يواكيم وحنة

 عيد “حبل القديسة حنّة بوالدة الإله مريم الكليّة القداسة”

 عيد “حبل القديسة حنّة بوالدة الإله مريم الكليّة القداسة”
 أوّلاً – العيد في الرّوزنامة الطقسيّة
 في التاسع مِن شهر كانون الأوّل، تُقيم الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة التي تعتمد التقويم الغريغوريّ في الأعياد الثابتة (كالكنيسة الرّوميّة الأنطاكيّة…)، وبعض الكنائس الكاثوليكيّة الشرقيّة (كالكنيسة الرّوميّة الكاثوليكية…)، تذكار حَبَل القديسة حنّة بمريم (التي سوف تُصبح “الثيوطوكوس” اي والدة الاله)…
إنّه عيد مِن الدرجة الثانية، كَونه يَخُصّ مريم والدة الإله (على غرار “ميلاد السيّدة”، “تقدمة السيّدة إلى الهيكل”، “رُقاد السيّدة”)… وهو العيد الثالث في سلسلة أعياد السيّدة، التي تتضمّنها السنة الطقسيّة البيزنطيّة الرومية (بعد عيد “ميلادها” في 8 أيلول، وعيد “دخولها” في 21 تشرين الثاني)، لكنّه العيد الأوّل في سياق المَسار الطبيعيّ للأمور…
أمّا الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة (اللاتينيّة) وبعض الكنائس الكاثوليكيّة الشرقيّة (المارونيّة، السِريانيّة…)، فتُعيّد لهذا التذكار في الثامن مِن شهر كانون الأوّل، تحت إسم “عيد الحَبَل بلا دنس”، وذلك لإرتباط هذا العيد بتاريخ إعلان البابا بيوس التاسع عقيدة “الحَبَل بمريم العذراء بدون وصمة الخطيئة الأصليّة“، في الثامن مِن كانون الأوّل سنة 1854…
تجدر الإشارة إلى أنّ الكنيسة تُقيم تذكار الحَبَل بثلاث شخصيّات فقط في روزنامتها الطقسيّة
 ألا وهي الربّ يسوع (25 آذار)، والعذراء مريم (9 كانون الأوّل)، والنبيّ السابق يوحنا المعمدان (23 أيلول)، وذلك لإرتباطهم مُباشرةً بالتدبير الخلاصيّ…
 ثانياً – الأصول التاريخيّة للعيد
 بدأت الكنيسة الشرقيّة تحتفل بهذا العيد بين القرنَين السادس والسابع، قبل أن ينتقل على غرار أعياد أخرى، إلى الكنيسة الغربيّة… وإختلَفَت الكنيستان فيما بعد على موضوعه وتاريخ الإحتفال به…
 على غرار تذكارات السيّدة (ميلادها، رُقادها، ودخولها)، لا يَستنِد تذكار “حَبَل القديسة حنّة بوالدة الإله” إلى النصوص الكتابيّة “القانونيّة” (كالأناجيل مثلاً)، التي أقرّت الكنيسة بقانونيّتها بسلطتها المُعطاة لها مِن ربّها ورأسها، بل إلى التقليد الكنسيّ المُتواتر وإلى بعض الكُتُب المنحولة… وذلك لأنّ الإنجيليّين لم يكتبوا عن حياة مريم الخاصّة، بل كتبوا فقط في شأنها ما هو مُرتبِط مُباشرةً بالمُخلِّص إبنها، وبالتدبير الخلاصيّ… وتذكار اليوم يعود أصله إلى تقليد وارد في إحدى الكُتُب المنحولة، المنسوب إلى القديس يعقوب، والعائد إلى القرن الثاني الميلاديّ…
وفي مُلخَّص لِما وَرَدَ في “إنجيل يعقوب المنحول”، نفهم أنّ الزوجَين، يواكيم (مِن سبط يهوذا)، وحنّة إبنة متّان (مِن سبط لاوي)، كانا بارَّين تقيَّين وميسورَي الحال، “يُعشِّران” ويؤدّيان التقدمات إلى الفقراء والمُحتاجين… لكنّهما كانا عاقرَين عديمَي ثمرة الحشا، ممّا سبّب لهما ألماً كبيراً في نفسَيهما… وكان العقم يُعتبَر عاراً في تلك الأيام وتلك البيئة، خصوصاً أنّ الكلّ كان يترقّب مجيء المسيح المُنتظَر، علّه يأتي مِن نسله… ومع طعنهما في السِنّ، إستمرّ الزوجان على شوقهما لثمرة الحشا كما إستمرّا على صلواتهما ورجائهما برحمة الله… وفي أحد الأيّام، إذا بملاك يظهر لحنّة ويُبشِّرها بأنّ الله إستجاب لصلاتها الحارّة، وبأنّها سوف تحبل وتَلِد، ويكون نسلها مشهوراً في العالم كلّه… فسبّحت الله شاكرةً، وعزمت على تقدمة الطفل للربّ الإله، ليكون مُكرَّساً لخدمته… وهكذا تمّ، “فإنحلّت قيود العقم عن الزوجَين”، كما نقول في طروباريّة العيد، وحَبِلَت حنّة كما أنبأها ملاك الربّ… وكانت الثمرة بعد تسعة أشهر إبنة سُمِّيَت مريم، على إسم جدتها وخالتها (أمّ حنّة وأختها)…
 رابعاً – الخُلاصة اللاهوتيّة للعيد
 بكلّ بساطة، إنّ هذا العيد هو حلقة أو مرحلة مِن مراحل التدبير الخلاصيّ، الذي أقرّه الله بحكمته التي لا تُدرَك، لخلاص البَشَر منذ قديم الزمان، منذ خطيئة الإنسان… وقد شاء الربّ الإله أن يُحقِّق هذا التدبير الخلاصيّ بنفسه، ليُعيد مِن خلاله الفرح الحقيقيّ والتناغم إلى الخليقة بأسرها، وعلى رأس هذه الخليقة الكائن البَشَريّ بالذات، الذي هو “على صورة الله كمثاله”، والذي سوف يستعيد “بهاء الصورة التي سقطت قديماً”…
 لذا لم يأنف الخالق أن يلبس الطبيعة البَشَريّة الضعيفة التي جبلتها يداه، فكان لا بدّ مِن أن يُهيّىء لنفسه هيكلاً حيّاً يليق به… وقد سمحت عنايته، هو الضابط الكلّ، بإستمرار عقم يواكيم وحنّة إلى ما بعد تخطّيهما سِنّ الإنجاب، لتتدخّل تلك العناية في أوانها وتُدخِل الفرح إلى ذلك البيت، مِن خلال إنجابهما “على غير أمل”، مَن سوف تُصبح أمّاً لملك الدهور…
 حقّاً، إنّ هذا العيد هو فاتحة كلّ الأعياد المُرتبِطة مُباشرةً بالتجسّد الإلهيّ، وهو البداية العمليّة للمسار الطويل المؤدّي إلى خلاص الجنس البَشَريّ… هو أيضاً عيد الفرح، الآتي مِن لَدُن الله، فرح بزوال العقم، الذي ذاقه قبلاً إبراهيم وسارة، وكثيرون في “العهد القديم”، مروراً بيواكيم وحنّة، وصولاً إلى زكريّا وإليصابات، فرح سيكتمل ب”الحبل البتوليّ”، فيتجلّى للعالم كلِّه بأنّه “لا شيء غير مُمكِن لدى الله” (لو 1: 37)…
خامساً – قراءة سريعة لإيقونة العيد
 يَجدُر بنا التذكير بأنّ الإيقونة تُشكِّل “نافذة العالم الأرضيّ إلى العالم العُلويّ”… إنّها قراءة “بَصَريّة – روحيّة” للنصوص الكتابيّة، نقرأها مُصلّين كما نقرأ الأسفار المُقدّسة، ننظر إليها بالعين البَشَريّة لكي نتأمل بها بالعين الرّوحيّة، عين الإيمان بالسِرّ المُعبَّر عنه بالإيقونة… هي صلاة بالأشكال والألوان والأبعاد والمعاني المُستقاة مِن الكُتُب المُقدّسة والتقليد الكنسيّ، تماماً كما الليترجيا هي صلاة بالكلمات والتعابير المُستقاة أيضاً مِن المصادر نفسها…
 أمّا إيقونتنا اليوم، التي تتميّز ببساطتها مِن حيث الرموز، فهي تُمثِّل حَدَث “حَبَل حنّة بوالدة الإله مريم”، وتستقي مصادرها مِن التقليد الوارد في “إنجيل يعقوب” المنحول، وهذا لا يُقلِّل مِن أهميّة الحَدَث… هناك بالطبع عدّة إيقونات للحَدَث نفسه، مُشابهة لبعضها البعض إلى حدّ كبير مع بضعة فوارق، لكنّ جوهر الفكرة هو نفسه… لذلك، سوف تكون قراءتنا عامّة وشاملة للفكرة الرئيسيّة المُعبَّر عنها في إيقونة العيد…
 إذاً، يتصدّر إيقونتنا مشهد رئيس، مع مشهدَين جانبيّين عند طرفَيها العُلويّين
في المشهد الرئيس، يظهر الزوجان يواكيم وحنّة وهما يتعانقان، تعبيراً عن الفرح الذي دخل بيتهما بعد البُشرى السماويّة التي وَضَعَت حدّاً لعمر طويل أمضَيَاه في العقم… ويُمكِننا أن نُلاحظ خلفهما مُباشرةً، ما يُمكِن أن نعتبره “السرير الزوجيّ”، الذي يُشير إلى أنّ الحَبَل بمريم جاء بحسب نواميس الطبيعة بين رجل وإمرأة… فالربّ الإله أزال قيود العقم عن الزوجَين الشيخَين، لكي تأخذ الأمور مجراها الطبيعيّ…
– في خلفيّة الإيقونة، نرى مدينة الناصِرة الجليليّة، التي ستولد وتنشأ فيها “عذراء الناصِرة” و”فتاة الله”، والتي إليها أيضاً سوف يعود الملاك جبرائيل ليُبشِّر مريم هذه المرّة ب”الحَبَل البتوليّ”، الذي سيولد بنتيجته “مَن يُعطيه الربّ الإله كرسيّ داود أبيه، ويَملِك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لمُلكه إنقضاء” (لو 1: 32-33)…
– في أعلى الإيقونة، نرى “نافذة” (أو ميني إيقونة) عن كلّ جانب، يظهر في واحدة منهما يواكيم، وفي الثانية حنّة، والملاك جبرائيل يُكلِّم كلاً منهما بدوره، مُبشِّراً إيّاهما بإستجابة الربّ الإله لصلواتهما الحارّة، وبإنحلال عار العقم عنهما، عبر إنجابهما للطفلة التي طالما تمنّياها، والتي سوف تجلب الفرح الحقيقيّ والخلاص إلى العالم…
طروبارية العيد
– ويَطيب لنا أن نختم تأملنا بطروباريّة العيد، التي تُعبّر خير تعبير عن روحانيّة المُناسبة
“اليوم قيود العقم تنحلّ، لأنّ الله يستجيب يواكيم وحنّة. فيَعِدُهُما وعداً جليّاً بأن يَلِدا على غير أمل فتاة الله، التي وُلِدَ منها الغيرُ المحصور نفسُه، لمّا صار إنساناً، آمِراً الملاك أن يهتف إليها: السلام عليكِ، يا مُمتلئةً نعمةً، الربّ معكِ”.
 توفيق ناصر (خريستوفيلوس)