تل الأسود

تل الأسود

تل الأسود
مؤخراً، أدرجت لجنة التراث العالمي في منظمة اليونسكو سبعة مواقع جديدة ضمن قائمتها للتراث العالمي، ضمت أربعة تتميز بـ”ما تكتسيه من سمات طبيعية”، وثلاثة تتميز بـ”ما تكتنزه من سمات ثقافية”، منها “تل أرسلان تيبيه”، وهو موقع أثري تركي يقع في سهل ملطية، على بُعد اثني عشر كيلومترا جنوب غرب نهر الفرات.
سهل ملطية معروف في كتب التراث، وقد ذكره المتنبي في إحدى قصائده، وقال فيه: “وكرّت فمرّت في دماء ملطيةٍ/ ملطية أمّ للبنين ثكول”. كتب أبو العلاء المعري في تفسير هذا البيت: “ملطية مدينة من بلاد الروم”، ومعناه: “إن الخيل كرت على أهل ملطية فخاضت في دمائها، فصارت ملطية مثل أم ثكلت أولادها”. في كتاب “البلدان”، ذكر اليعقوبي ملطية، ونقل عن ابن أبي يعقوب: “كانت مدينة ملطية قديمة من بناء الإسكندر، وهي من بلاد الروم، مشهورة، تتاخم الشام”. ثم أضاف: “ملطية هي المدينة العظمى وكانت قديمة فأخربها الروم فبناها المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة وجعل عليها سورا واحدا ونقل إليها عدة قبائل من العرب”.

استعاد ياقوت الحموي هذا التعريف في “معجم البلدان”، وقال: “هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة، بلدة من بلاد الروم، مشهورة، مذكورة، تتاخم الشام، وهي للمسلمين”. بعده بزمن طويل، كتب الحميري في “الروض المعطار في خبر الأقطار”: “من الثغور الجزرية بالشام، وهي المدينة العظمى وكانت قديمة، فأخربتها الروم فبناها أبو جعفر المنصور”.
هكذا تبدو ملطية “مدينة من بلاد الروم تتاخم الشام”، ومدينة “من الثغور الجزرية بالشام”، والثغور هي كما هو معروف خط طويل من القلاع، يمتد من ملطية في الفرات الأعلى إلى طرسوس في ساحل البحر الأبيض المتوسط. ينقسم هذا الخط إلى مجموعتين، إحداهما تحمي الجزيرة، وهي الشمالية الشرقية، والثانية تحمي الشام، وتسمى ثغور الشام. ملطية من الثغور التي تحمي الجزيرة. كان ذلك في القرون الوسطى، أما اليوم، فملطية مدينة حديثة في شرق الأناضول في الجمهورية التركية، تجاور قرية تُعرف اليوم باسم أرسلان تيبيه، أي تل الأسود.
انتقل أهالي هذا التل إلى حي باتالغازي الذي عُرف باسم ملطية حتى القرن التاسع عشر، بعدها بدأ الانتقال تدريجيا إلى ملطية الحديثة، وباتت باتالغي تُعرف بملطية القديمة. قيل في العصر العباسي الأول إن ملطية كانت مدينة قديمة “من بناء الاسكندر”، غير أن حملات التنقيب المستمرة منذ نهاية القرن التاسع عشر في موقع تل أرسلان تيبيه أثبتت بشكل لا لبس فيه أنها مدينة تعود أسسها الأولى إلى الألفية السادسة قبل الميلاد، واسمها ميليد، وهو الاسم الذي تحوّل إلى ملطية.
عمرت هذه المدينة في الحقبة التي تعرف بـ”فترة أوروك”، أي في العصر الممتد من فجر التاريخ إلى بداية العصر البرونزي في بلاد الرافدين. وشواهد هذا العصر بقايا منازل من الطوب تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد. ازدهرت ملطية في أواخر العصر النحاسي حيث شهدت حركة عمرانية أطلق عليها علماء الآثار اسم “حقبة تشييد مجمع القصر”. بعد فترة انقطاع، تواصلت هذه الحركة حتى مطلع العصر البرونزي، وأبرز شواهدها ما يُعرف اليوم باسم “مجمع القبر الملكي”، وهو المجمع الذي يحمل سمات حضارة كورا-أراكسيس، أي الحضارة المبكرة ما بعد القوقازية التي امتدت من شمال شرق القوقاز إلى شمال غرب إيران، وبلغت شرق تركيا وسورية.
في الألفية الثالثة قبل الميلاد، دخلت مدينة ميليد في حقبة جديدة برزت فيها المعالم الرافدية والسورية، ثم دخلت في حلقة سلطة الحيثيين الذين اسسوا امبراطورية شرقية عظيمة ازدهرت في آسيا الصغرى على مدى عدة قرون. خرج الحيثيون من الأناضول، وسيطروا على شمال سورية. وبعد أن ظهرت على أمبراطوريتهم علامات الوهن، عادوا وأسسوا مملكة جديدة في غرب آسيا، وبسطوا نفوذهم على معظم آسيا الصغرى ودول شمال سورية ووسطها، الا ان هذه المملكة تضعضعت بدورها، وتحوّلت إلى دويلات عُرفت باسم “الممالك الحيثية الجديدة”.
عاشت ملاطية في زمن الحيثيين، كما عاشت في زمن “الممالك الحيثية الجديدة”، وحفظ التاريخ الكثير من شواهد هذه الأزمنة، كما تشهد الآثار واللقى التي خرجت من تل أرسلان تيبيه، ثم خضعت للسلطة الأشورية، وفقدت بريقها تدريجيا في العقود التالية.
خرج تل أرسلان تيبيه من الظلمة إلى النور في نهاية القرن التاسع عشر، حين نشر عالم الآثار البريطاني ديفيد هوغارث مقالة حول قطعة من النحت الغائر عثر عليها في هذا الموقع مواطنٌ من قرية مجاورة كان يبحث عن حجارة يستعين بها للبناء. بعدها، في 1907، أرسل العالم اليسوعي سباستيان روزنفال من بيروت إلى أكاديمية النقوش والآداب في باريس ثلاث صور فوتوغرافية تمثل ثلاث قطع أثرية عُثر عليها في ملطية. نشرت الأكاديمية هذه الصور مع الشروح الخاصة بها في 1909، وأثارت اهتمام علماء الآثار الفرنسيين المختصين بحضارات الشرق الأدنى. في ثلاثينات القرن العشرين، قامت بعثة بجملة تنقيب في تل أرسلان تيبيه بإدارة العالم الكبير لويس جوزيف دولابورت، وكشفت هذه الحملة عن مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش تعود إلى الحقب الحيثية. إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد الفرنسيون إلى الموقع، وقاموا بحملة تنقيب جديدة تحت إدارة العالم كلود شيفر استمرّت من 1947 إلى 1951. بعد عشر سنوات، تولّى الإيطاليون مهمة التنقيب، فكشفوا عن الطبقات التي تعود إلى الألفية الرابعة قبل المسيح، وسلّط هذه الاكتشاف الضوء على نظام بيروقراطي متقدّم يسبق الكتابة في الشرق القديم. منذ هذه الحقبة، تتواصل حملات التنقيب الإيطالية في الموقع إلى يومنا هذا، وتتواصل معها الإصدارات التي تعرّف باللقى التي تمّ الكشف عنها.
دخلت مجموعة من آثار تل أرسلان تيبيه إلى متحف الحضارات الأناضولية في أنقرة، ودخلت مجموعة أخرى منها إلى متحف أنشئ في الموقع الأثري الذي حوّلته الحكومة التركية إلى موقع سياحي. أشهر هذه القطع الأثرية تماثيل اسود حيثية، ونصب يمثل ملكا من ملوك ميليد، وسلسلة من الألواح التي تصور مشاهد من الحياة الملكية والدينية، إضافة إلى مجموعة من الأسلحة المعدنية تحوي أقدم سيوف عُثر عليها حتى يومنا على وجه المعمورة.
محمود الزيباوي