في الشموسية

في الشموسية…

في الشموسية…

تمهيد

يتطلّب الحديث عن خدمة الشموسيّة العودة قليلاً إلى تاريخها في الكنيسة؛ كيف كانت تتمّ فعليّاً في الكنيسة الأولى؟ كيف تطوّرت، سواءً صعوداً أم نزولاً؟ فتاريخ الكنيسة يبيّن أنّه ليس ثمّة خدمة ثابتة ومحدّدة أُسندت إلى الشموسيّة من القرن الأوّل حتّى القرن الواحد والعشرين. فقد اعترت خدمة الشموسيّة فترات ازدهار وفترات انحطاط وحتّى غياب كامل في بعض الأزمنة.
لفظة “الشمّاس” أساساً كلمة سريانيّة تعني الخادم. وأوّل إشارة في العهد الجديد للشموسيّة نعرفها بحسب التقليد المسيحيّ في سفر أعمال الرسل. تعود أهميّة معرفة سبب نشوء هذه الخدمة إلى أنّها تكشف دور هذه الخدمة في الكنيسة.

جاء في سفر أعمال الرسل (الفصل السادس) أنّ خدمة الموائد صارت تتطلّب من الرسل وقتاً لتأمينها بالشكل الأنسب، وذلك على حساب البشارة والتعليم. وكما هي المشاكل التي نراها اليوم في أوساط خدمة المحبّة: أعطيتم فلاناً أكثر من فلان! فضلّتم فلاناً على فلان!. كذلك حصل مع الرسل في أورشليم بخصوص توزيع المساعدات على الأرامل، فاتُّهموا بمساعدة الأرامل اليهوديّات بشكل أفضل من الأرامل اليونانيّات. أمام هذه المشكلة رأى الرسل أنّه “لا يليق أنّ نهمل الكلمة ونخدم الموائد” (أع6/2). فخدمة الموائد تتطلّب وقتاً وجهداً كثيرين، ولا يجوز إهمالها، وفي الوقت ذاته، لا يجوز الاهتمام بها على حساب خدمة الكلمة (البشارة والتعليم). ففرزوا سبعة من الرجال المشهود لهم بالتقوى والأخلاق الحميدة ووضعوا عليهم اليد وأقاموهم لهذه الخدمة. كانت خدمتهم هي الموائد؛ موائد المحبّة التي كانت مترافقة مع القدّاس الإلهي في ذلك الوقت، وكذلك خدمة الأرامل.
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ (+407) في تعليقه على هذا النصّ أنّ السبعة الذين نسمّيهم شمامسة لم يُرسموا رسامة كهنوتيّة شرطونيّة، أي بوضع الأيدي، لأنّه ببساطة في ذلك الوقت لم تكن رتبة الخدمة الكهنوتيّة والرسامات بالشكل الذي ترتّبت فيه في ما بعد، ولكنّه يقبل أن نسمّيهم شمامسة لأنّهم أُقيموا خدّاماً لخدمة معيّنة. هو إذن في سياق تفسيره للنصّ يريد أن يؤكّد على أهميّة الشموسيّة باعتبارها خدمة بدأت من زمن الرسل المبكر. لذا تراه لا يقلّل من أهميّتهم، بل على العكس يمدح خدمتهم ويشجّع عليها، وهو المعروف بدعمه حتّى للشمّاسات حينما كان رئيس أساقفة القسطنطينيّة.
تؤكّد شهادات الكنيسة الأولى بعد زمن أعمال الرسل على وجود الرتب الثلاثة المعروفة في الكنيسة: الشمّاس، الكاهن، الأسقف. فقد كانت خدمة الشموسيّة حاضرة دوماً في قلب الكنيسة.
يقول يوستينوس الشهيد (+165)، على سبيل المثال، إنّ الشمامسة يناولون المؤمنين ويحملون الذخيرة المقدّسة [المناولة المقدّسة] إلى الذين لم يستطيعوا التواجد مع الجماعة في القدّاس الإلهيّ بسبب المرض وكذلك إلى المساجين.
كذلك يذكر القدّيس باسيليوس الكبير (+379) قيام الشمامسة بهذه الخدمة، أي تأمين المناولة المقدّسة، للذين لم يتمكّنوا من الحضور إلى الكنيسة لأسباب مقبولة أو مرضية لله.

الشماس مساعد للأسقف في الخدمة
الشماس مساعد للأسقف في الخدمة
خدمة الشموسية
تتوضّح خدمة الشموسيّة أكثر فأكثر في المجامع التي عقدتها الكنيسة بعد القرن المسيحي الرابع، حيث نرى هذه المجامع تعالج الكثير من القوانين الموضوعة لتنظيم خدمة الشموسيّة. تبدو تلك المشاكل غير ذات أهميّة لنا اليوم، بسبب تغيّر الظروف، لكنّها تدلّ على أنّ خدمة الشموسيّة كانت خدمة أساسيّة في الكنيسة.
يعالج مجمع قيصريّة الجديدة (315م)، على سبيل المثال، قضية أحقيّة وجود أكثر من سبعة شمامسة في المدينة الواحدة (بالطبع نسبة للشمامسة السبعة الأوائل الذين تكلّمنا عليهم سابقاً). بالتأكيد لم تكن قضية كهذه لتُطرح للنقاش في مجمع كنسي لو لم تكن خدمة الشموسيّة قد أصبحت موجودة في الكنائس التي اجتمع رؤساؤها في هذا المجمع. يشدّد مجمع قيصريّة الجديدة على ألّا يتجاوز عدد الشمامسة الرقم سبعة، بينما نجد أنّ مجمع ترولّلو (692م)، أي بعد حوالى 300 سنة، يسمح بوجود عدد غير محدّد من الشمامسة في المدينة الواحدة.
قد يُطرح السؤال بحقّ، لماذا عدّل مجمع تروللو قانون قيصريّة الجديدة؟ والجواب بسيط، لأنّ خدمة الشموسيّة تطوّرت بعدما ازدادت الحاجة إليها. فبسبب استقرار الكنيسة وصيرورة المسيحيّة الديانة الرسميّة للإمبراطوريّة الرومانيّة، توسّعت خدمة الكنيسة البشاريّة والاجتماعيّة. فبعد الذهبيّ الفمّ الذي أطلق خدمة الشموسيّة للرجال والنساء ودعمها بقوّة في القسطنطينيّة، صار واضحاً أنّ للشمامسة دوراً مهمّاً في الواقع.
دور الشمامسة
ما هو هذا الدور؟ ما هي الخدمات أو الوظائف التي أُسندت إلى هذه الخدمة؟ هل لا تزال على أهميّتها إلى اليوم؟ لا بدّ لنا من العودة إلى التاريخ للحصول على الأجوبة، والحكم تالياً على لزوم هذه الخدمة لكنيسة اليوم. ولا بدّ لنا كأرثوذكسيّين من الاهتداء بالتقليد الكنسي إذا ما سعينا في هذا الدرب.
فالتقليد الشريف يعتبر خدمة الشموسيّة جزءاً مكمّلاً وأساسيّاً للخدمة الرسوليّة. فمنذ الزمن الباكر للمسيحيّة اعتُبرت الشموسيّة الرتبة الثالثة من الرتب الكهنوتيّة الثلاث. ما يعني أنّها لم تكن خدمة ظرفيّة أو انتقاليّة، بمعنى لزوم الدخول فيها بهدف الوصول إلى الكهنوت كما هو الواقع في الكثير من الكنائس اليوم.
يتضّح من قوانين العديد من المجامع التي ناقشت هذا الأمر، وكذلك من كتابات بعض اللاهوتيّين والمؤرّخين، أنّ الشموسيّة كانت خدمة مخصّصة لمهمّة محدّدة، وفي الوقت ذاته ضروريّة للزمن الذي وُجدت فيه، بدليل أنّها توقفت في زمان آخر.  
دور الشماسات
دور الشماسات
الشماسات
ضعفت خدمة الشمّاسات، على سبيل المثال لا الحصر، بعد القرن المسيحي الثامن وتوقّفت بشكل شبه تامّ بعد القرن الحادي عشر. وأحد أسباب غيابها هو أنّ الوظائف التي كانت منوطة بالشمّاسات لم تعد مطلوبة بتغيّر أوضاع الحياة والمجتمع. فالتاريخ الكنسي يخبرنا بأنّ وظيفة الشمّاسات كانت محصورة في أربع خدمات: دهن المرأة المقبلة على المعمودية بالزيت قبل تغطيسها؛ إذ كان الطقس آنذاك يقضي بدهن كامل جسم المقبل إلى المعمودية، وحراسة المكان الخاصّ بالنساء في الكنيسة، ومرافقة أيّة امرأة تجتمع بالأسقف، والسهر على نظافة الكنيسة وترتيبها، بالإضافة إلى خدمات إنسانيّة متنوّعة ومحدّدة.
إذاً كانت خدمة الشمّاسات خاصّة ووضعيّة، وتُعتبر نموذجاً لخدمة المحبّة بالمعنى المستخدم اليوم: عمل اجتماعي، إنساني، خيري، خَدَمي…إلخ.
كانت خدمة الشموسيّة أنموذجاً لخدمة كلّ ما يختصّ بالأمور التي نضعها تحت باب خدمة الفقراء، المساجين، المعاقين، الأرامل، المعوزين، المرضى…إلخ
واجبات ووظيفة الشماس
لكنّنا نلاحظ من خلال تطوّر الفكر القانونيّ الرومي، أنّها بدأت تتخّذ، بالنسبة للشمامسة الذكور، بُعداً إداريّاً بخاصّة بعد استقرار المسيحيّة وتمأسس الكنيسة(تحول الكنيسة الى مؤسسة). اعتُبر الشماس، على سبيل المثال، عين الأسقف ولسانه ويده. يعبّر القانون عن وظيفة الشماس هكذا: “قضاء حاجة الأسقف”. ومع تثبيت الشكل الليتورجيّ للعبادة تحدّدَ دور الشماس في تسيير الخدمة غالباً، خاصّة بوجوده مع الأسقف. فحتّى اليوم، وفي غالبيّة الطقوس المسيحيّة، يقوم الأسقف والشمّاس بخدمة القدّاس الإلهي بشكل شبه كامل، ولا يلحظ نظام الخدمة (التيبيكون) للكاهن سوى بعض الإعلانات.
تعالج قوانين مجمع أنقيرة في القرن الثاني ما مفاده أنّ واجبات الشمّاس في ذلك العصر، بحسب شرّاح القانون، كانت محصورة في إحضار الخبز والخمر والقيام بالطلبات والوعظ. ما يعني أنّ دورهم الليتورجيّ واضح من القرن الثاني. يقول القانون 23 في مجمع تروللو لا يجوز لأحد، أسقفاً كان أم قسّاً أم شمّاساً، عندما يناول سرّ الشركة الطاهر أن يطلب من الذي يناوله أجرة مهما كان نوعها لأنّ النعمة لا تُباع. ما يعني أن باستطاعة الشمّاس تقديم المناولة المقدّسة للمؤمنين.
وجاء في الفرائض الرسوليّة: بعد أن يقيم رئيس الكهنة أو الكاهن القدّاس الإلهي يأخذ الشمّاس الأسرار منه لمناولة العوام مساعدةً للكاهن. وهذا ما نراه اليوم عندما يوجد شمّاس مع الكاهن، حيث يعطي الأخير الأوّل الكأس المقدّسة ليدعو المؤمنين إلى التقدّم منها قائلاً: “بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدّموا”.

رسامة الشماس
رسامة الشماس
كما جاء في مجموعة الفرائض نفسها: “ليحمل الشمّاس الكأس وفيما هو يقدّمه ليقُل: دم المسيح كأس الحياة”.
يوستينوس القدّيس يقول في دفاعه الثاني أنّ الشمامسة بيننا يناولون كلّ واحد من الحاضرين سرّ الشكر الخبز والخمر والماء ويأخذون الأسرار للغائبين. ثمّة وظيفة أخرى أيضا تكمن في نقل الأسرار الإلهيّة للمرضى. حاليّاً يأخذها الكاهن لانعدام وجود شمّاس أو أكثر يساعده أساساً. فالوظيفتان الليتورجيّة والإنسانيّة، واضحتان من القرون الأولى.
السلبيات
مع دخول الشمامسة المجال الإداري بدأت مشاكل جديدة بالظهور، منها ترفّعهم على الكهنة، نتيجة قربهم من الأسقف. ما استدعى مناقشة هذه المشاكل في المجامع الكنسيّة.
جاء في المجمع المسكوني الأّوّل: لا يتجاوز الشمامسة حدودهم عالمين أنّهم خدّام للأساقفة. ما يعني أنّ عملهم محدّد في خدمة الأسقف في المطرانيّة والخدمات الليتورجيّة.
وجاء في قوانين الرسل: لا يجوز للقسوس والشمامسة أن يفعلوا شيئاً من دون رخصة الأسقف لأنّه المؤتَمَن على شعب الربّ وهو المسؤول أن يقدّم حساباً عن نفوسهم.
نجد أنّ التشديد على هذا القانون يَرِد في ما بعد في عدّة مجامع، كالمجمع السابع (القانون 14)، ومجمع اللاذقية (القانون 57)، ومجمع قرطاجة (القوانين6،7،41،50).
تطوّر الكنيسة وترتيبها الإداري بالإضافة إلى قرب الشمامسة من الأسقف، واعتبارهم يده وعينه وخدمه، أدّى إلى قيامهم بخدمة الإدارة ما خلق مشاكل كبرت إلى حدّ اضطرّت المجامع الكنسيّة إلى البحث فيها. نجد قوانين مجمعيّة عديدة تعالج تسلّطهم وترفّعهم، وكذلك تشديد على أنّ رتبتهم هي الثالثة إكليريكيّاً، ولا يحقّ لهم أن يفعلوا شيئاً إلّا بطلب الأسقف وبتكليف منه، فهم ممثّلون للأسقف وخَدَم له ووُصفوا أحياناً برسل الأسقف وأنبياءه وعينه وفمه وقلبه ونفسه. هذا كلّه يبيّن نشوء مشاكل حادّة بينهم وبين الكهنة. فلكونهم قريبين من الأسقف باتت لهم حظوة، جعلت بعضهم يترفّع على الكهنة. وهذا أمر وارد في كلّ مكان للشماسة ولغيرهم. فالمشاكل هي هي عند البشر وفي الكنيسة، تتغيّر الظروف والأسماء فقط.
اعتبرهم القدّيس إغناطيوس الأنطاكي (+108) في أيّامه خدّام أسرار المسيح، إذ كانوا يساعدون الأسقف في العبادة. بحسب هيبوليتوس (+236) يُرسم الشمّاس بوضع الأيدي. ترد في مجمع نيقية (325م) في القانون 18 تذكيرات وتنبيهات بخصوص ترفّعهم وتكبّرهم على الكهنة لأنّهم ليسوا أكثر من خدّام الأسقف.
في مجمع تروللو إدانة وحرم بخصوص ادّعاءات تفوّق الشمامسة على الكهنة لأنّهم كانوا ينالون كرامة وتشريفاً بسبب خدمتهم الإنسانيّة وقربهم من الأسقف ومرافقتهم له.

رسامة الشماس
رسامة الشماس
من المهمّ أن نميّز بوضوح وصرامة بين ما يسمّى رتبة وبين ما يسمّى وظيفة. فالشموسيّة رتبة من الرتب الإكليريكيّة الثلاث، وتُسند إليها وظيفة أو بالأحرى خدمة محدّدة وفق نظام الكنيسة ووضعها المحليّ. خدمة الشمّاس هذه لا تغيّر من رتبته الإكليريكيّة. بينما الأسقف والكاهن يمارسان خدمتهما من خلال رتبتهما الإكليريكيّة.
لا تحدّد طقوس رسامة الشمامسة الأولى موهبة محدّدة يتوجّب توفّرها في المتقدّم للشموسيّة، كما يرد في تحديد مواهب الأسقف مثلاً. ثمّة اعتقاد شائع حاليّاً يطلب تمتّع الشمّاس بصوت جميل لأنّ خدمته باتت محصورة في الأداء الليتورجي المرتَّل. ما من موهبة محدّدة عامّة، لكن توجد مواهب خاصّة بالخدمة التي يُستدعى إليها مؤمن أو مؤمنة ما.
فحتّى طقس رسامة الشمّاس حاليّاً لا يحدّد موهبة معيّنة. فعندما يرسم الأسقف شمّاساً يضع يده على رأسه ويطلب نعمة الروح القدس لتنتدب فلاناً ليصير شمّاساً لكي يعاون في الخدمة. 
مع تطوّر الوضع الكنسي وتغيّره بدأت خدمة الشموسيّة تنحصر في المجال الليتورجي أكثر من غيره. فالإفشين الذي يُتلى على رأس المتقدّم للشموسيّة في طقس الرسامة لا يحمل أكثر من الإشارة إلى معاونة الكاهن في مجال العبادة، ولا يوضح المواهب التي يميّزها الأسقف فيه حتّى يقبله للخدمة الشموسيّة. ثمّة دليل إضافي أيضاً يتعلّق بوقت الرسامة. يُرسَم الشمّاس بعد استحالة القرابين وتقديسها، أي بعد الكلام الجوهري، بينما الكاهن يُرسم قبله حتّى يشارك في تقديس الخبز والخمر، ويعطيه المطران الحَمَل ليحمله بيديه محافظاً على هذه الوديعة إلى أن يأتي ربّنا ثانية. أمّا الشمّاس فيُرسم بعد إتمام خدمة تقديس القرابين ويعطيه المطران المروحة أو ستر الأغطية حتّى يرفرف به فوق القرابين. بعضهم يعزو الأمر إلى إبعاد الذباب والحشرات في الجوّ الحارّ!
نادراً ما نجد اليوم شمّاساً دائماً في كنيستنا. يعود السبب إلى عدم توفّر كهنة بالعدد المطلوب. فالنقص في عدد الكهنة استدعى أن تصير رسامة الشمّاس فترة انتقاليّة، قد تقتصر على يوم واحد أو تدوم لعدّة سنوات؛ وذلك حسب ما يرتأي الأسقف. لكنّه يُرسم أخيراً كاهناً لئلّا تُترك رعيّة ما بلا خدمة كهنوتيّة.
بالتأكيد أدّى هذا الواقع، مع الزمن، إلى غياب لدور الشمامسة، رجالاً ونساءً، في خدمة المحبّة، واستُبدل دورهم بالعلمانيّين الذين أسّسوا جمعيّات خيريّة وتعليميّة… بعض هذه الأخويّات العلمانيّة لعب دوراً مهمّاً وأساسيّاً في حفظ الإيمان الأرثوذكسيّ في أزمنة الاحتلال أو الانحطاط كما في أوكرانيا وصربيا، وفي الشرق.
اليوم ومع تطوّر أمور الحياة وتعقيداتها بات على الكنيسة، من منطلق رعايتها للمؤمنين، أن تدخل مجال الرعاية المتخصّصة. لم يعد كافياً أن يقوم الكاهن برعاية رعيّته بالطريقة التقليديّة فقط على أهميّتها (زيارة البيوت وإقامة الخدمات). باتت كلّ شريحة عمريّة تتطلّب رعاية تتناسب وعمرها وما تتعرّض له من تحدّيات إيمانيّة. ماذا عن رعاية ذوي الاحتياجات الخاصّة، المشاكل الزوجيّة، تفشّي اللامبالاة الدينيّة، المشاكل العائليّة، المشاكل النفسيّة، الفقراء، الأرامل، المرضى، المصابين بالتوحّد، الذين يعيشون في وحدة وعزلة…
حتّى لا نكون طوباويّين ونحمّل الكنيسة ما هو فوق طاقتها، يمكننا على الأقلّ إحياء خدمة الشموسيّة للرجال والنساء إذا ما توفّر مؤمنون صالحون لهذه الخدمة ومستعدّون للقيام بها، وكذلك إذا ما توفّرت في الكنيسة المحليّة إمكانيّة قيامهم بها.
ثمّة خبرات متناثرة هنا وهناك يمكن الاستفادة منها. ثمّة أخويّة مكرّسات في اليونان تُدعى “ليديا” تقوم بخدمات تعليميّة وتربويّة جبّارة وغيرها من الخدمات المهمّة جدّاً. لكن ثمّة نزاع أو سجال بينهن وبين بعض الجهات الكنسيّة حول توصيف وضعهن. فهنّ يعتبرن أنفسهن رهبنة بينما غيرهن يعتبرهن غير ذلك. فما الضير في أن يعتبرن أنفسهن شمّاسات وينظّمن وضعهنّ على هذا الأساس؟
في بداية القرن العشرين أسّست القدّيسة أليصابات الدوقة أخويّة شبه رهبانيّة مكرّسة لحياة الصلاة وخدمة المرضى الفقراء في قلب مدينة موسكو. لم تستمر هذه الأخوية بسبب الثورة البلشفيّة. لكن بعد زوال الشيوعيّة عادت مجموعة جديدة من الأخوات وبنت على تراث القدّيسة أليصابات أخويّة اتّخذت اسم الأخويّة الأولى “مريم ومرتا”، ويقمن بخدمة بعض أنواع من المرضى في البيوت، لست على اطّلاع كافٍ بها.
الكثير من الرهبنات الكاثوليكيّة العاملة الرجاليّة والنسائيّة باتت تفضّل اسم “المُرْسَل أو المُرْسَلة: مُرْسَلين ومُرْسَلات” على اسم رهبان وراهبات، إذ أنّهم يكتشفون، من انخراطهن في حياة الخدمة في العالم، ابتعاداً عن مفهوم الرهبنة التقليدي. حتّى أنّ بعض هذه الرهبنات الحديثة يقيم في بيت مستأجر لا في دير. كما أنّ بعضهن بدأن لا يلتزمن بالزي الرهباني!
عرفت الكنيسة القبطيّة في العصر الحديث ظهور حركة قويّة انتشرت في سائر الأبرشيّات دُعيت بالمكرَّسات. يلبسن ثوباً رماديّاً مشابهاً لغنباز الكاهن القبطي ويضعن على رأسهن غطاء كما الراهبات الكاثوليكيّات، ويُتمِّمن الصلوات اليوميّة بحسب نظام الرهبنة التقليديّة لكنهنّ يستبدلن العمل اليدويّ بخدمات محدّدة بتوجيه الأسقف.
بالعودة إلى واقعنا الأنطاكي، أمام ضعف الرعاية المطلوبة، ألا تستطيع خدمة الشموسيّة أن تملأ الفراغ الحاصل ولو جزئيّاً وفي مجالات محدودة! أَلا يستحقّ الأمر التفكير الجدّيّ بإحياء هذه الخدمة؟ ولماذا يجب أن يلتزم المنخرطون فيها بحياة شركة كاملة؟ فإذا كانت الكنيسة الأرثوذكسيّة تطلب أن يكون كاهن الرعيّة متزوّجاً، فكيف الحال بالنسبة للشموسيّة؟
عندما يتوفّر بعض الغيارى الأتقياء ويخصّصون عدداً من الساعات أسبوعيّا لخدمة الكنيسة بحسب موهبتهم، ألا يمكن أن تنطلق خدمة الشموسيّة من سباتها؟
الروح القدس حاضر وحيّ في الكنيسة، وقادر على أن يبدع ويخلق ما ينفع خلاص المؤمنين والعالم، كما أبدع قبلاً أنماطاً وأشكالاً وحركات أثبتت فعله فيها. لكن السؤال ليس للروح القدس الحاضر دائماً، بل للذين يؤمنون به إن كانوا يتركون له فسحة عمل!
جمعتني مرّة مائدة المطران إيريناوس الصربي إليه، في مطرانيّته الواقعة في مدينة “نوفي ساد” (صربيا). وهو رجل متقدّم في السنّ ومن اللاهوتيّين العلماء على المستوى العالمي ويتقن سبع لغات. فسألته: لماذا تركت الأمّ تيريزا (كلكتا)، عند موتها، خمسة آلاف مُرْسَلة، بينما ماتت الأمّ غفريلّا ومات إرث خدمتها معها؟ فأجابني بتواضع العلماء، بعد تفكير: لا أملك جواباً على هذا السؤال المهمّ؟
المتروبوليت سابا اسبر راعي ابرشية بصرى حوران وجبل العرب