حكاية قرية القابون الدمشقية

حكاية قرية القابون الدمشقية

حكاية قرية القابون الدمشقية
عرف الدمشقيّون قرية القابون قديماً كمكان للاستجمام والاستشفاء، إذ كان فيها خانات وحوانيت يرحل إليها الناس للتعافي من الأمراض والعلل البدنية والنفسية. وهذا لا بدّ دليل على جمال المنطقة وحسن طبيعتها وطيب معشر أهلها. وكان للقابون نهرين هما تورا ويزيد ويتقاطعان فيها في طريقهم للاجتماع بنهر بردى. وكان في البلدة أربع جسور تعبر من عليها الناس على أنهارها، هم • جسر القبّة و• جسر الحوارنة و• جسر الدوّار و• جسر تورا، ولا بدّ أنّ هذا أضفى شاعرية على المكان. وامتلأت المنطقة بالقصور التي بناها أثرياء دمشق للاستجمام في القابون.
.
سنة 1536 ابتنى السلطان العثماني سليمان القانوني عدّة مصاطب في أماكن مختلف من إيالة شام، منها القدس ودمشق، واختار أن تكون مصطبة دمشق في قرية القابون الفوقاني في المكان الذي استشفى فيه أبيه سليم الأوّل لمّا أصابه المرض. في الواقع، لمّا دThis is some textخل السلطان سليم دمشق بجيشه سنة 1516 عسكر في موقع المصطبة لصيق القابون الفوقاني، فكانت المصطبة معروفة باسمها آنذاك. وقد أقام بها السلطان سليم فترة من الزمن حين مرض فعرف مكان إقامته باسم “مصطبة السلطان سليم.” وقد اشتهرت هذه المصطبة بوفرة الأشجار المثمرة كالمشمش والتفاح والخوخ والتوت والعنب والجارنك ونقل إليها الكثير من الورود والزهور الطبية كالختمية وغيرها. استولى على هذه المصطبة الفرنسيون في عهد الانتداب الفرنسي على سورية وأقاموا بما يعرف بالــ camp ليقيم به ضباطهم، وبعد الاستقلال أصبحت ثكنات عسكرية.
واتّسعت لجيش السلطان سليم الذي عدّ 130 ألفاً من الروم والأرمن والقازان والسوارية والفرنج وغيرهم. ومعنى هذا الكلام أنّ مصطبة القابون كانت محطّ الجيش العثماني الأوّل في دمشق، وهذا سبب اهتمام ابنه السلطان سليمان بها.
بكلّ حال، اشتُهرت المصطبة السليميّة بوفرة الأشجار المثمرة كالمشمش والتفّاح والخوخ والتوت والعنب والجنارك ونقل إليها الكثير من الورود والزهور الطبية كالختمية وغيرها. سنة 1922 استولى الجيش الفرنسي على هذه المصطبة ليقيم فيها ضباطهم في عهد الانتداب، ثمّ وبعد الاستقلال تحوّلت إلى ثكنات عسكرية، وراحت أيّام بهائها.

حكاية قرية القابون الدمشقية
حكاية قرية القابون الدمشقية
التسمية
وينبغي التنويه هنا إلى أنّ خطأ شاع بين الناس يعتقد بأنّ اسم القابون في الأساس هو آبونا، وأنّ الاسم سرياني، وهذا غير صحيح. قابون اسمها بالقاف، ولفظها أهل الشام آبون إذ من العادة أن تُقلب كل ق إلى همزة. والاسم عربي صرف من لسان تغلب وأصلها قابان تثنية للقابُ وهو عمود حجريّ يحمل قوساً.
ورد في معجم مقاييس اللّغة “ويقال القابُ. ولكلّ قوس قابان”. تسمية قابون إمّا أنّها لعمود مفرد ويكون في الأصل قابٌ بالتنوين وصار اسمها قابون على وزن حرمون (حرمٌ) قلمون (قلمٌ)… إلخ.
وكان من عادة عرب الشام قديماً كتابة التنوين واو ونون على طريقة الفنيقيّين. وقد تكون كذلك قابون تحوير قابان بتحوير الألف الثانية واواً. وهذه عادة دارجة كذلك على لسان أهل دمشق في أسماء النسبة.
.
من جهة ثانية، لا علاقة لتسمية حيّ القابون بصفة “مكان تتجمّع فيه المياه”، فلا يوجد هذا المعنى في أيّ من المعاجم العربية أو السريانية أو الآرامية، ولا ندري من أين شاعت في المقالات الحديثة حتّى وصلت ويكيپيديا. هذا تأصيل بغير مصدر. فعلى الأغلب أن كان في مدخل القرية قوس حجري على الطريقة الرومانية أو الفنيقيّة، وتسمّت القرية نسبة لوجوده.
.
في كتابه “من التاريخ الحضاري لبلاد الشام خلال القرن الأوّل للحكم العثماني” ذكر الأستاذ محمّد موفاكو الأرناؤوط شروح أسماء وأماكن ضواحي مدينة دمشق في القرون الوسطى، أو كما كانت تسمّى “ظاهر دمشق المحروسة”،
وكانت القابون مذكورة باسمها وبحرف ق وكانت تنقسم إلى حيّين أو قريتين، تحتاني وفوقاني، كما الكثير من أحياء دمشق وضواحيها. وفي كتاب ابن طولون من القرن 16 نقرأ وصف القابون بأنّها بلدة كبيرة بها جامع وعدّة مساجد وحمّام وسوق، وسكّانها خليط من الدمشقيّين والتركمان والحوارنة وغيرهم. (ابن طولون، ضرب الحوطة، صـ159، المعجم الجغرافي، جـ4، صـ397).
معالم القابون
.
كانت القابون تضم معالم هامة (خانات ومساجد، حمامات، قصور) ولكن تهدمت جميعها إثر الزلازل القديمة ويقيت اثار تاريخية، وكان هناك عيد خاص بالقابون اسمه “عيد خميس البيض” كان عيداً يحتفل فيه من دمشق حيّ القابون فقط، وهي عادة استمرّت طيلة 3000 سنة تقريباً. إذ كانت الناس في الخميس الأوّل من نيسان (أبريل) تحتفل بقدوم الربيع بتلوين بيض الدجاج المسلوق وتبادله هدايا مع زهر اللّوز… وكان شجر اللّوز رمز القابون وزينته، فكانت تحتفل الناس في موسم إزهاره بتبادل البيض الملوّن عن طريق ألعاب وتسالٍ ممتعة، مرتبطة بتراث عبادة عشتار وما كان فيها من رمزيّة للخصب والخير في البيض الملوّن.
.
يقع حي القابون العريق شمال شرق العاصمة دمشق، ويبعد عن مركز المدينة ٤ كم ، وتحده :

حكاية قرية القابون الدمشقية
حكاية قرية القابون الدمشقية
• الغوطة شرقاً،
• بلدتا عربين وحرستا والمدينة غرباً،
• ويجاور أحياء برزة من الشمال
• وجوبر من الجنوب.
ويخترقه الاتستراد الدولي السريع، طريق دمشق-حمص، وعقدة طرقية مهمة مسماة باسمه “عقدة القابون”
واشتهر الحي قبل الحرب بكون كراج انطلاق ووصول باصات البولمان موجودة فيه، ولذلك يعتبر القابون بوابة دمشق وأول ما يراه القادمون إلى دمشق من المناطق السورية الأخرى.
.
ومن حارات القابون ومزارعها (مزرعة الشوك والطاحون ومزرعة الحمام وحي السهل والعارضية وحي البعلة المنسوب إلى هنيبعل القائد القرطاجي الشهير.)
وخرج منها الكثير من الأبطال في الرياضة ووصل البعض منهم إلى بطولات على مستوى سورية وآسيا وبعضهم وصل في أنواع الرياضة إلى بطولة العالم،
.
أما حي تشرين شمال القابون فهو يتبع إداريا للقابون لكن يتميز بكثافة السكان الذين تشكل غالبيتهم عائلات من مختلف محافظات سورية ومن مختلف الطوائف والأعراق.
.
يقدر عدد أهالي القابون الاصليين بـ 40 ألف نسمة وجميعهم من المسلمون السنة بينما يرتفع عدد سكان القابون على اختلاف هوياتهم ليقدر بأكثر من 80 ألف نسمة من الطوائف المختلفة .
.
موقع الحي بين الغوطة والمدينة يعطي أهالي حي القابون خلفية ريفية بطابع مدني عصري، لا سيما أن القابون هو حي حديث الضم لمدينة دمشق حيث كان عبر العصور جزء من الغوطة الشرقية لدمشق، وبلدة ريفية سكانها فقراء قليلون يعملون بالزراعة ثم ما لبثت أن تطورت مع الأحياء المجاورة بعد الخمسينات وتزايد عدد سكانها لتضم إلى المدينة.
ويتحدث أهل القابون بلهجة مشابهة للهجة الغوطة لكن أرق منها وأقرب إلى اللهجة الشامية
.
فيها مجموعة من الجوامع 
الجامع الكبير (أبو بكر الصديق)، وهو أكبر مساجد القابون ومركز حي القابون
جامع العمري، يعتبر الأقدم في حي القابون
جامع الغفران
جامع الشيخ جابر الأنصاري، يقع فيه ضريح الشيخ جابر الأنصاري
جامع الحسن
جامع الهداية (حي تشرين)
جامع أبو القاسم (حي البعلة )
.
كما كان فيها عدة مدارس متفاوتة بين مرحلة اولى وثانية وثانوية
بكلّ حال، في كلّ مناطق العالم تعرف الأحياء والقرى والمدن هبوطاً وصعوداً، وتعرف النجوى والنشوى. وكما تراجعت حال حيّ القابون الدمشقي حتّى وصلت أخيراً حدّ الاندثار. سيعرف القابون ازدهاراً بأهله وبنيه ويعود أحد جِنان دمشق وحدائقه، كما كان وأكثر.