المسيحيّة والإسلام: أخوان عدوّان؟

المسيحيّة والإسلام: أخوان عدوّان؟
كتب الصديق د. أسعد قطّان المدرس في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي البلمند مايلي:
“في كلّ مرّة يشير أحدهم إلى تقارب، أو تقاطع ما، بين المسيحيّة والإسلام، ينبري بعضهم ليؤكّد «الهوّة» العميقة التي لا يمكن تجاوزها بين الدينين. مجرّد الإحالة إلى الاختلاف بين المسيحيّة والإسلام هو لزوم ما لا يلزم. فمن الطبيعيّ أن تكون أيّ ديانة مختلفةً عن الأخرى، لكونها تطرح أسئلةً مغايرةً في ما يختصّ بالكينونة الإنسانيّة، أو تطرح الأسئلة ذاتها، لكنّها تجيب عنها بشكل مختلف. كيف نفسّر التوتّر الغريب، وربّما شبه المرضيّ، الذي يصاب به بعضهم كلّما حاول أحدهم أن يمدّ جسراً بين هذين الدينين، وذلك عبر اللفت إلى العناصر الكثيرة التي تجمع بينهما رغم الاختلاف الذي لا يسعنا إنكاره؟
إنّ بعض هذا التوتّر يرتبط، ولا شكّ، بتراكمات التاريخ التي كثيراً ما تفضي إلى نوع من الانقباض السيكولوجيّ ما زلنا نشعر بثقله اليوم. والحقّ أنّ المسيحيّة والإسلام لم يكونا تاريخيّاً مجرّد دينين مختلفين، بل كانا أيضاً، إبّان حقبات زمنيّة مترامية، منظومتين تتنافسان لا على «امتلاك» الحقيقة العقيديّة فحسب، بل على السلطة الزمنيّة أيضاً. وكان هذا التنافس السياسيّ يعزّز التنافس اللاهوتيّ ويرسم له إطارات غلبة أو مسارات تقهقر.
سقوط القسطنطينيّة مثلاً، العام ١٤٥٣، في قبضة العثمانيّين لم يكن مجرّد إنجاز عسكريّ، بل اعتُبر أيضاً حدثاً «لاهوتيّاً» يحيل إلى انتصار دين على آخر. ولعلّ شيئاً من هذا القبيل كان يعتمل أيضاً في عقول المسيحيّين الأوروبيّين حين فشل السلطان العثمانيّ سليمان القانونيّ في الاستيلاء على فيينّا مطلع القرن السادس عشر.
بيد أنّ حركة التنازع والاحتراب الحاصلة في التاريخ، والتي ما زالت ترخي بظلالها على سلوكيّات الحاضر لدى بعضهم، لا تحول دون أن يكون كلّ من المسيحيّة والإسلام صنو الآخر وندّه بمعنًى ما. الصنو لا يتماهى مع صنوه، لكنّه نظير له ويشبهه في أمور شتّى. ربّما نحن هنا أمام أحد أبرز الالتباسات التي تتحكّم بعلاقة هذين الدينين بعضهما مع بعض. فالمسيحيّة والإسلام تنافسا عبر التاريخ لا بسبب اختلافهما فحسب، بل بسبب تقاربهما أيضاً. فهما يمتلكان عدداً لا يستهان به من العناصر المشتركة يمتدّ من فكرة خلق الكون من العدم، مروراً بقافلة طويلة من الأنبياء المشتركين، بمن فيهم يسوع الذي يعتبره القرآن الكريم كلمة الله وروحه ويجلّ والدته، وصولاً إلى فكرة يوم الانقضاء أو يوم الحشر. يضاف إلى ذلك تقاطع عميق في الحسّ الأخلاقيّ بأهمّيّة التراحم بين البشر، فضلاً عن قيمة الممارسات التعبّديّة كالصلاة والصوم. أمّا في ما يرتبط بالمسيح وأمّه، على وجه الخصوص، فيبدو الإسلام أقرب إلى المسيحيّة من اليهوديّة، لكونه يقرّ بحبل مريم البتوليّ، وبأنّ عيسى هو واحد من الأنبياء الأقلاّء الذين اجترحوا آيات وعجائب، مع تشديد القرآن طبعاً على أنّ هذا لم يجرِ بسلطانه الذاتيّ، بل بإذن من الله.
بيت القصيد، إذاً، هو أنّ أهل الديانتين نظر كلّ واحد منهما إلى الآخر بوصفه مهدّداً له ومنافساً لا بسبب الاختلاف فحسب، بل بسبب التقارب أيضاً. فالدينان يرتكزان على مروحة واسعة من العناصر المتشابهة. لكنّهما غالباً ما يعيدان تركيبها بطريقة مغايرة، وبالاستناد إلى نموذج «هندسيّ» مختلف، إذا جاز القول، مسبغين عليها، بنتيجة ذلك، نبرات مختلفة. الإسلام، مثلاً، يستعين بعدد من العناصر التي نعثر عليها في المسيحيّة (وبنسبة أقلّ في أديان أخرى). لكنّه يصهرها في بوتقته، ما يجعلها تظهر في كوكبة خاصّة به هي غاية في التماسك وتتمتّع بديناميّة فريدة. لذا، فإنّ ما جعل كثراً من المسيحيّين يشعرون بأنّ المنظومة العقيديّة الإسلاميّة تتهدّهم هو إحساسهم بأنّ هذا الدين «الجديد» يستحوذ على عناصر هي «ملك» لهم، بما فيها تلك المختصّة بيسوع وأمّه، غير أنّه يعيد ترتيبها انطلاقاً من منطق خاصّ به، ويقدّمها في سياقات جديدة تتحدّى سياقاتها «الطبيعيّة» في المسيحيّة، مضفياً عليها معاني ووظائف مختلفة. ومن ثمّ، يصبح مثلاً الاسم القرآنيّ للناصريّ، أي عيسى، بالنسبة إلى بعض المسيحيّين، لا سمة تقارب وتلاق، لكونه يحيل إلى الشخص عينه، بل عنواناً للتأويل المختلف الذي يضفيه القرآن على المسيح.
ينتج من هذا أنّ المسيحيّة والإسلام، لكونهما ندَّين، وفي سلوك هو أشبه بسلوك الأخوين «العدوّين» في البيت الواحد، يمعنان في التنافس على قدر ما يتشابهان، ويغلّفان هذا التشابه بتأويلات مختلفة للعناصر ذاتها يرى بعضهم أنّها خلافيّة إلى درجة التناحر والإقصاء. وربّما يزيد من حدّة هذا التوتّر أنّ الديانتين تبدوان، اليوم، وكأنّهما تتنافسان في العالم المعولم على من يستحوذ على العدد الأكبر من المؤمنين، وذلك بسبب طابعهما التبشيريّ وتقارب عدد المنتمين إلى كلٍّ منهما. لعلّ بعض دواء مثل هذه الذهنيّة التنافسيّة، إلى جانب الانفتاح الصادق على الآخر، هو مقاربات جريئة في الحوار لا تنحصر في التركيز على المشترك، بل تسعى إلى فهم الاختلاف في عمقه، متحرّيّةً قبليّاته، ومستكشفةً منطقه، ومترصّدةً آليّاته، وذلك قبل التحقّق من مدى القدرة على تخطّيه أو اعتباره مجرّد تباين مشروع لا يمسّ جوهر الإيمان بالله الواحد.”
د. أسعد قطان