المعماري محمد فرناندو دي-أراندا

المعماري محمد فرناندو دي-أراندا

 المعماري محمد فرناندو دي-أراندا

مقدمة

بينما يعبر الدمشقي أو أي زائر لأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ أصقاعاً منها تلفته كثيراتٌ من الزوايا الباقية مابقي سكانها وزائروها ومن رحل منهم ومن سيأتي، أبنيةٌ فارهةٌ عريقةٌ مر عليها من مر سائلاً نجواه أو من سار معه عن أصلها.

ويروي التاريخ عن هذه الحكايات وعن القاسم المشترك الذي يجمع بين أبنية في دمشق، كمحطة الحجاز وكلية الحقوق “المخضرمة” في دمشق وبناء وزارة السياحة المحاذي لنهر بردى والمجاور للمتحف الوطني.. وكثر غيرها، سيأتي ذكرها، وهو المعماري الذي أسس لها وبناها الإسباني “فرناندو دي أراندا”، والذي غدا لاحقاً “محمد – فرناندو دي أراندا”.

حكاية من تاريخ دمشق لا يعرفها إلا قليلون… من هو محمد فرناندو دي-أراندا..!!
في عام 1969 صلّي في جامع المرابط في المهاجرين صلاة الجنازة على المعماري (فرناندو دي أراند) والذي توفي في 27 كانون الأول وقبل أن يكمل الحادي والتسعين من عمره بثلاثة أيام , ثم ووري الثرى في مقبرة باب الصغير هنا في دمشق .
إن كان لكل مدينةٍ سرٌّ، فإن لدمشق أسرارُها .. ولها تاريخُها وبطولاتها.. ولها ألغاز وأسرار.. قصص وروايات.. بطولات لا تنتهي، وحكايات يتناقلها الأبناءُ عن الآباء والأجداد، إنها المدينة العريقة الطيبة التي تصنع الحضارة وتسطّر التاريخ.. فيها سر الكون والتكوين، لم تزل باقية حتى الآن ترد الأذى، وتنشر السلام والاديان.
مدينة تختزن التاريخ، وتحكي أحجارها وسماؤها عن أسرارها, مدينة ذات ألغاز، و (فرناندو دي أراندا ) رائد نهضة العمارة في دمشق أحد ألغاز دمشق،  فعندما نُحاول تأريخ النهضة المعمارية في دمشق، يبقى( اراندا)الشاهد الأكثر تأثيراً في عملية تطوير العمارة والعمران في دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين , وبغض النظر إن كان “أراندا” قد حصل على شهادة أكاديمية، أم لا، إلا أنه أتقن عمله، وقام به على أكمل وجه.

مدرج جامعة دمشق ومستشفى جامعة دمشق
مدرج جامعة دمشق ومستشفى جامعة دمشق
رغم أننا نمر أمام هذه المباني عدة مرات في اليوم دون أن يخطر في بالنا من هو المبدع الذي شيد هذه الأبنية
هو فيرناندو دي اراندا..
إسباني بنى محطة الحجاز وبعض روائع دمشق العمرانية! في ثناياها يتعانق مبنى الجامعة السورية القديم مع مبنى محطة الحجاز…
في أبهى المناظر العمرانية على ضفتي نهرها الخالد (بردى) تشمخ قصور وبيوتات قل نظيرها في الجمال,
وفي رحابها وعلى أكتاف جبلها الأشم (قاسيون) شيدت دوائر حكومية غاية في الروعة كمبنى المصرف التجاري السوري..
لكن المفاجأة التي تذهلك أن مصمم هذه القصور والبيوتات والمشرف على بنائها وتخطيطها هو مهندس معماري واحد، وهو اسباني الجنسية، جعلته تقلبات قرن مضطرب أن يستقر في دمشق، ويكون فيها أسرته ثم تحتضن رفاته…
بعد أن ترك لنا آثاراً لا تمحى انه المهندس المعماري (فيرناندو دي اراندا).
إنه تاريخ قديم-حديث يربط سورية باسبانية وقد لا يعلمه إلا القليلون، وكان له أثره وتأثيره على معالم كثيرة يتأملها كل زوار دمشق عند وصولهم إليها.
فحين يذكر اسم اسبانيا في سورية أو يذكر اسم سورية في اسبانيا، يخطر على البال فوراً ذكرى واحدة، ذكرى أعظم العهود في التاريخ، عهداً يكتب اسمه بحروف بارزة انه العهد الأموي في دمشق واستمراره في الأندلس.
لتاريخ العمران وأعمال اراندا الرائعة التي عكست التغييرات العميقة التي مرت بها العاصمة السورية في مطلع القرن الماضي، واتساعها بدءاً من الأحياء القديمة في الشرق، وانتهاء بالأحياء الغربية مشكلة دمشق الجديدة آنذاك.
ولنبدأ الحكاية..
ولد فرناندو دي أراندا في مدريد في 31 من كانون الأول عام 1878م، ولم تلبث أمه أن توفيت بعد ولادته بوقت قصير. رافق والده الموسيقار، منذ كان طفلاً، إلى باريس التي درس فيها الفنون الجميلة، كمختص في التصميم ومن هناك إلى إسطنبول حيث عمل والده في الفرقة الموسيقية للبلاط العثماني.ثم انتقل فيرناندوا إلى دمشق في أوائل القرن الماضي ، مكث في فندق فكتوريا، أمضى جل وقته في دمشق في دراسة تصاميم فن العمارة،وقام بجولات على أحياء وحارات الشام متأملاً هذه المدينة وعمقها التاريخي، فتعلق بالشام التي تعرّف فيها على زوجته الأولى زنوبيا سيريكاكيس، اليونانية الأصل التي أنجب منها ولدين قبل أن ينفصل عنها . اعتنق الدين الإسلامي وغيّر اسمه الى (محمد أراندا ).
ليتزوج من سيدة من دمشق اسمها (صبرية حلمي) ذات أصول تركية تعرف اليها أثناء بناء دار عائلة حلمي في الحلبوني”ثانوية الأندلس حالياً”، قضى معها بقية حياته حتى التسعين مابين حيفا ودمشق، سعى ليتقلد منصبًا دبلوماسيا، فأصبح نائبا للقنصل الفخري الإسباني في دمشق بين عامي 1912م- 1936م.
من أوائل أعمال المهندس دي أراندا الإشراف على تنفيذ مخطط ألماني لبناء(( عمارة العابد)) في ساحة «المرجة»في العام 1906، وكان أحمد عزت باشا العابد قد كلف المعماري (أراندا) بتنفيذ المخططات الجاهزة التي تحاكي أبنية ألمانية معاصرة، وأنشئ المبنى ليكون فندقاً. ولكن ظروف الحرب العالمية الأولى دفعته لاستخدامه مشفى عسكرياً ثم منزلاً للعساكر، ومازال يحمل اسم “المنزل”، وكان مقرًّا للمؤتمر السوري الأول عام 1919م (أول برلمان لبلاد الشام)، ومقرا للجنرال غورو عند دخوله دمشق عام 1920م، وفي جزء منه شغلته مديرية الاحوال المدنية (النفوس) الى فترة قريبة، وفي أحد أجزائه شغلته مديرية شرطة العاصمة، وفي غرفة منه مكث الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين ينتظر الإجراءات القانونية السابقة للإعدام وذلك عام 1965.

مبنى الحجاز التحفة الاثرية المعمارية الخالدة
مبنى الحجاز التحفة الاثرية المعمارية الخالدة
وإذا كانت ((عمارة محطة الحجاز)) التحفة المعمارية من أبرز ما صممه (عام 1912) وأشرف على عمارته المهندس أراندا واشتهر به، فإن عدداً كبيراً من الأبنية في دمشق كانت من تصميمه كان من أبرزها 1-مشفى الحميدي ( الغرباء )جانب مبنى جامعة دمشق
2-قصر ناظم باشا بالمهاجرين
3-مدرسة الحقوق – وزارة السياحة حاليا-
4-مبنى كلية الحقوق في جامعة دمشق ( الثكنة الحميدية )
5-مبنى جامعة دمشق
6-بناء مديرية الأوقاف 1930 كان مقراً للإدارة العامة لدمشق خلال الانتداب الفرنسي، ( يشغله حاليا المصرف التجاري مقابل القصر العدلي)
7-بناء هيئة مياه عين الفيجة (في شارع النصر)
8-فندق زنوبيا- تدمر: بني عام 1924، يقع في مكان ممتاز، ضمن موقع الآثار. في الثلاثينات أدارته نبيلة فرنسية ومن نزلاء هذا الفندق الملك ألفونسو الثالث عشر وأغاثا كريستي.
9-أبنية أرض الطاووسية وهي جزء من وقف جامع الطاووسية أو اليونسية،
10-خطط لتوسيع الجناح الغربي للمتحف الوطني بدمشق عام 1949

قصـــر نـاظــم باشــــا بالمهــاجريــن ... (القصر الجمهوري القديم)
قصـــر نـاظــم باشــــا بالمهــاجريــن … (القصر الجمهوري القديم)
11-قصر الايوبي في نوري باشا قرب السفارة الفرنسية عاش فيه عطا الايوبي
12-قصر حقي باشا العظم
ناهيكم عن العديد من القصور والبيوتات الدمشقية العريقة في السنجقدار ونوري باشا والحلبوني والمهاجرين
أحبَّ ( اراندا ) مدينة دمشق من أعماقه. هذا المكان الذي قضى فيه تقريباً جُلَّ حياته ومارس فيه حياة اجتماعية تركت له أثراً كبيراً في نفوس كل من عرفه، وذكرى جميلة لرجل إسباني نبيل وخفيف الظل ومحترم ومحبوب من قبل كل أهالي البلد.
وصل إلى دمشق وهو في ريعان شبابه، ومكث فيها يشْتَمّ عبق الحضارة من حاراتها، وتزوج من بناتها، وساعد على رسم صور حضارية، فشيد فيها روائع البيوت والقصور، وحين جاءه الأجلُ ضمته دمشق بين ذراعيها…
إنه المعماري محمد -فرناندو دي- أراندا “

اوابد دمشقية عظيمة اوجدها دي اراندا
اوابد دمشقية عظيمة اوجدها دي اراندا