الامبراطورية الرومية

التقسيم الرئاسي في الامبراطورية الرومانية ( الرومية)

التقسيم الرئاسي في الامبراطورية الرومانية ( الرومية)

كان العالمُ المسيحيّ، منذ إعتماد الكنيسة المسيحية الجامعة الرسولية الأسسَ الإدارية التي وضعتها أو تبنَّتها المجامعُ المسكونية، إبتداءً من المجمع الثالث، منقسماً الى خمس بطريركيات أو رئاساتٍ، “تحكمُه” مجتمعة، وهي كنائسُ روما القديمة، روما الجديدة القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية وأورشليم. وكانت هذه البطريركيات تؤلِّفُ الPentarchia التي تعني “الرئاسة الخماسية”.
وكانت هذه الكراسي تُدعى رسولية لأنَّها تأسسَت كلُها على يد أحد الرسل القديسين. وفي الأصول المسيحية، تتمُّ سيامة الأسقف بوضع أيادي أساقفة يتحدَّرون هم أنفسهم، بوضع اليد، من الرسل الإثني عشر أو السبعين الذين أنشؤوا الكنائس في كافة أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وفي بعض المناطق خارجها.
سُمّي أسقفا روما القديمة والإسكندرية باباوات لأنَّ روما القديمة كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية وأكبر المدن فيها، وأسَّسَ كنيستَها الرسولُ بطرس. أما الإسكندرية فكانت ثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية وعاصمة مصر الفرعونية في عهد البطالسة وأعظم مدينة ثقافية في القرون الثلاثة الأولى، وأسَّسَ كنيستَها القديس مرقس. لذلك أطلق على أسقفَي المدينتين لقب بابا Papa تحبباً وإعترافاً بأبوّتِهما للكنيسة الجامعة. أما أسقفُ أنطاكية فدُعي بطريركاً (وقد ثُبِّتت هذه التسميةُ في المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325) لأن أنطاكية كانت ثالثَ أكبر مدينة في الإمبراطورية، وأسسَ كرسيَها القديسان بطرس وبولس.
أما لماذا يُدعى أسقف روما الجديدة القسطنطينية بطريركاً مسكونياً ؟ فلأنَّ قسطنطين الكبير أنشأ عاصمةً جديدةً للإمبراطورية وكرّسها سنة 330، وأصبح أسقفُها رئيسَ أساقفة. ولما أصبحت روما الجديدة عاصمةَ الإمبراطورية ومقرَّ الإمبراطور (خاصة بعد سقوط إمبراطورية الغرب نهائياً سنة 476)، إتَّخذَ المجمعان المسكونيان الثالث والرابع قراراتٍ بإعتبار رئيس أساقفة العاصمة الجديدة بطريركاً مسكونياً معادلاً لبطريرك روما القديمة ومساوياً له، منوطاً به الإعتناء بما يخصُّ شؤون المسكونة جمعاء وصِلةَ الوصل بين الكنيسة والدولة. أسَّس كنيسة بيزنطية التي سبقت القسطنطينية بحوالي ثلاثة قرون القديسُ أندراوس.
أما في الأراضي المقدسة، فكانت مدينة قيصرية فلسطين على البحر الأبيض المتوسط عاصمةَ فلسطين في العهد الروماني، وكان أسقفها يترأس الكنيسة في فلسطين. لكن، بعد قسطنطين وبناء كنيسة القيامة وإكتشاف الصليب المقدس، أعاد الرومُ الإعتبارَ الى مدينة أورشليم (التي كان الرومان يدعونها آيليا كابيتولينا)، وجعلوا أسقفها رئيساً على أساقفة الأراضي المقدسة والتي كانت حينذاك جزءاً من بطريركية أنطاكية وسائر المشرق. أما المجمع المسكوني الرابع، ففصَل أورشليم والأراضي المقدسة عن المشرق الأنطاكي، وجعلَها بطريركية كاملةَ الأوصاف، وذلك لإبراز دور أورشليم في العمل الخلاصي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أورشليم الكرسي البطريركي الخامس في التراتبية بين البطريركيات الخمسة الرسولية. وأسسَ أسقفية أورشليم القديس يعقوب أخو الربّ.
وفي سنة 1054، وبعد خلافٍ طويلٍ تراكَمت أسبابُه خلال قرون، وخاصةً بعد تتويج شارلمان من قبل بابا روما القديمة سنة 800، والذي إعتُبرَ تمرُّداً على السلطة الشرعيةِ في القسطنطينية، حصلَ إنشقاق بين الكرسيَين، وتكوَّنت الكنيسة “الكاثوليكية” في الغرب والكنيسة “الأرثوذكسية” في الشرق. بقيَت كراسي الإسكندرية وأنطاكية وأورشليم على شراكتِها مع القسطنطينية وقطعَتها مع روما القديمة.
وبالإضافةِ الى هذه البطريركيات الخمسة، هناك حالياً بطريركياتٌ روميةٌ أرثوذكسيةٌ مستقلة في روسيا وصربيا ورومانيا وبلغاريا وجورجيا. وهناك أيضاً كنائس مستقلة يرأسها رؤساء أساقفة يتمتَّعون بالكرامةِ نفسها والسلطةِ نفسها التي للبطاركة. هذه الكنائس موجودة في قبرص واليونان وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا. كل هذه الكنائس (بإستثناء قبرص) جديدة، وأولُّها كنيسةُ روسيا التي إستقلت في القرن السادس عشر، أما الأخرى فإستقلّت في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين. ونلاحظُ أن معظمَ هذه الكنائس إنفصلت عن كنيسة القسطنطينية التي تُعتبر كنيستَها الأم، والتي سلِّمتها، عند إستقلالها، مرسومَ الإعتراف المدعو طوموس.
معمودية الرسل
أوَّلُ هذه الكنائس هي الكنيسة الروسية: ففي سنة 988، إعتمدَ الأمير فلاديمير المعادل الرسل في نهر دنيبر، عند موقع مدينة كييف، وتبعَ ذلك إعتمادُ جميع أفرادِ الشعب الروسي. هكذا دخلَت المسيحيةُ الأرثوذكسية والثقافةُ الروميّة الى روسيا، وإلتحقَت روسيا رسمياً بالعالم الرومي. أنشأت القسطنطينية إبرشياتٍ عديدة في تلك البلاد، أولها كرسّي كييف. تطوَّرت روسيا لاحقاً لتصبح دولةً ذاتَ شأنٍ كبير، وظهرَ لاحقاً القيصر بوريس الذي وصلَ الى الحكم في نهاية القرن السادس عشر. ضغطَ هذا القيصر على البطريرك المسكوني (الذي كان تحت الحكم العثماني)، وحصلَ منه على ترقيةِ متروبوليت موسكو الى الدرجة البطريركية سنة 1589، وإلحاقِ كامل البلاد الروسية بسلطتِه. هكذا نشأت البطريركيةُ الروسية، وكانت أوَّل بطريركية “قومية” في العالم الرومي. تُعتبرُ الكنيسةُ الروسية أكبرَ كنيسة رومية أرثوذكسية في العالم، وتمتد سلطتُها الى كامل الدولة الروسية وبيلوروسيا وأوكرانيا، ومعظم الدول التي كانت جزءاً من الإتحاد السوفياتي. وقد مَنحَت هذه البطريركية إستقلاليةً ذاتيةً للكنائس الوطنية الموجودة في أوكرانيا وبيلوروسيا ومولدافيا وكازاخستان وإستونيا والصين واليابان، و”للكنيسة الروسية خارج روسيا” التي توجد رئاستُها في نيويورك.
وتتشابهُ البطريركياتُ الأخرى في تاريخها: فكلُّ واحدةٍ منها نشأت على أسسٍ قوميةٍ بعد أن إعتنقَت شعوبُها المسيحية الأرثوذكسية، وحاولت إنشاءَ أسقفياتٍ مستقلة وكنائس مستقلة. حصلت هذه البطريركياتُ على طوموس الإستقلال بعد أن حصلت البلادُ على إستقلالها السياسي. بطريركية صربيا سنة 1879 بعد إنشاء مملكة صربيا، بطريركية رومانيا سنة 1885 بعد إنشاء مملكة رومانيا، بطريركية بلغاريا سنة 1953، بعد مدة طويلة من إستقلال بلغاريا الحديثة بسبب خلافاتٍ قديمة مع القسطنطينية، بطريركية جورجيا التي إنفصلت عن أنطاكية سنة 1010 لكنَّ القسطنطينية لم تعترف بها الاّ سنة 1990.
نشأت الكنائسُ الأخرى التي يرأسها رؤساءُ أساقفة بطريقة مشابهة للبطريركيات الجديدة، بإستثناء كنيسة قبرص التي يعود إستقلالُها الى سنة 431 والذي أعلنَه الإمبراطور زينون وتكرَّس في المجمع المسكوني الثالث، وكانت قبلاً جزءاً من بطريركية أنطاكية. أما الكنائسُ الأخرى فكلُّها حديثةُ النشأة وتمَّ الإعترافُ بها بعد إستقلال دولها: كنيسة اليونان سنة 1850 (بعد 20 سنة من القطيعة مع القسطنطينية)، كنيسة ألبانيا سنة 1937، كنيسة بولونيا سنة 1924، كنيسة تشيكيا وسلوفاكيا سنة 1998. أما كنيسة أوكرانيا فتتسبَّبُ حالياً بخلافٍ بين كنيستي القسطنطينية وموسكو: فالشعب الأوكراني، في قسمٍ كبيرٍ منه، يتذمرُ تاريخياً من الهيمنة الروسية على بلادِه، وقد تجلّى ذلك، بعد إستقلال أوكرانيا، بتبدُّل الحكام ووصولِ أحزابٍ أوكرانية الى السلطة تعادي روسيا. ويتجلّى هذا التذمرُ أيضاً في الأوساطِ الكنسية، حيث إنشقَّ جزءٌ كبيرٌ من الأساقفة عن الكنيسة الروسية، منذ عدةِ عقود، وأنشأوا كنيسة أوكرانية مستقلة.
أخيراً، إعترفَت القسطنطينية بالكنيسة الأوكرانية المستقلة في سنة 2019، علماً بأنَّ متروبوليتية كييف بقيَت تابعةً للقسطنطينية حتى سنة 1686، ثمَّ نُقلت الى سلطة موسكو التي كانت مستقلةً منذ حوالي قرن.
بالإضافةِ الى أوكرانيا، هناك كنائس تطالبُ بالإستقلال، وأهمها الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا التي أعلنَتها الكنيسة الروسية كنيسةً مستقلةً دون الإتفاق مع القسطنطينية، علماً بأنَّ أميركا ليسَت من ضمن البلاد التابعة تاريخياً لروسيا. والكنائسُ الأخرى المطالبة بالإستقلال هي كنائسُ مقدونيا ومونتينغرو وإستونيا، وربما في مستقبل قريب كنيسة بيلوروسيا.
وتُضافُ الى الكنائس الأرثوذكسية الكنائسُ الروميةُ الكاثوليكية المرتبطةُ بروما القديمة. فمنذ القرن السادس عشر، سعَت الكنيسة الكاثوليكية لضمِّ الكنائس الأرثوذكسية إليها، لكنَّ هذه الجهود فشلت. بدأت حينئذٍ روما تسعى لشقِّ هذه الكنائس وإلحاقِ أجزاءَ منها مع الحفاظِ على تراثِها الرومي وطقوسِها وتقاليدها. وفي الوقت الحاضر، توجدُ كنيستان روميتان كاثوليكيتان مرتبطتان بروما القديمة، هما كنيسة أوكرانيا التي تأسست سنة 1596 بإنضمام عددٍ من الأساقفة الأرثوذكس إليها بموجبِ إتفاقية برست، وكنيسة أنطاكية الرومية “الملكية” التي تأسست سنة 1724 بإنتخاب بطريركٍ هو كيرلّس (طاناس) الذي أعلنَ إعادةَ الشركة مع روما القديمة. وتبلغُ نسبةُ الروم الكاثوليك حوالي 4% من مجموع الروم في العالم.
وفي نهاية هذه الحلقة للجمعية الثقافية الرومية، إستنتج الدكتور جهشان النقاطَ التالية:
1) جميع كنائس الروم في العالم هي كنائس رسولية، أي إنها تنتسبُ الى الرسل القديسين الذين بشَّروا المسكونة وسيَّموا أساقفةً محليين بوضع الأيادي.
2) إن تنظيمَ كنائس الروم في العالم يتَّبعُ الجغرافية الإدارية للدولة الروميّة، منذ تأسيسِها في عهد قسطنطين، وتطورِها في القرون التالية، خاصةً في عهد يوستنيانوس الكبير.
3) بعد إنشقاقِ روما القديمة، بقيَت أربعُ بطريركياتٍ شرقية مجتمعةً في ما يُسمى الكنيسةَ الرومية الأرثوذكسية، وهي بطريركيات غير قومية.
4) إبتداءً من القرن السادس عشر، أدّى نشوءُ القوميات في العالم الرومي الى تأسيسِِ كنائس قومية مستقلة أو ذات حكمٍ ذاتي. وغالباً ما حدثَ ذلك بعد مخاضٍ أليمٍ، بسببِ الإثنية الدينية ethnophylétisme ذات الأضرار الكثيرة. ويبلغ عددُ هذه الكنائس القومية حالياً حوالي عشرة، يرأسُها بطاركة أو رؤساء أساقفة.
الجمعية الثقافية الرومية /رأي الدكتور نجيب جهشان شرحَ جغرافية كنائس الروم في العالم المعاصر، تيلي لوميير
(ونتحفظ برأينا في منح الاستقلال للأوكران ولمن ينتظر لأن في هذا تفتيت لوحدة الكراسي الرسولية التي حددتها المجامع المسكونية، وتداعياتها الخطيرة في اعتماد الامور القومية والسياسية لأن الكنيسة عابرة للقوميات والجغرافيا ولنا اكبر مثل في انشقاق الكنائس اللاخلقيدونية ببعدها القومي، والضعف الشديد في الكنيسة الواحدة وقتئذ)وما يستتبع…