شارع الاعمدة في افاميا

مدينة آفاميا الأثرية

مدينة آفامية الأثرية

لقد قامت أفامية على أطراف السفوح الجنوبية الغربية لجبل الزاوية، في وسط سهل الغاب الخصيب الذي يرويه نهر العاصي وروافده المنحدرة من الجبال الغربية التي تفصلها عن مينائها الطبيعي في اللاذقية، وهي تقع إلى الشمال الغربي من مدينة حماة، وتبعد عنها نحو 55كم.أفامية  Apameia من أشهر المدن الأثرية في العصور الكلاسيكية (الهلنستية والرومانية والرومية البيزنطية)، إذ كانت العاصمة الحربية للإمبراطورية السلوقية، وبرزت في العصر الروماني لأهميتها العسكرية والاقتصادية والدينية والثقافية حتى سقوطها ضحية الغزوات والحروب والكوارث الطبيعية.

وتنتشر أطلال أفامية على السهل المرتفع المطل على وادي العاصي إلى الشرق من الأكمة الصخرية التي تجثم فوقها قلعة المضيق التي كانت تشكل أكروبول المدينة الكلاسيكية وحصنها الدفاعي.

وتعود سكنى الإنسان في هذا الموقع المهم إلى عصور موغلة في القدم، وقد أسفرت التنقيبات التي أجريت على سفح تل القلعة عن وجود دلائل وآثار استيطان لجماعة بشرية تمارس الزراعة ترقى إلى العصر الحجري الحديث، واستمر السكن في الموقع بصورة دائمة في عصر البرونز القديم منذ أوائل الألف الثالث ق.م حيث عثر على أساسات أكواخ وقبور وأهراآت لتخزين الحبوب. وتدل اللقى الفخارية المكتشفة بكثرة والعائدة لعصر البرونز الوسيط على كثافة الاستيطان، وهذا ما يؤكد – إضافة إلى شواهد أخرى – وجود مدينة نيا Niya المذكورة في النصوص المصرية والأكادية والحثية في هذا المكان تحديداً بعد أن كان موقعها مدار خلاف بين الباحثين.

وتتحدث النصوص الهيروغليفية من عهد المملكة المصرية الحديثة كيف أن فراعنة مصر كانوا بعد انتهاء حملاتهم العسكرية في سورية يقصدون منطقة نيا لممارسة صيد الفيلة. ويروي الملك تحوتمس الثالث (1480-1448ق.م) Thutmosis III في حولياته إحدى مغامرات الصيد مع قطيع كبير من الفيلة البرية يضم 120 فيلاً عند بحيرة نيا في سهل الغاب، الذي يبدو أنه كان يشكل بمستنقعاته وأدغاله ومياهه الوافرة مرتعاً خصباً لهذه الحيوانات الضخمة في الألف الثاني قبل الميلاد. ويرد كذلك ذكر نيا (بصيغة نيخي (Nihi  في سيرة ادريمي Idrimi ملك ألالاخ، وتشير نصوصها إلى علاقات تجارية وثيقة مع هذه المملكة الأمورية في وادي العاصي الأوسط. كما تذكرها أيضاً رسائل تل العمارنة المصرية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ويبدو أنها بقيت قائمة حتى سقطت كغيرها من الممالك السورية ضحية غزوة شعوب البحر في مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد ويغيب ذكرها ويطويها النسيان. ولكن في أثناء تنقيبات عام 1937م تم العثور على نصب بازلتي يتضمن نقشاً بالهيروغليفية الحثية مقدماً من ملك حماة أورخلينا Urhilina إلى الإلهة بعلات يقول فيه إنه “بنى هذه المدينة”، وهذا يؤكد وجود مدينة في هذا المكان في أواسط القرن التاسع قبل الميلاد تابعة لمملكة حماة التي شارك ملكها في معركة قرقر عام 853ق.م ضد الملك الآشوري شلمانصر الثالث، ولكن النقش لا يذكر اسم هذه المدينة. وبعد عدة قرون تذكر المصادر الكلاسيكية اسماً قديماً لهذا الموقع هو فرناكه Pharnake بوصفه الاسم السابق لأفامية الهلنستية، ويبدو أنه يعود إلى زمن الحكم الفارسي لسورية (538-333ق.م). ومع قدوم الإسكندر الكبير المقدوني على أثر انتصاره في معركة ابسوس (333ق.م) تبدأ حقبة جديدة في تاريخ سورية وموقع أفامية حيث جرى تأسيس مستوطنة عسكرية مقدونية من قبل أحد كبار قادته وهو انتيجونوس مونوفتلموس Antigonos Monophtalmos  خلال حكمه لسورية وصراعه مع منافسيه بطلميوس وسلوقس ملكي مصر وانطاكية، وقد أطلق عليها المستوطنون المقدونيون اسم بلا Pella، وهو اسم عاصمة مقدونية مسقط رأس ملكهم فيليب والد الإسكندر، وبقي هذا الاسم يتردد في المصادر الكلاسيكية حتى تأسيس مدينة أفامية.

كانت أفامية (إلى جانب أنطاكية Antiocheia واللاذقية Laodikeia وسلوقية (Seleukeia إحدى المدن الأربع الكبرى الشقيقة كما كانت تسمي نفسها، وقام الملك سلوقس نيكاتور Saleukos Nikator بتأسيسها في شمال غربي سورية عام 300ق.م بعد انتصاره على غريمه انتيجونوس ليجعل منها قاعدة ملكه الرئيسة في إمبراطورتيه العظيمة التي امتدت من شواطئ البحر المتوسط غرباً حتى الهند شرقاً.

موقع آفاميا على خريطة سورية
موقع آفاميا على خريطة سورية

وقد سماها أبامية باسم زوجته الفارسية الأصل أبامه Apama، وأصبحت أشهر ثلاث مدن حملت هذا الاسم في  الامبراطورية السلوقية، واختارها سلوقس لتكون عاصمته الحربية حيث صارت تضم المعسكرات والمنشآت الحربية ومصانع الأسلحة والقسم الأكبر من الجيش السلوقي وأشهر أسلحته الحربية ألا وهي الفيلة الهندية التي وصل عددها إلى 500 فيل، وكذلك سلاح الفرسان بخيوله الحربية التي ناف عددها على 30 ألف فرس و300 حصان كما يذكر استرابون في جغرافيته الشهيرة(Strabon Geography XVI) ، فوجدت في سهل الغاب الخصيب بمياهه الوافرة أفضل بيئة تحتضنها وترعاها.

وقد حافظت المدينة وقلعتها الحصينة على هذه المكانة الاستراتيجية المتميزة طوال العصرين السلوقي والروماني؛ إذ كانت قاعدة انطلاق لكثير من الحملات الحربية التي قام بها السلوقيون في صراعهم مع البطالمة على امتلاك جوف سورية وجنوبيها وخاصة في عهد انطيوخوس الثالث الكبيرAntiochos  III Megas و(223-187ق.م) وابنه انطيوخوس الرابع (175-164 ق.م) في الحروب المسماة السورية. وقد تمكن أحد أبنائها القائد العسكري تريفون Tryphon من الوصول إلى العرش السلوقي (146-139ق.م)، وجعل أفامية قاعدة ملكه.

لقد خاضت أفامية مثل بقية مدن سورية الصراعات على العرش السلوقي والحروب الأهلية، ولذلك رحبت بتيغرانيس Tigranes ملك أرمينية منقذاً من تلك الصراعات الدموية (83-69ق.م) الذي يبدو أنه اتخذ من حصنها قاعدة لأعماله العسكرية في سورية ولذلك منحها بعض الامتيازات المدنية.

مسرح آفاميا
مسرح آفاميا

وتذكر الروايات التاريخية أن القائد الروماني بومبيوس Pompeius بعد احتلاله سورية وقضائه على المملكة السلوقية جا إلى أفامية عام 63ق.م وهو في طريقه إلى دمشق، فألغى الامتيازات التي كانت قد حصلت عليها وأمر بهدم قلعتها التي كان يتحصن فيها أحد الحكام المحليين والتي كان قد أعاد تحصينها الملك السلوقي انطيوخوس التاسع Antiochos IX و(116-95ق.م) كما يذكر المؤرخ فلاڤيوس يوسيفوس[ر] Flavius Josephos، وكأن بومبيوس أراد بعمله هذا أن يضع حداً لأمجاد العاصمة الحربية السلوقية.

وفي أعقاب كارثة الجيش الروماني بقيادة كراسوس Crassus في حران عام 53ق.م قام البارثيون [ر] على رأس جيش من الفرسان بقيادة ابن ملكهم باكوروس Pakoros بغزو سورية عام 51ق.م بهدف الانتقام والسلب والنهب.

وقد عانت أنطاكية وبقية مدن سورية آثارَ هذه الغزوة، كما عانت ويلات الحرب الأهلية الرومانية التي نشبت بين بومبيوس ويوليوس قيصر  Iulius Caesar وجرت وقائعها في الشرق. وبعد معركة فرسالوس Pharsalos  عام 48ق.م جا القائد المنتصر يوليوس قيصر إلى سورية وكانت أفامية من جملة المدن التي أعاد إليها امتيازاتها وحكمها الذاتي، وبعد رحيله اندلع صراع بين والي سورية وأحد أنصار بومبيوس المدعو باسوس Bassus الذي تحصن في أفامية وجند كل قادر على حمل السلاح من أبنائها كما أمر بصنع الأسلحة والمعدات الحربية، ولكن الصدام بين الطرفين لم يسفر عن نتيجة حاسمة. وقد تلقى باسوس تعزيزات من القبائل العربية المنتشرة في جنوب أفامية وشرقها، وكذلك من البارثيين مما مكنه من التفوق على خصومه لبعض الوقت، ولكن عندما أرسلت تعزيزات جديدة إلى أنصار قيصر اشتد الحصار على أفامية، ثم جا ت الأخبار باغتيال قيصر عام 44ق.م وقدوم كاسيوس Cassius أحد زعما المؤامرة إلى سورية حيث انضمت إليه قوات الطرفين المتحاربين.

وقد عانت أفامية الأمرين من هذه المعارك بين أنصار قيصر وخصومه، وبعد معركة فرسالوس (42ق.م) جا القائد المنتصر ماركوس أنطونيوس  Marcus Antonius إلى سورية  عام 41ق.م وكافأ المدن التي عانت ويلات الحرب الأهلية وقتلة قيصر ومنها أفامية التي أعاد إليها امتيازاتها السابقة بما في ذلك منحها حكمها الذاتي وحق سك النقود. ولكن البارثيين استغلوا سفره إلى الإسكندرية ولقا ه كليوباترة ليقوموا بغزو سورية في ربيع عام 40ق.م يقودهم ولي العهد الأمير باكوروس مع قائد روماني من أنصار النظام الجمهوري يدعى لابينوس Labienus الذي هاجم مدينة أفامية، ولكنها صمدت أمامه ثم اضطرت إلى الاستسلام، وهكذا خضعت أفامية مع باقي مدن سورية للسيطرة البارثية عامين كاملين (41-39ق.م)، ثم تمكن الرومان من هزيمة البارثيين وقتل قائدهم باكوروس في معركة جنداروس .Gindros  

وكانت أفامية منطلقاً لكثير من الحملات الحربية التي قام بها الرومان ضد المملكة البارثية، فقد قام ماركوس أنطونيوس بحملتين حربيتين عام 37ق.م وعام 34ق.م هاجم فيهما أرمينية واقتاد ملكها أسيراً ليسير في موكب نصره في الإسكندرية، وكان لها دور مهم في الحرب الكبرى التي شنها الامبراطور ترايانوس [ر] Traianus  ضد البارثيين في الأعوام 114-117م، واجتاح بلاد الرافدين حتى الخليج العربي.

أفامية (الكنيسة المستديرة الشكل أو الطارمة)
أفامية (الكنيسة المستديرة الشكل أو الطارمة)

وفي عهد الامبراطور ماركوس اوريليوس Marcus Aurelius و(161-180م) هاجم البارثيون سورية واحتلوا بعض مدنها، ولكن القائد الروماني افيديوس Avidius تمكن من إلحاق الهزيمة بهم واحتلال دورا أوروبوس  Dura Europos عام 163م ومهاجمة عاصمتهم طيسفون وتدمير مدينة سلوقية دجلة.

وفي عهد سبتيميوس سڤيروس Septimius Severus و(193-211م) تجددت الحرب مع البارثيين، وتمكن الرومان من احتلال شمالي بلاد الرافدين وضمها إلى ولاية سورية، كما أن ابنه الامبراطور كركلا Caracalla (من زوجته الحمصية جوليا دومنا) جا إلى سورية على رأس جيش كبير (217م) لغزو المملكة البارثية، وأنعم على أفامية ببعض الامتيازات فاتخذت من اسمه الامبراطوري M. A. Antoninus لقباً فخرياً لها ودعت نفسها مدينة أنطونينوس (Antinopolis)، وكان للجيش الروماني المرابط في رفانيه Raphania في مقاطعة أبامينه (Apamene) دور أساسي في المناداة بكاهن إله الشمس في حمص الأمير إلاجبال Elagabalus امبراطوراً على روما عام 218م.

ويذكر المؤرخ ديوكاسيوس Dio Cassius أن الفرقة الثانية البارثية اتخذت معسكراتها الشتوية في أفامية وضواحيها عام 217-218م مع وحدات أخرى من الجيش الروماني وفرق الخيالة، وكذلك في شتا عام 231-232م وصيف عام 233م في أثنا حملات الامبراطور إسكندر سفيروس (221-235م) ضد البارثيين، وقد عثر على شواهد قبور لبعض جنودها في أفامية، ولكن بعد قيام الامبراطورية الساسانية بدأ ملوكها بشن هجماتهم على سورية ومن أشد الغزوات هولاً تلك التي قام بها الملك شابور الكبير Shapur الذي يذكر بفخر في سجل أعماله أن أفامية كانت بين المدن التي استولى عليها في عام 256م وحاز كثيراً من الغنائم، وتكررت غزوات الفرس مستغلين ضعف الامبراطورية الرومانية والفوضى العسكرية والسياسية التي كانت تعمها، ولكن أذينة ملك تدمر تصدى لهم وألحق بهم عدة هزائم. كما أن أفامية عانت من الصراع الذي دار بين ملكة تدمر زنوبيا والامبراطور الروماني اوريليانوس Aurelianus و(270-275م) حيث جرت معركتان كبيرتان بينهما إحداهما في شمال أفامية والأخرى في جنوبها قرب حمص.

 وفي عهد الامبراطور جستينانوس [ر] Iustinianus و(527-565م) تجددت المعارك بين الامبراطوريتين الرومانية والساسانية، وخاضت الجيوش الرومانية معارك ضارية ضد الفرس، وفي عام 573م اجتاح الفرس مدينة أفامية التي خضعت لسيطرتهم وكذلك بقية أنحا سورية في الأعوام 612- 628م، واقتادوا عدداً كبيراً من سكانها أسرى إلى بلاد فارس، واستولوا على خشبة الصليب المقدس التي أعادها الامبراطور هرقل  Herakles بعد انتصاره على الفرس.

وكانت أفامية وشقيقاتها بصفتها مدناً أنشئت على الطراز الهيليني (Poleis) تتمتع بالحكم الذاتي، ولها جمعيتها الشعبية ومجلسها البلدي وحكامها المحليون المنتخبون من مواطنيها. وقد نالت في عهد أنطيوخوس الرابع بعض الامتيازات ومنها حق سك نقود باسمها. وهكذا بدأت تسك نقودها الخاصة بها التي استمرت في إصدارها ما يزيد على قرنين من الزمن، حتى عهد الامبراطور الروماني كلاوديوس Claudius و(41-54م)، والتي تظهر أوضاعها الإدارية وألقابها وامتيازاتها، كما توثق افتخار أفامية بفيلتها الحربية التي تظهر على نقودها الصادرة بين الأعوام 75-46ق.م، وتحمل إضافة إلى اسمها (Apamewn) ولقبيها المقدسة والمحرمة (Hiera Kai Asylos) صورة الإله زيوس أعظم آلهتها.

وكانت أفامية عاصمة إقليم كبير يحمل اسمها (Apamene)،  امتد حتى معبد بايتوكيكي (Baitokeke)، أي حصن سليمان [ر] حالياً. وقد أصبحت في مطلع القرن الخامس الميلادي عاصمة ولاية سورية الثانية (Syria Secunda)، وكانت تستعمل التقويم السلوقي في تواريخها الرسمية والبلدية وعلى نقودها ونقوشها.

ولا تقتصر شهرة أفامية على أهميتها ومكانتها العسكرية والإدارية فحسب، فقد كانت تحظى بمكانة دينية مرموقة تتمثل في معبد وحْي الإله زيوس بيلوس Zeus Belos (أي الإله بعل) الذي رافقت عبادته مواطني أفامية المغتربين إلى أقاصي الامبراطورية الرومانية، كما تظهر النقوش وشواهد القبور التي خلفوها هناك. ويروى أن الامبراطور كركلا استشار وحيه قبل حملته البارثية.

كما كانت أفامية مركزاً فكرياً وفلسفياً مرموقاً، فقد أنجبت الفيلسوف الرواقي والعلامة الذائع الصيت بوسيدونيوس الأفامي Poseidonios، واشتهرت بمدرستها الأفلاطونية الحديثة التي أسسها الفيلسوف السوري يمبليخوس Iamblichos في القرن الرابع الميلادي وبرز فيها عدد من كبار فلاسفة هذه المدرسة.

ويظهر اسم أفامية في قوائم المجامع الكنسية منذ بداية القرن الرابع، وأصبحت بعد انتصار المسيحية على الديانات الوثنية مركزاً دينياً مهماً منذ أواسط القرن الخامس الميلادي، ومقراً لأسقفية كبيرة، وانتشر في محيطها عشرات الأديرة والكنائس والمزارات المقدسة.

وحظيت أفامية بأهمية تجارية فائقة جا ت من غنى منطقتها بالموارد الطبيعية واتساع إقليمها ووقوعها على تقاطع طرق محورية وأساسية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. وقد انتشر تجارها في جميع أرجا العالم الهلنستي والروماني من جزيرة ديلوس Deies وبحر إيجة إلى حوض الدانوب إلى إيطاليا وإسبانيا وبلاد الغال حيث تثبت النقوش وجودهم ونشاطهم.

كانت أفامية مدينة كبيرة تعج بالسكان في العصر الروماني، وطبقاً للإحصا الضريبي الذي أجراه بأمر من والي سورية – في عهد الامبراطور أوغسطس  Augustus في العام السادس الميلادي – مندوبه ايميلوس سكندوس Q.Aemilius Secundus كما خلده في نقشه المشهور – وهو الإحصاء الذي أشار إليه المؤرخ يوسيفوس وإنجيل لوقا – وصل عدد سكان أفامية من المواطنين الأحرار إلى (117) ألف نسمة: وهذا العدد يشمل الرجال والنساء والأطفال الأحرار المكلفين بأداء الجزية. وتبعاً للحقوقي الشهير اولبيانوس Ulpianus فإن الشباب دون سن (14) والبنات تحت سن (12) والشيوخ فوق سن (65) كانوا معفيين من ضريبة الرأس، وبالتالي فإن مجموع سكان أفامية وضواحيها وأريافها ناف على نصف مليون إنسان. ويؤكد عظم سكان أفامية ما ورد في تقرير قائد الملك كسرى أنو شروان الذي غزا سورية في عام 573م من أنه اقتاد (292) ألف أسير من سكانها، وهذا يدل على استمرار ازدهار المدينة حتى القرن السادس الميلادي. ثم خضعت للفرس الساسانيين عندما احتلوا سورية في الأعوام 613م حتى 628م عندما تمكن امبراطور الروم هرقل من استعادتها، ولكن حكم الروم لم يدم طويلاً إذ ما لبث أن فتحها العرب المسلمون صلحاً عام 02هـ/640م على يد أبي عبيدة بن الجراح: “ثم أتى أفامية ففعل أهلها مثل ذلك وأذعنوا بالجزية والخراج”، كما ورد في “معجم البلدان” لياقوت الحموي.

ويغيب ذكر أفامية قروناً طوالاً إلى أن تظهر مجدداً على مسرح الأحداث التاريخية في زمن حروب الفرنجة، إذ استأثر موقع المدينة المنيع باهتمام البيزنطيين ومن بعدهم الغزاة الفرنجة فخضعت لحكم إمارة أنطاكية ما يزيد على أربعة عقود (1106-1149م) حتى تمكن نور الدين زنكي بعد معارك عنيفة من فتحها. ولكن جاءت  الهزات الأرضية الكارثية في عامي 1157-1170م لتدمر المدينة القديمة بكاملها، ولم يصمد سوى الأكروبول الذي تحول إلى قلعة مسورة في النصف الأول من القرن الثالث عشر باسم قلعة المضيق التي كانت ملاذاً ومأوى لمن تبقى من سكانها.

الرحالة الأوائل والتنقيبات الأثرية:

ورد ذكر أفامية في مؤلفات كثير من المؤرخين والجغرافيين والرحالة، وعرفت باسم “أفامية على العاصي”، وقد وصفها المؤرخ أبو الفداء في تقويم البلدان بأنها: “كانت مدينة عظيمة قديمة على نشز من الأرض، ولها بحيرة حلوة يشقها النهر المقلوب”، أي العاصي.

وقد خبا ذكرها بعد أن غيبتها الزلازل في الأرض سنين طويلة، ثم عادت إلى الظهور مجدداً في كتابات الرحالة الأوربيين ومنهم ك. نيبور C. Niebuhr في عام 1776م ويوهان بوركهارت . Burckhardtعام 1812م، وأخيراً خرجت من غياهب النسيان في أواسط القرن التاسع عشر عندما زارها الرحالة وليم طومسون W. Thomson، وقام بتحديد موقعها بصورة نهائية فكان أول من ترك لها وصفاً مهماً ودقيقاً عرّف الناس بآثارها وأطلالها.

وجا بعده كثير من الرحالة وعلما النقوش الذين دونوا بعض آثارها، ولكن أول المخططات الشاملة للموقع وصروحه المختلفة تمت على يد الباحث ادورد ساخاو E. Sachau و(1880م) والأمريكي هوارد بتلر . C. Butler و(1900م) ضمن بعثة جامعة برنستون لدراسة آثار سورية ومسحها.

وفي عام  1907م تعرفت غرترود بل Gertrud Bell المسرح، ويعود الفضل إلى الباحث البلجيكي فرانس كومون F. Cumont الذي أدهشته آثار أفامية عند عودته من التحريات الأثرية في موقع دورا أوروبوس   عامي 1922-1923م، في إثارة الاهتمام بها، فكان أول من دعا إلى استكشاف منهجي لحقل الخرائب الواسع عام 1928م، تم بعدها تشكيل بعثة أثرية بلجيكية بدأت عملها منذ عام 1930م برئاسة مايانس F. Mayence ولاكوست H. Lacoste فأنجزت سبع حملات تنقيب أسفرت عن وضع مخطط طبوغرافي دقيق وتحديد البيانات المفصلة للمباني التي بدئ بالكشف عنها. وجاءت الحرب العالمية الثانية والتهمت الحرائق التي اندلعت في جامعة لوڤن والمتاحف الملكية البلجيكية معظم سجلات البعثة وأجمل معروضاتها.

وبمبادرة من المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية استؤنفت مجدداً أعمال التنقيب بعد أن تم إنشاء “المركز البلجيكي للبحوث الأثرية في أفامية السورية”، ومنذ عام 1965م استأنفت بعثة أثرية برئاسة جان شارل بالتي Jean Ch. Balty  نشاطها التنقيبي في حملات سنوية تعمل على اكتشاف مختلف جوانب الموقع والصروح الأساسية للمدينة: البيوت والكنائس والمعابد والحمامات والمسرح والسور.

كما شاركت في التنقيب بعثة وطنية – بإدارة عبد الرزاق زقزوق – تركزت أعمالها في السفح الجنوبي من تل قلعة المضيق، كما كشفت عن أقسام مهمة من الحمام الروماني في الحي الشمالي، والقسم الأكبر من سور أفامية الذي باشرت بترميمه إضافة إلى جز من الشارع الرئيسي الذي أعادت نصب قسم كبير من أعمدته المنهارة.

وقد تم بعث السور الكبير الشمالي الجنوبي، وافتتاح متحف الفسيفساء في الخان القديم العثماني ليضم أهم آثار أفامية وليرسخ مكانتها بوصفها من أشهر المواقع الكلاسيكية في سورية.

أهم المعالم الأثرية

قامت البعثة الأثرية خلال عمليات التنقيب بعدد كبير من الأسبار في مواقع مختلفة بحثاً عن آثار العصر الهلنستي، ولكن لسو الحظ لم تتمكن من العثور على أي أثر مهم من أبنية المدينة السلوقية اللهم إلا بعض الأشياء النادرة المرتبطة بالسور وأساساته، وهكذا فإن أطلال أفامية مدار البحث تعود كلها إلى العصر الروماني وخاصة إلى القرن الثاني الميلادي وما بعده، وفيما يلي أهم معالمها:

1- السور

كان يحيط بمدينة أفامية بطول نحو 7كم وارتفاع يصل إلى عشرة أمتار، ويضم في داخله مساحة تراوح بين 220 و230 هكتاراً، وكان مدعماً بنحو مئة برج دفاعي، ويقطعه عدة بوابات في الاتجاهات المختلفة. وقد تم الكشف عن أجزاء كبيرة منه بجهود المديرية العامة للآثار والمتاحف، ويمكن مشاهدتها في الطرف الشمالي الغربي خاصة.

ويرجع المخطط العام الأساسي لهذا السور إلى العصر السلوقي، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتضاريس الأرض، وكان على الأرجح يشتمل على أكروبول المدينة، ولا يعرف زمن إنشائه على وجه الدقة، ولكن من المؤكد أنه لم يتزامن مع تأسيس المدينة عام 300ق.م، ولعله أنشئ بعد مائة سنة من ذلك التاريخ.

وقد أظهرت الأسبار التي أجريت على الأساسات الهلنستية، وجود أبراج ضخمة على مساره تخللتها في العصر الروماني أبراج أصغر شكلت دعامات للسور، الذي شهد ترميمات وإصلاحات كبيرة في العصرين الروماني والبيزنطي خاصة عند البوابتين الشمالية والجنوبية.

ولدى تفكيك البرج (15) الذي أقيم على عجل في القرن الثالث الميلادي تم العثور على نحو (110) من الأنصاب وشواهد القبور بنقوشها اللاتينية، وهي تعود إلى جنود الفرقة البارثية الثانية الرومانية.

2- البوابة الشمالية (أو بوابة أنطاكية):

يطلق هذا الاسم على قوس نصر كبيرة منهارة ذات ثلاث فتحات، تقع على بعد (50م) أمام الباب الشمالي، وتعرف لدى السكان المحليين باسم القنطرة.

وكانت قد شيدت في القرن الثاني الميلادي بعد الهزة الأرضية العنيفة التي ضربت المدينة سنة 115م، وجدد قسمها الجنوبي في القرن السادس بإضافة واجهة جديدة إليها مزينة بحوامل لوضع التماثيل على الأرجح، وتشمل باباً بفتحة واحدة مقوسة.

ويمكن عبر البوابة الشمالية الوصول إلى إحدى مقابر المدينة (necropolis) الثلاث في الجهة الشمالية الغربية التي كشفت عن عدد كبير من القبور ذات أشكال مختلفة، فمن مدافن محفورة في الصخر إلى قبور مبلطة إلى توابيت حجرية إلى شواهد قبرية وأوابد جنائزية إلى جرار فخارية لرفات الموتى والتي تدل على ممارسة عادة حرق الموتى، إضافة إلى طريقة الدفن. ويشكل طريق القبور جزءاً من الطريق الرئيس الذي يربط أفامية بأنطاكية عبر وادي العاصي، وتؤكده أميال الطرق المكتشفة على مساره.

3- شارع الأعمدة الكبير (Cardo maximus)

يعد من أروع الشوارع المعمدة في العصور القديمة، وكان المحور الأساسي في مخطط المدينة الشطرنجي (المنسوب إلى هيبوداموس (Hippodamos الذي كان المخطط النموذجي للمدن الهيلينستية، وبقي كذلك في العصر الروماني، ويؤلف عبر تقاطعه مع الشوارع العرضانية (Decumani) جزراً سكنية (105 × 57م)، ومع أنه يتبع مسار المحور الهلنستي فإنه يعود بشكله الحالي إلى العصر الروماني عندما أعيد إنشاؤه على مراحل في أعقاب الهزة الأرضية المدمرة عام 115م، واستكمل قطاعه الجنوبي في أواخر القرن الثاني الميلادي، وقد ألحقت به زلازل عامي 526 و 528م أضراراً كبيرة مما استوجب إعادة البناء والترميم مع بعض التعديلات الجوهرية.

وهو يجتاز المدينة من شمالها إلى جنوبها بطول 1850م، وهو بالتالي أطول من الشارع الرئيس في تدمر (1200م)، أو الشارع المستقيم في دمشق (1350م)، ويبلغ عرضه 37.5م، وخصص وسطه (بعرض 20.5م) لسير العربات التي يمكن رؤية آثار عجلاتها في بلاطه. وينقسم الشارع إلى ثلاثة قطاعات تحددها أعمدة تكريمية أقيمت عند التقاطعات الرئيسة.

وثمة ثلاثة أعمدة في وسطه على مقربة من الأغورا، تتميز بفخامتها وخطوطها المحززة والحلزونية مع تيجانها الكورنثية الضخمة، وكانت تحمل تماثيل برونزية للأباطرة أنطونينوس بيوس  Antoninus Pius وماركوس أوريليوس  ولوكيوس ڤيروس Lucius Verus كما تذكر الكتابات المنقوشة عليها. ووجود الحوامل البارزة من الأعمدة تقليد انفردت به العمارة السورية، وكانت مخصصة لحمل تماثيل وجها المدينة والأباطرة الرومان.

4-الأغورا Agora (أو الفوروم :(Forum

وهي الساحة العامة للمدينة، وتقع إلى الغرب من وسط شارع الأعمدة، وهي ساحة واسعة مكشوفة على النمط الهيليني، يصل طولها إلى نحو (300م)،  في حين لا يزيد عرضها مع الأروقة على (45م)، ويتألف مدخلها الشمالي من رواق يضم ستة أعمدة تنتصب على دكات عالية دشنت في عهد الامبراطور هادريانوس  Hadrianusو(117-138م). ويظهر تأثير الهزات الأرضية وخاصة لعامي 526م و 528م على نحو هائل في الأغورا، ونجم عنها هجر الساحة وانهيار صفوف الأعمدة للرواقين الشرقيين. وبعد الاجتياح الفارسي عام 573م تحولت إلى مكان لإلقا النفايات.

5- معبد الحوريات

أو النمفايوم (Nymphaion)، هو أول أثر كبير في الجهة الشمالية الشرقية من الشارع الكبير، وهو يعود إلى ما قبل أعمال البنا الكبرى بعد زلزال عام 115م، وكان النمفايوم يقام عادة على أحد الينابيع الثرة أو مناهل المياه التي تستقي منها المدينة تكريماً لحوريات الما .

6- هيكل الإلهة تيكه

يقوم في منتصف شارع الأعمدة صرح كبير شديد التهديم، يشير أحد النقوش إلى أنه مبنى التوخيون Tycheion؛ أي معبد الإلهة تيكه Tyche إلهة الحظ والإلهة الحامية للمدينة، وكان يشرف على ساحة الأغورا وينفتح بواجهته الفخمة على رواق الشارع الكبير.

7- معبد وحي زيوس بيلوس

كان يرتفع في أعلى نقطة من المدينة إلى الغرب من الأغورا، ولم يبقَ منه اليوم سوى كتلة الأساس الهائلة، فقد دمر مع كامل السور المحيط به في نهاية القرن الرابع الميلادي (384م) نتيجة حملة التدمير التي قادها أسقف المدينة مركلّوس   Marcellus ضد المعالم الوثينة ليرسخ انتشار الديانة المسيحية.

8- هيكل الحوريات الضخم

كان يقوم عند تقاطع الشارع المعمد مع المحور الشرقي الغربي الذي يؤدي إلى المسرح، وقد وصل قطر مصطبته إلى (15م)، وكانت تزينها تماثيل رخامية من مجمع الأرباب الكلاسيكية (أثينا- افروديت- هرمس…إلخ)، وتنتهي إلى حوض مستطيل محفور بعمق ومرصوف ببلاط وردي وأخضر اللون، وكان الهيكل محاطاً بسلسلة من 18 عموداً ضخماً مشكلة نصف دائرة.

وفي نهاية الشارع كان ينتصب الباب الجنوبي الذي تم تحريره في حملة التنقيبات عامي 1988-1989م، ويبدو أنه جدد على نحو كبير مثل الباب الشمالي خلال العصرالرومي.

9- الحمامات الكبرى

شيدت في الحي الشمالي- الشرقي، وهي تتميز بمدخلها الضخم الذي يحمل تكريساً من أجل صحة الامبراطور ترايانوس Traianus مهداة من يوليوس أغريبا L. Iulius Agrippa  منشئ هذا المجمع الضخم الذي يضم أقسام الحمامات الرومانية المألوفة: القسم البارد فريجيداريومFrigidarium ، والفاتر Tepidarium  أو الوسطاني، والحار Caldarium أو الجواني.

وقد انتظم مخططها حول ثلاث قاعات كبيرة، يحدها من الشمال بيت للنار دائري الشكل وحجرة كبيرة، وهما مبينان من الآجر المشوي، وما زالت القاعة المركزية (7×5.2م) تحتفظ بسقفها الأصلي حتى اليوم.

ويضم المجمع عدة مواقد تشير إلى وجود نظام تدفئة وتسخين تحت الأرض، وكان هذا المجمع خامس مجمع حمامات اكتشف في أفامية، وهو أضخمها وأجملها، ولكنه تقلص في نهاية العصر الروماني وتعرض لأعمال هدم كبيرة.

وكان يغذي هذا المجمع خزان ما كبير سعته 28 ألف لتر، وخزان مياه ثانٍ في أعلى الشارع يغذي الحمامات بوساطة قناة فخارية.

إن هذه الحمامات والسبل والمناهل والأعداد الكبيرة من السكان كانت تتطلب كميات كبيرة من المياه تم تأمينها بإقامة قناة مياه ضخمة وصل طولها إلى 120كم تجلب الما من منطقة سلمية التي اشتهرت قديماً بكثرة ينابيعها، وتدخل المدينة في أعلى نقاطها من البوابة الشمالية لتغذي مرافق المدينة المختلفة بالمياه العذبة النقية. ويعود الفضل إلى الباحث كامل شحاتة في تحديد مسار هذه القناة.

10- المسرح

أقيم هذا المسرح على منحدر طبيعي في أقصى الطرف الغربي للشارع العرضاني مقابل سفح هضبة الأكروبول. ونمطه روماني بحت، ولكنه مثل بقية المسارح الإغريقية يستند إلى منحدر.

كان هذا المسرح أحد أوسع مسارح العالم القديم إن لم يكن أوسعها على الإطلاق؛ إذ يبلغ قطره 139 متراً، وطول واجهته 145م (وعلى سبيل المقارنة يبلغ قطر مسرح مدينة صبراته الليبية أكبر مسارح إفريقيا 92.6م) وفي كل الأحوال هو أكبر مسارح سورية الرومانية (قطر مسرح بصرى 90م).

والمسرح مهدم جداً؛ إذ استخدمت حجارته لترميم القلعة التي هدمتها الهزات الأرضية في القرن الثاني عشر، ومن أجل بناء الجامع والخان العثماني وكذلك من أجل الحصول على الكلس.

  ويبدو أنه شيد في عهد الامبراطور ماركوس اوريليوس (161-180م)، أي أواخر القرن الثاني الميلادي، وبقي قيد الاستعمال حتى نهاية العصور الكلاسيكية القديمة. وفي العصور الوسطى بني برج مربع على أحد مداخله، وبرج آخر على قمة المدرج ليستخدم حصناً عسكرياً لجيش نور الدين في حربه ضد االفرنجة.

11- قصر الحاكم المسمى تريكلينوس  :Triclions

كان هذا البناء الضخم يقوم إلى الشرق من شارع الأعمدة الكبير جنوبي الطريق الإسفلتي الحديث، ويشغل جزيرة سكنية كاملة(Insula) ، ويفضي مدخله إلى ساحة معمدة (مؤلفة من 8×8 أعمدة)، تطل عليها ثلاث قاعات كبيرة فخمة مستطيلة الشكل، كما يوجد باحتان ثانويتان أصغر حجماً، وثمة درج جميل يقود إلى قاعات الطابق العلوي، وبعض هذه القاعات مرصوفة بالفسيفسا ومنها لوحة الصيد الكبيرة الرائعة الموجودة حالياً في متاحف بروكسل. وتشير دلائل عديدة إلى أنه كان المسكن المحتمل لوالي سورية الثانية التي أحدثت في مطلع القرن الخامس الميلادي. ويبدو أن هذه الجزيرة السكنية تحولت فيما بعد إلى حي للحرفيين والصناع والتجار.

12- المساكن الخاصة

اهتمت البعثة الأثرية منذ عام 1973م بالكشف عن مجموعة من البيوت السكنية في أفامية التي أعطيت تسميات ذات طبيعة معمارية ومن أجملها: البيت ذو حوامل الإفريز الذي يقع في التجمع السكني المواجه للكاتدرائية، وهو بيت واسع تبلغ مساحته نحو (2000م2)، ويعود بناؤه إلى القرن الثاني الميلادي، وقد رمم بكامله بعد الهزات الأرضية في القرن السادس، وتنتظم غرفه وأبهاؤه حول باحته المعمدة (مؤلفة من 6×9 أعمدة)، وكانت القاعة الرئيسة الفخمة المخصصة لاستقبال الضيوف مبلطة برخام متعدد الألوان ومزينة ببحرة ما في وسطها. ويبدو أن السكن فيه امتد حتى القرن السابع الميلادي. وهناك بيت التيجان ذات الحوامل، وهو أوسع المساكن التي تم تنقيبها حتى اليوم؛ إذ تصل مساحته إلى نحو(4500م2)، وتبلغ باحته الكبيرة المعمدة (55×35م)، يتقدمها بهو ضخم بصفين من الأعمدة المزدوجة، ويزينها حوض واسع في وسطها، وكان ثمة خزانان كبيران يؤمنان تغذية هذا المسكن الواسع بالمياه الذي بقي مستخدماً حتى القرن العاشر.

وتظهر إلى الغرب منه آثار بيت الأيل الذي أعيد أشغال باحته المعمدة والقاعات الشمالية على نحو كثيف خلال العصر الإسلامي. وقد تم الكشف في قاعة الاستقبال الكبرى عن مجموعة مهمة من الفسيفساء من أشهرها فسيفساء الأيل وعلى مائدة من الرخام الأخضر، وكلاهما في متحف أفامية.

13- الكنائس

ذكرت أعمال مجمع القسطنطينية عام 536م كنائس كثيرة في أفامية، وقد تم الكشف عن آثار عدد من الكنائس خلال التنقيبات الأثرية، ولكن لم يكن بالإمكان الربط بين الكنائس في هذين المصدرين للمعلومات.

ومن أهم الكنائس المكتشفة الكنيسة ذات الأتريوم Atrium التي تمتاز بباحتها الواسعة، وهي ذات نمط نادر في سورية، وتنم على تأثير مباشر لمعماريين من القسطنطينية. لقد أفادت هذه الكنيسة المتواضعة من القرن الخامس، وكانت تضم عدة مذاخر للقديسين (يوستينان وكوسيموس وداميانوس) من المنحة الامبراطورية على إثر الهزتين الأرضيتين المدمرتين في القرن السادس، فتم توسيعها على نحو كبير وأضيف إليها أتريوم واسع وأروقة جانبية جديدة وأنشئت منابر ومنصات خاصة بالشخصيات وهي أيضاً من العناصر المعمارية النادرة في سورية، وقد احتفظ هذا الصرح بقدسيته ومهابته زمناً طويلاً بسبب تقديس الشهداء .

ومن كنائس القرن السادس المتميزة الكنيسة المستديرة الشكل (الطارمة)، وهي ذات مخطط مركزي، زودت طارمتها بحنية محورية مفصولة عنها بجناح يتصالب مع الجناح المركزي، وهذه حالة فريدة في العمارة المشرقية ما قبل المسيحية، وهي تشبه كنيسة العذراء في بيسان الفلسطينية. وثمة صروح دينية أخرى يتوضع بعضها خارج الأسوار.

14- الكاتدرائية

استحوذت هذه الكنيسة وملحقاتها في الحي الجنوبي -الشرقي على جزيرتين في مخطط المدينة بمساحة تصل إلى نحو 12 ألف م2، وهي تنفتح على الشارع العرضاني (Decumanus) بواجهة واسعة مؤلفة من ثلاث أقواس شبيهة بواجهة قلعة سمعان، ويضم المدخل المبلط حجر التكريس العائد إلى عهد الأسقف بولس Paulus في عام 533م. ويرجع مخططها الأساسي على الأرجح إلى القرن الرابع الذي يحدد طبيعتها بأنها كانت في البداية كنيسة شهيد (مارتيريون (Martyrion ، أقيمت بلا شك لتضم ذخيرة الصليب الحقيقي المقدس الذي قامت عليه شهرة أفامية المسيحية. ولكن بعد الهزتين الأرضيتين في القرن السادس تحول الصرح إلى كاتدرائية واستتبع ذلك عدة تغييرات وتعديلات معمارية تتناسب مع بقائها كنيسة للحج. وكانت الكاتدرائية تشكل مركز الأسقفية؛ لذلك أحاطت بها المرافق الضرورية لإدارة مقاطعة كنسية كبيرة بما في ذلك قصر الأسقف ومكاتب وكنائس صغيرة. وتعد المجموعة الأسقفية في أفامية مع مجموعتي جرش  والرصافة  المجموعات المعمارية الأكثر ضخامة وأهمية في الشرق المسيحي، وإضافة إلى ذلك قدمت عدداً من اللوحات الفسيفسائية المهمة، ومنها فسيفساء الحوريات الفخمة وكذلك الفسيفساء ذات المواضيع الفلسفية الميثولوجية التي تدل على أنها كانت مقراً للمدرسة الأفلاطونية الحديثة في أفامية والتي حاول المسيحيون طمس ذكراها بأن أقاموا فوقها مارتيريون للصليب المقدس أصبح فيما بعد كاتدرائية المدينة.

15- قلعة المضيق

كانت تشكل أكروبول مدينة أفامية وحصنها المنيع في العصور السلوقية والرومانية والبيزنطية، وقد احتلها الفرنجة  وألحقوها بإمارة أنطاكية (1106-1149م) إلى أن تمكن نور الدين الشهيد من فتحها بعد معارك ضارية معهم. وهي ترجع في وضعها الراهن إلى القرن الثالث عشر حيث تم ترميمها في العهد الأيوبي كما يذكر نقشان محفوران على جدرانها. وماتزال أقسام كبيرة من أسوارها قائمة حتى اليوم. ويمكن للمرء بإلقاء نظرة من أعلى أحد أبراجها الشمالية على وادي العاصي وسفوح جبل الزاوية أن يدرك الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع خلال تاريخه الطويل.

وفي منتصف المنحدر النازل من القلعة باتجاه الوادي يجثم جامع عثماني صغير يتميز بقبابه الثلاث وأعمدة باحته الباسقة ومئذنته الرشيقة المثمنة الأضلاع، وقد ارتبط بالخان العثماني الواقع في أسفل المنحدر على طريق الغاب الذي يعد أحد أفضل الأمثلة على الصروح الكبيرة التي شيدت على طريق الحج.

16- المتحف

افتتح سنة 2891م  في الخان العثماني العائد إلى أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وهو بنا ضخم مربع الشكل (80×80م)، يتألف من أربعة أروقة مسقوفة تتحلق حول باحته الواسعة، وهو يضم عدداً كبيراً من النقوش والتماثيل والتوابيت وشواهد القبور إضافة إلى مجموعة رائعة من الفسيفسا المكتشفة في أفامية وضواحيها تشكل متحفاً قائماً بذاته. وقد عرضت في أرضية الجناح الشمالي الشرقي فسيفسا سقراط والحكما (2.62م × 1.3م) التي عثر عليها في أرضية الكاتدرائية، وكانت تزين على الأرجح المدرسة الأفلاطونية الحديثة في أفامية ويمكن تأريخها بعام 362م في عهد الامبراطور يوليانوس  Iulianus المرتد. وقد أشار بالتي إلى التشابه الكبير بين هذه اللوحة وتمثيل السيد المسيح محاطاً بلتلاميذ الرسل في العشاء الأخير.

ومن أشهر اللوحات فسيفساء عرائس البحر التي عثر عليها في بناء الكاتدرائية أيضاً، وهي تصور نسخة شرقية لمحاكمة عرائس البحر تنتهي بتتويج كاسيوبيا Kassiopia، وهي بنت حفيد بيلوس Belos إله أفامية العظيم على عرش الجمال من قبل إلهة النصر فيكتوريا Victoria بحضور الإله بوسيدون Poseidon، بصفته إلهاً شرقياً كونياً وليس كإله البحر الإغريقي الروماني.

ومن اللوحات المعروضة فسيفساء الأيل والأمازونات الصيادات، وصورة البطل اوديسيوس وزوجته بنيلوبي، ومباراة شرب الخمر بين الإله ديونيسوس والبطل هرقل، ومشاهد مختلفة متنوعة تصور الحيوانات والطيور والأشجار والأزهار والأشكال الهندسية، وهناك مثيل لبعضها في فسيفساء أنطاكية.