البطريرك صفرونيوس الدمشقي المكافح الاكبر ضد المونوليتية

المونوتيلية أو مذهب المشيئة الواحدة

المونوتيلية  أو مذهب المشيئة الواحدة

محاولة الاتحاد

في المحاولات المتعبة التي بذلها الاباطرة، واهمهم هرقل ومعه رئاسات الكنيسة الارثوذكسية في القسطنطينية وانطاكية والاسكندرية واورشليم لإعادة اليعاقبة الى حضن الكنيسة  الواحدة، بالرغم من التعنت والفوقية، والانتماء للفرس ثم للمسلمين ومساعدتهم ضد الروم دولة وكنيسة. وماجر ذلك من استشهاد الالوف كما مر معنا، وقتل عدد من البطاركة الارثوذكس في انطاكية واورشليم… بالرغم من كل ذلك حصلت محاولات اتحادية قام بها الامبراطور هرقل وبطريرك القسطنطينية سرجيوس لمنع انحياز اليعاقبة مجدداً لأعداء الامبراطورية ومساعدتهم في اكتساح بلاد الشام، للتحرر والاستقلال…  

مدخل واقعي

مباشرة يتجه النظر الى الكنيسة “المارونية باصلها السرياني”، ولكنها كانت ارثوذكسية كبقية الكرسي الانطاكي، وبقي رهبانها امناء على المعتقد الارثوذكسي القويم، وعانى الرهبان الموارنة من جور وبطش الرهبان المونوفيزيت اضطهادا وقتلا كونهم بقوا على ايمانهم الارثوذكسي، وهم بالاساس من التابعية السريانية وهو مصدر السخط عليهم.

 هؤلاء الرهبان “الموارنة”  راقت لهم المونوتيلية فاعتنقوها بعدما رفضها المونوفيزيت والارثوذكس،  وخرجوا بدورهم  ايضاًعن الكنيسة الانطاكية، واقاموا بطريركيتهم في جبال لبنان المنيعة، وكان اول بطاركتهم هو يوحنا مارون واليهم ينتسبون، اما تذرعهم بأن مار مارون هو اب الطائفة المارونية، كلام لاينسجم لا مع الواقع ولا التاريخ، لأن القديس مارون كان في منتصف الخامس، وهو قديس ارثوذكسي انطاكي كالعمودي وبقية قديسي قورش، بينما هم اعتنقوا المونوتيلية اواخر القرن السابع، تقريبا 690م. وفي الغزو الفرنجي الصليبي 1098م قبلوا الخضوع لبابا رومية وانتموا الى الكنيسة الكاثوليكية، وهذا يعني رفضهم لهرطقة المونوتيلية، وعودتهم مجددا  للخلقيدونية لأن الكنيستين الارثوذكسية والبابوية خلقيدونيتان متحدتان الى زمن الانشقاق الكبير السنة 1054م، والكنيسة المارونية اليوم تعد من أكبر الكنائس الكاثوليكية الشرقية التابعة لبابا الكنيسة الغربية.

بنتيجة مساعي التوحيد في مستهل القرن السابع المسيحي وبعد انتصاره الكاسح على الفرس واسترجاع عود الصليب…

تعزز الميل عند هرقل الى وجوب اتحاد المونوفيزيت مع الكنيسة الجامعة بطريقة ترضي هؤلاء، وعاون في تحقيق هذه الفكرة بطريرك القسطنطينية سرجيوس (610-638م) وهذا كان سوري الأصل ومن ابوين يعقوبيين بحسب رواية ثيوفانوس.

الاساس العقائدي الأصلي لهذه الحركة

كان الاساس العقائدي الأصلي لهذه الحركة التوحيدية الناشئة، هي ما استعمل عند المونوفيزيت الاسكندريين:”فعل واحد، او ارادة واحدة، او بالأحرى مشيئة واحدة” للمسيح.

وكان البطريرك الاسكندري أفلوجيوس قد حارب هذه العبارة على انها مونوفيزية، بينما بطريرك القسطنطينية سرجيوس استعملها على انها ارثوذكسية جاهلاً ماكتبه افلوجيوس عنها.

  مذهب المشيئة الواحدة عملياً، وهو مذهب هرطوقيّ يقول بأنّ في المسيح مشيئة واحدة وهي المشيئة الإلهيّة وذلك دون إنكار طبيعتهِ الإنسانية.

في مطلع القرن السابع، تذرّع البطريرك سرجيوس القسطنطينيّ بالمونوتيلية لعلّه يردّ بها المونوفيزيّين إلى الوحدة، ولكنّ صفرونيوس الأورشليميّ ومكسيموس المعترف حارباها، وشُجِبت أخيراً في مجمع اللاتران في 649 وفي المجمع المسكونيّ القسطنطينيّ الثالث في 681.

وكذلك يوحنا الرحوم الاسكندري خليفة افلوجيوس اعترض عليها لكن وقوع الاسكندرية تحت الاحتلال الفارسي اوقف كل شيء.

 وهذه هي العقيدة المونوليتية “المسيح بطبيعتين الهية وبشرية ومشيئة واحدة” اي على اسم المشيئة الواحدة.

قَبلَ الكثير من السوريين والارمن المونوفيزيت المجمع الرابع ( الخلقيدوني) ونزعوا من التسبيح المثلث العبارة المونوفيزية “المصلوب لأجلنا”.

وبمحاورة بين هرقل الموجود في منبج والبطريرك المونوفيزيتي الانطاكي اثناسيوس الذي يقال انه قدم اعتراف ايمان، قابلا به المجمع المسكوني الرابع على اساس التعليم بالمشيئة الواحدة، وهكذا جرت الامور بحيث تبين ان عمل توحيد المونوفيزيت مع الكنيسة الارثوذكسية ظهر مفتوح الطريق…

على انه ازاء هذا الشعور السائد المدهش، وأمام هذا الحادث غير المتوقع، سُمع أول اعتراض على التعليم الجديد من الراهب الدمشقي صفرونيوس المحامي، ومعه يوحنا موسخوس.

صفرونيوس انتخب وشرطن لاحقا بطريركا على اورشليم (634-638م) (هو الذي سلم مفاتيح القدس للخليفة عمر بن الخطاب) واسرع صفرونيوس وارسل رسائله السلامية الى رؤساء الاساقفة محرما هذه البدعة الجديدة…

لكن هبت على الشرق عاصفة جديدة هي احتلال المسلمين الذي اوقف الى حين هذه الحركة الجديدة.

لغة كنيسة انطاكية

وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في جميع الكنائس شرقا وغربا حتى القرن الثالث. ثم انفردت باللاتينية وخرج النساطرة واليعاقبة والاقباط في القرن5م فبدأت القبطية تحل محل اليونانية في مصر، والسريانية في سورية والجزيرة في الكنائس التي انفصلت عن الكنيسة الجامعة، ولكن بقيت لليونانية مكانة مرموقة في الكنيسة القبطية بمصر.

بينما كانت قد نشأت كنيسة انطاكيةْ يونانية اللغة والثقافة، اممية في اتجاهها ورسالتها.

وقد استعان الخليفة المعتصم (833-842م) بالبطريرك ايوب بطريرك انطاكية فحمله معه الى حصار انقره، وكيف ان هذا البطريرك كان يخاطب الروم فيها بالرومية وفق الطقس الرومي (البيزنطي)

كُتبت معظم الاناجيل باليونانية وكذلك الرسائل /عدا انجيل متى بالعبرية/ .

صلى الانطاكيون باليونانية منذ تأسيس كنيستهم، لكنهم لم يمنعوا استعمال اللغات المحلية في القرى والمزارع التي لم تفهم اليونانية.

عندما انفصل اليعاقبة السريان عن كنيسة انطاكية في القرن الخامس وشكلوا كنيستهم ورئاساتهم، نقلوا الادب الكنسي من اليونانية الى السريانية…

لايجوز لنا الموافقة على الادعاء ان لغة كنيستنا الانطاكية كانت سريانية، لمجرد العثور على عدد من كتب الخدم الليتورجية المخطوطة باللغة السريانية او الكرشونية لأنه يناقض العلم والحقيقة والوقائع التاريخية او كما يدعي بعض غلاة المتعصبين اننا نحن الارثوذكس كنا سريان العقيدة لكننا انكرناها وتبعنا الملك فتسمينا بالملكيين، وفي هذا مجرد ادعاء ساذج لاسند له.

اين نذهب برومانوس المرنم الحمصي شماس مطران بيروت، ثم كاتدرائية الحكمة الالهية وقد غرد باليونانية فيها وفي كنائس القسطنطينية العاصمة؟

كذلك الترنيمة الخالدة ترنيمة النصر “المسيح قام من بين الاموات…” و”قانون الفصح” ” ليقم الله ويتبدد جميع اعدائه…” الذي يعد من اجمل صلوات الخدمة الارثوذكسية، وهو من نظم الدمشقي يوحنا دفاق الذهب باليونانية وتلحينه وفق الالحان الرومية البديعة الموسيقى الرومية وهو الذي رتبها بانموذجها الحالي، وقد تبنته القسطنطينية والكنائس الارثوذكسية كافة.

وكذلك “الاوكيتوخوس” بكامله، كما تبنته كنيسة القسطنطينية، يحمل هو طابع قداسة ومعلمية ابن دمشق الناطق والناطقة باليونانية القديس يوحنا الدمشقي ناظم  التسابيح والصلوات  بالحروف اليونانية وملحنها وفق الموسيقا الرومية بجذورها الرومية.

القديس اندراوس الدمشقي اسقف كريت، وابن فلسطين. الذي نلمس أثره في عدد لايستهان به من قوانين الخدمة الليتورجية، بثوبها ولغتها اليونانية، ومثالها “قانون التوبة” المنسوب اليه باسم ” قانون اندراوس الذي ترتله الكنيسة الارثوذكسية في الاسبوع الاول من الصوم الكبير المقدس ضمن صلاة المساء الكبرى ” يارب القوات”

وصفرونيوس العظيم بطريرك اورشليم الدمشقي المولد، واضع خدمة الابيفانية، والقديس كيرلس الاسكندري الرومي الذي خُلدَ اسمه بصلوات جمعة الآلام وعليها توقيعه باليونانية.

الخلاصة

كان الطقس الليتورجي الرومي نتيجة عمل تعاوني لم تنفرد به كنيسة القسطنطينية وحدها كما يظن البعض جهلاً، او كما يوحي غلاة المتعصبين فيها بأن الشرق الرومي الانطاكي كان تابعاً للقسطنطينية بكل شيء، من قديسين وصلوات وترتيل وفن كنسي بل ساهم فيه الكرسي الانطاكي كعمل روحي مشترك كما مر ومعه الاسكندرية الملقب بطريركها ب”قاضي المسكونة”…

ان هذا التعاون في الاخراج  الليتورجي بالكلمة واللحن والموسيقى الرومية بين انطاكية العظمى بكل مقومات عظمتها، والقسطنطينية العاصمة الحافظة مدينة الملك والجاه ادى الى تسرب الطقس الرومي البيزنطي في ابرشيات الكرسي الانطاكي منذ ان تم تبلوره في القرن السابع المسيحي بعد الانتصار الكاسح على الفرس، وان هذا الالق الانطاكي القسطنطيني شاع واكتسح وشمل كراسينا الارثوذكسية الاربعة وابرزها اورشليم وكنيسة قبرص…