قيامة الرب يسوع

الخلاف في تعييد الفصح في القرن المسيحي الثاني

الخلاف في تعييد الفصح في القرن المسيحي الثاني

في القرن المسيحي الثاني برزت في الكنيسة المسيحية الواحدة مشكلة في تعييد عيد الفصح.

لعيد الفصح المنزلة الاولى في اعياد المسيحيين من الازمنة الرسولية عينها. وبحسب شهادات الرسول برنابا والقديس اغناطيوس الانطاكي ورسالته للمغنيسييين واحتجاج يوستينوس ورسالة بلينيوس وغيرهم لم يكن يعيد الفصح لتذكار قيامة الرب مرة في السنة فقط. بل كان يعيد ذلك التذكار الخلاصي كل أحد.

فكان يوم الاحد يُعيد ايضاً من جميع المسيحيين يوم فرح وبهجة بالصلاة وقوفاً ( لاركوعاً ولا قعوداً كما يفعل بعضهم اليوم) وبلا صوم.

غير ان عيد الفصح السنوي كانت له شعائر خصوصية في قلوب المؤمنين. وكان يحتفل فيه بتذكار الآلام والقيامة معاً. ومع ذلك قام خلاف في الازمنة القديمة عينها على تعييد هذا العيد المجيد. واسبابه أن كنائس آسيا الصغرى وكيليكيا وسورية وبين النهرين كانت تعيد اليوم الرابع عشر من شهر نيسان العبري تذكاراً للصلب والسادس عشر تذكاراً للقيامة. في أي يوم من الاسبوع اتفقا. اعني من دون مراعاة يومي الجمعة والاحد. فكانت تعتبر أهمية اليومين في عددهما الشهري 14 و16 اللذين فيهما بالتمام تألم وقام الرب لا في غيرهما.

لكن كنائس بلاد اليونان وبلاد مصر والبنطس وفلسطين وكنائس الغرب معها لم تعتبر الاهمية في عدد اليوم من الشهر. بل في اسمه الاسبوعي اعني الجمعة والاحد. فكانت  ترى ان يكون تذكار الآلام يوم الجمعة بلا بدّ. وتذكار القيامة يوم الاحد بلا بدّ. ولهذا السبب كانت في السنين التي لايتفق ان يكون اليوم الرابع عشر من نيسان يوم جمعة تعيد الآلام اول يوم جمعة بعده ثم القيامة يوم الاحد. فكانت الكنائس متفقة على مبدأ وجوب تعييد الفصح. ولكنها اختلفت في تعيين يوم العيد. حتى كان بعضها يعيد بعد الآخر باسبوع أحياناً.

ولكن هذا الخلاف كان مقروناً بخلاف آخر ايضا من حيث اعتبار يوم الآلام. فان القسم الأول كان يعتبر يوم الآلام من وجه عقائديٍ يوم تحرير من العبودية وخلاصٍ.

فكان يُعدُّ عقدهم يوم فرحٍ. وكانوا من ساعة تذكار موت الرب يحلون فيه الحزن والصوم معاً. اما القسم الآخر فكان يعتبر اليوم على وجه تاريخيٍّ يوم حزن. ولم يسمح عندهم بحل الصوم قبل تذكار القيامة.

وهكذا كان عند المؤمنين مذهبان من هذا القبيل. وكان كل مذهب يستشهد بتسليم الرسل. الأول بيوحنا وفيليبس والثاني ببطرس وبولس.

على ان هذا الخلاف استمر وقتاً طويلاً في الكنيسة. ولكنه لم يقطع رُبط السلام والمحبة بين الكنائس. غير أن المسيحيين الذين كانوا يتغربون من بلادهم الى بلادٍ جرت على غير عوائدهم كانوا مجبورين على ان يعيدوا على عادة بلادهم ويخالفوا عادة الكنيسة المقيمين فيها. او ان يوافقوها ويعيدوا على خلاف عادة بلادهم. وكلاهما لايخلو من الخلل.

فحدث ان القديس بوليكربوس اسقف ازمير سافر الى رومية نحو سنة 160م( وعلى رأي بعضهم سنة 163م) لقضاء مصالح متعددة من جملتها النظر في مسألة الفصح، آملاً باقناع اسقف رومية في ان تعيد كنيسته الفصح مثل كنائس آسيا. فقام خلاف بينه  وبين اسقف رومية انيكيطوس في اي تسليم هو الصحيح. وكان كلٌّ منهما يؤيد عادته بتسليم الرسل كما تقدم. فلا هذا ولاذاك استطاع اقناع الآخر.

ولهذا السبب لبث كلٌّ منهما محافظاً على عادته وتسليمه مع محافظتهما على الاتحاد والسلام ورباط المحبة الأخوية. التي من جملة مظاهرها كان ان انيكيطس العاشر في عدد اساقفة رومية اشترك مع بوليكربوس في خدمة القداس الالهي وعند تقديس القرابين تنحى هو للقديس بوليكربوس ليقدسها احتراماً له.لانه كان شيخاً طاعناً في سنه، ورجلاً رسولياً تلميذا ليوحنا الانجيلي نفسه اقرب من انيكيطس الى الرسل.

فهذه العلاقة بين اسقفي ازمير ورومية برهانٌ واضحٌ  على مساواة اسقف رومية لاساقفة الكراسي الرسولية اخوته. لأن الخلاف الذي قام بينه وبين اسقف ازمير لم يستطع ان يحكم ويحتم به لاهو ولا خلفاؤه الى ان اجتمع المجمع المسكوني وقرر المسألة بسلطان الكنيسة كلها كما سنرى.

وقد ادعى بعض المؤرخين الغربيين انه عقد مجمع في رومية مؤلفٌ من الأسقفين المشار اليهما وعشرة غيرهما وقرر تعييد الفصح يوم الأحد. ولكن هذا المجمع ليس لصحته مصدر. لأن شهادة المؤرخين افسابيوس وايريناوس ماذكرت مجمعاً بل صرَّحت أن الاسقفين ما اقنعا احدهما الآخر. على ان قولنا بأن بوليكربوس لم يقتنع من البابا وانه كان معتبراً منه يوافق البابا وبين اكثر من قولنا بأنه لم يقتنع من البابا ومجمعه معاً. وكذلك قولهم ان المجمع في رومية قرر تعييد الفصح يوم الاحد ولم يجرِ قرارهُ كقولٌ مجحفٌ بحق البابا بالنسبة الى دعواهم بالسلطة له وعلى المجامع والكنيسة. وعلى كل الوجوه هذا التاريخ القديم الصادق لاتقوم لديه حجة للمدعي سلطةً للبابا البتة.

وقد حذا البابا انيكيطس في المحافظة على السلام خلفاؤه بيُّس وايجينوس وتلسفورس وسيكسطس. فكانوا هم يعيدون يوم الاحد وكنائس آسيا تعيد اليوم الرابع عشر.

غير ان الخلاف تجدد في ايام الاسقف الروماني ويكتور. وكان وقتئذٍ على كرسي الاسكندرية الأسقف ديمتريوس وسيرابين في انطاكية وثاوفيلوس في قيصرية فلسطين وناركسيس في اورشليم. وباركشيلوس في كورنثوس. وبوليكراتوس في افسس. وكان ذلك الخلاف داعياً لعقد مجامع مكانية كثيرة اجتمعت في قيصرية اورشليم والبنطس وغلاطية وكورنثوس ورومية وبين النهرين وغيرها. وجميعها قررت رأياً واحداً. وهو ان تراعى عادة تعييد الفصح اي القيامة يوم الاحد، وان لايحل الصوم الا فيه. وأُرسلت القرارات الى جميع الكنائس. غير أن كنائس آسيا وفي مقدمتها كنيسة ازمير واسقفها بوليكراتيس لم ترضَ بأن تغير عادتها القديمة التي تسلمتها من الرسل يوحنا وفيليبس ومن القديس بوليكراتيس اسقف ازمير. فقام ويكتور اسقف رومية وكتب من طرفه وطرف مجمعه رسالة الى بوليكراتيس اسقف ازمير يحرضه بها على تغيير عادته متهددا اياه بقطع العلاقة ان قاومه. ولكن بوليكراتيس جمع مجمعاً مؤلفاً من خمسين اسقفاً كانت نتيجة مذكراته رفض طلب ويكتور واعتبار عمله وقاحة. ومما كتبه بوليكراتيس لويكتور وكنيسة رومية في رسالة المجمع قوله:” فاننا نحن نقيم النهار بكل انتباه. فلا نزيد على التسليم الرسولي ولاننقص منه. فانه قد رقد في آسيا اشخاصٌ عظام. منهم فيليبس احد الاثني عشر رسولاً الذي رقد في ايارابوليس وابنتاه البتولان الشيختان… ويوحنا ايضاً الذي اتكأ على صدر الرب وصاركاهناً…وشهيداً ومعلماً قد رقد في أفسس. وبوليكربوس ايضاً في ازمير اسقفاً وشهيداً. وثراسياس… وماذا يجب ان نقول في ساغاريس الأسقف الذي رقد في اللاذقية. وبابيريوس…وميليطن…فانهم جميعا حافظوا على اليوم الرابع عشر للفصح وفقاً للانجيل…وكذلك انا بوليكراتيس اصغركم جميعاً…

فأنا ايها الاخوة مادام لي خمس وستون سنة بالرب. وقد اجتمعت بالاخوة الذين من المسكونة. وقرأت كل كتاب مقدس. لا اجزع من الأراجيف. لأن الذين هم أعظم مني قالوا:انه يجب الخضوع لله أكثر من البشر، وكنت استطيع أن أذكر الاساقفة الحاضرين معي. الذين رمتم أنتم ان اجمعهم وقد جمعتهم.  وأسماؤهم ان كتبتها فهي كثيرة جداً. وقد رأوا انساني الصغير. ووافقوا على الرسالة. لعلمهم اني لم احمل هذه الشيبة عبثاً. بل سلكت بالرب دائماً”.

غير ان ويكتور لم يقتنع من هذه الأقوال. بل اندفع الى أن يقطع رباط السلام والمحبة بينه وبين الكنائس الآسيوية ويسميها هرطوقية (اي مبتدعة).

 ولكن مابرز فكره الى العمل حتى قام ضده اساقفة الكنائس من كل جانب. واعتبروا عمله استبداداً. ووبخوه عليه. ونصحوه بأن يرجع الى حفظ الاتحاد  بالسلام والمحبة. وهكذا عدل عما فعل. وكان من جملة الذين قاوموا ويكتور، القديس ايريناوس اسقف ليون في فرنسا. وهو من اساقفة الكنيسة الغربية نفسها. وكان من  جملة ماكتبه له قوله” فإن الخلاف ليس في اليوم فقط. بل في نوع الصوم ايضاً… وتنوع ذلك بين المحافظين لم يحدث الآن في ايامنا. بل قبلنا بكثير في عهد اسلافنا…

ومع ذلك جميعهم كانوا ولم يزالوا متسالمين بضهم مع بعض… ومنهم الشيوخ…الذين كانوا تولوا الكنيسة التي انت تتولاها الى الآن…فانهم ماحافظوا وماسمحوا للذين معي ان يحافظوا. وكانوا يشتركون وهم غير محافظين مع الآتين اليهم من الابرشيات المحافظة. ولايخفى أن المحافظة تضاد عادة الغير المحافظين.”

فهكذا لبثت العادتان مستمرتين، ولم يحصل شيء يخل براحة الكنيسة سوى تهجم الاسقف ويكتور الذي دفعته الكنيسة بروح السلام والمحبة الى ان انحلت المسألة بصوت الكنيسة العام في المجمع الأول المسكوني.

وهذه العلاقة ايضاً. التي هي محكٌّ يرفع كل شبهةٍ في منزلة اسقف رومية في الكنيسة. تبرهن بلا ريب بطلان دعوى للمدعين للبابا سلطاناً على الكنيسة الجامعة. فإنها تشهد بأن كل ماكان يقرر منها بمجامع. كان ينظر فيه بحسب الاصول. وأما ماكان يصدر من اسقف رومية في شأن كنيسة أخرى. كان يعتبر استبداداً.

على ان بعض الغربيين يدعون ايضاً بان ويكتور امر بوليكراتيس ليجمع مجمعاً. ويستندون في دعواهم على قول بوليكراتيس لويكتورفي رسالته” وكنت استطيع أن أذكر الأساقفة الحاضرين معي الذين رمتم أن اجمعهم وقد جمعتهم واسماؤهم كثيرة” فيفسرون كلمة رمتم بمعنى أمرتم.

ولكن الشرقيين يدفعون هذه الدعوى بما يأتي:

اولا- بأن المؤرخ افسابيوس ناقل هذه الافادة ماقال ولا اشار الى ان ويكتور امر بوليكراتيس.

ثانيا- بأن رسالة بوليكراتيس ماكانت الى شخص ويكتور بل كانت بحسب قول افسابيوس بالحرف الواحد”الى ويكتور وكنيسة رومية” اعني الاساقفة الذين معه. وهذا واضح من قوله في الرسالة” واما انا ايها الاخوة” حيث لايخاطب شخصاً واحدا بل اخوة كثيرين. ومن هنا نستنتج ان رسالة ويكتور ايضا الى بوليكراتيس ماكانت شخصية بل مجمعية.

ثالثا- بأن معنى كلمة “رمتم”  شيء ومعنى” امرتم” شيء آخر. فلو كانت الكلمة صادرة من ويكتور لبوليكراتيس بقوله له مثلا “نروم منك ان تجمع مجمعا” ربما كانت تحمل على معنى الأمر. ولكن الكلمة صدرت من بوليكراتيس لويكتور باللفظ اليوناني”إيكيوساتِه (ومعناه رمتم او طلبتم) وهو اقرب مما يكتبه شخص لآخر مساوٍ له. فانه كثيراً مايكتب أحد متساويين للآخر بلفظ “أمرتم ورسمتم” وماماثله.

حيث لم يكتب اسقف ازمير لأسقف رومية أكثر من كلمة”رمتم” او طلبتم”؟. اما السبب في قوله له” رمتم أن اجمع مجمعا الخ” فهو ان اسقف رومية كان يظن ان بوليكراتيس وكنيسته فقط وفئة قليلة من الاساقفة معه يعيدون الفصح على خلاف عادته. ولهذا كتب له هو وكنيسة رومية ينصحونه ان يجمع مجمعاً ليقف منه على حقيقة التسليم في مسألة تعييد الفصح.

فجمع بوليكراتيس الاساقفة الكثيرين تحت هذه الغاية عينها ايضا أعني غاية إيضاح حقيقة التسليم وحقق مذهبه بشهاداتهم وجاوب كنيسة رومية كما ذكرنا.

فأين هذا التاريخ الداحض للدعوى الغربية من استناد الغربيين عليه لاثبات تلك الدعوى؟ وقد اجتمعت مجامع كثيرة في اماكن متعددة غير مجمع آسيا كما ذكرنا. ومع هذا كان اجتماعها واحكامها وقراراتها بلا أوامر وبلا إشارة وبلا معرفة اسقف رومية.

على ان قيام الاساقفة ايضاً على ويكتور حين تهديده كنيسة ازمير وتوبيخهم اياه- حسب شهادة المؤرخ افسابيوس نفسه – ينفي كل دعوى للغربيين بالرئاسة والسلطة.

فهل من شبهة في ان تلك الدعوى لاصحة لها؟.

هذا واننا نذكر هنا استطرادا الملاحظة الآتية وهي:

ان ويكتور اسقف رومية لكي يقنع اسقف افسس بوجوب التعييد يوم الاحد كتب له ان هذا التسليم مأخوذ عن بطرس وبولس. فكان جواب اسقف افسس له: ان في آسيا أيضا اشخاصاً عظاماً وهم يوحنا وفيليبس. وان التمسك بتقليدهما واجب مثل التمسك بتقليد بطرس وبولس. وهذا برهان قاطع على المساواة بين الرسل في الرتبة الرسولية خلافا للذين يدعون عدم المساواة.

وقد استمر الخلاف بعد ذلك في تعييد الفصح وتجددت فيه مسائل اخرى أيضاً لامحل هنا لذكرها. لأنها ليست من متعلقات تاريخنا. بل تتعلق بتاريخ الكنيسة العام.