الاحتلال السلجوقي لآسية الصغرى

نبذة مؤلمة من عذابات كنيسة انطاكية  الرومية في زمن الظلم الفاطمي والاحتلال السلجوقي 1084-1517

نبذة مؤلمة من عذابات كنيسة انطاكية  الرومية في زمن الظلم الفاطمي والاحتلال السلجوقي

1084-1517

الظلم الفاطمي

منذ مطلع القرن الحادي عشر المسيحي بدأت السيادة الرومية تظهر في زمن الظلم والاضطهاد الفاطمي للمسيحيين  الذين استبد خليفتهم الحاكم بأمر الله الفاطمي (996-1020) بالمسيحيين شر استبداد ونكل بهم تنكيلاً في مصر وفلسطين وسورية…

وقد امر عام 1009باضرام النار في كل كنائس مصر والشام منها كنيسة العذراء مريم في مصر القديمة، وكنيسة القيامة في أورشليم والمهد في بيت لحم، وبتدميرهما نهائياً وكذلك كنيسة مريم في دمشق (المريمية). ليعود بعدها وفي آخر عهده ويأمر باعادة بناء كنيسة القيامة وكنيسة مريم دون بقية الكنائس.

واعلنت حلب استقلالها الكامل عن الدولة الرومية البيزنطية بعد ان كانت في طاعتها، واحتل العرب مدناً أخرى في سورية. وقطع تقدم العرب مؤقتاً القائد الرومي البطل الفتى جرجس مانياكس الذي استرجع في 1022 الرها. ونقل منها رسالة المسيح المزورة الى الأبجر ملكها، الى القسطنطينية.

وعُقدتْ بين ملك بيزنطة رومانوس الثالث أرجيروس (1028-1034)وبين الخلفاء العرب بعد مفاوضات كثيرة متعبة، عُقدَتْ معاهدة كان من اول بنودها إعطاء الملك الرومي حق انتخاب بطريرك اورشليم، والثاني حق اعادة بناء كنية القيامة.

الغزو التركي السلجوقي لآسية الصغرى شرقاً وغرباً واقتحام انطاكية

ولكن منذ اواسط القرن الحادي عشر المسيحي، صار الروم يواجهون خطراً جديداً  هو خطر الاتراك السلاجقة الهمج الوافدين من اقصى الشرق الآسيوي.

من هم الاتراك السلاجقة

هؤلاء اخذوا اسمهم من (تورك سلجوق). كانوا يخدمون تحت زعامة زعيم تركستان نحو عام 1000م.

جاء سلجوق ،من زعمائهم المعممين المهيبين، مهاجراً مع قبيلته الى ترانسوخارنيان من بُخارى. واعتنق الاسلام، فازداد اتباعه بسرعة واحتلوا خراسان، ومن هناك أغاروا على العجم (فارس)، وتغلغلوا الى مابين النهرين. فانضمت اليهم قبائل تركية أخرى، واحتلوا كل آسيا الغربية، وانتشروا من افغانستان حتى آسيا الصغرى، وحدود دولة الخلفاء الفاطميين في مصر.

سلجوق
سلجوق

 وبعد ان كانوا جنوداً مرتزقة يحاربون مع الروم البيزنطيين في البداية، هجموا فيما بعد على الممتلكات الرومية البيزنطية في آسية الصغرى تحت امرة السلطان قلب-اسلان، واحتلوا ارمينيا ونهبوا كبادوكية وجزءاً من سورية.

وفي قيصرية كبادوكية هذه المدينة الرومية الاعجوبة دمر الأتراك المغيرون كنيسة القديس باسيليوس الكبير حيث كان يُحفُظُ جثمانُه الشريف، وكانت قطعان السلاجقة الهمج تُحدث الدمار الشديد اينما حلت، فجيَّشَ عليهم رومانوس ديوجينوس ملك القسطنطينية (1068-1071)، واوقف مؤقتاً هجمتهم البربرية، لكنه انكسر انكساراً شديداً، بعد أن أبلى بلاء كبيراً في الجهاد، في معركة قرب مدينة ملاذ كرت (مانزكرت) الأرمنية شمال بحيرة فان. وسقط جريحاً  في المعركة، وتم أسره.

أحسن السلطان التركي مع الملك الرومي الأسير الجريح، لكنه فرض عليه معاهدة ثقيلة الشروط جداً، وكانت تلك الهزيمة جرحاً مميتاً في جسم الدولة الرومية.

اسس خليفة قلب-اسلان، السلطان سليمان اول دولة منظمة في آسيا الصغرى، “سلطنة الروم” كما كان يُدعى بهذا الإسم سكان المنطقة “يونانيون”، وجعل عاصمتهم إيقونية. وسرعان ما امتدت تلك الدولة، لا على كل الممتلكات اليونانية في الشرق كله تقريباً، بل على قسم كبيرأيضاً من ممتلكات العرب. واستقر أمراء اتراك  سلاجقة في نيقية وكيزيك.

نشوءالحضور العسكري الارمني

وفي الوقت نفسه، كانت تتشكل زعامة أرمنية بقيادة براهاميوس فيلاريت الارمني. وكان فيلاريت قد خدم عند ملك بيزنطية ذيوجينوس، ولم يعترف بخلفه ميخائيل السابع دوكا بارابيناكيون(1071-1078)، فأعلن نفسه زعيماً واحتل بعض مدن كيليكية منها ملطية أيضاً. واذا كان ملوك بيزنطية يبتغون أن يستخدموا هذه الزعامة الارمنية مثل حاجز وقائي ضد الاتراك السلاجقة الزاحفين، سكتوا عن استغلالها، وارسلوا هدايا الى فيلاريت الذي اعترف بالسيادة البيزنطية على عهد الملك نيكوفورس الثالث فوتانيانوس (1078-1081).

وكان فيلاريت يستهدف إحتلال أنطاكية لتعزيز مكانته في كيليكيا ضد الاتراك، ولكن البيزنطيين كانوا يقاومون مخططاته.

وكلف اسحق كومانينوس، دوق انطاكية بمراقبة تحركات فيلاريت، بأمر ملكي من ميخائيل السابع.

إلا أنه حدث، بطريقة عجيبة، أن يكون في مدينة أنطاكية ذاتها أرمن أرثوذكس يعتلون المراتب المدنية العالية. ومن هؤلاء كان دوق انطاكية فاساغيوس (فاساغ) بن جيورجيوس مايسرَو. وقد اغتيل هذا الدوق الارمني بشكل مجهول، واما الطبقة الأرستقراطية في انطاكية فدعت فيلاريت لاحتلال المدينة. ولما صار فيلاريت سيد المدينة، وسع أملاكه محتلاً الرها، لكن دولته انحلت سريعاً جداً.

احتلال السلاجقة مدينة انطاكية

احتل زعيم الاتراك السلاجقة مالك شاه انطاكية بواسطة سليمان حاكم البلدان التي احتلها  السلاجقة في آسية الصغرى وذلك في عام 1084.

وهكذا خسر البيزنطيون انطاكية مصيرياً.  وانفتحت امام السلاجقة آسية الصغرى  غرباً، فمن أنطاكية انطلق السلاجقة ووسعوا ممتلكاتهم شيئاً فشيئاً. وهكذا في عام 1092 تقدموا الى ازمير وكلازوميناس وخيوس، وليخرفس ورودس واسقفياتها القديمة ممعنين تدميراً وسبياً وقتلاً في السكان المسيحيين الانطاكيين الروم.

احتلال السلاجقة سورية

واخيراً فان الاتراك السلاجقة احتلوا 1096 القدس وتأسست زعامات تركية سلجوقية منهم في سورية وانطاكية ودمشق وحلب وطرابلس.

وهكذا فقد أُعيدت إنطاكية مع سورية كلها الى حكم غريب جائر دموي، ومعها خضعت كنيسة انطاكية (حتى تزداد عذاباتها في كل حقبة جديدة مع الغزاة والاغراب والمنشقين الذين باعوا انفسهم دوما للغزاة طمعاً بالمكاسب والمغانم) لمسلمين جدد مكتسحين يختلفون عن الاولين (العرب) كثيراً.

وليست لدينا اخبار من ظرف اكتساحهم للكنيسة وحكمهم البلاد، الا اخبار الراهب نيكون العالم.

وكان هذا الراهب قد اشتهر ذكره في زمن قسطنطين دوكا(1059-1067). نسك اولا في رايتو ثم في الجبل الأقرع (او الاسود) الذي يحسب اصلا من الأمانوس حتى نهر العاصي، ثم نسك ايضا في دير القديس سمعان العمودي الحديث في الجبل العجيب. ولكنه يدعى في المعتاد نيكن راهب الجبل الأسود. وكان كما يظهر انطاكي الأصل، وتثقف على يدي الراهب لوقا الذي رسمه بطريرك انطاكية نقولا الثاني اسقفاً على عين زربا.

وتميز كثيراً بنشاطه الكنسي عامة وبمؤلفاته. وقد عينه البطريرك ثيوذوسيوس الثالث خريسوفيروس معلماً للكلمة الالهية في الكنيسة. ودعاه هذا البطريرك  الى قبول الشرطونية بدرجة الكهنوت، ثم الى ان يكون جاثليق بابل (بغداد)، ولكن نيكن رفض الدعوة معتبراً نفسه غير مستحق. وعلى هذا صنف رسالة بعث بها الى زميله باسيليوس الناسك في دير البار سمعان. وصنف رسالة أخرى في الأعياد والأصوام بعثها الى زميله الناسك لوقا. ويخبرنا نيكن أنه بعد سقوط انطاكية بيد الاتراك السلاجقة ساد سلام،”سلام لم يكن مثله حين كانت السيادة لمؤمنينا المتنازعين فيما بينهم”.

وهذا ماسجله نيكن  لكنه طُوردْ واضطُهِدْ  من اجل وشايات الواشين المبطنين، من غير أن نعرف الاسباب. عندئذ انتقل الى دير والدة الاله (دويذيسوس) وتعين أيضاً معلما للكلمة الالهية بكتاب من رؤساء الكهنة نقله اليه صموئيل متروبوليت أدنة. ولكنه كتب من دير دويذيسوس الى جراسيمس يقول:” وكل ما اتمتع به من راحة انما أنعم الله به علي بشفاعة والدة الاله، وانا هنا مرتاح بشفاعة القديس سمعان العجائبي عميدنا وسندنا. وهنا وهناك أقيم مرتاحا من فضل ربي”. ويظهر أنه قضى اجله قبل حكم الفرنجة في انطاكية.

 واقع الكرسي الانطاكي تحت حكم السلاجقة المؤقت

كان نيكن مؤلفاً يستحق الذكر والتقريظ. تركَ مؤَلفاً مطولاً في النسك بعنوان:”شرح وصايا الرب الالهية”. وترك أيضا “السجل” الذي ضمنه كثيراً من المقالات والابحاث المختلفة، والأخبار التاريخية عن كنيسة أنطاكية. وترك مؤلفاً هاماً

 “الدليل الى كل شيء” وتُرجم الى اللغة العربية، كما تُرجمت له اليها مؤلفات أخرى.

ومن اخباره ايضا أن بعض الرهبان الأرمن الأرثوذكس الذين كانوا ينسكون الى ذلك الوقت في دير القديس سمعان من الجبل العجيب، كانوا قد انتقلوا الى فلسطين لكي ينسكوا هناك، وكانوا يكنون بال”تزات”. ولكن ظُنَ بهم غير الارثوذكسية، ووقعت عليهم اتهامات وحلت بهم اهانات.

وبما انه لم يكن يوجد بطريرك لأنطاكية كتب رؤساء الكهنة المقيمون في انطاكية، ومتميزو الاكليروس فيها، مع بطرس رئيس دير القديس سمعان، كتبوا بشأنهم  الى بطريرك اورشليم أفتيميوس الأول(1084) واعلموه بأرثوذكسية الرهبان المذكورين راجين اياه أن يحميهم. وقال رؤساء الكهنة في رسالتهم موضحين الحالة التي هم فيها بعد الاحتلال السلجوقي الجائر:

” ان الامور التي حدثت عندنا والحالة التي نحن فيها شيء فوق التحمل. فنحن بلا راع يجمعنا ونحن مشتتون ومسبيون صيداً للوحوش”.

 وفي هذه الكلمات القليلة بيان الحالة التي كانت تعيشها كنيسة انطاكية في عهد الاحتلال السلجوقي التركي البغيض.

ان الذي سبب في إرسال الرسائل آنفاً الى بطريرك اورشليم هو الراهب نيكون، وكان يومئذ رئيس دير القديس سمعان من الجبل العجيب. وكتب هو خاصة كتاباً مطولاً الى تلميذه الناسك في اورشليم، الرئيس جراسيموس والى الرهبان الكرجيين.

وكان نيكن يعرف جيداً الرهبان الارمن (التزات)، لأنه كما رأينا، بعد الاحتلال السلجوقي، لجأ الى دير والدة الاله في دويذيسوس حيث لقي رهبانا أرمنيين أرثوذكسيين ونسك معهم. وكان قد عرف مثل هؤلاء في دير القديس سمعان العجيب. ومما كتبه عنهم نعلم أن الرهبان التزات كانوا اولا في بلاد مابين النهرين،

ولهم اسقف خاص يشرطنه بطريرك انطاكية، وان لهم نظاماً كهنوتياً كاملاً. ولكن بسبب الغزوات السلجوقية التركية المتعددة تفرقوا وتشتتوا. وكانوا يعيشون في باقي الأديار الأرثوذكسية، يطبقون انظمة القديس سابا، والقديس ثيوذوسيوس في فلسطين، وكان اخوتهم الرهبان يسمحون لهم ان يستعملوا في الترتيل لغتهم الخاصة ماعدا التسبيح المثلث التقديس “قدوس الله…” وذلك بسبب الانحراف وفساد الاعتقاد عند بطرس القصار.

وهكذا الامر في كل أديار سورية، حيث كان ينسك رهبان أرمن من التزات. ولأجل ذلك كله كان نيكن يناشد رهبان فلسطين ألا يعتبروا هؤلاء الرهبان غير قانونيين، بل بالأحرى أن يقبلوهم ويحبوهم.

وماكان للاحتلال السلجوقي أن يطول أمده كثيراً.

ومن أخبار نيكن الثمينة والادلة المتعلقة بذلك، نعلم أن كنيسة أنطاكية لم يصبها من السلاجقة، اضطهاد منظم مقصود على الرغم من الحالة غير المرضية التي حلت بها…

 

من المصادر

د. رستم- اسد ” تاريخ كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى، منشوارت المطبعة البولسية

بابادوبولس- خريسوستوموس “تاريخ كنيسة انطاكية، تعريب الأسقف استفانوس

 حداد، منشورات النور 1984