الشيخ بكري الكردي

الفنان والملحن الحلبي المبدع الشيخ بكري الكردي 1909 ـ 1978م شبه المجهول

الفنان والملحن الحلبي المبدع الشيخ بكري الكردي 1909 ـ 1978م شبه المجهول

ببساطة

-عيِّن مؤذناً رئيساً في الجامع الأموي الكبير بحلب

1ـ من ألحانه «ابعت لي جواب وطمني» غناها الاستاذ صباح فخري، وهي من كلمات الشاعر السوري حسام الدين الخطيب، الذي ولد في سلقين محافظة إدلب، وعاش بحلب.

2ـ عاش الشيخ بكري الكردي شبه مجهول ، ومات شبه مجهول.

3ـ بكري الكردي هو أولٌ رائدٌ من رواد الغناء والموسيقا، بما قدمه في حلب وسورية لأول مرة من ألحانه في قالب «الدور» والقصيدة الملحنة.

الشاعر السوري حسام الدين الخطيب
الشاعر السوري حسام الدين الخطيب

ـ الأسطورة بكري الكردي

قلة نادرة جدُّ نادرة من الناس هم أولئك الذين يولدون فنانين مبدعين بالفطرة، وإذا ما تعلَّموا ما يصقل الموهبة، ويهذِّب الطبع من علوم،  ثم قدموا روائع إبداعهم، وعلَّموا بعض علومهم فإنهم لا يفعلون شيئاً من ذلك كله إلا لأنهم خلقوا كذلك ومن أجل ذلك. ولأنهم يصدرون عن طباعٍ حقيقية، ويعكسون ذواتهم وأنفسهم وتجاربهم، التي ليست في الحقيقة سوى تجارب الناس وحيواتهم، وعواطفهم وانفعالاتهم الوجدانية، تستحيل عند هؤلاء المبدعين فناً أصيلاً صادقاً جميلاً يَسْعدون به ويُسعدون من حولهم. لا من أجل التكسُّب أو الشهرة أو الجاه…وإنما لأنهم خلقوا وماتوا مبدعين حقيقيين.

ـ وإذا كان هذا الكلام ينطبق على أحد من فناني حلب ، فإنه ينطبق قولاً وفعلاً على الفنان الكبير الشيخ بكري الكردي رحمه الله.

ـ فالشيخ بكري الكردي فنان صادق أصيل … صادق في فنه كما هو صادق في حياته وسلوكه، أصيل فيه كما هي نفسه وأخلاقه وطباعه…

ـ وبكري الكردي هو الفنان العصام، على الرغم من تتلمذه على يدي الشيخ علي الدرويش. فقد علَّم نفسه بنفسه الكثير الكثير من الفن والموسيقا ونبغ في ذلك كله…

ـ وبكري الكردي هو الفنان الشامل الذي قدَّم أعمالاً في شتى ألوان الغناء العربي في عصره، من موشح وقصيدة ودور وقدّ ومونولوج وأغنية ـ بأنواعها ـ وطقاطيق، وغنى بصوته وعزف على عوده أكثر من ذلك، وتميز في ذلك كله…

ـ وبكري الكردي أخيراً وليس آخراً هو أولٌ ورائدٌ من رواد الغناء والموسيقا، بما قدمه في حلب وسورية لأول مرة من ألحانه في قالب «الدور» والقصيدة الملحنة.

ـ كما أن ألحانه هي الأكثر حظوة ودوراناً على الألسنة حتى الآن، وقد غناها الكثيرون من المطربين والمطربات، من حلب وسورية كلها ولبنان ومصروغيرهم .

السيرة الذاتية

اسمه باكير مصطفى باكير، والاسم الفني الذي اشتهر به هو بكري الكردي، و قد تكنى بالكردي محبة ب ( الشيخ أحمد الكردي) الذي كان يشغل الإفتاء بحلب. وعندما أنس في نفسه حب الغناء والموسيقا تتلمذ على الشيخ عبد الحميد النوري مؤذن جامع العمري بحلب. وأخذ عنه المقامات والأوزان والموشحات الدينية، وراح يختلف إلى حلقات الذكر ومجالس الإنشاد. ثم تعلم العزف على العود على يد عازف القانون الشهير سامي صندوق، وتلقى علم القراءة الموسيقية على يد الشيخ علي الدرويش، الذي كان يعتز تلميذه بكري الكردي بأستاذيته كثيراً. انتسب إلى التكية المولوية وكلَّفه شيخها باقر جلبي بأذان الأوقات الخمس فيها. وفي هذه المرحلة بدأ يستمع إلى أعمال سيد درويش وغيرها، فحفظها وأصبح يرددها وهو في سن الخامسة عشرة من عمره. وبدأ يستمع إلى غناء المطربين والمطربات فأحب المسرح وانضم إلى فرقه الغنائية مطرباً وعازفاً طوال ست سنوات، وكان من أعضاء فرقته سليم غزالة وإبراهيم عبد العال ومحمود حسن ونوري الملاح، ولكنه شعر إبانها بالجو الموبوء مما تأنفه طباعه ونفسه فترك الغناء على المسرح عام 1934 وكان عمره /25/ سنة زاهداً به متحولاً إلى العمل في التجارة.

ـ افتتح محلاً لبيع الألبسة، وبدَّل من طريقة لباسه بحيث أصبح يلازم المسجد وأداء الصلوات، مبتعداً نهائياً عن جو المسرح والغناء فيه. ولكنه لم يوفق في التجارة فعاد إلى المسجد وعيِّن مؤذناً رئيساً في جامع بني أمية الكبير بحلب .

ـ بدأ بالتلحين منذ كان يغني ويعزف في المسرح. فعاد إليه عودة ثانية لا بقصد الاحتراف والكسب، وإنما لغاية سامية أخرى، لا تعدو إرضاء الذات والتعبير عن النفس التي ما برحت تجيش بألوان العاطفة، وإرادة التعبير عنها بالموسيقا والألحان الراقية الرفيعة. وحينما أنشئت إذاعة حلب سنة 1949 دعي ليكون أحد أعضاء الفرقة الفنية فيها، فلبَّى هذه الدعوة ، يقيناً منه أن ما سيقدمه من فن سامٍ سيحظى بالتقدير الحقيقي، وقدم من خلال الإذاعة أعمالاً متعددة. فقد غنى من ألحانه على الأثير مباشرة مونولوج «لو كان أنينك صحيح» ودور «القلب مال للجمال» وقصيدة «العبرة» وغيرها.

ـ ومن هنا بدأت شهرته ملحناً مبدعاً، له أسلوبه الخاص في التلحين وطريقته المتفردة في الأداء، فغدا المطربون والمطربات يطلبون منه الألحان ليغنوها. ومن أبرزهم: ماري جبران التي غنت «لو كان أنينك» على الهواء. وظلت تقدمها من إذاعة حلب لمدة شهر كامل، كما غنى قصيدة العبرة المطربة إلهام، ودور« القلب مال والعبرة» المطرب صباح فخري، وقصيدة «طرفها سهم» المطرب محمد خيري، وقصيدة « سلمى» المطرب سمير حلمي.

ـ وقد سبق له أن غناها على الأثير مباشرة أكثر من مرة في الأعوام 1949 ـ 1950 ـ 1951. ثم سجلها المطرب محمد خيري، وتهافت عليها المطربون بعد ذلك، من أمثال مصطفى ماهر وفؤاد خانطوماني، وأخيراً المطرب الكبير صباح فخري الذي غناها بأسلوبه الجميل فأصبحت من أشهر ما يغنى من ألحان تراثية وهي كما أسلفنا من كلمات الشاعر السوري حسام الدين الخطيب.

ـ ويذكر الفنان بكري الكردي أنه قدم نحواً من عشرة ألحان للمطربة نور الهدى«الكسندرا بدران» وبعض الألحان للمطربة ليلى حلمي، ومنها «ابعت لي جواب» والتي غنتها في إذاعة بغداد.

ـ وقد ظلَّ الشيخ بكري الكردي يستجيب لنوازع الفن الأصيل،وللإبداع في نفسه، ولكنه كان مقلاً لا يقدم ألحانه إلا لأصحاب الكفاءة الفنية العالية والاقتدار الصوتي المتميز، أمثال المطربين صباح فخري ومحمد خيري. واستمر في ذلك بعيداً عن الأضواء، يعيش عزلته الخاصة في منزله، وفي الجامع الأموي الكبير مؤذناً لصلاتي المغرب والعشاء، مستأنساً بالقليل من الأصدقاء والمحبين، الذين كانوا يحرصون على دعوته إلى مجالسهم الخاصة ليستمتعوا ببديع فنه، ورائع ألحانه. فكان يدعى إلى السهرة في ليل الأحد من كل أسبوع في منزل الدكتور«وجيه سلطان»، حيث يلتقي ومحبوه وبعض تلامذته ونخبة من أصحاب الفن الرفيع، وقد سجَّل الكثير من هذه السهرات، وتداولها عشاق فنه وعبقريته في حلب، وبعض البلدان الأخرى.

سمعت أمّ كلثوم ألحانه فقالت: الآن اكتملت مكتبتي الموسيقية!

ـ ذكر الشيخ محمد الملاح العالم الفقيه المشهور، بأن بكري الكردي هو الوحيد بين المؤذنين الذين يؤذنون وفق التعاليم الإسلامية، فلا يتغنَّى ولا يطيل. وإن مشاهير المقرئين المصريين الذين وفدوا إلى حلب من أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل، وأبي العينين الشعيشع، وغيرهما، أكبروا فيه فنه وعلمه.

وفي سني حياته الأخيرة كان مصاباً ببعض الأمراض المزمنة، التي ما انفكت تفتك بجسمه الضئيل، وهو يعاني صابراً محتسباً إلى أن وافته المنية في نيسان 1978، وقد ووري جثمانه في مقبرة « جبل العظام » بحلب .

ـ وهكذا عاش الشيخ بكري الكردي شبه مجهول، ومات مجهولاً. وظلَّ كذلك إلا من بعض المتخصصين والمحبين والتلاميذ، في حين أن أعماله ظلت حيَّة تحمل روح البقاء والاستمرار، وليس أدلَّ على ذلك من« ابعت لي جواب» و«القلب مال للجمال»، والأهم من ذلك أسلوبه المتفرد والبديع الذي أفاد منه كبار مطربي حلب ومنشديها وما يزالون حتى الآن.

ـ وما من شك أن بكري الكردي، هو الوحيد ـ من بين الفنانين الملحنين الحلبيين حتى بدايات الربع الأخير من القرن العشرين ـ الذي قدم أعمالاً فنية ومتنوعة، فأنت تجد في ألحانه الموشح والدور والقصيدة والقد والمونولوج والأغنية العاطفية والقومية الوطنية والطقطوقة. وكل هذه الأنماط التي قدمها كانت تتميز بلون من التجديد والخصوصية مما ينأى بها عن سمة التقليد أو المحاكاة.

ـ ويعدُّ الشيخ بكري الكردي الأول في حلب الذي لحَّن القصيدة الموقعة بأسلوب جديد معبِّر، وكذلك المونولوج، والقصيدة الارتجالية التي تكاد تكون ملحنَّة.

كان آخر حياته منشداً ملتزماً كثير البكاء، مداحاً للنبي، وهذا واضح في كثير من قصائده. وقد لحن كثيراً من الأناشيد الدينية منها: آنست يا نور العيون، يا محمد لك اللوا والتاج، قري وانسري يا عين، بالله يا باهي الشيم.