أسئلة عربية شائعة حول الأزمة الأوكرانية

أسئلة عربية شائعة حول الأزمة الأوكرانية
 
كتب الصحفي والمفكر الاردني-الفلسطيني الاستاذ إبراهيم علوش
 
تشيع أسئلة في الشارع السوري خصوصاً، والعربي عموماً، حول الأزمة الأوكرانية، ستقدم السطور التالية بعضها ومشاريع إجابات عليها، كمحفز لنقاش جاد حول هذه الأزمة وانعكاساتها دولياً وإقليمياً.

  ومن هذه الأسئلة، على سبيل المثال لا الحصر:
 
–         س: على أي أساس يتم الاصطفاف مع روسيا من قبل سورية ومحور المقاومة والعديد من الدول والقوى والأحزاب والشخصيات التي طالما أدانت الغرب والاحتلال الصهيوني على انتهاك سيادة الدول والتعدي عليها؟  ألم تقم روسيا بغزو أوكرانيا وانتهاك حدودها والتعدي عليها؟  وماذا عن احترام القانون الدولي الذي طالما دعت روسيا الغرب إلى الالتزام به؟
 
–         ج: لم تذهب روسيا إلى أقاصي الأرض للغزو والاحتلال كما يفعل الغرب منذ قرون، ولم تسارع لتنفيذ عملية عسكرية في أوكرانيا المجاورة بناءً على نزوةً، إنما دخلت أوكرانيا بعدما وصلت سكين الناتو إلى ذقنها، بعد تحذير الرئيس بوتين من هذا الأمر منذ 2004 على الأقل.  وكان الناتو قد تمدد، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، عبر دول أوروبا الشرقية تدريجياً منذ التسعينيات، بحيث يطوق روسيا من الغرب، رغم وعوده الجوفاء، التي لم يلتزم بها، كالعادة.  كما أن شرق أوكرانيا بالذات، المليء بالروس، تعرض عبر السنوات الفائتة لتهجير منهجي، وقتل ما لا يقل عن 13 ألفاً من سكانه.  نضيف أن روسيا وأوكرانيا ترتبطان، كما معظم دول أوروبا الشرقية، بالرابطة السلافية.  وشتان ما بين هذا من جهة، مثلاً، وما بين المحتلين المستوطنين القادمين إلى فلسطين من كل بقاع الأرض من جهة أخرى.  فنحن نتحدث هنا عن خلاف ضمن العائلة السلافية، يدس الغرب فيه أنفه ليفجره ويصعده لأن مشروعه هو إضعاف روسيا.  ولولا تدخل الغرب وتحريضه، لما تصاعد الخلاف إلى مثل هذا الحد.  وقد كانت خلفيته تأسيس نظام موالي للغرب في أوكرانيا عام 2014 على خلفية ما يسمى “الثورة البرتقالية”.    
 
 
–         س: ألم تتورط روسيا في مستنقع أوكراني كما تورط الاتحاد السوفياتي السابق في مستنقع أفغاني؟  ألم يكن من الأجدى للروس أن يبحثوا عن صيغة تفاهم سياسية مع النظام الحاكم في أوكرانيا بدلاً من الدخول في معركة كسر عظم لا تؤمن عواقبها، إذ أن من الواضح أن المطلوب هو جر روسيا إلى مربع الاستنزاف، من خلال العقوبات الاقتصادية من جهة، ومن خلال حرب العصابات في أوكرانيا التي هيأ لها الغرب بتزويد أوكرانيا بكثافة بالصواريخ المضادة للدبابات والطائرات من جهةٍ أخرى؟  
 
–         ج: تمثل العملية العسكرية في أوكرانيا، بالنسبة لروسيا، مسألة حياة أو موت.  ولذلك فإن كلفة تلك العملية تظل أقل من كلفة عدم القيام بها، تماماً كما أن كلفة المقاومة بالنسبة لنا، تظل أقل من كلفة الاستسلام.  فالسبب المباشر للأزمة الحالية يعود إلى توقيع فولودومير زيلينسكي رئيس أوكرانيا، اليهودي حامل الجنسية “الإسرائيلية”، على “استراتيجية جديدة للأمن القومي”، في 14 أيلول/ سبتمبر 2021، تنص على “تطوير العلاقة المميزة مع حلف الناتو وصولاً للإنضمام إليه”.  وكان زيلينسكي قد وقع في 24 آذار/ مارس 2021 القرار التنفيذي رقم 117 الذي ينص على “احتلال وإعادة ضم القرم”، وكانت المناوشات العسكرية قد بدأت منذ ربيع عام 2021.  ومع ذلك، لم تتحرك روسيا، إنما بدأت بالتحرك، عسكرياً، لاحتواء انضمام أوكرانيا للناتو.  فمن بدأ هذه الحرب هو النظام الأوكراني، بإيعاز من الغرب طبعاً.  وما فعلته روسيا، قبل العمل العسكري، هو طرح مشروع معاهدتين، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2021، تتضمنان تعهداً أوكرانياً بعدم الانضمام للناتو، وهو ما لم يقبل به النظام الأوكراني.  وكانت السفن الحربية الأمريكية قد دخلت البحر الأسود في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2021، وهو ما استثار ردة فعلٍ قوية من وزارة الدفاع الروسية.  ولو سكتت روسيا عن هذا، لالتف الحبل حول رقبتها واختنقت.  لا يجوز إذاً تصوير الأمر كأن روسيا كانت نائمة، ثم استيقظت يوماً، فقررت الدخول إلى أوكرانيا من فراغ.  لم يكن ثمة خيار لروسيا إلا أن تدخل إلى أوكرانيا.  تحاول روسيا، ببساطة، أن تحافظ على سيادتها واستقلالها في وجه الناتو، ولا تطلب من أوكرانيا إلا أن تكون محايدة، إن لم ترغب بالتحالف معها، وألا تطغى على الروس في أوكرانيا.
 
 
–         س: مع ذلك، أليس هذا شبيهاً بما يقوله الكيان الصهيوني عن التهديدات التي يتعرض لها من جواره، وحاجته للتدخل فيه، عسكرياً واستخبارياً وسياسياً، للحفاظ على أمنه القومي؟  لماذا نعترض هنا ونسكت عن الحجة ذاتها عندما تطرحها روسيا؟ 
 
–         ج: ما يقوله الكيان الصهيوني يتطلب منا ابتداءً أن نعترف بحقه في الحفاظ على “أمنه القومي”.  وهنا جوهر المشكلة.  الكيان احتلال استيطاني إحتلالي لا حق له بالوجود.  ووجوده في بلادنا طارئ، وإن شاء الله، عابر.  وهنا يكمن الفرق الكبير بين الكيان، من جهة، وبين الشعوب والقوميات الطبيعية المتشكلة تاريخياً من جهةٍ أخرى، مثل العرب والسلاف والصينيين والفرس والشعوب الأوروبية وغيرها.  وبالتأكيد، فإن من يعترف بحق اليهود التاريخي أو “القانوني” بالأرض العربية سوف يواجه مشكلة من هذا النوع.  أما الشعب العربي عموماً فلا يواجهها.  نحن لا نقول، بالمناسبة، أن الأوكران لا حق لهم بالوجود.  على العكس تماماً!  لقد نشر الرئيس بوتين مقالةً مهمةً في 12 تموز/ يوليو عام 2021 بعنوان “حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين” تحدث فيها عن الرابط السلافي القومي بين الشعبين، وهو ما استثار حفيظة الغرب وأذنابه، تماماً كما يحدث عندما نتحدث عن الوحدة التاريخية بين أهل بلاد الشام مثلاً، أو بين أهل بلاد الشام ووادي النيل والمغرب العربي والجزيرة العربية.  وتلك حقائق تاريخية راسخة، وقد شكلت مؤشراً على أن الرئيس بوتين يتناول الموضوع من زاوية قومية سلافية، وأن روسيا تستعيد مكانتها بين السلاف لكي تستعيد مكانتها في العالم، لأن الوحدة أساس القوة.  ولا مجال للمقارنة هنا بين هذا الرابط القومي، من جهة، وبين الاستعمارين الغربي أو الصهيوني لشعوب وبلدان تبعد عنهما آلاف الكيلومترات، من جهةٍ أخرى، لا لأن تلك الشعوب والبلدان تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، بل لفرض هيمنتهما على العالم وشعوبه وأسواقه وموارده.   
 
–         س: دعنا من الخطاب الأيديولوجي، الذي طالما مثّل غطاءً لأسوأ أنواع الانتهازية والفساد وسوء الإدارة.  ماذا عن منظور المصلحة؟  هل من مصلحتنا، من ناحية عملية، تعقيد مشاكلنا المستعصية بالاصطفاف مع روسيا في مواجهة خصومها الذين تمكنوا من أن يفرضوا عقوبات موجعة حتى على قوة عظمى مثل روسيا تمتلك أسلحة نووية واحتياطي نقدي بمئات مليارات الدولارات؟  أليس من الأفضل لنا كسب نقاط بالوقوف مع خصومها، أو حتى بالوقوف على الحياد؟
 
–          ج: يجب أن نسأل هنا: ما هي مصلحتنا، وبمَ تتمثل؟  نحن كعرب دفعنا الثمن الأكبر لأحادية القطبية منذ انهار الاتحاد السوفياتي، من العراق عام 1991، إلى العراق عام 2003 إلى ليبيا وسورية عام 2011، إلى فلسطين التي مرت قضيتها بظروف شديدة التعقيد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وضرب العراق واتفاقية أوسلو ومعاهدات “السلام” الرسمية العربية مع العدو.  وما من شكٍ في أن شعوب العالم دفعت ثمناً باهظاً أيضاً للأحادية القطبية، لا سيما في إيران وكوريا وفنزويلا وغيرها.  تتمثل مصلحتنا إذاً بدعم التوجه نحو التعددية القطبية، وهو ما تعمل روسيا والصين من أجله.  فذلك يخلق أفضل الظروف لتحررنا واستقلالنا ووحدتنا.  ومن هذا المنطلق وحده يجب أن ندعم روسيا.  ولكن ليس هذا الدافع الوحيد لدعم روسيا.  بل هناك حقيقة كون روسيا حليفاً تاريخياً للعرب، للدول العربية ذات التوجه القومي والوطني والاستقلالي تحديداً، وقد برز ذلك، أكثر ما ظهر، في دعم روسيا لسورية، بشكل عسكري مباشر، منذ 30 أيلول/ سبتمبر عام 2015، في مواجهة الإرهاب التكفيري الذي كاد يقضي على الأخضر واليابس في بلاد الشام والعراق، لا في الجمهورية العربية السورية وحدها.  وقد قدمت روسيا شهداء وموارد عسكرية كبيرة على هذا الصعيد.  ونحن أهل وفاء، فهل يليق بنا إلا أن نقدم الدعم والمساندة للحليف الذي قدم الدعم والمساندة لنا في أصعب اللحظات؟  وهل يمكن أن نفصل فتح الغرب لمعركة أوكرانيا عن الدعم الذي يقدمه الروس على الجبهة السورية؟  وكيف سيكون وضعنا، لو انشغلت روسيا بذاتها، وعادت إلى التقوقع والانهيار الذي عاشته قبل أن تتعافى على يد بوتين؟  هل سيكون وضعنا، في سورية والوطن العربي، أفضل أم أسوأ؟  إن واجب الوفاء وحده يقتضي منا أن ندعم روسيا اعترافاً بالجميل، فما بالك إن اقترن ذلك بمصلحتنا في بقاء روسيا لاعباً رئيسياً على المسرح الدولي والإقليمي، لكي لا يستفرد الغرب الداعم للكيان والإرهاب التكفيري بالملعب؟
 
 
–         س: تتحدث عن دعم روسيا لنا، ولكن ماذا عن العلاقات ما بين روسيا من جهة، وكلٍ من تركيا والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، والتي يرى كثيرون في سورية وخارجها بأنها تطورت على حسابنا؟  ألا يجدر بنا أن نتريث قليلاً لكي لا ندفع ثمناً لا قِبل لنا به في معركة دولية كبرى، ولكي لا يأخذنا حلفاؤنا “على المضمون”؟
 
–         ج: من منظور المصلحة مجدداً، يمكن أن نقول إن أحد أهم فوائد الأزمة الأوكرانية أنها كشفت العلاقات بين روسيا من جهة، وكلٍ من الكيان العثماني والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، بشكلٍ غير مسبوق.  كلاهما يعاني اليوم من مأزقٍ كبيرٍ بعد سنواتٍ من الرقص على الحبال ومحاولة استرضاء روسيا مع البقاء في حضن الناتو في آنٍ واحد.  النظام التركي سبق وأن وقف مع النظام الأوكراني علناً، وهو لا يخفي أطماعه التاريخية بالقرم ذاتها.  والكيان الصهيوني انكشف استراتيجياً أمام روسيا في الأزمة الأوكرانية.  وهذا وذاك سوف تكون له عواقبه، في سورية وفي فلسطين وفي غيرهما.  ونحن العرب، في حالة الضعف التي نعيشها اليوم، ربما لا نستطيع أن نجعل غيرنا يتبنى ثوابتنا ومواقفنا كما نرغب.  ولكنْ سنكون أغبياء لو لم ننتبه جيداً للمأزق الاستراتيجي الذي يعيشه الكيانين العثماني والصهيوني مع روسيا في المسألة الأوكرانية بالذات.  لذلك تقتضي مصلحتنا، إن أخذناها بشكلٍ براغماتيٍ محض، أن يتوسع ذلك التناقض، وأن نؤشر ليل نهار على المواضع التي يسيء فيها النظام التركي والصهاينة للروس، في تمرير الإرهابيين إلى أوكرانيا عبر تركيا، ومسيرات بيراقدار، في تصويت “إسرائيل” لإدانة روسيا في الأمم المتحدة، في تطوع مرتزقة “إسرائيليين” للقتال في أوكرانيا، وفي كل تفصيل صغير يسيء فيه العثملي والصهيوني للروس.  ولا بد من الانتباه هنا، بالأخص، لموقف بعض الإسلاميين، تبع أردوغان، في دعم أوكرانيا في الشارع العربي، وتلميع “الإسرائيلي” زيلينسكي كأنه أحد الصحابة أو الأولياء الصالحين.  وهذا مهمٌ لأنه تحول إلى معركة عربية داخلية، تكشف العنصريين الأوكران كما تكشف حواضن الإرهابيين في الشارع العربي، وهي معركة إعلامية يتوجب على كل مواطن عربي شريف أن يخوضها في محيطه المباشر أو على وسائل التواصل الاجتماعي أو حيثما استطاع.
 
 
–         س: ماذا عن انعكاسات الأزمة الأوكرانية معيشياً على المواطن السوري خصوصاً، والعربي عموماً، فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء في دول محاصرة، أو تعاني أزمات معيشية هائلة، هو أمرٌ لا يمكن إغفاله، ولا يجوز أن نتجاوزه، فكيف نندفع لتصدير مواقف سياسية في أزمات دولية من دون الالتفات لانعكاسات مثل تلك الأزمات على وطننا وشعبنا؟
 
–         ج: تعالوا نتخيل لو انتصرت روسيا في هذه المعركة كيف سيكون شكل الإقليم الذي نعيش فيه، وتعالوا نتخيل لو هزمت روسيا في هذه المعركة كيف سيكون شكله.  ما من شكٍ في أن مشكلة الحصار والعقوبات، وإثبات عدم جدواها، واختراقها، وإيجاد منظومة اقتصادية دولية بديلة لتلك السائدة حالياً، هو المدخل لتخفيف مشاكل الحصار والعقوبات في بلادنا، ولإيجاد شيء من التوازن في المنظومة الدولية.  وهذا هو المآل الذي تسير فيه الأمور اليوم.  أما بالنسبة لاستحقاقات الأزمة الأوكرانية على الحالة المعيشية للمواطن السوري خصوصاً، والعربي عموماً، فمن الضروري الاعتراف بأن حالة معظم الناس، في العالم بأسره، تزداد سوءاً، وبأن ذلك سيكون أكثر قسوة في الدول المحاصرة، على المدى القريب.  لكنها معركة مفروضة علينا وسنعيش استحقاقاتها بغض النظر عما تؤول إليه، إنما الفرق هو في نتيجتها.  وما دمنا سندفع الثمن على أية حال، فإن أقصى ما يمكن أن نفعله هو السعي للعمل على تخفيف آثارها بإجراءات إدارية صارمة من جهة، وباتخاذ الموقف السليم الذي يدفع باتجاه انتصار روسيا من جهةٍ أخرى، لأن تلك هي مصلحتنا في المحصلة، لا الموقف المبدئي الذي يجب أن نتبناه فحسب.    
 
 
 https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=5737594492924405&id=100000217333066