عاصي الرحباني اسطورة لن تتكرر

عاصي الرحباني في ذكرى رحيله 

عاصي الرحباني في ذكرى رحيله 
.أسطورة لا تغيب…
رح نحكي قصّة ضيعة؛ لا القصّة صحيحة ولا الضيعة موجودة، بس بليلة هوّي وضجران، “خرطش” إنسان عَ ورقة، وصارت القصة وعمْرت الضيعة”. هذه الكلمات المقتبسة من مسرحية “بيّاع الخواتم” للأخوين الرحباني، تقودنا، على بساطتها، إلى سؤال فلسفي: هل يمكن الضجر أن يصنع الإبداع؟

الجواب قد نجده عند عاصي الرحباني نفسه (4 أيار/ مايو 1923- 21 حزيران/ يونيو 1986)، حين قال إنّ الموسيقى سرقته، هو وشقيقه منصور، من طفولةٍ تائهة وساقتهما إلى وديان النفس، ليتعرّفا إلى معنى الفرح أمام ولادة الجمال. وما الفنّ عند عاصي سوى “اختراع” الجمال وتقديسه؟

الشقيقان عاصي ومنصور
الشقيقان عاصي ومنصور
عاصي الرحباني لم يكن “فناناً”- شاعرًا وملحنًا وموزّعًا ومخرجًا فحسب- بل “خلاّقًا” يصنع من الأحلام واقعًا، ومن المألوف مدهشًا. الكلمة أخت النغمة، كان يقول دومًا. وبهما، ابتدع عاصي وطنًا يتمنّاه اللبنانيون، وطبيعةً يشتهيها المُتعبون، وحياةً يترقّبها الآملون.
ليس سهلاً الحديث عن عاصي بصيغة الفرد، هو الذي اختار أن يُذوّب نفسه تحت مظلّة “الأخوين”، ناسفًا كلّ نظريات علم النفس عن “عقدة الأخوة” و”نرجسية الفنان”، ليقدّم مع شقيقه منصور أجمل وأنجح الشراكات الفنية، عربيًا وعالميًا. ولكن في ذكراه ال35، نستعيده فنانًا وإنسانًا ومُعلّمًا في مملكةٍ أفنى عمره من أجلها.
ثنائية “الأخوين”
قاد عاصي الرحباني تفاصيل المملكة الرحبانية بعصاه مثل مايسترو لا يقبل بأقلّ من الكمال. وليس في هذا الكلام مقارنة ولا مفاضلة مع منصور، شريكه الأبدي، وإنما وقائع نقلها منصور نفسه عن شقيقه الذي رسم طريقهما الصحيح مذ وجد في فيروز “مُلهمته”، رغم عدم اقتناع منصور بصوتها في البداية. وهذا ما قاله في حوار تلفزيوني قديم، مع ليلى الأطرش.
أولى ملامح التجربة الرحبانية تشكلّت على يد الأب بولس الأشقر الأنطوني، الذي علّم عاصي ومنصور، على مدار ستّ سنوات، مبادئ النظريات الموسيقية والألحان الشرقية والكنسية، قبل احتراف الفنّ ودراسة التَّألِيف المُوسِيقِيّ الغربيّ وعُلُومه على يد الأُستاذ بِرتران روبيار.

وبعد نجاحهما الفني الهائل، ظلّ عاصي مدينًا الى ذلك الأب الأنطونيّ، الذي مرّ في قرية انطلياس يومًا ما، ليأخذ بيده ويُفتّح ذهنه على معاني الابداع والجمال. وكذلك، إلى جدته التي عذّت مخيلته بقصائدها المحكية وعلّمته الزجل، فصار من أحبّ الأنواع إلى قلبه.

عاصي وفيروز
عاصي وقيروز
أنواع… وأنماط
ورغم اختزانه لكلّ الفلكلور اللبناني، ودراسته المعمقة للموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، والموسيقى الشرقية، والبيزنطية، والسريانية المارونية، والتواشيح، ظلّ فنّ عاصي ينبع من ذاته، على ما قال شقيقه منصور. ولهذا فإنّ فنّه لا يشبه من سبقه، ولم يفلح في أن يُقلّده من خلفه.
بمشاركة شقيقه منصور، كتب عاصي ولحّن ووزّع وأنتج وأخرج وانفتح على كلّ التجارب الفنية الممكنة، والمستحيلة. فقدّما معًا الأغنية، والمقطوعة، والاسكتش، والأوبريت، والمسرحية، كما لوّن الأخوان في أعمالهما بين الشرقي والغربي والأندلسي والموشّح والزجل، وفي موضوعاتهما بين الحبّ والغزل والطبيعة والوطن. ومن ثمّ صار الأخوان هما “عرّابا” الفنّ اللبناني الحديث، الذي قفز بلبنان إلى مرحلة فنية متطورة جعلته ينافس مصر، أمّ الفنّ في العالم العربي.
ولكن، رغم تماهيمهما الفني، ظلّ لكلّ منهما شخصيته وفكره ومزاجه الخاص. وقد ذكرت فيروز مرّة أنّ عاصي كان يتدخّل في أدقّ التفاصيل، بدءًا من النوتة، وحتى حركة يد الراقص على المسرح. ولا يترك مجالاً لأحد بالتغيير أو التعديل. فالارتجال لم يكن مسموحًا في قاموسه.
ولهذا وصفته فيروز ب”الديكتاتوري” في “كانت حكاية” (وثائقي قدمته ريما الرحباني إهداءً لروح والدها في العام 2010). كما كرّرت فيروز عبارة “كان قاسيًا”، أكثر من مرّة، وليس المقصود بها “ذمًا” بل مديحًا باعتبارها المعادل المنطقي لتوقه الدائم نحو الكمال. وهذه ميزة عاصي التي لم يفهمها كثيرون، لا سيما أنه كان ديكتاتوريا على نفسه قبل الآخرين.
ولعلّ المخرج العالمي يوسف شاهين من الذين تأففوا، إن لم نقل، رفضوا تدخلات عاصي في منجزه السينمائي خلال تعاونه مع الأخوين وفيروز في فيلم “بيّاع الخواتم”. ويُحكى عن خلاف وقع في كواليس الفيلم بين عاصي وشاهين كاد أن يوقف الفيلم. لكنّ منصور نفسه كرّر مراراً أنّ “صعوبة” عاصي دلالة على دقّته، وإتقانه وبراعته، وهي محاسن لا يُعاب عليها فنان.
هذه الاحترافية أثارت إعجاب الموسيقار محمد عبد الوهاب بعاصي، وهو الذي يُشابهه بخوفه وقلقه ودقّته. ويُقال إنّ عبد الوهاب أثنى على تجربة الأخوين، لكنّه قال إنّ عاصي له “لسعة” مختلفة، بمعنى التميّز والمقدرة. ولم يكن عاصي متشددًا في الفنّ فقط، وإنما في رؤيته الى الفنّ ككلّ. فكان عاصي، كما منصور، يعتبران الفنّ مقدسًا ولهذا لا يجوز للفنان أن يتهاون بموقف أو سلوك. فاختار الأخوان- ومعهما فيروز طبعًا- أن يغنوا للأوطان، لا الزعماء، وللشعوب لا الأنظمة، وفي المسارح لا المجالس الخاصة. وهذا ما عرّضهم، باعتراف منصور، لكثيرٍ من الضغوط والتحديات.

أحاسيس… وآراء

عاصي وفيروز وعبد الوهاب
عاصي وفيروز وعبد الوهاب
لا شكّ أن تجربة عاصي لا تنفصل عن فيروز. فهي الملهمة، والحبيبة والشريكة في صناعة هذا الجمال. صوت فيروز كان هاجس عاصي، ومعجزته. هو الذي فجّر في داخله ينابيع العطاء والفنّ والجمال. ويكفي أن نشاهد حفلة فيروز في “الأولمبيا”، وندقّق في حركات عاصي الذي يقود الفرقة بيديه ثمّ يستدير للحظات مبتسمًا، مخدّرًا بصوتها حدّ الانتشاء. وتستحق هذه العلاقة دراسات مطولة عن علاقة عاصي الزوج/ الأب/ الأستاذ/ المؤّلف/ الملحّن بفيروزالزوجة/ الأم/ التلميذة/ الحبيبة/ الملهمة/ النجمة.
وإذا عدنا الى شخص عاصي، لوجدنا أنّ أحاسيسه الأكثر ضآلة كانت تقوده إلى المناطق الأكثر جمالاً. وعيناه تلتقطان دومًا تفاصيل لا تُدرك إلا بالمجهر، وهذا ما يثبته زياد في ذكرياته عن أبيه حين كان يُطالبه، وهو طفل، أن يستمع الى جملتين موسيقيتين لا تفرّقهما سوى نوتة بسيطة، ثم يطالبه باختيار الأجمل.
ولعلّ الاهتمام بآراء الآخرين من الميزات الراسخة في عاصي، بمعزل عن سن أو مستوى هذا الآخر. فلم يكن مهتمًا أن تصل ألحانه الى العقول فقط، وإنما القلوب أولاً. هو الذي قال مرة أنّ الإنسان، لو وصل إلى أبعد نقطة في العالم، يبقى صعبًا عليه أن يقطع تلك المسافة الصغيرة للوصول الى القلب.
ووقد يكون حرصه على معرفة آراء الآخرين هو دليل تواضعه، وهذا ما نشعره من خلال حواراته الإذاعية، والمصوّرة. وفي إحدى مقابلاته، يسأله عادل مالك- بعد عودته من وعكة صحية- عن رأيه بعملٍ له فيجيبه بشيء من الخجل “ماشي الحال”. لا ينقص حرفًا ولا يزيد. لأنّ نبله يمنعه من التحدّث عن أعماله وتقييمها، حتى وإن صار اسمه أسطورةً في الفنّ.
وهذا يأخذنا إلى مقاربة- غير محبذة- مع فناني اليوم ممن يروّجون لأعمالهم ويصنّفونها بأنها الأفضل والأهم و”الرقم واحد”، مع التركيز على أنها “تُكسّر الأرض”. ولهذا، فإنّ معرفة هؤلاء الكبار ضرورة، ليس للتعلّم من فنهم فقط، وإنما للإستفادة من القيم التي حملوها على مدار عقود.
قي ذكراه ال36، صدر اليوم طابع تكريمي للأخوين رحباني، وهي فكرة جميلة وسط كلّ هذا القبح الذي نغرق فيه. لكنّ هذه المبادرة لا تكفي لتكريم الكبيرين، عاصي ومنصور. بقاء فنّهما هو التكريم الأكبر لهما. وهذا يكون أولاً بجمع إرثهما وحفظه كي يبقى ذخرًا مُصانًا ونقيًا للأجيال الآتية.