هل المسيحيون كفرة؟

هل المسيحيون “كفرة”؟

بين الحين والآخر يخرج علينا أحد الشيوخ سواء كان سلفياً مثل المدعو ياسر برهامي، أو أزهرياً مثل الشيخ عبد الله رشدي بتصريح مفاده أن المسيحيين كفرة! او الشيخ سالم عبد الجليل الوكيل السابق لوزارة الاوقاف المصرية..

وللأسف الشديد إن الأمر لا يقف فقط عند حدود هؤلاء المشايخ، بل يتعداه إلى نسبة ليست بقليلة من المجتمعات الإسلامية والتي تؤمن بنفس الفكر.

في ايار 2017 اعتبر الشيخ سالم عبد الجليل في تصريح له:” أن المسيحيين ديانتهم فاسدة ومن يقول غير ذلك يضحك عليهم، وان مناقشة هذه التصريحات على الفضائيات مصيبة سودة.. ولا أتحدث هنا فى الاعتقاد”.

“تكفير المسيحيين” يطيح بسالم عبد الجليل.. والشيخ سالم يعترف بتصريحاته ويرفض الاعتذار.. ووزير الأوقاف يمنعه من الصعود على المنبر.. وقناة المحور تنهى التعاقد معه.. وبرلماني مصري  يطالب مجلس النواب المصري بمحاسبته بتهمة “ازدراء الأديان”.

الشيخ سالم عبد الجليل
الشيخ سالم عبد الجليل

يقول الدكتورتوفيق حميد (مشكوراً) وهو من الكتاب المسلمين المعتدلين الساعين للحقيقة، والذي يسعى بالتالي باعتداله الى ان يعكس موقف الاسلام من المسيحية والمسيحيين:

– “الأمر برمته مثير للغثيان، لأن الكافر في المفهوم التقليدي للشريعة الإسلامية، لا بد من قتاله حتى يذعن للإسلام. ويراه، للأسف الشديد، العديد من “الفقهاء” حلال المال والدم وأحيانا حلال العرض.” انتهى الاقتباس من الدكنور توفيق حميد.

الدكتور توفيق حميد
الدكتور توفيق حميد

 ونقول في هذا الصدد ان الاكثر مرونة  واعتدالاً من هؤلاء الفقهاء رفضهم  في فتاواهم تهنئة المسيحيين في اعيادهم وتحذير المسلمين لأن المسيحيين مشركين وكفرة كما بتنا نرى مؤخراً من تصاعد فتاوي شيوخ الفتنة اولئك عند كل عيد مسيحي، حتى ان البعض منهم كفر المسلم الذي يهنىء جاره اوصديقه المسيحي في عيده   وليس فقط مجرد التحذير…!

شيء بشع ومقزز حتى لمجرد مناقشته، لكنني مضطر أن أناقشه لكي أطرح فهماً آخر لهذه المسألة يقضي على اتهام المسيحيين بالكفر بصورة نهائية.

يقف المسلم البسيط حائرا بين قلبه الذي يرى أن المسيحي الطيب الذي يعامله برحمة وإنسانية، ويفتح كنائسه ومدارسه لتوزيع المعونات المادية والعينية لجميع المواطنين بغض النظر عن الدين والمذهب وتكون حصة المسلمين اكثر بأضعاف مضاعفة كما حصل في سورية بتصدي دائرة العلاقات المسكونية والتنمية البطريركية في بطريركية انطاكية وسائر المشرق منذ 2003 لمساعدة العراقيين النهجرين الى سورية ولاتزال وتصديها منذ مأساة سورية غي آذار 2011 وحتى الآن ثم تبعتها بعض الكنائس الاخرى ولازالت الجهات الكنسية تساهم في تقديم كل ما امكنها وخاصة في زمن العقوبات الجائرة على سورية… او يفتح المستوصفات والمشافي لاستشفاء كل المواطنين… 

المسلم البسيط  يرى هذا ويعيشه وبستفيد منه فيحتار منيصدق شيوخ الفتنة وفقهاء البغض او افعال الرحمة التي تقوم بها الكنيسة له ولكل المسلمين وهي الافقر بكثير من وزارة الاوقاف…!!!

يرى المسلم جاره المسيحي  او صديقه يدعوه بكل محبة واخوة الى حفلة اكليل ولده او ابنته،  او حفلة المعمودية بطقسها الروحي في الكنيسة، فيرى ان هذا المسيحي مثله يؤمن بوجود إله ويوم حساب مثله، وكما سمع في صلوات الاكليل والمعمودية من قراءات وتراتيل عذبة وهي صلوات مرفوعة الى الرب  ليوفق العروسين في العرس، وليكبر المعمود بالنعمة الالهية. ويرى  بهذه الصلوات ان المسيحي لا يمكن أن يكون  كافراً فهو يصلي مثله الى الله، وبحرارة  اكثر ربما لم يعهدها في دينه، وبين آراء الشيوخ والتي يدعمونها بآيات من القرآن بأن المسيحيين “كفرة”.

قال لي ذات يوم  احد المسلمين المؤمنين وكان معلمي في الجيش وهو ضابط  شامي من العمارة الجوانية في دمشق القديمة، وكان لايقطع فريضة الصلوات الخمس والصوم والزكاة ومساعدة كل محتاج. قال لي وكنا بالجبهة قرب كنيسة وكان يوم احد وقرع جرس الكنيسة، وشاهدنا اهل البلدة يذهبون اليها للصلاة، فقال لي منتقداً: “يا يوسف (اسمي بالهوية) انتو المسيحية عندكم دين، ولكن بكل اسف مافي عندكم يقين، ونحنا المسلمين عنا يقين لكن ليس عندنا دين، عنا دين بس مو قدكم ، لك ياعمي الدين الكن، والنا التدين.”

وفي جلسة مسائية جمعتنا، وكان هو قائدنا في القطعة العسكرية، ونتحدث عن الطهارة والنجاسة قال ابو احمد لي:” انتوا المسيحية اذا نزلتوا بقليط مابتتنجسوا بينما نحنا بدون تغسيل وتشطيف ووضوء باستمرار بتطلع ريحتنا”.

هنا استغرب احد السامعين (وكان من السلمية من اخوتنا  ابناء الطائفة الاسلامية الاسماعيلية ورتبته مساعد اول وكان راقي جداً)  واسمه اسعد وسأله: شو بتقصد يا ابو احمد؟ فأجابه لأن المسيحيين  ياحبيبي معمدين”. فزاد استغراب المساعد اسعد وقال له انا لا اقتنع بهذا الكلام، شو معمودية، ما معمودية ماهي حمام للطفل وانا اشتركت بمنطقتنا مع اخوتنا المسيحيين بحفلات عمادات اولادن ؟ فأكد ابو احمد كلامه بأن المعمودية هي طهارة واخوتنا المسيحيين طاهرين لأنهم معمدين، لذلك قال  له ترى ان الكثير من المسلمين ينذرون تعميد اولادهم بمرض وبدون مرض وبيكونوا مثلي من المتعصبين لاسلامهم، روح شي نهار على دير صيدنايا وشوف قديش بيتعمد اطفال مسلمين كل يوم، ولكنهم لايصبحون مسيحيين لأنه يلزم استكمال الطقوس وهي بيعرفها يوسف ووجه اصبعه نحوي، وتابع انا عمدت اولادي…واكتفيت لأنهم صاروا طاهرين…

سأله المساعد اسعد: “طيب يامعلم  شو البرهان على الطهارة والنجاسة؟”، فأجابه معلمنا ابو احمد : “شغلة بسيطة وهي طبقناها لما كنا شباب:” كان معنا بالجيش زميل مسيحي وكنا بنقاش مماثل، فبادرنا انا وزملائي الاسلام اللي معي وغسلنا ارجلنا بسطل ماء وقدمناه لحمار كان يرعى في الحقل الذي  كانت قطعتنا العسكرية معسكرة فيه  فأدار الحمار وجهه وتعفف عن الشرب، وانا طلبت من زميلنا المسيحي يعمل مثلنا، واخذ سطل الماء للحمار فشرب كل الماء…!

وختم حديثه بالقول هذا لايعني اني احب المسيحية اكثر من الاسلام، وانتم ترونني كم انا مؤمن باسلامي ومتعصب، ومابسمح لحدا يحكي شي عن الاسلام، وامارسه بشكل حرفي، ولكني مؤمن ايضاً بالمسيحية، فهي قريبة لله عز وجل كلها محبة ونكران الذات ومسالمة، واحب اخوتنا المسيحيين فهم مسالمين وودودين ومابيأذوا حدا، وبيسامحوا يلي بيأذيهم، وسيدنا المسيح عليه اشرف السلام من روح الله هو علمهم هالشي، وما اكثر معجزاته كما وردت في الانجيل، ومافي اكثر من عجائب ستنا مريم امه ومع مسلمين اكثر بكثير من المسيحيين…بشرط الايمان.

وانتهى الحوار  فتذكرت معلمي الضابط ابو احمد وكان هذا الحديث في حرب الاستنزاف عام 1974 اثناء تفصيلي لهذه التدوينة وترحمت عليه وقد استمرينا اصدقاء الى حين وفاته قبل عدة سنوات…

حلقة تأمل في الكتاب المقدس
حلقة تأمل في الكتاب المقدس
 واتابع بقولي لو كان القرآن يرى أن المسيحيين (واليهود) كفرة لما أباح الزواج منهم، وان نص في قضية التوريث ان لاميراث مع اختلاف الدين، وانه لايجوز للمسلمة ان تتزوج كتابياً وتصير مسيحية، اذ يعتبر الامر بحكم الردة، والمرتد عن الاسلام يستوجب القتل.

​​ويحدد الدكتور توفيق حميد انه من أكثر الآيات التي يستخدمها رجال الدين في هذا المضمار هي آية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ} وآية {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}.

والآية الأولى ذكرت في سورة المائدة آية 17 وآية 72، أما الآية الثانية فقد ذكرت في نفس السورة آية 73.

والآن سأتطرق للآية الأولى والتي دأب الإسلاميون على استخدامها لتكفير المسيحيين، ولن أجد ما أبدأ به أفضل من قول العلامة الشوكاني في كتابه “فتح القدير” حين قال في هذه الآية إن ضمير الفصل في قوله: {هُوَ ٱلْمَسِيحُ} يفيد الحصر؛ أي أن {ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ} لا غيره، أي أن التعبير حدد الذات الإلهية في جسد المسيح “فقط”.

وأ تفق كوني مسيحي مؤمن مع الاستاذ حميد  المسلم المؤمن بقوله:” انه في الحقيقة  أن أغلب المسيحيين لا يرون أن الله محدد “فقط” في جسد المسيح، بل بالحقيقة هم يرون الله في ثلاثة أقانيم أو تجليات، فهو الإله الخالق السرمدي غير المنظور أو الآب (وهي كلمة آرامية تعني الله) وهو أيضا الإله المتجلي في شخص المسيح (أو ما يسمى مجازاً بالابن) وبالإضافة إلى ذلك فهو الروح التي تعيش فينا (أو الروح القدس).

أو بمعنى آخر فإن المسيحيين لا يحددون الله “فقط” في جسد المسيح لكي تنطبق عليهم الآية المذكورة.”

ولكي أوضح هذا الأمر سأضرب مثلا لغوياً بسيطاً وهو أنه إن قال قائل بأن “الماء بخار” فهو يختلف كلية عن القول بأن “البخار ماء”.

فالمعنى الأول “الماء بخار” خطأ لأنه “يحدد” صفة الماء في صورة غاز فقط، ويلغي وجود صور أخرى له مثل الماء السائل والثلج المجمد، أما المعنى الثاني وهو أن “البخار ماء” فهو صحيح لأن البخار في حقيقته هو ماء، ولأن التعبير لم يلغ وجود صور أخرى للماء مثل السائل والثلج المجمد كما ذكرنا.

وذلك المبدأ ينطبق تماما على المفهوم بأن القرآن رفض فقط تعبير أن “الله هو المسيح” لأنه يحدد الله “فقط” في الجسد، ويلغي وجود صور أخرى للذات الإلهية.

باختصار شديد هناك فارق لغوي كبير بين تعبير “الله هو المسيح” وهو يحدد الإله فقط في الجسد، وبين تعبير بأن “المسيح هو الله” وهو ما لا يلغي صور الله الأخرى، والقرآن اعتبر “الكفر” فقط في الحالة الأولى أي التحديد في الجسد.( كما في تأكيد الاستاذ حميد)

ولذا فإن المسيحيين الذين يرون أن الله ليس محدداً فقط في الجسد، وأنه يتجلى في أكثر من صورة فهم ليسوا كفاراً تبعا” للقرآن.

أما الآية الثانية وهي {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} فهي تتكلم عن ثلاثة آلهة مختلفة وليس ثلاث صور لإله واحد كما يؤمن  كل المسيحيين ” الله واحد في ثلاثة اقانيم غير منفصلة، عدا الهراطقة.

على سبيل المثال ذكر القرآن تعبيراً مشابهاً لـ “ثالث ثلاثة” وهو تعبير “ثاني اثنين” حينما تكلم عن خروج محمد عليه السلام من مكة مع صاحبه، فقال “إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا”.

​​وهنا نقف لحظة أخرى أمام التعبير اللغوي “ثَانِيَ اثْنَيْنِ”.

فتعبير “ثاني اثنين” يتحدث عن شخصين مختلفين تماما ـ هما محمد وأبو بكر الصديق وكذلك الحال في قوله (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله “ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ”) فهي تتحدث عمن يعبد “ثلاثة آلهة مختلفة” وليس من يقول بأن الله هو واحد ويتجلى في ثلاث صور كما يؤمن المسيحيون، باستثناء الهراطقة والمتهودون والآريوسيون وشهود يهوه والسبتيون.

أما الحجة الثالثة هنا فهي أن القرآن فرق بوضوح بين “الكافرين” وبين ما يسمى في القرآن “أهل الكتاب” أو بمعنى آخر المسيحيين واليهود، فقد حرم القرآن الزواج من “الكفار” فقال “وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ” في حين أنه أباح الزواج من أهل الكتاب.

فلو كان القرآن يرى أن المسيحيين (واليهود) كفرة ـ كما يرى المتطرفون ـ لما أباح الزواج منهم تبعا لآية “وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ”.

وفوق كل هذا فقد أوضح القرآن الكريم الفارق الشاسع بين المسيحيين وبين الكفار في قوله تعالى “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ـ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ”. أي أن أتباع المسيح أو لغويا “المسيحيين” ليسوا كافرين بل هم ـ كما جاء في القرآن ـ في منزلة عالية جدا عند الله.

وأكاد أرى أعين بعض دعاة الكراهية الآن وهم يشتاطون غضبا من هذه المواجهة الفكرية، وتتعالى أصواتهم بأن المسيحيين ـ على أقل تقديرـ كافرون بمحمد عليه السلام.

وهنا يأتيهم الرد القرآني “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”، والآية كما يرى الجميع لم تشترط الإيمان بمحمد لدخول الجنة.

الاستاذ توفيق حميد مشكوراً وقد دعى شيوخ الفتنة وفقهاء الكراهية الى مواجهة حوارية وفكرية لذلك قال:

أكاد أرى أعين بعض دعاة الكراهية الآن وهم يشتاطون غضبا من هذه المواجهة الفكرية، وتتعالى أصواتهم بأن المسيحيين ـ على أقل تقديرـ كافرون بمحمد عليه السلام”.