يوستنانوس الاول والامبراطورية الرومية

موجزٍ عن تاريخ الإمبراطورية الرومية

موجزٍ عن تاريخ الإمبراطورية الرومية
توطئة
بدأت إمبراطورية الروم رسمياً في 11 إيار 330 مسيحية، يوم تكريس مدينة القسطنطينية روما الجديدة، وكانت تمثِّل إستمرارية الإمبراطورية الرومانية التي تحوّلت الى المسيحية مع قسطنطين الكبير. وإنتهت الإمبراطورية في 29 إيار 1453 بسقوط عاصمتها القسطنطينية بيد العثمانيين وإستشهاد الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر، أي أنَّ المجموع هو 1123 سنة.
كان نظامُ الحكم في الإمبراطورية الرومية إستمراراً للنظام الروماني السابق حيث يترأسُ الإمبراطور الدولة.
الامبراطور الرومي
معنى كلمة إمبراطور هو القائد. والنظام شبه جمهوري ومركزيّ. يتمُّ إختيارُ الإمبراطور من قبل مجلس الشيوخ والجيش ويبايعه الشعب.
لكنَّ الأباطرة كانوا يَختارون غالباً إمبراطوراً مساعداً يخلفُهم عند مماتهم، وهذه طريقة معتمدة للوراثة السياسية. وكان الأباطرة أحياناً يُخلعون، لأسبابٍ وجيهة، من قبل الجيش أو مجلس الشيوخ ويوضعون في ديرٍ بقية حياتهم.

 

كان تنصيبُ الأباطرة يتمُّ كنسياً في كاتدرائية آجيا صوفيا، ومراسم التنصيب كانت فخمة ومهيبةً، يلعبُ فيها البطريرك المسكوني دوراً هاماً لأن الإمبراطور هو Koinos Episkopos كما دعاه قسطنطين الكبير، أي أسقفاً مدنياً خادماً للمسيح.
الامبراطور والكنيسة
وكان الإمبراطور هو الذي يدعو لإنعقاد المجامع المسكونية، ويترأسُ جلساتها الإفتتاحية، ويوافقُ على مقرراتها، ويُصدرُ المراسيم التي تنفذها. وكان همُّ الأباطرة دوماً السلامَ في الكنيسة وفضَّ الخلافات لأجل وحدة الشعب والسلامَ المدني، وإستمرارية السيمفونيا بين الدولة والكنيسة، وبين الإكليروس والشعب.
العائلات الامبراطورية
توالَت على الحكم 15 أسرة إمبراطورية، أهمها أسرة قسطنطين، أسرة ثيوذوسيوس، أسرة يوستينوس، أسرة هراقليوس، أسرة ليون الثالث، أسرة نيقوفوروس الأول، أسرة باسيليوس الأول، أسرة إسحق كومنينوس، أسرة إسحق أنجيلوس، أسرة ثيوذوروس لاسكاريس، وأسرة ميخائيل باليولوغوس. وكانت هذه الأسر تنتمي لمختلفِ الشعوب والمناطق التي تتألف منها الأمة الرومية.
عدد الاباطرة
بلغ عددُ أباطرة الروم 95 شخصاً بين 330 و1453. وكان أهمهم: قسطنطين الكبير، ثيوذوسيوس الأول، ثيوذوسيوس الثاني، يوستنيانوس الأول، هراقليوس، إيريني، باسيليوس الأول وباسيليوس الثاني. وتبوأت المنصب ثلاث نساء (إيريني، زوي، ثيوذورة).
كانت أهم إنجازات قسطنطين الكبير تأسيس القسطنطينية، إعادة توحيد الإمبراطورية الرومانية، عقد المجمع المسكوني الأول، تحويل الإمبراطورية الى دولة مسيحية.
أما أهمُّ إنجازات ثيوذوسيوس الأول الكبير (379 – 395) وثيوذوسيوس الثاني (408 – 450) فكانت توسيع مدينة القسطنطينية وبناء أسوارها، جعل المسيحية دين الدولة وتحريم الوثنية، تجميع القوانين الرومانية Codex.
الامبراطور يوستنيانوس الكبير
 وقد وصفَه المؤرخون أحياناً بأنه كان آخرَ أباطرة روما القديمة. شخصية يوستنيانوس الكبير الذي كانَ إنساناً مثقّفاً جداً، وقد تمكَّنَ من علومِ عصرِه، وأرادَ أن يعيدَ أمجادَ الإمبراطورية الرومانية القديمة التي كانت إنقسمَت الى جزئين، غربيّ وشرقيّ. أما الجزءُ الغربي فسقط بأيدي الغزاةِ الجرمانيين في القرنِ الخامس.
لذلك، يُعتبرُ يوستنيانوس رجلاً ذا نزعةٍ توحيدية، بمعنى أنه سعى، على الصعيدِ العسكري، لإعادةِ توحيد الإمبراطورية وإعادةِ المناطق المسلوبة في الغربِ الى حضنِ الدولة الأم التي كانت القسطنطينية، أي روما الجديدة، هي عاصمتَها. ويوستنيانوس هو أيضاً توحيديّ على الصعيدِ الديني لأنه كان يسعى لرصِّ صفوفِ الإكليروس وتوحيدِ التيارات المذهبية المسيحية ونصرةِ الأرثوذكسية. وهو أيضاً توحيديّ على الصعيد القانوني لأنه كان يريدُ إعادة جمعِ القوانين الرومانية القديمة وتنقيتِها وتبويبِها وجعلها قابلةً للتطبيقِ في الدولة الرومية. والجديرُ ذكرُه هو أن الرومان إشتهروا بالتشريع والقانون، وما زالت أعمالُهم القانونية رائجةً وسائدةً الى اليوم.
ويمكنُ وصفُ يوستنيانوس بالإنسانِ الزاهد الذي لم يكنْ يهتمُّ بمباهج الدنيا وعظمتِها بل كان إمبراطوراً متفانياً في خدمة الدولة وفي إيصالِها الى مبتغاه. ويعودُ هذا الطابع لكونِ يوستنيانوس رجلاً مثقفاً يولي إهتماماً خاصاً باللاهوت والفن والشعر والفلسفة والعلوم والقوانين. ومن أهم إنجازاتِه، تجميع القوانين والتشريعات وتنظيمُها لأنها بقيَت حيَّةً الى اليوم، في حين أن الإنجازات العسكرية والسياسية التي حقَّقَها قد إندثرَت في القرونِ اللاحقة بسببِ الغزوات البربرية الغريبة وبسببِ أخطاء إستراتيجية قد يكون إرتكبَها بتشديدِه على إستعادةِ الغربِ وإهمالِه الولايات الشرقية التي سقطت لاحقاً بأيدي الفرس والعرب. ويجبُ التنويه بدور زوجتِه ثيوذورا التي شاركته الحكمَ وأخلصَت له، وبقيَ هو لها مخلصاً مدى الحياةِ وبعد رقادِها.
يويتنيانوس القانوني
يتمثَّلُ إنجازُ يوستنيانوس القانوني بالمجموعة التي أصدرَها والتي تعرف ب Codex Justiniani والتي كانت في حينِه أعظمَ مجموعة قانونية في التاريخ. صحيحٌ أن قانونيين كبار وأباطرة سبقوه في تجميع القوانين وإصدارها، ومنهم غايوس، أحد كبار أساتذة مدرسة بيروت الحقوقية، والإمبراطور ثيوذوسيوس الذي سبقَه بمئة عام، لكنَّ مجموعةَ يوستنيانوس تتميَّزُ بالشمولية والوضوح، وكانت حاجةً ماسةً في دولةٍ مترامية الأطرافِ حول البحر الأبيض المتوسط تشملُ شعوباً وعرقياتٍ مختلفة ولها عاداتها وتقاليدها المختلفة الواجبِ ضمّها في إطارٍ توحيديٍّ واحد.
صدرَت في عهدِ يوستنيانوس مجموعتان قانونيتان رئيسيتان: المجموعة الأولى ضمَّت القوانين والدساتير التي تراكمَت عبر القرون في الإمبراطورية الرومانية، والمجموعة الثانية تشملُ القوانين المدنية. كانت الحاجةُ الى هاتَين المجموعتَين ناشئةً من كثرةِ القوانين وتبعثرِها في مخطوطاتٍ ومؤلفاتٍ كثيرة تضطرُ الباحثين والقضاة للقيامِ بعملٍ شاقٍ لإستكشافِها وتطبيقِها في النزاعات المدنية. ويُعتبرُ عملُ يوستنيانوس رائداً لأنه نقّى هذه القوانين مما عفى عليه الزمن وبوَّبَها ورتَّبَها وجعلها قابلةً للإستعمالِ بسهولةٍ في الدولة والقضاء.
إنَّ الأهميةَ التاريخية لأعمالِ يوستنيانوس القانونية تعودُ الى أمرَين: الأمر الأول هي أنها حفظَت كاملَ التراثِ الرومانيّ الذي تراكمَ إبتداءً من القرنِ الخامس قبل الميلاد وصولاً الى الإمبراطورية الروميّة ومروراً بجمهورية روما وإمبراطوريتِها، والأمر الثاني هو بقاءُ أعمالِ يوستنيانوس المرجعَ الرئيس للحكامِ والقانونيين حتى العصر الحديث. فبعدَ صدور مجموعتِه القانونية، أودعَها يوستنيانوس في كافةِ مدنِ الإمبراطورية وخاصةً روما، وبقيَت هناك حتى القرن الثاني عشر عندما بدأ تدريسُها في مدينة بولونيا ومنها إنتشرَت في كافة الممالك والإمارات الغربية. وقد إستعملتها فرنسا في قوانينِها التي نشرتها في القرن الخامس عشر. وإستعان نابوليون بونبارت، وكان حاكماً عظيماً يريدُ تنظيمَ إمبراطوريتِه على أسسٍ قانونية عادلة، بمجموعةِ يوستنيانوس لوضع القانون المدني الفرنسي. ومن هذا الأخير، إنبثقَت معظمُ التشريعات المدنية الحديثة، ومنها التشريعات المطبَّقة في معظمِ دولِنا في المشرق. وشبَّه القاضي شبيب أهميةَ القانون الروماني الذي جمعَه يوستنيانوس في عالمِ القانون بأهمية الأدب الكلاسيكي القديم أو الموسيقى الكلاسيكية في الأدب والموسيقى المعاصرَين. عقد يوستنيانوس المجمع المسكوني الخامس، ، بنى كاتدرائية آجيا صوفيا وعدد كبير من الأديرة.
 المسيحية  وتأثيرها في سيرة يوستنيانوس الكبير
وكان للمسيحية تأثيرٌ كبيرٌ في إنجازات يوستنيانوس القانونية لأنَّ يوستنيانوس كان رجلاً مؤمناً بعمقٍ وإخلاص، وكان زاهداً في أمور الدنيا، ومحبّاً للكنيسة ساعياً للدفاعِ عنها وتعزيزِها ونشرِها في العالم. وكان يؤمنُ بأن القيمَ المسيحيةَ هي مصدرُ العدالة في العالم والأساسُ الذي تُبنى عليه العلاقات البشرية. وتبدأ القوانين التي أصدرَها يوستنيانوس دائماً بالإعلان عن إستقامةِ الإيمانِ وتدعو لتعزيزِ المرجعية المسيحية. وتضمُّ المجموعةُ الأولى القوانينَ الكنسية التي أصدرَتها المجامعُ المسكونية والتي نشرَها أباطرةُ الروم بعد التصديقِ عليها، فصارت قوانين رسمية تنظمُ حياةَ الكنيسة. وفي المجموعة الثانية الخاصة بالقوانين المدنية، ضمَّنَ يوستنيانوس كلَّ قوانين الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وشؤون عائلية وإرث. وتظهر آثارُ الإيمان المسيحيّ والقيم والمفاهيم المسيحية في كافة القوانين التي جمعَها وأصدرَها يوستنيانوس. ويُعتقدُ أيضاً أنه كان للإمبراطورة ثيوذورا أثرٌ كبيرٌ في بعض هذه القوانين، خاصة في القضايا التي تتعلق بحقوقِ المرأة وحقوق العبيد. إنَّ التحوُّلَ الشخصي الكبير الذي حدثَ في حياة ثيوذورا عزَّز النزعةِ اليوستنيانية لإعطاء المرأة حقوقاً واسعةً لم تكنْ لها عند الرومان القدامى. كما أنَّ قوانين يوستنيانوس سهَّلَت وشجَّعَت تحريرً العبيد وإعطاءَهم الحقوقَ المدنيةَ الكاملة.
بقية الاباطرة الكبار
كانت أهمُّ إنجازات هراقليوس (610 – 641) إستعادة أورشليم والصليب المقدس من الفرس، وهزيمة الفرس بعد حربِ طويلة، وإعتماد اليونانية كلغة رسمية للدولة.
وكانت أهم إنجازات إيريني (797 – 802 ) إنعقاد المجمع المسكوني السابع وإنتصار تكريم الأيقونات.
وكانت أهم إنجازات باسيليوس الثاني (976 – 1025) النهضة الروميَة الكبرى، إستعادة بلادٍ عديدة، توسيع مكتبة القسطنطينية وجامعتها، معمودية الروس
(الجزء الاول)