كتاب توصية وتصريف من البطريرك اغناطيوس الرابع للخوري قسطنطين يني قبيل سفره الى اميركا

الخوري قسطنطين يني

الخوري قسطنطين يني

تمهيد

احد كهنة المقر البطريركي بدمشق في الفترة الممتدة من منتصف السبعينات الى منتصف التسعينات، خدم في كل كنائس دمشق، لكن  اكبر مدة قضاها كانت راعياً لرعايا في كنيسة الصليب المقدس، وفي الكاتدرائية المريمية،  وفي كنيسة الصالحية، وخدم كل الرعايا بورع وأمانة الراعي الحقيقي على خرافه، وحاز محبة واحترام  كل ابناء الرعية الارثوذكسية الدمشقية في كل مكان. وكان موصوفاً بكلمة شاملة على شفاه كل الناس هي:” ابونا قسطنطين يني روح قدس” هكذا كانت نظرة الكل له. وعلى مايبدو كانت هي سمة العائلة فشقيقتاه على مثاله في الورع والتقوى والاحترام.

وكان ابونا قسطنطين يني، وهو اسمه الكهنوتي، يحظى باحترام قل نظيره في اوساط الطوائف المسيحية الاخرى لدماثته ومحبته للجميع وسعيه لخدمة الجميع وكل طالب لها بتجرد من كل غاية وانتفاع مع ابتسامة حلوة…

كان يبادر كل المارة بالتحية وخاصة صباحاً بقوله لهم الله معكم، نهاركم مبارك، نهاركم سعيد…بصوت منخفض مشبع بالخجل.

كان دوماً بكامل قيافته الكهنوتية، يقف مع الجميع من المارة الراغبين بالحديث معهم ويلاطفهم، ويسألهم عن احوالهم، يستوقف اطفال المدارس ليسألهم عن دراستهم وعن اهلهم. ويتابع طريقه الى كنيسة الصليب صباحاً للصلاة الباكرية حيث كان يقيمها اولاً بمفرده، ثم لباه العديد من الرجال والشباب حيث كانوا يصلون معه صباحاً باكراً… وبعد سفره توقفت هذه الصلاة الباكرية.

لقد كان خير خلف لخير سلف الراعي المميز الاب العلامة المرحوم ايوب سميا…

منذ زمان طويل وانا اسعى لتوثيق ما امكنني عنه، حيث الناس اليوم وخاصة المعاصرين نسوه، والجيل الجديد لايعرفه…

وجدت ان الواجب علي ان اتصدى لكتابة ما امكنني عنه وليس من معلومات كافية وموثقة عنه الا سجل الكهنوت في المكتب البطريركي حيث ملفات صغيرة عن ذاتيات الكهنة…لم اجد مايشفي غليلي وحتى صورة شخصية لم اجد له لأعيده الى الذاكرة، حيث ان الناظر للرسم لن ينساه.

كنا الاب قسطنطين وأنا اصدقاء،  وخاصة لما اعتزمت شاباً اعتناق الكهنوت الشريف، وكنت في بداية عهدي الوظيفي موظفا في وزارة الدفاع، ووقتها حكى لي انه بدوره كان موظفاً في وزارة الدفاع، وانه تقدم باستقالته زمن الوحدة وكتب في طلب الاستقالة ان السبب لينتمي الى الكهنوت. وتعرض لارباكات شديدة من قبل الاستخبارات حينها ومضايقات شتى لأجل مشروع الكهنوت، ومع ذلك لم يأبه وأتْبَعَ طلبه الاول بطلبين اثنين، وحصل على الدعم من مثلث الرحمات البطريرك ثيوذوسيوس السادس لدى المسؤولين في وزارة الدفاع.

واخيرا قُبلت استقالته، وبدأ مشوار الكهنوت رجلاً ناضجاً، اتم خدمة العلم، وعمل في خدمة الدولة باخلاص وتحديدا في وزارة الدفاع، وحاز احترام الرؤساء والزملاء الذين أسفوا على فراقه…

في تلك الآونة عرفت  منه هذه المرحلة من عمره، وكنت أزوره قليلا في غرفته بجناح الكهنة في الصرح البطريركي، وبجانب غرفته كانت غرف الاصدقاء من الكهنة دامسكينوس منصور (مطران البرازيل اليوم) وجوزيف الزحلاوي (مطران اميركا الشمالية اليوم) وجورج ابو زخم (مطران حمص اليوم) وجورج جيلو ( الارشمندريت) كنا نجتمع جميعا بجلسات ممتعة، يروي لنا بعضا من ذكريات النضال المر في لواء الاسكندرون الوطن المفقود والمسلوخ من سورية الأم، الوطن الحبيب لعائلته، وكان بالتالي يعطينا من النفحات الادبية التي كان يحسها ويدونها…

وكان يشددني في مشروعي الاستقالة لأجل الكهنوت الشريف، لأن استقالته هو لم تكن سهلة، واكيد طلب استقالتي ايضاً  من الصعب الموافقة عليه، ولم تتم الموافقة عليه… رغم تدخل اولي الامر، ولكني انتقلت من وزارة الدفاع بموجب مسابقة لحملة الاجازات الجامعية الى رئاسة مجلس الوزراء. ومع ذلك عانيت واخيراً تم نقلي بملاكي الجديد. 

لما قرر ابونا قسطنطين في عام 1984السفر الى اميركا الى حيث كانت قد سبقته شقيقتاه، تقدم الى غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع راجياً الموافقة على سفره، ومنحه كتاب تصريف حسب الاصول كهنوتياً. فوافق غبطته آسفاً على هذا الكاهن المميز في طاعته وسكوته وسيرته غير المَلومةْ، كما اتذكر. وقد قال له غبطته:” انا لن اقف امام سفرك وان كنت في ابرشيتي خاسراً كاهنا متميزا مثلك ياابونا”.

هو من قال لي ذلك. وانا اتذكر ردي على قول الاب قسطنطين وفيه تأييدي لغبطته بجوابه له. وقتها ودعني قدسه رحمة الله عليه. كان كتاب التوصية والتصريف التالي نصه وبالحرف  بتوقيع غبطته حيث عبر فيه مثلث الرحمات البطريرك عن تقديره لهذا الكاهن النشيط والمطيع والمهذب وصفاته، اُدرجه بالحرف /كواجب علي/ كي اعطيه حقه لمن لايعرفه من الجيل الاكليريكي الجديد والعلمانيين، وليتذكره من يعرفه وعاصره.

كتاب توصية وتصريف

ان القوانين الرسولية والمجمعية تأمر بأن يتزود الكهنة العازمون على السفر بكتب توصية وتصريف من الذين شرطنهم. اما كتب التوصية فلبيان حقيقة معتقد الكهنة وسيرتهم وشرطونيتهم، ولاسيما اذا كانوا ذوي سمعة غير ملومة. اما كتب التصريف فلبيان الرخصة المعطاة لهم من رؤسائهم لأجل القيام بواجبات الكهنوت حيثما ذهبوا. فعملاً بمقتضى هذه القوانين الشريفة الالهية نعلم جميع الاكليريكيين والعلمانيين بأن حامل كتاب التوصية والتصريف هذا قدس الابن الروحي القس قسطنطين عبد المسيح أطناس الجزيل بره هو ذو معتقد ارثوذكسي وسيرة طاهرة وسمعة غير ملومة. وبأنه قد شرطن منا بنعمة الروح الكلي قدسه المكمل الخدم الالهية الرئيسي شرطونية ناموسية قانونية بموجب شهادة ابيه الروحي وأناس آخرين ثقات  فصير بالتدريج أناغنسطاً فايبوذياكوناً فشماساً فكاهناً وذلك في كنيسة الكاتدرائية المريمية بدمشق الشريفة. ولهذا فاننا نطلق سبيله ونمنحه السلطة لكي يقوم بكل واجباته الكهنوتية بدون مانع حيثما ذهب، ولكن بعد حصوله على الرخصة القانونية والسماح من رئيس الكهنة المحلي.

وتأييداً لذلك قد اعطيناه بيده هذا الكتاب الموقع عليه باسمنا والممهور بختمنا.

دمشق في 30 آب 1984

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

للروم الأرثوذكس

أغناطيوس الرابع

السيرة الذاتية

بموجب استمارته الكهنوتية بخط يده في ملفه الذاتي المحفوظ في المكتب البطريركي هو

الخوري قسطنطين اتناس او أطناس، لكن كان اسمه قسطنطين ولقبه يني، وهو الاسم الكهنوتي الشائع في البطريركية وبين الرعية ولم اعرف السبب. ويني اسم  يوناني يعني حنا، ربما كان لقب العائلة في الاسكندرونة لكنه ليس مثبتاً في الاحوال المدنية.

والده عبد المسيح، والدته كاترينامن لواء الاسكندرون السليب.

وهو من مواليد مدينة الاسكندرونة  1926وتم عماده في كاتدرائية الاسكندرونة.

هربت العائلة الى سورية في 30 ايلول عام 1938  بعد الحكم على شقيقه الأكبر اسكندر/ وهو المناضل الوطني الكبير في سبيل عروبة اللواء/ بالاعدام عام 1936 قبيل اغتصاب تركيا للواء الاسكندرون الذي تم لها عام 1939  وصار جزءاً مغتصباً ملحقاً بتركيا المغتصبة، ومعظم العائلات المسيحية السورية والارمنية الانطاكية واللوائية  اختارت سورية ولبنان موطناً بديلاً، ولم تقبل بالبقاء والجنسية التركية. 

واستقرت في دمشق مع نظيراتها في منطقة الصالحية، شهداء، واكتبست على الفور الجنسية السورية كبقية اللاجئين من اللواء السليب، وكان محل القيد المدني هو دمشق صالحية جادة خانة 775.

دراسته

درس الابتدائية في مدرسة الفرير بالاسكندرونة، قبل اللجوء، ثم درس الاعدادية والثانوية في مدرسة اللاييك (معهد الحرية) بدمشق.

حصل على الاجازة الجامعية في اللاهوت من جامعة اثينا السنة 1967

اتقن بالاضافة الى العربية اللغة الفرنسية فكتب بها وترجم عنها للعربية، واجاد اليونانية القديمة كأحد اساتذة الجامعات القلة الذين يجيدونها بشهادة بقية الاكليريكيين المعاصرين، واليونانية الرائجة كأحد مواطنيها، فكان فيها الكاتب والمعرب بإجادة مطلقة كما العربية…

حياته العملية

بعد حصوله على الثانوية العامة تقدم للعمل في وزارة الدفاع السورية موظفاً مدنياً. فكان مثال الاخلاص والتفاني في عمله وحاز محبة الرؤساء والزملاء، وحصل على ثناءات عديدة. وفي اواخر عهد الوحدة بين سورية ومصر 1958-1961 تقدم باستقالته من العمل الوظيفي مبيناً رغبته في اعتناق الكهنوت، الامر الذي اثار دهشة عند مدير الادارة وبقية المسؤولين، وحاولوا اقناعه بالعدول عن فكرته، لكنه اصَّر…

وبعد زمن وكانت الاجهزة الامنية تتابعه للتحق من الدافع، ولعب البطريرك ثيوذوسيوس السادس دوراً رئيساً في دعمه، ولما كانت النتائج كلها طيبة في سيرته النقية تمت الموافقة على استقالته مترافقة مع الاسف من الادارة وكل من عرفه في العمل الوظيفي.

كهنوته ودراسته اللاهوتية

كتابه اصداء من الماضي
كتابه اصداء من الماضي

رسم اناغنسطاً مبتدئاً وخدم بعض الوقت في دار البطريركية، ثم اوفده البطريرك ثيوذوسيوس السادس الى اليونان بمنحة من الحكومة اليونانية لدراسة اللاهوت في جامعة اثينا، حيث حاز وبجدارة وبمعدل ممتاز الاجازة الجامعية في عام 1967 وعاد الى دمشق، فأقام في دار البطريركية، متردداً على أمه وشقيقاته… وببركة غبطته رسمه المطران سرجيوس سمنة اسقف سلفكياس والوكيل البطريركي وقتئذٍ شماساً انجيلياً يوم الاحد 24 آذار 1968 في الكاتدرائية المريمية. ثم في الاحد التالي اي في 31 آذار 1968  رسمه كاهناً في كنيسة الصليب المقدس بالقصاع وسط فرح عارم من امه وشقيقاته وممن تبقى من عائلته في دمشق، وخاصة من ابناء اللواء وانطاكية المتواجدين بكثافة في الرسامتين، والموصوفين بشدة انتمائهم الكنسي، وبحضور مميز من ابناء اسرة حركة الشبيبة الارثوذكسية  في الرَسامتين الشموسية في المريمية والكهنوتية في الصليب، لا سيما وان علمنا كان منذ شبابه عضواً ناشطاً فيها ومرشداً.

وعندما سافر الى اميركا  1984خدم هناك في ابرشية نيويورك وسائر اميركا الشمالية العزيزة بإخلاص كما كان حاله في دمشق، ولما لم يكن ثمة تواصل انقطعت اخباره، ولكن كما تناهى اليَّ واعتقد ان المتروبوليت فيليبس صليبا طيب الذكر راعي الابرشية، قرر جبر خاطره بمكافأته بمنحه رتبة ارشمندريت، وأناب عنه معاونه المطران انطون خوري فرسمه حسب الاصول، ومنحه رتبة ارشمندريت تقديراً له على اتعابه وألبسه الصليب المقدس.

وكما سمعت ايضاً، في الفترة الماضية، انه ارتقى الى الأخدار السماوية، محمود السيرة  طاهر السريرة خدم سيده الرب يسوع بعشق الهي، وطغى الاسف على ارتقائه من كل عارفيه في الوطن والمهجر.

أصداء من الماضي

وكي أُعطي هذا العلم الطاهر والمتقدس حقه، بحثت كثيرا عما يفيدني بكتابة سيرته، ولكني لم اجد اكثر وفاء ومصداقية بحقه، مما كتبه  الصديق سيادة الارشمندريت العلامة يوحنا التلي في تشرين الاول 1986 في مقدمة كتاب علمنا الخوري قسطنطين يني” أصداء من الماضي” /  اصدار مكتبة السائح – طرابلس في الطبعة الاولى  1987 وكان علمنا وقتها قد صار له في وطنه الجديد الولايات المتحدة ثلاث سنوات وقد حوى كتابه هذا مجموعة مقالات وقطع نثرية رائعة وسير نضالية للتمسك بالوطن المسلوخ عن سورية…

أُدرج مقدمة كتابه “أصداء من الماضي” بالحرف لأنها تعطيه حداً مقبولاً من حقه علينا في غياب المعلومات الأكثر…

الاستعارة بمقدمة الكتاب

“مقدمة

“قال أحد العلماء:” حدثني عن صفات انسان أحدثك عن بيئته” أو “حدثني عن البيئة والمناخ الاجتماعي، احدثك عن صفات الانسان هناك”.

إذا صدق هذا القول بصفة عامة على الكثيرين فإنه يصدق تماماً على ابن لواء اسكندرون “قسطنطين اطناس” ابن عبد المسيح وكاترينا المولود في مدينة اسكندرون عام 1926.

واللواء عريق في كل شيء: الفكر الحضاري، جمال الطبيعة، خصب الارض والمواسم. وقد انجب إنساناً عريقاً يفخر بتاريخه وماضيه ويحوله الى قضية واحدة معاصرة، شغلت اللواء منذ بدايات هذا القرن، انها قضية الحق العربي في اللواء، والمؤامرة الكبيرة التي شاركت فيها دول عديدة كي تسلمه لغير اصحابه.

في هذا الجو المشحون بقضية المصير ظهر قسطنطين وحصل على ثقافة وعانى ماعاناه من حمل فكر اللواء وهمومه ومشاكله.

الأمر الذي كان هاجسه الأكبر فهو يعيش نضالاً دائماً. نضالاً داخلياً محوره مشكلة الحق، والانسان في قلب انسانية نرفض الضياع، ونضالً داخلياً يتمثل في الجهاد والكفاح الذي بدأه وهو بعد غض العود يافع، فالمشكلة كبيرة وهو صغير.

على ان البيئة الصغيرة المتمثلة في بيته لم تكن إلا انعكاساً حياً لأحداث اللواء، فكل من في البيت والده واخوته الستة والجو العام تعكس قيمة عليا تلخص مشكلة الحياة والموت.

لقد عبّر عن مشكلة الوجود هذه أخ قسطنطين الأكبر اسكندر الذي كان يقدم مثالاً حياً للجهاد والنضال والموهبة (كالتمثيل والرياضة) والذكاء المتوهج الذي أضاء الكثيرين ومنهم قسطنطين الذي تأثر بأخيه اسكندر وتعلم منه الكثير.

في عام 1934 اصدر اسكندر جريدة أسماها “الطريق المستقيم” “دوغربون” وجريدة “العربي” و “القومية العربية” و”فلسطين”. وكانت تجمعه والمناضل الكبير زكي الارسوزي صداقة حميمه بمساعده الأيمن آنذاك صبحي زخور الذي كان يصدر جريدة في انطاكية اسمها ” العروبة”.

لقد ترعرع ونما اديبنا قسطنطين وهو بعد طفلاً في جو خاص تؤهله له الفطرة، فصارت تطلعاته الحياتية أكبر من عمره ولاسيما في سنوات شبابه الأولى وبعد الحكم على أخيه بالاعدام عام 1936 وهروب العائلة الى سورية في 30 ايلول عام 1938، حيث أقامت في حلب مدة ثم انتقلت الى دمشق حيث عرف الفقر والعوز الماديين والغنى الروحي. فقد تعلم من أُمه حياة الصلاة التي كانت المصدر الوحيد للسلام بالنسبة للأم والأطفال، الصلاة لانقاذ الوطن والبيت وخاصة اسكندر من الموت لقد كان الله والكنيسة الملجأ الأمين لمسيرة الشاب الصغير.

قسطنطين القادم من جزء من العالم (سميّ المسيحيون مسيحيين فيه أول ماسموا) وعُرفوا ببطولتهم وتدينهم. وهكذا عَرف قسطنطين ديمومة العلاقة بين قلبه المنفتح على هرم الحياة ومرساة الامان التي لايجدها الانسان مالم ينفتح بصدق وايمان على قلب الله الذي يعطي التعزية والعون. وقد شاءت له العناية الالهية أن يكون جندياً وخادماً أميناً للرب فقد صار كاهناً عام 1968.

ان كل مامر به في حياته قد ساهم في جعله مُرهف الاحساس شاعراً وحالماً، ونحن نلمس في كتاباته النزعة العاطفية الصادقة ممتزجة بموضوعاته الانسانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ينبثق من كل هذا مضوع الحب. وهو ماعبر عنه أصدق تعبير من خلال المواضيع السياسية والاجتماعية والأدبية. لقد كان يحس في أعماق نفسه بأن ” الله محبة” لذا كان يعيش هذا الحب الكبير في كل تحركاته. كما ان ظروف الحياة ومآسيها وهمومه قد عمقت فيه الحب الانجيلي كما بعثت لديه تأملان خاضة لايقهمهاالا من استطاع التوغل في اعماق قلبه الكبير.

لقد عبر عن مشاعره تلك في كل ماكتبه. ولما كان اخوه قد صار مراسلاً لكل الجرائد السورية واللبنانية فإنه كأخيه استمر في الكتابة لأكثر تلك الجرائد ومنها:

 الألف باء_ بردى _القبس _ النصر _ مجلة كل جديد _ الراديو _ الفن والراديو.

أما أول مانشر له وهو كاهن باسمه الكهنوتي ” الأب قسطنطين يني” فكانت ” صلاة الربيع” وذلك في مجلة اليقظة التي نشر فيها الكثير من تأملاته ومشاعره. وقد نشر ايضا في جريدة”حمص” الارثوذكسية و”المجلة السريانية” و ” مجلة النور” وغير ذلك.

وقد نشر كتباً مترجمةهي “زاد الارثوذكسية” و”ابانا” و”حضور المسيح” وذلك عن اللغة اليونانية. وهو لازال يكتب ويترجم وله تحت الطبع: كتاب “قوة المسيح” وكتيب “ضرورة العودة”.

بقي الكتاب الذي بين أيدينا” أصداء من الماضي” عملاً  فريداً عن حياة انسان بما فيها من أحاسيس ومشاعر. وهو قد جمع شذرات المعلومات من هنا وهناك وقد رافق بدايات الأدب في البلاد العربية بعد حياة الاستقلال. وقد ظل على مدى أربعين سنة يكتب المقالات ابتداء من عام 1946.

ان الحياة نابضة ماتزال في قلب الأب قسطنطين يني تمده من ينابيعها بعطاءات لايزال قادرا على تجمتها غذاء روحياً وفكرياً وقومياً ووطنياً، وفوق هذا كله غذاءً انسانياً.

الاب يوحنا التلي 

تشرين الاول 1986″

انتهى اقتباسنا  لشهادة الأب يوحنا التلي،  وكانت شهادة حق من كاهن عالم بحق كاهن جليل جمع في ذاته سمات النضال والكفاح لأجل الوطن السوري المفقود الاسكندرون الحبيب،  وقد دون الكثر من ذكرياته الصادقة عن وطنه الشهيد بمداد من قلبه المتألم على كارثة السلخ…

وجمع ايضاً في ذاته ادب انساني رفيع المستوى صاغه بحبٍ صافٍ اعتمل في ذاته عند كتابته لكل حرف، وصهر كل ذلك في بوتقة الحب الالهي للناس كاهناً الى الابد وراعياً نقي السيرة والسريرة.

الخاتمة

لن أضيف شيئاً عما قاله الاب الاديب واللاهوتي الفيلسوف والراهب والراعي قدس الارشمندريت يوحنا التلي مؤسس رهبنة ديري القديس جاورجيوس الرهباني، ودير الشيروبيم الرهباني في صيدنايا، وهو الذي تخرج عليه الكثير من الرهبان الذين صاروا بعد تلمذتهم له، وصاروا آباء مميزين في خدمة بيعة دمشق الانطاكية…

لقد شهد فيه وشهادته حق كشهادة صارخ في البرية تنير الدروب وتضيء قليلاً على كاهن جليل مغمور…

المؤلم في هذه السيرة انه كان واسرته هارباً  طريداً من ارض القداسة المسيحية لواء الاسكندرون تاركاً ارض الآباء والاجداد الأرض التي دُعيَّ فيها المسيحيون اولاً،  وبيت وأرزاق الاسرة وذكرياتها فقيراً، والتجأ الى سورية الام الحنون حيث عاش والأسرة فقراً وحرماناً مادياً ولكن بغنى روحي، وخدم الوطن باخلاص موظفا وكاهناً.

ولكن الأشد إيلاما انه في الهزيع الاخير من عمره، حين يجب ان يرتاح من غبار الظلم المعادي واللجوء والقلة المادية، هاجر الى اميركا ليتابع نضاله الروحي والكهنوتي هناك، ولكن بكل اسف كانت هجرته الاخيرة هذه قد اخرجته من ذاكرة من أحبوه وأحبهم في دمشق، وهذه حال الذاكرة الانسانية التي تنسى، ولكن هذه الهجرة الأخيرة يقيناً كانت بداية للارتقاء الأخير نحو من رعاه وحماه ونوّر طريقه كما رتب له المجد، حيث استضافه هناك في حضنه الالهي مع باقي الأبرار والمتقدسين والمقَدسين.

ابونا قسطنطين يني الطيب ليكن ذكرك مؤبدا.