صراع الحضارات في أوكرانيا

 صراع الحضارات في أوكرانيا؟

 صراع الحضارات في أوكرانيا؟
منذ نهاية شباط من سنة 2022، تستعرُ حربٌ ضروسٌ في شرق أوكرانيا، في المنطقة المحاذية لروسيا، ويتواجهُ فيها الجيشان الروسيّ والأوكرانيّ. كَثُرَ المحللّون والمنظِّرون في أسبابِ هذه الحرب، معتمدين في أقوالِهم على ما تبثُّه وسائلُ الإعلام المسيّسة وما تمرِّرُه مخابراتُ هذا الفريق أو ذاك من تحاليلَ مبنيةٍ على معلوماتٍ آنيةٍ لا تشرحُ فعلياً الأسبابَ العميقةَ لهذه الأزمة الخطيرة التي تكادُ أن تجرَّ العالمَ الى حربٍ عالميةٍ أو، على الأقل، الى حربٍ أوروبيةٍ شاملة.
البعضُ يتهمُ روسيا بالعدائيةِ والديكتاتورية والروح القمعيّة التي ترفضُ نشأةَ دولةٍ ديمقراطيةٍ في جوارِها. والبعضُ الآخرُ يرى في هذه الحرب ردةَ فعلٍ طبيعيةً من النظام الروسيّ على الرغبة الأوكرانية بالإنتسابِ الى أوروبا الموحَّدة والى حلف شمال الأطلسي. لكنَّ قلةً من المحلّلين يتوغَّلون في تحليلِهم الى حدِّ إستكشافِ الأسباب العميقة لهذه الأزمة التي هي، في حقيقتِها، جولةٌ جديدةٌ في صراعِ حضاراتٍ يعودُ الى مئاتِ السنين. فأيُّ حضاراتٍ هي تلك التي تتصارعُ الآن في أوروبا الشرقية؟ وهل عرفَ هذا الصراعُ جولاتٍ سابقة؟
تتزعَّمُ الولايات المتحدة الأميركية الفريقَ الذي يتصدّى للسياسةِ الروسية، وتلتفُّ حولها معظمُ الدول الأوروبية، لكنَّ الأكثرَ إندفاعاً في هذا التصدّي هي الدولُ ذات الأصول الجرمانية وهي بريطانيا والمانيا وكندا وأستراليا وجميع دول أوروبا الغربية. وتجرُّ هذه المجموعةُ وراءَها دولاً أدخِلَت حديثاً في الإتحاد الأوروبيّ ومنظمة حلفِ شمالِ الأطلسي كرومانيا وبلغاريا وبولونيا ودول البلطيق. ومعظمُ هذه الدول كانت في قريبِ الزمان جزءاً من الإتحاد السوفياتي الذي إنفكَّ عقدُه في سنة 1990 أو جزءاً من حلفِ وارسو الذي إنتهى بإنتهاءِ الإتحادِ السوفياتي. وقد تمَّ إستقطابُ هذه الدول الأوروبية الشرقية بمغرياتٍ إقتصاديةٍ كثيرةٍ وبإعلامٍ أميركيٍّ مبهرَجٍ وواعدٍ بإسمِ الحرية والديمقراطية والرأسمالية. لكنَّ هذا الفريقَ الواسعَ يبقى، دون أدنى شكٍّ، تحت سيطرةِ ثقافةٍ جرمانيةٍ تُدعى أحياناً أنكلوساكسونيةٍ تمثِّلُ المخزونَ الثقافيَّ الذي طوَّره الغربُ الجرماني خلالَ الألفيةِ الثانية، وبالتحديدِ إبتداءً من سنة 800، تاريخ تتويج شارلمان إمبراطوراً جرمانياً على الغربِ الأوروبي.
في مقابلِ هذا الفريقِ الذي يدّعي مناصرةَ الحرية الفردية والرأسمالية والديمقراطية، تقفُ روسيا السلافيّة، متصديةً لتوسُّعِ الحلفِ الأطلسي شرقاً في إتجاهِها، ولإقتناص الإتحادِ الأوروبي الذي أسَّسته دولُ الغرب شعوباً ودولاً شرقيةً لم تكنْ يوماً في إطارِ حضارتِها ولم تنتسبْ شعوبُها مطلقاً للثقافةِ التي نمَت في الإمبراطورية الجرمانية ووَرَثتِها. فالشعوبُ البلقانيةُ والسلافية الشرقية كانت، حتى سنة 1453، جزءاً لا يتجزأ من العالمِ الروميّ الذي تزعَّمته القسطنطينية، والذي إستوعبَ الإرثَ الثقافي الروماني الإغريقيَّ القديم وطبعَه بطابعٍ مسيحيٍّ شرقيٍّ أرثوذكسيٍّ ذي قيمٍ وتقاليدَ عريقةٍ مقتبسةٍ من مرجعيتِها الإنجيلية ومناقضةٍ لمبادئ الفرديّة المطلقة والرأسمالية الوحشيّة ولغلبةِ العدديّة على قدسيةِ المحبة والرحمة والعائلة. أمّا وقد سقطَت القسطنطينةُ في سنة 1453 بيدِ الغزاةِ الأتراك العثمانيين، فالحضارةُ الروميةُ لم تختفِ بل بقيَت ساكنةً في مِهجِ تلك الشعوب وإنتقلَت عفوياً الى الدولةِ الروسية التي إحتفظَت بها سالمةً، مع بعض التعديلات، الى يومنا هذا، وصارعَت بها دولاً غازيةً عديدةً وتياراتٍ فكريةً مستوردة، وإنتصرَت عليها في ظروفٍ قاسية وبأثمانٍ عالية.
لننظرْ في تلاحقِ الأحداثِ والمواقفِ عبرَ القرون الماضية ولنبحثْ عن أزماتٍ تاريخية شبيهةٍ تكرَّرت عبر العصور ونشبَت في المواقع نفسِها وبين الأطرافِ ذاتِها علَّنا نتيقَّنُ أنَّ الأزمة الأوكرانية الحالية هي فصلُ من فصولِ هذا التصادمِ الحضاريّ بين الثقافةِ الغربية الجرمانية والثقافةِ الروميّة الشرقية. من الواقعيّ أنْ نقولَ بأنَّ الظروفَ الإقتصاديةُ والسياسية القائمةُ حالياً وطبائعَ الحكامِ الجالسين على سدّةِ السلطة وأطماعَ أطرافٍ عقائدية متواجدةٍ حالياً في المجتمعات السائدةِ في روسيا وأوكرانيا وأوروبا الشمالية وراءَ إنفجارِ الأزمةِ الحالية، لكنَّ طبيعةَ الخلافِ وأبعادَه ونوعيةَ الأطرافِ المتخاصمة تؤكدُ بأنَّ هذه الأزمة حلقةُ في سلسلةِ صراعِ هاتَين الحضارَتَين منذ أوائل القرون الوسطى:
 دخلَت القبائل الجرمانيةُ المختلفة المناطقَ الغربية من الإمبراطورية الرومانية، إبتداءً من القرن الرابع، وسيطرَت عليها، وإستوطنتها، وحكمَتها، وطبعَت تراثَها الرومانيَّ الإغريقيَّ القديم بطابعِها، فحملت تلك البلدانُ الأوروبية الغربية، منذ تلك القرون، أسماءَ تلك القبائل، ومنها الفرنجة والإنكليز والساكسونيين والألمان والنورمانديين واللومبارديين. وإصطدمَت تدريجياً بالموروثِ السياسي والثقافي الإغريقي الرومانيّ القديم المتمثّل بالدولة الروميّة وعاصمتِها القسطنطينية، وإنطلقَ الصراعُ رسمياً عندما فرضوا على بابا روما ليون الثالث أن يتوِّجَ ملكَ الفرنج شارلمان إمبراطوراً رومانياً في 25 كانون الأول 800. وإعتبرَ الرومُ ذلك التتويج وإنشاءَ إمبراطوريةٍ جرمانيةٍ مقدّسةٍ في الغربِ تحدّياً للشرعية الروميّة الكنسية والسياسية.
 وسعى الغربُ الجرمانيُّ الطابع، منذ ذلك الحين، للسيطرةِ على الفضاءِ الأوروبيّ وعلى الكنيسة المسيحية، متوسِّلاً طرقاً عديدةً ومنها ترؤُّسُ الكنيسة وتعديلُ عقائدها. وبلغَ الصراعُ مع العالمَ الروميّ ذروتَه عندما أصرَّ بابا روما، بدعمٍ من ممالكِ الغربِ ذي الطابع الجرماني والخاضعِ لتأثيرِها، على فرض رئاستِه المطلقةِ على الكنيسة، فأدّى ذلك الإصرارُ الى الإنشقاقِ الكبير الذي حصلَ في سنة 1054 عندما حرمَ مندوبو البابا ليون التاسع البطريركَ المسكوني، فبادلهم البطريرك ميخائيل الأول بالمثل. وكان ذلك الحدثُ بدايةَ القطيعة بين الكنيستَين الشرقية والغربية، وبالتالي بين العالمَين الأوربيَين المتصارعَين.
 وتصاعدت بعدئذٍ الأزمةُ بين العالمِ الغربيّ الجرمانيّ الطابع والعالم الروميّ المحتفظِ بالإرثِ الإغريقي الروماني القديم والأرثوذكسيّ الطابع حتى بلغَ أوجَّهُ في الحملة الصليبية الرابعة التي إحتلَّت القسطنطينية في سنة 1204 ونهبَت ثرواتها ومقدَّساتها، وأذلَّت شعبَها، وكرَّسَت الإنقسامَ بين الحضارتَين والكنيسَتَين. وراحَ الغربُ، منذ تلك الواقعة، يحاولُ تحجيمَ الحضارةِ الرومية بتسميتِها حضارةً يونانية قوميّة إنعزاليةً وبخنقِ الكنيسةِ الشرقية بإعتبارِها كنيسةً مهرطِقة وشاذةً وجُبَ إبتلاعُها أو تذويبُها.
 ووقفَ الغربُ الجرمانيُّ الطابع موقفَ المتفرّجِ من الغزوات التركية التي تلاحقَت في المشرقِ والأناضول منذ معركة منزيكرت في سنة 1071، ووصلَت الى القسطنطينية في سنة 1453. ولم يردَّ الغربُ مطلقاً على طلباتِ النجدةِ التي أرسلَها الرومُ إليه عندما طرقَ الأتراكُ العثمانيون أسوارَ القسطنطينية وأبوابَها في تلك السنة، وكأنَّ هذا العالمَ المسيحيَّ الشرقيّ لا يعني الغربَ بشيءٍ أو كأنَّ سقوطَ القسطنطينية يريحُه من خصمٍ عنيدٍ عصيٍّ عليه.
 ورِثَت روسيا الموسكوبية، بعد 1453، حضارةَ الروم وحملَت لواءَها وإحتضنَت قيمَها وتقاليدَها، وتغنّى بعضُ الروس بعاصمتِهم موسكو وكأنها روما الثالثة، في حين خضعَت بلادُ البلقان واليونان والأناضول لحكم العثمانيين. وفي هذه الفترة التي إمتدَّت من 1453 الى القرن التاسع عشر، سعى الغربُ لإقتناص ما أمكنَ من أحفادِ الحضارة الرومية دينياً وثقافياً وسياسياً. وفي هذا المسعى، وُقِّعَت معاهدةُ الوحدةِ الدينيةِ في مدينة بريست (التي تقعُ حالياً على الخطّ الحدودي الذي يفصلُ بيلاروسيا عن بولندا) التي ضمَّت مسيحيي غربِ أوكرانيا الى الكثلكة، وتغلغلَت لاحقاً الثقافةُ الغربيةُ الجرمانيةُ في روسيا وبلاد الروم التابعة للنمسا وبولندا، لتجعلَ من السلافيين المقيمين في أقصى الغربِ الروسي مجموعةً روميَّةً متعاطفةً مع التوجّهات الثقافية الغربية.
 ولما تجدَّدَت الحضارةُ الغربيةُ الجرمانيةُ بحركةِ الإصلاح البروتستانتي، ثم بعصر الأنوار الذي حاول تجريدَ تلك الحضارة كلّياً من تاريخِها المسيحي وقِيمِها، وبَعثَ الفكرَ القوميّ الذي فتَّتَ الفضاءَ الأوروبيّ وجزّأه الى دولٍ متصارعةٍ على أسسٍ إثنية، إزدادَت الفرقةُ بين العالم الغربيّ الجرماني وبقايا العالم الروميّ المتمثِّلِ بروسيا. وسيطرَ الفكرُ البروتستانتي “المتنوّر” المشبعُ بقيمٍ جديدةٍ كالحريةِ الفردية والمبادرةِ الشخصية ورفضِ الأسرار الدينية، على العالم الجرماني، وإنتقلَ بعدها الى العالمِ اللاتينيّ بواسطةِ الثورةِ الفكرية والصناعية وصراعِ الطبقاتِ الإجتماعية، فجرَّده مما بقيَ لديه من قيمٍ إنجيليةٍ عريقة وتقليدٍ رومانيّ قديم، وأفلحَ في فصلِ الدينِ عن الدولةِ بعدما جرَّدَ الدينَ من هالتِه وقدسيتِه. أما الشرقُ الروميُّ فبقيَ عصيّاً على هذا الفكرِ، متشبثاً بتقليدِه الذي يُرمزُ إليه بجسدِ نسرٍ واحدٍ ذي رأسَين يوحِّدُ الحياةَ الدينيةَ والحياةَ الزمنية.
 ولقد سعى الغربُ، بعدئذٍ، وبثباتٍ لتفتيتِ العالمِ الروميّ وتدجينِه، بطريقة مباشرةٍ أو غير مباشرة. ومن تلك المساعي نذكرُ تفتيتَ أوروبا الشرقية بسلاحِ القومية التي بثَّها في الشعوبِ الروميّة عبر مدارسِه الفكرية وعبر جمعياتِه السريّة ومنها الماسونية، فإنتهى الأمرُ بهذه الدول الحديثة متصارعةً فيما بينها وبكنيستِه الرومية الأرثوذكسية منقسمةً فيما بينها على أسسٍ قوميةٍ صرفة. وآخر أمثلةِ هذا السعي تفتيتُ يوغوسلافيا وإنشاءُ كنائس أرثوذكسية مستقلة في جميع هذه الدول الجديدة كأوكرانيا ومقدونيا والجبل الأسود الخ…
 وأتى أخيراً توسيعُ الإتحادِ الأوروبي وتمدُّدُ الحلفِ الأطلسي ليطرقَ أبوابَ روسيا، في زمنٍ لم تعدْ لهذا الحلفِ من ضرورةٍ مبدئية بعد زوالِ الإتحاد السوفياتي وإنتفاء الخطر الشيوعي. لكنَّ الإمعانَ في هذا الجهدِ الأوروبي والتوجهِ الأطلسي يكشفُ حقيقةَ الصراع: فالغربُ الجرمانيُّ الطابع لن يستكينَ قبل القضاء على ما تبقّى من إستقلاليةِ العالم الرومي وقبل تدجينِ هذه الثقافة وتفتيتِ هذه الكنيسة. هذا الغربُ لا يرى اليومَ في الحضارة الرومية المتبقية والمتمثلة حالياً بالدولة الروسية سوى حجرَ عثرةٍ أمام إنتصارِه النهائي داخلَ العالمِ المسيحي القديم وأمامَ نشرِه قِيمِه الجديدة في البشريةِ بأسرِها
تشيرُ كلُّ هذه الأحداث التاريخية المترابطة بأن هذه الأزمةَ الأوكرانية الحالية ليست سوى صراعِ حضاراتٍ مستمرٍّ منذ مطلع القرون الوسطى، ومسرحَه يبقى الفضاءَ الأوروبي الذي تجزّأ الى جزئين في تلك الأزمنة، ولم تفلحْ الأطرافُ المتصارعة، الى اليوم، في توحيدِه أو في تغليبِ حضارةٍ على اخرى.
(بقلم البروفسور نجيب جهشان، رئيس الجمعية الثقافية الرومية. 
مقالة في جريدة النهار بتاريخ 25 آذار 2022)