مدينة مريم الاوكرانية

مدينة مريم الاوكرانية

 

  • مدينة مريم
    مدينة جدانوف.
  • مرفأ ماريوبول بريشة قسطنطين بوغايفسكي، 1935.
    مرفأ ماريوبول بريشة قسطنطين بوغايفسكي، 1935.
  • نصب للقديس أغناطيوس المريوبولي.
    نصب للقديس أغناطيوس المريوبولي.
  • القديس أغناطيوس المريوبولي.
    القديس أغناطيوس المريوبولي.
  • نصب للينين في صورة من سبعينات القرن الماضي.
    نصب للينين في صورة من سبعينات القرن الماضي.
  • نصب لأندريه جدانوف في صورة من سبعينات القرن الماضي.
تطل مدينة ماريوبول على الشاطئ الشمالي لبحر آزوف، عند مصب نهر كالميوس، في المنطقة التي تعرف تاريخياً باسم بيازوفيا، وهي ثاني مدن إقليم دونيتسك من حيث الحجم. يقع هذا الإقليم في جنوب شرق أوكرانيا، وقد “استقل” عن أوكرانيا إثر استفتاء أجري في ربيع 2014، وحمل اسم جمهورية دونيتسك الشعبية، غير أن ماريوبول بقيت تحت سلطة القوات الأوكرانية منذ صيف ذلك العام، وهي اليوم ساحة حرب مدمّرة مستمرّة.
تقع ماريوبول ضمن أرض موغلة في القِدَم، تعاقبت على استيطانها قبائل وشعوب عديدة، إلى أن استقرت فيها جماعة من اليونانيين البنطيين قدمت من موطنها في جنوب البحر الأسود. بين القرن الثاني عشر والقرن السادس عشر، عاشت هذه الأراضي البنطية في ظل الحروب الدائرة بين مغول شبه جزيرة القرم، ومغول الزعيم نوغاي خان، ودوقية ليتوانيا، وموسكو، ممّا أدى إلى هجرة سكانها، فباتت تُعرَف بالحقول المهجورة. اتجه القوزاق نحو هذه الأراضي في ترحالهم، وأنشأوا فيها مخيمات عسكرية في ظل الحروب الدائرة بين بولندا وليتوانيا من جهة، وموسكو من جهة أخرى، غير أن مخيمات القوزاق لم تعمّر بسبب موقعها الجغرافي. عقدت روسيا القيصرية مع الأمبراطورية العثمانية، معاهدة القسطنطينية في صيف 1700، ونال بطرس الأكبر بموجبها، منطقة آزوف، بشرط عدم إنشاء قلاع حربية في المنطقة الممتدة من شاطئ آزوف إلى مصب نهر ميوس، وهكذا ظلّت أراضي هذه المنطقة ونواحيها خالية من السكان.

بعد بضع سنوات، ارتد القوزاق على الروس، ودخلوا في حلف مع ملك السويد، فسحقهم بطرس الأكبر، وطردهم من هذه الأراضي وشتّتهم، غير أن هؤلاء سرعان ما عادوا إلى هذه الديار ليحاربوا في خدمة الروس ضد القوى العثمانية المرابطة في القرم. تواصلت الحرب بين الروس والعثمانيين، وفي عهد كاترين الثانية، أضحت القرم تحت السيادة الروسية رسمياً في 1792. قبل ذلك، أنشأ الروس محافظة آزوف، وشرع حاكم هذه المحافظة في التنقيب عن المواقع التاريخية في هذه الأراضي. في خريف 1779، عُثر على آثار مدينة يونانية تحمل اسم مريمبول، أي مدينة مريم، عند مصب نهر كالميوس، ووُضعت أسس مدينة حديثة على اسم ماريا فيودوروفنا، زوجة قيصر روسيا بولس الأول، وباتت ماريوبول إحدى مدن محافظة آزوف في 1782. 
سميّت ماريوبول على اسم ماريا فيودوروفنا، بحسب الرواية الروسية، غير ان هذا الاسم هو كذلك اسم لقرية صغيرة تقع في نواحي مدينة باختشيساراي في القرم، وقد سمّيت بهذا الاسم نسبة إلى أيقونة عجائبية لمريم العذراء. على مقربة من هذه القرية، يرتفع دير باسم رقاد السيدة العذراء، وهو مقرّ أسقف هذه المقاطعة. جلس الأسقف اغناطيوس على كرسيه في هذا الدير في ربيع 1771، وتواصل مع الأمبراطورة كاترين الثانية طالباً حمايتها، وفي 1778، دعا شعبه إلى الانتقال معه إلى الأراضي الروسية المتاخمة، هرباً من الجور العثماني في القرم، ومن أهوال الحرب المتواصلة في هذه الأراضي، وبعد تجوال دام سنتين، استقر مع ثلاثة آلاف من المهاجرين الروم في ماريوبول، وبات اغناطيوس الماريوبولي. توفي هذا الأسقف في صيف 1780، وبعد أكثر من قرن، رفعته كنيسة موسكو إلى مصاف القديسين في صيف 1997، بعد استقلال أوكرانيا بسنوات قليلة، وأغلب الظن أن هذا التطويب جاء تأكيداً لموسكوفية الأسقف الرومي. 
في الخلاصة، في عهد كاترين الثانية، استقطبت ماريوبول، روم القرم، الذين جعلوها مقراً لهم في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، كما شهدت الرحالة الفرنسية آديل هومير دو هال في مدوّنتها عند مرورها بهذه المدينة الصغيرة في 1840. بعد بضعة عقود، نمت هذه المدينة بشكل كبير مع إنشاء محطة لسكة الحديد فيها، وتشييد مرفأ كبير عند مشارفها، وافتتاح العديد من القنصليات الأوروبية فيها. في هذه الحقبة، أقيم عدد من مصانع الصلب في المدينة، وساهم ذلك في تحوّلها سريعاً إلى مدينة صناعية تستقطب عمالاً من شتى أنحاء الأمبراطورية الروسية. هكذا ازدهرت المدينة حديثة العهد، وتضاعف عدد سكانها، وبلغ زهاء ستين ألفاً، غير أن الأحوال تبدّلت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخول روسيا في حرب أهلية من بعدها. ناصرت ماريوبول الثورة البولشيفية، ثم وجدت نفسها تحت الاحتلال الألماني الهنغاري إلى أن حررها الروس البِيض، وعادت تحت سلطة الروس الحُمر في 1920، ودخلت في عهد جديد إثر تأميم مصانعها، وإنشاء شركة آزوفستال الصناعية في 1930، غير أن نموها المتصاعد توقف، وتراجع مرة أخرى مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. عاشت المدينة أهوال هذه الحرب، واختبرت الكثير من المآسي في ظل الاحتلال النازي الذي أحكم قبضته عليها، إلى أن حرّرها الجيش الأحمر في نهاية الحرب.

في 1948، أطلق جوزيف ستالين على ماريوبول اسماً جديداً، فباتت مدينة جدانوف، نسبة إلى أندريه جدانوف، المنظّر الشيوعي الشهير الذي ولد في ماريوبول في نهاية القرن التاسع عشر، ونشأ فيها، ثم التحق بالبلاشفة في شبابه، وترقّى في هذا الحزب إلى أن احتل منصب حاكم لينينغراد، واستبسل في الدفاع عن هذه المدينة خلال الحرب، ثم تولّى إدارة مكتب الإعلام الشيوعي، وشغل منصب المستشار الثقافي لستالين، إلى أن وافته المنية في صيف 1948 نتيجة قصور في القلب. عُرفت ماريوبول رسمياً باسم جدانوف على مدى أربعة عقود، وأُسقط هذا الاسم المُستحدث في 1989، إثر تفكّك الاتحاد السوفياتي الجبار، وفي السنة التالية، اقتُلع تمثال أندريه جدانوف المنتصب في ساحة مسرح المدينة. 

حصلت أوكرانيا على استقلالها في 1991، وباتت ماريوبول جزءاً منها. في شباط 2014، شهدت مدينة كييف سلسلة من الأحداث العنيفة انتهت بطرد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش المناوئ للانفتاح على الغرب، وفي نيسان، دخلت ماريوبل في قلب هذه العاصفة، وباتت جزءاً من الأراضي المُتنازع عليها بين الموالين لكييف من جهة، والموالين لموسكو من جهة أخرى. استمر هذا النزاع، سنوات، وأضحت المدينة اليوم في قلب حرب طاحنة خلّفت ضحايا، وألحقت دماراً وأضراراً بنحو تسعين في المئة من مبانيها السكنية، حسبما أعلن المسؤولون فيها مؤخراً.
محمد الزيباوي