اتفاقية سايكس بيكو سازانوف / تقسيم الامبراطورية العثمانية

اتفاقية سايكس بيكو سازانوف / تقسيم الامبراطورية العثمانية

اتفاقية سايكس بيكو سازانوف / تقسيم الامبراطورية العثمانية

عُقِدَت هذه الاتفاقية الخطيرة في مطلعِ القرنِ العشرين وهدفَت  الى تقسيمِ الإمبراطورية العثمانية. حاضر فيها  السيد المهندس نقولا سابا محافظ بيروت، عضو الجمعية الثقافية الرومية، في برنامج ” تراث من نور” للتعريف بتاريخ وثقافة الامبراطورية الرومية وتم عرض هذا البرنامج (الموجود على اليوتيوب) في فضائية تيلي لوميير/ نور سات وحاورته السيدة ليا معماري… ونحن اضفنا عليها وتصرفنا انما بدون تغيير في النص الاساس.

اطراف الاتفاقية

الأطرافَ المشاركة في هذه الإتفاقية كانت هي دول بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا.

هدف الاتفاقية

 وكان هدفَ هذه الاتفاقية هو  تقاسمُ النفوذ في منطقة الشرق الاوسط الذي كان خاضعاً للدولة العثمانية، وإلحاقُ بعض المناطق بروسيا. وكانت روسيا أهمَّ المشاركين فيها، وكان ذلك  في عهد القيصر نقولا الثاني، وكان سازانوف هو ممثِّلُ الدولة الروسية ووزير خارجيتها. لكنَّ إسمَه حُذِفَ من الإتفاقية بهدفِ التعميةِ على الدور الروسي بعد الثورة البلشفية.

زمان الاتفاقية

حصلَت الإتفاقية أثناء الحرب العالمية الأولى، وكانت سرَّيةً وغير معلنة. بدأ النقاش في آذار 1915 وإنتهى في إيار 1916. كانت روسيا ممثلة بوزير خارجيتِها سيرغي سازانوف، وفرنسا وزير الخارجية  فرنسوا بيكو وبريطانيا بوزير خارجيتها  مارك سايكس. بطلا اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم بلاد الشام الى كياناتها الحاضرة واحتلالهم لها. أما إيطاليا فكان دورُها أقلَّ أهمية، ولذلك لا تُذكر في الإتفاقية.

إقتُطعَ إسم سازانوف من الإتفاقية بعد الحربِ العالمية الأولى لأنَّ الثورة الشيوعية التي حصلَت في سنة 1917 ادت الى سحب الجيش الروسي من جبهات القتال بمواجهة الاتراك وبالرغم من وضعه البائس الا انه كان منتصرا على الاتراك في كل الجبهات، وخرجت روسيا من الحربِ العالمية الأولى، وبكل اسف وحسرة أعلنَت الدولة السوفياتية تخلّيها عن المكتسبات التي كانت للدولة الروسية والتي سدد ثمنها آلاف الشهداء العسكريين الروس بدمائهم واشلائهم وجوعهم، وورثتها روسيا البلشفية بعدما اسقطت الملكية الروسية ورثتها  بتوليها حكم روسيا، ولكنها تخلت عن كل مكتسباتها، وهذا ما يعتبرُه المؤرخون الروسُ حالياً ضرباً من الخيانة العظمى، بحقِّ الشعبِ الروسيّ وجنودِه. والاكثر من ذلك قدمت المساعدات المالية والسلاح واطنان من الذهب لكمال اتاتورك كبادرة حسن نية تجاه تركيا… والسبب هو العلمنة بين النظامين الشيوعي في روسيا والعلماني في تركيا.

وكانت الإمبراطورية العثمانية،  منذ اواخر القرن 19 وحتى الحرب العالمية الاولى، تُعتبرُ الرجلَ المريض المفكَّك والخاسر للحروب والمهدَّد بالتقسيم. وكان في الوقتِ عينِه، في بداية القرن التاسع عشر،  قد بزغَ في أوربة الغربية ثم الشرقيةِ عصرُ القوميات، أي مطالبة كل شعبٍ بإستقلالِه التام عن الإمبراطوريات القائمة، لأنَّ له خصائصَه اللغوية والدينية والثقافية. وقد حصلت تبعاً لذلك ثوراتٌ عديدةٌ داخل الدولة العثمانية قامت بها الشعوب المحكومة في اطار مايسمى “العثمانية” ولذلك نشأت دولٌ مستقلة كاليونان عام 1830 بعد نضال مرير من عام 1821 وتلتها صربيا والجبل الأسود، ورومانيا، وبلغاريا وغيرها خلال القرن 19. وبسببِ إنتشار العثمانيين في شبه جزيرة القرم والقوقاز، نشبَت عدةُ حروبٍ بين العثمانيين والروس في اربعينيات وخمسينيات القرن 19 في القفقاس، وإنتهَت بخساراتٍ كبيرةٍ للأتراك ورحيل عدد كبير من الاقوام القفقاسية كالشركس والشيشان ممن اشترطت عليهم اعتناق الاسلام لتحميهم من الفتح الروسي لبلادهم، ومالبث الروس ان فتحوا المنطقة فقامت الدولة العثمانية بترحيل المسلمين هؤلاء بذريعة حمايتهم من الروس الى سورية حيث اقاموا في قرية المهاجرين بدمشق في بطن قاسيون شمالا، وفي مرتفعات عجلون في شرقي الاردن وفي مرتفعات الجولان، وفي محافظة حمص. بمناطق شبيهة بمناطقهم الجبلية الوعرة في القفقاس وكان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر.

وفي نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تحالفَت خمس دول بلقانية رومية أرثوذكسية التي كانت قد استقلت عن الدولة العثمانية خلال هذا القرن هي اليونان ورومانيا وصربيا وبلغاريا والجبل الأسود  وبقيت لها مناطق تحتلها تركيا ودخلَت في حربِ البلقان الأولى مع السلطنة العثمانية، وإنتزعَت منها كل مناطق البلقان بإستثناء المنطقة المحيطة بالقسطنطينية.

أما في الداخل العثماني، فكانت تتواجدُ أقلياتٌ كبيرةٌ من الروم والأرمن والأكرادِ واللاز، تطمحُ كلُّها للتحررِ من السلطنة العثمانية، ولكنها كلها كانت تحت ردات الفعل الرسمية بدءا من السلطان الاحمر عبد الحميد الثاني بمرحلتي حكمه الدامية الى الغوفائية التركية، فكانت مذابح الارمن واليونان بشكل غير موصوف، والتي يندى منها الجبين خجلاً، فسقط عشرات الالوف في القسطنطينية وازمير وسالونيك و… 

بدايات الحرب العالمية الاولى

بدأت الحربُ العالمية الأولى بعد إغتيال طالبٍ صربي لوليّ العهد النمساوي، ونشأت في أوربة جبهتان متحاربتان: جبهة تضمُّ بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، وجبهة مكونة من الدولة العثمانية وألمانيا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية. نشبَت معارك كبيرة بين الطرفَين: ففي الغرب، تجابهَ الألمان مع الفرنسيين وكادت أنْ تكونَ لهم الغلبة والوصول الى باريس لولا الهجوم المضاد  الكاسح الذي قامت به روسيا على الحدود الألمانية الشرقية. أما في الشرق، فهاجمَ البريطانيون العثمانيين في مضائق الدردنيل وهاجم الروسُ العثمانيين في القوقاز ، وحرروا أرمينيا الغربية ووصلوا الى مدينة طرابزون في البنطس. وفي هذه الظروف، بدأ الحوار حول معاهدة سازانوف سايكس بيكو.

تقاسمَت الدولُ المشاركة في الإتفاقية مناطقَ نفوذ في الإمبراطورية العثمانية، وكانت الحصّةُ الأكبر للروس. فبين آذار ونيسان 1915، وُقِّعَت إتفاقيةُ القسطنطينية التي منحَت الروس مدينة القسطنطينية ومضائق البوسفور والدردنيل، لأن الروس كانوا يعتبرون أنفسَهم خلفاء الدولة الرومية والأباطرةُ الروس يطالبون بعودة الأرثوذكسية الى القسطنطينية وجعل آجيا صوفيا كاتدرائيتَها. وحصلَ الروسُ في الشرق على كلِّ القوقاز وأرمينيا الغربية وصولاً الى طرابزون وأرضروم وفان. ووافقَت فرنسا خطياً بتوقيع سفيرها في روسيا موريس باليولوغوس على كل مطالبِ الوزير الروسي سازانوف. بالمقابل حصل  الفرنسيون  في  هذه الإتفاقية على كيليكيا والساحل السوري ولبنان حيث كانوا يرغبون بإنشاء دولة للموارنة. وطالب البريطانيون  بفلسطين لإنشاءِ دولةٍ قوميةٍ لليهود وبمعظم مناطق العراق والخليج العربي بسببِ أطماعِهم بالثروةِ النفطية. وحصلَ الإيطاليون على منطقة نفوذٍ حول سميرنا في غرب آسيا الصغرى. وأصبحَت المناطق العربية الباقية في سورية وشرق الأردن والعراق تحت هيمنة فرنسيةٍ وبريطانية. أما الأماكن المقدسة في فلسطين، فكانت الإتفاقية ترمي الى إنشاءَ وضعٍ خاصٍ لها لا تهيمنُ فيه طائفةٌ مسيحية على أخرى رغم الاغلبية العددية المطلقة للكنيسة الارثوذكسية الفلسطينية.

خيانة السوفييت

لو تحقَّقَت إتفاقية سازانوف سايكس بيكو، لكانت تركيا إحتفظَت فقط بشمال الأناضول ووسطِه ولكانت عاصمتَها هي أنقرة ومساحةَ الدولة التركية 600,000 كلم2 بدل 1,600,000 كلم2 قبل الحرب. لكن الحكمَ السوفياتي في روسيا أمرَ بوقفِ الحربِ وسحبِ الجيشِ من شرقِ الأناضول وتنازلَ عن جميع مكتسبات روسيا في القسطنطينية والمضائق. تنازلت بعدئذٍ إيطاليا عن المنطقة الموعودة بها في الغرب الأناضولي، ووقع الفرنسيون والبريطانيون على إتفاقية سان ريمو التي قسَّمَت بينهم بلاد المشرق. لكن فرنسا تنازلت لاحقاً عن كيليكيا وأنطاكية وسمحَت بالمجازر الكبرى بحقِّ الأرمن هناك. عادت تركيا، بسببِ هذه التنازلات، وكسبَت 150,000 كم2 من الأراضي فقد انقضت على كيليكيا ومناطق ديار بكر، فتراجعت الحدود مع سورية تحت سمع وبصر الفرنسيين الضامنين استقلال سورية وكيليكيا، الذين تواجدوا بعد انتصارهم في الحرب العالمية الاولى بكثافة في هذه المنطقة وكانوا فقط متفرجين على المجازر.

وفي 1923، وبعد حربٍ طويلة بين تركيا واليونان وكان الحلفاء قد تركوا الجيش اليوناني بمفرده بمواجهة الجيش التركي الذي استأثر بالأسلحة الثقيلة التي كانت للحلفاء ومثاله لما تخلى الجيش الايطالي عن مدفعيته كلها للأتراك، فأبيد الجيش اليوناني برمته والبالغ عدده مائة الف مقاتل ارتقوا، وكانت نتيجتها كارثية على اليونان، وتسارع الفرنسيون والانكليز بمباركة اميركية في عهد الرئيس ويلسون وتم عقد إتفاقية لوزان مع الجانب التركي التي قضَت بتبادل السكان بين تركيا واليونان، وأفرغَ الأناضول برمته من سكانِه الروم بعد مجازر البنطس… ومجازر ارتكبت بحق ابناء الكرسي الانطاكي المقدس من سوريين ويونان في كيليكيا( مرسين وطرسوس…) اضافة الى افراغ ابرشيتي ارضروم وديار بكر من الوجود الانطاكي بجنسيتيه السورية واليونانية… عدا ماحل بالأرمن من سكان كيليكيا كما تشير الوثائق البطريركية.

وتم ظلم الارمن الذين نالوا وعداً باقامة دولة ارمينيا الغربية، وابيد معظمهم ولجأ من بقي الى حلب ودمشق واللاذقية وبيروت وطرابلس وبقية الساحل السوري اللبناني، وفتحت معسكرات ايواء للاجئين الارمن في دمشق والسويداء  ودير الزور و حلب وعنجر في لبنان…وهاهي حالياً  ارمينيا الغربية تناضل استناداً الى معاهدة لوزان للاستقلال، واقامة دولتها الارمنية المستقلة في كيليكياالسورية المغتصبة.

وبعد اقل من عقدين اغتصب الاتراك لواء الاسكندرون 1938-1939 وعاصمته انطاكية العاصمة الرمز لكرسينا الانطاكي المقدس. وهاهم في مأساة سورية ومنذ اكثر من عشر سنوات، ومافعلوه من تجييش للارهابين فيها، وبالرغم من تمتعهم  بصفة الضامن لاستقلالها مع الضامنيّن الروسي والايراني، احتلوا الشمال السوري وادلب وسهول حماة ومنطقة حلب والحسكة وهي المناطق الشهية الخيرة ذات الغلال الوفيرة والممتلئة بالنفط، التي يسيل عليها لعابهم منذ اتفاقية لوزان كما حلب والموصل العراقية…وقطعوا مياه الفرات ودجلة دوما عن سورية والعراق بهدف خنق السكان واجبارهم على افراغ الارض تمهيداً للانقضاض عليها وسلخها.

وكانت خلاصة كلام السيد  محافظ  بيروت أن مصالحَ الدول الكبرى هي التي توجِّهُ سياستَها فلا تأخذ بعين الإعتبار مصالح الدول الصغرى أو الضعيفة، وهذا مما لاشك فيه. وقال أخيراً بأنَّ إتفاقية سازانوف سايكس بيكو كانت الفرصةَ السانحةَ الأخيرةَ لعودةِ القسطنطينية الى حضنِ المسيحية وإستعادةِ دورِها الروميّ التاريخي، لأنها هي التي كانت في أساسِ إنتشار المسيحية وعزَّتِها. وكان من المفترض أنْ تعودَ آجيا صوفيا كاتدرائيةً مسيحية كما كانت لأكثر من تسعمائة سنة. لكنَّ هذه الآمال أُجْهِضَت بسببِ الخيانة التي إرتكبَها الشيوعيون بحقِّ  بلدهم روسيا وشعبِها وكنيستِها…وهذا ليس بغريب فابحث عمن حرك هذه الثورة ومن استفاد منها ثم من اجهض الاتحاد السوفيتي بعد ثمانية عقود بالبيرسترويكا… انهم اليهود….

شكراً السيد محافظ بيروت الاستاذ نقولا سابا عضو الجمعية الثقافية الرومية، وقد افاض في ذكر الحقائق (وقد اضفنا عليها بعض التفاصيل كون الوقت لم يسمح له بها فنعتذر) عن ملابسات الاتفاقية، والحرب الاولى وسقوط القيصرية الروسية بيد البلاشفة، الذين منذ البدء والى النهاية، (كان همهم اسقاط روسيا الارثوذكسية، ومن الاساس اليهود وفي زمن بطرس الأكبر) وعلى هذا سقط حلم كل مسيحي بعودة القسطنطينية عاصمة المجد الرومي الزاهي من 320م الى 1453م .

د.جوزيف زيتون