صورة تاريخية في الدار البطريركية بدمشق تمثل زيارة الامير فيصل بن الحسين 1918 الى الصرح البطريركي والبطريرك غريغوريوس الرابع ومتري المر واندراوس معيقل والحاشية البطريركية والوفد المرافق للأمير

البروتو بسالتي اندراوس معيقل مرتل كاتدرائية بيروت

 المرتِّل الأنطاكي الكبير أندراوس معيقل
مقدمة
البروتو بسالتي اندراوس معيقل واحد من اهم اعلام الترتيل الرومي الاصيل في كرسينا الانطاكي المقدس وفق تأهيله لهذا الفن الكنسي الراقي، وان كان الزمان قد طواه، وعتم عليه والشكر للاستاذ رولان خير الله/ مع الجمعية الثقافية الرومية الذي سلط عليه الضوء مجددا في برنامج تراث من نور/ تيلي لوميير.
وكانت اول محطات خدمة علمنا الاكليريكية بعد رسامته شماساً  انجيلياً بيد مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع في دمشق بمعية غبطته في مريمية الشام…
وكانت تسير على نهج المرحوم البروتوبسالتي الدوماني الشهير بنفسه شقيق مثلث الرحمات البطريرك ملاتيوس… واسلوبه الرومي الثقيل الفخم والذي كان نهجه لايزال متبعاً في ابرشية دمشق، فكان علمنا خير خلف له، مع الاشارة الى ان البروتو بسالتي متري المر كان ايضا بمعية غبطته اضافة الى الشماس المبدع ابيفانيوس زائد الشاعر والملحن والمرتل…
وكان لذلك قد استأذن مطران بيروت جراسيموس مسرة غبطته بأن يعود الشماس اندراوس الى كنف مطرانية بيروت بصفته معلمه وبسبب الحاجة اليه فوافق غبطته… عام 1920.
وبالرغم من مضي نيف وقرن من الزمان على انتقاله من الحوزة البطريركية بدمشق الى مطرانية بيروت الا أن جنبات مريمية الشام  لاتزال تردد صدى ترتيله العذب والاصولي، وافيد الى انني وفي حديث مع مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع  عن مرتلينا الاعلام، انه وباعتزاز اكد الى انه من تلامذة المرتل معيقل في مطرانية بيروت والحق يقال ان النهج ذاته لجهة فخامة الترتيل وعذوبة الصوت…
وبكل اعتزاز وفخر عملنا معاً قبل حوالي عقدين من الزمان المرحوم الموسيقار الاب يوحنا اللاطي وانا في حلقتين عن مرتلي انطاكية في القرنين 18 و19 نشرا في النشرة البطريركية بدمشق والجزء الثاني نشرته في موقعي عملنا على هؤلاء الافذاذ ومنهم الشماس اندراوس معيقل لأمانة والتاريخ.
رحم الله البطريرك اغناطيوس والاب اللاطي والبروتوبسالتي معيقل واسكنهم في فردوسه يسبحونه مع الملائكة.
السيرة الذاتية
 وُلِدَ في قرية عيتا الفخّار في قضاء راشيّا في بقاع لبنان عام 1890. وفي حداثته انتمى الى ابرشية بيروت في عهد مطرانها مثلث الرحمات المطران جراسيموس مسرة اللاذقي فأوفده فتى الى معهد اللاهوت في خالكي، التابع للبطريركية القسطنطينية، لدراسة اللاهوت، وكان ذلك قبيل قيام الحرب العالمية الأولى حيث تثقف لاهوتياً وتعلمَ أصولَ الترتيل الرومي الاصيل.
رسمه البطريرك الخالد غرغوريوس الرابع شماساً في الكاتدرائية المريمية، ثم ترك سلكَ الشموسيّة، وتزوج. كان شخصيةً استثنائية على مستوى الترتيل الكنسي، إنْ لجهةِ نمط الترتيل الذي انتهجَه أو لجهةِ الصوتِ الشجي الذي تميّز به. هو شخصيةٌ فذةٌ مرّت بتاريخ الكنيسة تاركةً وراءها بصمةً موسيقية كنسية دامغة، وقد كانَ لها في ذلك الوقتِ أعدادٌ كبيرةٌ من المعجبين من المؤمنين، ما جعل، على صعيد الترتيل الكنسي، اسمَ المرتل الأول الأستاذ أندراوس معيقل على كلِّ شفةٍ ولسان. سمّيَ عصرُه آنذاك بالعصر الذهبي، غير أنَّ عدمَ نشر أعمالِه ساعدَ على طمسِها. اسوة ببروتو بسالتي الكرسي الانطاكي ايليا الرومي( سيمونيذس)
بروتوبسالتي ابرشية بيروت
كان أندراوس معيقِل مرتّلاً في الكاتدرائية المريمية لمدة ست سنوات، ثم توجَّهَ إلى بيروت في أوائل العشرينات من القرن العشرين بطلبٍ من متروبوليت بيروت مثلث الرحمات جراسيموس مسرة الذي عيّنه “مرتّلاً أول أي بروتوبسالتي” في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وبقي في منصبه حتى وفاته في 6 شباط سنة 1964. علّمَ أصولَ الترتيل في مدرسة الأقمار الثلاثة في بيروت وكان له تلاميذٌ كثر كان منهم الخوري اغناطيوس هزيم (البطريرك) اغناطيوس الرابع.
نهجه في الترتيل
كان أندراوس معيقل ذا شخصية فذّة، وكان له جَلَدٌ على التعليم. كان صبوراً، مثابراً، وأميناً في خدمته للكنيسة. عملَ بتواضع ومحبةٍ، وكان يَقِظَ القلب لأن هدفّه كان فقط تسبيحَ الخالق وتمجيدَه بصوته الشجي.
إنتهج في ترتيلِه الأسلوبَ القسطنطيني التقليديّ المعتمدَ في خالكي والذي يقومُ على البساطةِ في التأليف والفخامةِ في الأداء الموسيقي مع تحاشي إسلوبِ الترتيل الطربيّ، مقارنة مع أسلوبِ الترتيل الذي انطبعَ بالنغم الطربي الشرقي الذي إعتمدَه مرتلون آخرون معروفون في المشرق، كمثلِ المرتّل الأول ديمتري كوتيا والمرتّل الأول عبده الياس والأرشمندريت ميصائيل حجار والمرتّل الأول متري المرّ.
 وكان التقليد المتبع في الترتيل بكاتدرائيات الكرسي الانطاكي بدءاً من مريمية الشام  وكاتدرائية القديس جاورجيوس ببيروت يقوم ( ولايزال بعضه) على الترتيل باللغتين: من قراية اليمين، ترتيل قطع إينوس القيامية باليونانية باستثناء الإيوثينات وذوكصا الأعياد الكبيرة التي كانت ترتل باللغة العربية، ومن قرّاية الشمال التراتيل باللغة العربية فقط.
على صعيد التأليف الموسيقي باللغة العربية، فقد كان معيقل غالباً ما يستوحي معظمَ مؤلفاته من كتاب Νέα Μουσική Κυψέλη – Αθήνα 1898. من مؤلفاته الموسيقية وترجماتِه عن النصوص الموسيقية اليونانية إلى اللغة العربية، نذكرُ على سبيل المثال: التريودي، الأسبوع العظيم المقدّس، البندكستاري، قطع إينوس القيامة، الإيوثينات، يا رب إليك صرخت بالألحان الثمانية مع ذوكصاياتها، العديد من ذوكصايات الأعياد السيدية وغير السيدية (الميلاد، ختانة الرب يسوع، القديس باسيليوس الكبير، الظهور الإلهي، أحد الآباء ، القديس جاورجيوس، رئيس الملائكة ، الخ …)، الكلام الجوهري (بالألحان التالية: الخامس، السادس، السابع، الثامن)، بالإضافة إلى بعض القطع الموسيقية التي انتشرت في كل أنحاء الكرسي الإنطاكي والتي طغت على مثيلاتِها من مؤلفات الأستاذ متري المرّ. نذكرُ منها على سبيل المثال : أيها الملك السماوي، إن موسى العظيم، لقد حَبلتِ (تاسعة أحد العنصرة).
أما في ما يتعلق بالترجمات الحرفية للنصوص الموسيقية اليونانية التي كان يلجأ إليها في بعض الأحيان، نذكرُ منها على سبيل المثال : قطعة “لا نُصلّينَ يا إخوة فريسياً …” وهي القطعة الأولى في صلاة المساء لأحد الفريسي والعشار.
علَّم الأستاذ أندراوس معيقل تلاميذاً كثيرين كانوا أعضاءً في جوقته الكبيرة موزّعين بين “قراية اليمين” و “قراية الشمال” في كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت. نذكر أهمَّهم: متري شحاده ، إيلي حمصي، إيلي خوري، ميشال بريدي، ميشال عبدالنور، لبيب بطرس، إيلي عاصي، أنطوان خوري. وبحسب قدس الأب يوحنا اللاطي، كان من تلاميذ الأستاذ أندراوس أيضاً كل من المثلث الرحمات البطريرك الراحل إغناطيوس (هزيم)، غريغوريوس مقدسي، رفّول مقدسي، الياس قلفاط، عبدو الياس، جرمانوس أبي فرح.
كان أندراوس معيقل ذائعَ الصيت، وقد وصف الناسُ عصرَه بالعصر الذهبي لجهة الترتيل الكنسي، وكانوا يأتون كُثُراً إلى الكنيسة للصلاة وسماع ترانيمه الشجية. إعتمد أندراوس معيقل، في تعليمِه للموسيقى الكنسية، طريقة جعل الطالب يقوم بنفسه بنسخ التراتيلِ التي يتعلَّمُها على دفترٍ خاص به. وبهذه الطريقة، كان الطالبُ يعتادُ على العلامات الموسيقية الكنسية، يتعلمُها ويحفظها. واحياناً، كان الأستاذ أندراوس معيقل يقوم بنفسِه بنسخ تلك القطع الموسيقية لبعضٍ من تلامذته.
روى الأستاذ نقولا معيقل، أحد أنسباء الأستاذ أندراوس معيقل (رولان خير الله) ، أنه في العام 1960- 1961 زار ملك اليونان الراحل، باولس الأول، لبنان وحضرَ القداسَ الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت حيث استمع إلى ترتيل الأستاذ أندراوس معيقل وأعجِبَ كثيراً بجمال صوتِه الشجيّ وبروعةِ نغمات القطع الموسيقية التي رتَّلها وبأسلوبِ إدائه الموسيقي الكنسي القسطنطيني المعروف جداً في الأوساط اليونانية.
فرح الملكُ جداً بترتيل الأستاذ أندراوس معيقل، وقام بتهنئته في نهايةِ القداس الإلهي واعداً إياه أنه سوف يقلّده وساماً ملكياً تكريماً له وخصوصاً لإجادتِه الترتيل باللغة اليونانية. وبالفعل، بعد عودتِه إلى اليونان، قام الملك بإرسال وسام ملكي هو “صليب الشرف الفضيّ اليوناني” مع شهادة مَلَكِيَّة مؤرّخة في 10 آب 1961 وموقّعة بخطِّ يدِ الملك اليوناني، يؤكد فيها تقليدَه للأستاذ أندراوس معيقل هذا الوسام، عبر سفير اليونان في لبنان الذي قام بتسليمِه إلى الأستاذ أندراوس معيقل عبر مطرانية بيروت.
يقول الاستاذ رولان خير الله:
“إن كلَّ ما كتبه الأستاذ أندراوس معيقل من قطع موسيقيةٍ بخطِّ يده قد وصل إلينا عن طريق الأساتذة: إيلي حمصي، أنطوان خوري ولبيب بطرس، مع ما أصابَ هذه المخطوطات من أضرار بالغة بسبب التغييراتِ التي أجرِيت عليها عن طريق المحوِ باستعمالِهم السائل الأبيض Type-Ex وكتابة نوطات أخرى مختلفة فوق السائل الأبيض. وقد عمِلنا على إعادتِها إلى أصلها كما كانت، حفاظاً منّا على إرثِ هذا الأستاذ الكبير وإيصالِه بأمانةٍ إلى الأجيال اللاحقة بعد أن تمكنّا من إزالة السائل الأبيض والنوطاتِ المستحدثة من دون إحداث أيِّ ضرر بالمخطوطات.
وإنتهى الأستاذ خيرالله، في هذه الحلقة الى الخلاصة التالية: فَتح أندراوس معيقل بابَ الترتيل الكنسي على مصراعيه وقد عُرف عند كافة المؤمنين بالعصر الذهبي. أهمية أسلوب الأستاذ أندراوس معيقل في الترتيل الكنسي تكمنُ في إنتهاجِه الترتيل القسطنطيني، وفي كونِه الأكثر أمانة من سواه لجهةِ التقليد الموسيقي الكنسي القسطنطيني والنمط النغميّ الذي كان شائعاً في حينه، وأن موسيقاه صالحة للترتيل في أي وقت وفي أي زمن.
 على كل مرتّل في الكنيسة الرومية أنْ لا يكتفي بتعلّم الألحان الكنسية وقراءة النوطة فقط، بل أن يتعمَّق بمفاهيم الموسيقى الكنسية وتاريخها وأصولها وهويتها، وأن يعي خطورة القيام بتعديلاتٍ على قطع موسيقية تعودُ لمؤلفين موسيقيين كنسيين كبار، خصوصاً وأنَّ مجموعة القطع الموسيقية الكنسية التي هي ثمر عمل مؤلفين كنسيين عديدين تشكِّل بحدِّ ذاتها تراثَ الكنسية الموسيقي، وأنَّ أيَّ تغيير يطرأ على بعض منها هو تشويه حقيقي لهذا التراث الموسيقي الكنسيّ البديع.
مراجع البحث
-الاستاذ رولان خير الله/ الجمعية الثقافية الرومية برنامج تراث من نور / تيلي لوميير
-الاب يوحنا الاطي، د, جوزيف زيتون ” المرتلون الانطاكيون.. النشرة البطريركية و/ ج2./ موقع د. جوزيف زيتون