول.

الغرب

قامت في وجه البابوية مقاومة قوية ساهم في تقويتها ظهور الوعي الوطني بين شعوب اوربة الغربية، وكذلك الحركات الدينية التي سبقت عهد الاصلاح والحركات الانسانية لعصر النهضة التي قويت واكدت الانسان الطبيعي عبر رجوعها الى الثقافتين الرومانية والهلينية القديمتين. ولابد من ذكر اسم آريسمس (+1536) وليوناردو دافنشي (+1519)، ورفاييل(+1520).

لابد من ذكر ماصار للقائد الديني التشيكي جان هس الذي ادين واحرق العام 1415 في مجمع كونستاسبسبب معارضته البابا وممارسات الكنيسة الكاثوليكية، كذلك سافونارولا الدومنيكاني في فلورنسا، الذي أُحرق حتى الموت بمرسوم بابوي العام 1498لادانته خطيئة الكنيسة وضعفها. كذلك فرانجيكو (+1455) الرسام الفلورنسي الذي رسم دير سان مارك في فلورنسا ودوناتيلو (+1466) وفرافيلدبوليبي (+1469) وبوتيسيلي (+1510).

القرن السادس عشر

روسيا تحت حكم ايفان الرهيب

قيصر روسيا ايفان الرهيب
قيصر روسيا ايفان الرهيب

صارت نظرية “رومة الثالثة” أمراً قائماً في القرن السادس عشر في روسيا. فقد أعلم الراهب فيلوثيوس (من بسكوف) القيصر المسكوبي بلصيل الثالث (1505) عن رؤية رآها استناداً الى سفر دانيال، ومفادها ان القيصرية الروسية ستكون الملك الارضي الأخير لشعب الله. لقد سقطت رومة الاولى في الهرطقة، اما القسطنطينية، رومة الثانية، فقد سقطت بسبب الخطيئة، بينما موسكو، رومة الثالثة بقيت صامدة، ولاتوجد رومة أخرى رابعة.

ثبت القيصر ايفان الثالث الرهيب حكمه على هذه النظرية وتُوّج قيصراً وخليفة للامبراطور البيزنطي في العام 1547. لقد اضطهد ايفان اعداءه بوحشية، واخضع الكنيسة والدولة لرقابته الشخصية.

من ضحاياه نذكر فيليب متروبوليت موسكو. لقد شنقه محاربو القيصر، في العام 1568، بسبب معارضته العلنية لأفعال الحاكم المجنون، واعتبرت الكنيسة فيليب قديساً.

اعلنت الكنيسة الروسية قداسة عدد من القديسين الذين عاشوا في اماكن عديدة من الاراضي الروسية.

وكان ذلك مابين العامين 1547-1549. كان اولئك القديسون مكرمين محلياً. كانت  هذه الخطوة الكنسية في الوحدة الوطنية للبلاد. كما عقد في العام 1551 مجمع المائة رجلاً الذي اكد  اعلوية الارثوذكسية على باقي الكنائس الارثوذكسية.

بعد هزيمة الاتراك على يد الروس في معركة قازان في العام 1551، بنى ايفان كنيسة القديس باسيليوس الشهيرة في الكرملين بموسكو، على شرف القديس باسيليوس المسكوبي ( المتباله لأجل المسيح) (+1552). وقد جمعت هذه الكنيسة في عمارتها عدة اساليب معمارية مسيحية وشرقية.

كان لايفان خلال الفترة الاولى من حكمه أب روحي اسمه سيلفسترس. وقد قام ايفان بكثير من الاصلاحات في بداية عهده بارشاد ابيه الروحي هذا. كما ساهم الاب سيلفسترس بشكل رئيسي في وضع كتاب عرف ب “باني البيت”.

يعلم هذا الكتاب العائلات المسيحية الروسية كيف يجب ان ترتب حياتها بحسب الطقوس والاخلاق الارثوذكسية، وكان له تأثير كبير وقوي على اجيال من العائلات الروسية، لكن ايفان نفى سيلفستر في العام 1559.

خلال حكم ايفان كتب مكاريوس متروبوليت موسكو (1542-1563) 12 مجلداً سماها القراءات الشهيرة. حوت هذه المجلدات مجموعة واسعة من شروحات الكتاب المقدس، وسير القديسين، بالاضافة الى قراءات روحية اخرى. في هذا العهد ايضاً سجن القديس مكسيموس الآثوسي وعُذب بسبب محاولته تنقيح وتصحيح الكتب الليتورجية للكنيسة الروسية. وأُرسل القديس غاري (1563) اسقف قازان  في جولة تبشيرية بين القبائل الصربية.

روسيا خلال حكم ثيودور

 زار البطريرك المسكوني ارميا الثاني موسكو، خلال فترة حكم ثيودور ابن ايفان الرهيب لروسيا، وقد كانت القسطنطينية تحت حكم العثمانيين، وكان البطريرك الانطاكي ابن الاحمرقد  زار موسكو وفاتحه ثودور بطلب تصيير مطران موسكو بطريركاً على كل الروس، وقد وافقه ابن الاحمر ووعده بالسعي لدى المسكوني لذلك وتوسط الانطاكي لدى ارميا الثاني، وفي زيارته الى موسكو وبضغط  معنوي من ثيودور/ اقر البطريرك ارمياء الثاني رفع درجة الكنيسة الروسية الى بطريركية ورسم ايوب مطران موسكو بطريركاً على كل الروسيا في العام 1589، فصار هذا الكرسي البطريركي الارثوذكسي الخامس بعد القسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم… بعد اعتراف البطاركة الارثوذكس به.

لذلك نجد الروس يدينون بالامتنان لأنطاكية لمساعدتهم في جعل كنيستهم بطريركية…

لقد كرر البطريرك الروسي ايوب في وثيقة تنصيبه نبوءة القديس ثيوفيلوس عن موسكو ك “رومة الثالثة”.

وهكذا تم الاعتراف فعلياً بالنظرية التي كانت سائدة زمن ايفان، وقد صارت حقيقة واقعة والاعتراف بها رسمياً الآن، وتلقت بطريركية موسكو الاعتراف الرسمي بها من بطريركيات الاسكندرية وانطاكية واورشليم في العام 1593. فصارت البطريركية الارثوذكسية الخامسة عالمياً.

اتحاد بريست_ليتوفسك 

شهد القرن 16 تصاعد قوة المملكة البولونية-الليتوانية على الحدود الغربية الروسية. فقد اتحدت بولونيا وليتوانيا في العام 1569 تحت حكم سيغموند. واحتلت هذه المملكة قطاعات من الاراضي الروسية ووصلت شرقياً الى مابعد كييف.وكان معظم سكانها من المسيحيين الارثوذكسيين. فدخل اليسوعيون هذه الاراضي المحتلة مبشرين بتعاليم اللاتين وعاداتهم. 

وكانت النتيجة اتحاد بريست-ليتوفسك الذيوقعه اساقفة ارثوذكس تحت الاجبار، وفيه قبلوا الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية على اساس مجمع فلورنسا الذي تم قبل مائة سنة. وبقيت طقوس وصلوات هؤلاء المتحدين على الطريقة الارثوذكسية. وعُرفوا باسم الأونيات او الاونيون او المنضمون، وقد اخضعت قياداتهمالكنيسة والكهنوتية والاكادينية للعقيدة اللاتينية الكاثوليكية والرئاسة والنظام البابوي.

استمر هذا الاتحاد في المناطق المحكومة من حكومات غير ارثوذكسية مثل بولندا وهنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا.

وقد واجهت هذه الحركة الاتحادية معارضة جوهرية دائمة، وكان المعارضون في غالبيتهم من العلمانيين الأرثوذكس الذين نظموا، بمباركة البطريرك القسطنطيني، أخويات بهدف الدفاع عن الايمان الارثوذكسي القويم، اعتباراً من العام 1588.

المشرق

اتصلت الكنائس البطريركية في المشرق مع النصف الثاني من القرن 16، ب”حركة الاصلاح البروتستانتية”، وقد صرح البطريرك المسكوني ارميا الثاني، بعد دراسة دقيقة لاعتراف أو غسبورج، ان التعليم اللوثري هرطوقياً.

انضم في تلك الفترة قديسان جديدان الى لائحة القديسين هما جورح ويوحنا الجديدان (1536). وقد استشهدا. كما عرف هذا القرن القديسان بيصاريون اسقف لاريسا (+1541) وفيلوثاوس من اثينا (+1589)

الغرب والاصلاح البروتستانتي

مارتن لوثر مؤسس البروتستانتية
مارتن لوثر مؤسس البروتستانتية

ظهرت البدعة البروتستانتية، كحركة محتجة ورافضة لممارسات البابوية، في الكثير من القضايا اللاهوتية والعبادية، ومنها بدعة صكوك الغفران، وشراء الرحمة للراقدين بصكوك مالية…!!! وبدأ الاصلاح في القرن 16، بمواجهة دموية مع الكنيسة الكاثوليكية بدءاً من المانيا.

قاد هذا الاصلاح الراهب اليسوعي مارتن لوثر(+1545) وجون كالفن(+1564) وألريش زفنكي (+1545) في اوربة الغربية. وهاجم المصلحون تعاليم وممارسات الكنيسة الكاثوليكية وسلطات الباباوات وعصمتهم والكرادلة والمطارنة وكل الاكليروس المتنفذ الغني…

وكان الملك هنري الثامن قد انتفض على سلطة بابا رومية وامتلاكه أوقاف الكنيسة في انكلترا وعائداتها، فأممها وجعلها خاصة ببلده بريطانيا وعائداتها للكنيسة الوطنية البريطانية ولامبرر لإغناء خزينة البابا بها واسس  ماعُرف ب “الكنيسة الانكليكانية” وكان ذلك في العام 1534 وبرئاستها المستقلة عن روما، ورئيس اساقفتها هو اسقف كانتربري. وهي حركة يمكن ان نسميها بحركة وطنية جعلت من كنيسة بريطانيا كنيسة وطنية لاتتبع للبابوية وان كانت في ظاهرها بروتستانتية، الا انها حافظت على بعض الاسرار الكنسية كالمعمودية والكهنوت وسر الافخارستيا، وبهذا ماختلفت مع الحركة البروتستانتية التي الغت كل شيء في الكنيسة واساسا اسرارها السبعة وطقوس العبادة والعذراء والقديسين…الخ وان كانت قد ابقت على سرين لكن من وجه تذكاري وليس عقيدي.

بينما ادخل جون كنوكس (+1572) المذهب الكالفيني الى اسكوتلندا.

عقدردت الكنيسة الكاثوليكية  بعقد مجمع ترانت (1561-1563) الذي اعترف باليسوعية انها جيش البابوية، وقد صاغ  مجمع ترانت رسمياً عقائد المطهر والغفرانات واستحالة الخبز والخمر في الأفخارستيا بالاضافة الى امور اخرى كان البروتستانت قد انكروها كلها.

العقيدة البروتستانتية

تأسس المذهب البروتستانتي على عقيدة التبرير بالنعمة المعطاة بالايمان فقط، وعلى ان السلطة الوحيدة هي الكتاب المقدس، الذي يستطيع اي مؤمن تفسيره مباشرة بالهام الله. كذلك انقصوا عدد الأسرار الكنسية الى سري المعمودية الذي يجب ان يتم بعمر 30 سنة كالرب يسوع حين اعتمد من يوحنا في الاردن، وعشاء الرب الذي اعتبر وليمة تذكارية لا ذبيحة “اصنعوا هذا لذكري”.

رفض البروتستانت الهيكلية الكنسية التراتيبية، وفي الكهنوت وكانت هاتان العقيدتان هدف الهجوم البروتستانتي.

الغرب اللاتيني ومواجهة البروتستانتية

قاد اليسوعيون (بصفتهم جنود البابوية وفق قرارات مجمع ترانت) حركة مضادة للاصلاح البروتستانتي، وكان تأسيسهم قد تم بيد اغناطيوس ده ليولا (+1556) من اجل هدف خاص هو الدفاع عن بابا رومه. وظهر منهم في ذلك القرن فرنسيس كزافييه (+1552) الذي ذهب للتبشير ووصل الى الشرق الأقصى. اما اليسوعي الدنماركي بطرس كانيزيوس (+ 1579) فقاد حركة مضادة للاصلاح في المانيا وكتابه ” التعليم المسيحي” صار معياراً للكاثوليكية لفترة مابعد الاصلاح.

برز في اسبانية كتاب روحانيون مثل تيريزا الأفيلية (+1528) ويوحنا الصليب (+1591)  فرنسيس دوسال (+1622) اللذان قادا حركة اصلاح في الحياة الرهبانية الكاثوليكية. كذلك كتب اسقف جنيف عن الحياة الروحية،  وظهر الرسام تاتيان (+1576) والموسيقي باليسترنيا (+1594)

(انتهى الجزء الخامس ونتابع  قريبا في الجزء السادس من موجز تاريخ الكنيسة)