القديسان بطرس وبولس يحملان كنيسة انطاكية وهو رمز الكرسي الانطاكي

مطارنة حلب الذين اصبحوا بطاركة انطاكية في العصر الحديث من القرن السادس عشر الى وقتنا الحاضر

مطارنة حلب الذين اصبحوا بطاركة انطاكية في العصر الحديث من القرن السادس عشر الى وقتنا الحاضر

نص مداخلتي التي القيتها في حلب قاعة كنيسة مار الياس في يوم الثلاثاء 30/آب/2022  وهو اليوم الاول من فعالية “نور من حلب” بمناسبة اسبوع الاحتفالية بعيد شفيع الابرشية القديس سمعان العمودي  بدعوة من سيادة المتروبوليت افرام معلولي راعي ابرشية حلب والاسكندرونة وتوابعهما للروم الارثوذكس.

نص المداخلة 

-سيادة المتروبوليت افرام الطهور راعي ابرشية حلب والاسكندرونة وتوابعهما المحروسة بالله شاكرا دعوتكم مثمنا حفاوة الاستقبال وحسن الوفادة…

راعي ابرشية حلب والاسكنددرونة وتوابعهما المتروبوليت افرام معلولي
راعي ابرشية حلب والاسكنددرونة وتوابعهما المتروبوليت افرام معلولي

السادة الاساقفة الاجلاء ورؤساء الكنائس الشقيقة، الآباء الموقرون، السادة الرسميون والحضور الكريم…

كل عام وانتم بخير، امسيتكم سعيدة ومباركة في هذه الفعالية المتميزة نور من حلب هذا العرس الروحي لأبرشية حلب العزيزة جداً بقيادتكم سيادة المتروبوليت…

كانت حلب على الدوام، وعبر تاريخها درة بلاد الشام، وهي مركز اشعاع فكري وحضاري، واكسبها موقعها الجغرافي أن تكون ممراً وملتقى نختلف الثقافات والحضارات وعقدة مواصلات في التجارة العالمية وخاصة طريق الحرير وملتقى التجارة البينية، وهي اول مركز طباعي باللغة العربية بيد رائد الطباعة البطريرك الرائد أثناسيوس الرابع ابن الدباس في مشرقنا وكرسينا الانطاكي لمنفعة كرسينا المجاهد. وكانت العديد من الدويلات الاوربية قبل تكون الدول الاوربية منذ مطلع القرن 16 قامت بفتح قنصليات تجارية وسياسية كانت البندقية اولاها السنة 1548 وقد سبقتها منذ 1524 العديد من الرهبنات الغربية قد بدأت بالتوافد اليها وفتحت اديرة وكنائس ومدارس تنفيذا لقرار مجمع انتشار الايمان الكاثوليكي برومة بالحاق كرسينا الانطاكي برومة.

في تلك المرحلة نبغ اعلام في حلب /هم مطرح مداخلتنا/ جعلوا همهم تحصين الأبرشية والكرسي وإثرائهما علوماً ومدارس وطباعة في وقت كان الانحطاط العثماني والجهل رائده وهم: ملاتيوس كرمة، ملاتيوس بن الزعيم، اثناسيوس الدباس، ولاتزال ابرشية حلب تلعب دوراً مميزاً أنطاكياً وارثوذكسياً…

وكان المؤرخ ميخائيل الصباغ الدمشقي قد حدد عدد ارثوذكس حلب منتصف القرن 17  بنصف ارثوذكس الكرسي الانطاكي زمن هؤلاء الاعلام مايعني اهتمامهم بالرعية، ولكن هذا العدد تناقص بشكل حاد وهذا الزهو خفت نوره بالشرخ المؤسف سنة 1724.

في حين حدد الرحالة الفارس دارفيو في رحلته عدد ارثوذكس حلب عام 1675 ب(6000) نسمة يقابلهم (5000) ارمني، و(4000) سرياني، و(1500) ماروني.

تعرضت حلب  لخضة عنيفة عام 1724، وانشق فرع عزيز وكبير انضم لرومة ، ما استدعى تدبيراً ارثوذكسياً لوقف التدهور السريع والدامي الا وهو الحاق ابرشية حلب بالكرسي القسطنطيني، وصار المطارنة يونان، حتى العام 1885 حين اعادها البطريرك الانطاكي جراسيموس(1885-1892)/وكان يوناني/ الى انطاكية والحق بها الاسكندرونة وتوابعها.

مطران حلب والاسكندرونة ابيفانيوس السمرا الدمشقي 1902-1903
مطران حلب والاسكندرونة ابيفانيوس السمرا الدمشقي 1902-1903

تعرضت حلب المسيحية الى فتنة طائفية مدمرة عام 1850 فأُحرقت ودُمرت بمافيها الدار البطريركية الجديدة في الصليبية ومعها كنيسة السيدة ، أعيد بناؤهما في عام 1859

عندما تم تعريب السدة البطريركية الانطاكية عام 1898 باعتلاء مطران اللاذقية المجاهد ملاتيوس الدوماني الدمشقي، جعل من اولى اهتمامه ابرشية حلب واعادتها الى صدارة انطاكية، فاختار لها راعياً قديراً حازماً ولاهوتياً متميزاً وعلامة من الاوائل هو المطران ابيفانيوس السمرا، وكان هو اول مطران وطني منذ 1724، لكنه بمزيد من الاسف قضى شاباً بعمر 36 سنة باستفحال المرض عليه، ولم يدخل ابرشيته بعد.

المطران العلامة ملاتيوس كرمة

 (البطريرك افتيموس الثالث)

بنو كرمة اسرة مسيحية من ازرع  حوران، انتقل فرع منها في القرن 16 الى حماه، ومنه الى حلب، وفرع من حماه الى دمشق سنة 1516، وفرع انتقل الى مالطة حيث صار احد الكرميين رئساً لأساقفتها. 

في حماه اشتهرالخوري الغيور حوران كرمة العلامة، رزقه الله بعلمنا وشقيقه ثلجة، فتثقفا عليه واتقنا نسخ وزخرفة المخطوطات الكنسية.

لم يكن لمدينة حلب اسقف بعد وفاة اسقفها مكاريوس بن خلف في القسطنطينية، وقد خلف غريغوريوس بن فضيل.

فاجمع الحلبيون على انتخاب  افتيموس كرمة مطراناً لحلب، وللحال ذهبوا به الى دمشق بموكب حافل، فرسمه البطريرك اثناسيوس الثالث بن الدباس يوم الخميس في 12 شباط سنة 1612م، وسماه ملا تيوس باسم قديس ذلك اليوم.

في مطرانيته أخذ يزرع بذور الفضيلة والدين والعلم والأدب والعلم في القلوب، ما انعكس زيادة في عدد المسيحيين وقد وفدوا من ضواحيها، مع الكثير من النازحين عنها.

اتصف باللطف والحنو على الفقراء وذوي العاهات والنازحين ووزع عليهم احسانات اسبوعية كل احد وعيد وفق سجلات منظمة، وآوى النازحين والغرباء في بيوت على حسب المطرانية مع مساعدات دورية، وبسجلات نظامية.

وحفظاً للعفة زوج الشباب والفتيات بعمر محددة، ولو على حسابه في حال الاعسار، وحض النساء على عدم التبرج، والرجال على ضبط اليد، ومنع المشروب ولعب الميسر…

دير القديس سمعان العمودي
دير القديس سمعان العمودي

منع مظاهر احتفالات الاعراس والعمادات والاعياد وجعلها كنسية.

وشرع في ترميم وتوسيع الكنيسة وتزيينها حتى صارت من أجمل كنائس عصره، و بنى داراً بديعة للبطريركية، واقتنى مكتبة نفيسة فيها، وانشأ مدرسة لأولاد الرعية وكانت اول مدرسة رسمية ارثوذكسية في بلاد الشام والكرسي الانطاكي، وكان على الدوام يقيم دورات تأهيلية روحية وطقسية ورعائية لكهنته.

– اختاره الدمشقيون بالاجماع بطريركا، وساندتهم الابرشيات كافة، واصطحبه وفد دمشقي رفيع الى دمشق حيث تمت رسامته وتنصيبه باحتفال مشهود في مريمية الشام وحمل اسم افتيموس الثالث.

مع بدء بطريركيته نظم مهور النساء وامر بنقشها في صدر الإيوان البطريركي على البلاط القيشاني الدمشقي الازرق، وقد نُقل جزء منه الى خلف الكاتدرا في هيكل المريمية اثناء اعادة بنائها بعد دمارها بفتنة 1860 الطائفية المدمرة.

رمم كنائس الابرشية وجمّلها وخاصة كنائس الصرح البطريركي الثلاث، واقتنى مكتبة بطريركية نفيسة نقل اليها  الكثيرمن مكتبة حلب، وأنشأ اول مدرسة بطريركية 1635، واقتنى مكتبة بطريركية متميزة، فأوجدها ودعمها، ونقل اليها الكثير من مكتبته في حلب، وأنشأ مدرسة بطريركية عام 1635 كانت هي التي عرفت فيما بعد باسم مدرسة الآسية الأرثوذكسية في دار البطريركية بدمشق، قبل ان ينقلها القديس يوسف الدمشقي 1840 الى موقعها الحالي. وكانت اول مدرسة في بلاد الشام كلها ولا تزال مزدهرة، ، اضافة الى مدرسة حلب التي كان قد انشأها مدة اسقفيته عليها، وقد زاد في دعمها وهو بطريرك بدمشق.

كان نهجه في المدرستين بث روح النهضة في طلابهما، وقد تخَّرَّج من حلب بعض المتميزين في مقدمهم الخوري يوحنا بن الزعيم (البطريرك مكاريوس لاحقاً) والخوري ملاتيوس الصاقزي مصور الأيقونات الشهير وكان قد استقدمه من دير القديس سابا (في فلسطين بالقرب من القدس) لتصوير ايقونات الكنائس، وهذَّبَّه في العلوم، فخلفه في السدة البطريركية باسم البطريرك افتيموس الرابع 1635مسيحية بعد وفاة علمنا.

اتقن لغات عصره والترجمة والتعريب والتأريخ الكنسي، كتب عنه كثيرون، ولكن ترجمة تلميذه البطريرك ابن الزعيم كانت هي الادق.

في اول بطريركيته، قام برسم الخوري عيسى اللاذقي مطراناً على باياس باسم غفرئيل، و لكن لم يمهله قصر وقت بطريركيته، ان يرسم غيره لكبر سنه وكثرة ماقاساه من الأتعاب والجهاد، فأحس بضعف وورم في أواخر 1635، ولما تحقق من دنو أجله استدعى أعيان الدمشقيين وبعض مطارنة الكرسي الأنطاكي وفاتحهم في من يخلفه على السدة الأنطاكية، عرض عليهم تلميذه الأب ملاتيوس الصاقزي المصور، وان رغبته استقرت ان يرسمه وهو على قيد الحياة لمصلحة الكرسي الأنطاكي المقدس  فوافقوا.

وانتقل الى الحضرة الالهية في اول السنة1636م عن 63 سنة صرف منها اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر في اسقفية حلب وثمانية اشهر في البطريركية، فبكته الرعية الأرثوذكسية الأنطاكية برمتها معددة صفاته الحسنة وفضائله العظيمة واياديه البيضاء ومساعيه الطيبة.

كنيسة رقاد السيدة في حلب
كنيسة رقاد السيدة في حلب

ترك الكثير من مخطوطات يده منها ماهو محفوظ في دائرة الوثائق البطريركية في الدار البطريركية بدمشق. ومن آثار قلمه بعض المنشورات البطريركية المحفوظة في مخطوطات البطريركية بدمشق.

ومن انتاجه الكثير من كتب الطقسيات المعمول بها في كنيستنا الارثوذكسية عامة والانطاكية خاصة.

عاب عليه كثيرون، وبالمقابل في /الضفة الاخرى/ فرح كثيرون بأنه تبع  بابا رومية، واطلق يد الرهبنات اللاتينية، لما كان مطرانا لحلب وفي بطريركيته، وذلك برسالة مزعومة يبدي فيها برأيهم خضوعه للبابا واعلانه الكثلكة، وقد ظهرت فجأة منذ نيف وعقدين، لكن فات الجميع ان صيغة المخاطبة معتدة مبدأ الندية في التعامل حيث يصف البابا ب(الأخ في المسيح)، وفي اظهار توقه لوحدة الكنيسة،  هنا نؤكد انه موقف ثابت لدى بطاركة انطاكية منذ الانشقاق الكبير، وعاب عليه المنتقدون اطلاق يد الرهبنات لتعمل في رعيته ما اسس للاغتراب والانضمام 1724متناسين ان العهد وقتها هو عهد الظلمة والانحطاط العثماني، واقتدار رهبان الارساليات علميا ومعارف ومالياً… والرعية فقيرة تحتاج للمساعدة ولوشاء الخضوع، كما زعموا، لكان رضخ للابتزاز وللأموال المكثفة التي كانت مثقلة بها، ولاكتفى مذلة استجرار معونات أمراء اوربة الشرقية ولنال تثبيتاً بابوياً بمرسوم بابوي يثبته به كأول مطران ثم أول بطريرك منضم في الكرسي الانطاكي كما حصل مع افتيموس الصيفي  1710وابن اخته كيرلس طاناس 1724

انا اقول من باب الانصاف كفى تجنيا على هذا العلم الارثوذكسي الكبير.

فهو رائد النهضة في مستهل القرن السابع عشر ويكفي انه كان الأول في الكنيسة وقتئذ باحداث مدرستين في حلب وفي دمشق، الأخيرة هي الاشهر وهي مدرسة الآسية الأرثوذكسية.

مطران حلب ملاتيوس الزعيم / البطريرك مكاريوس بن الزعيم

جاء في  مخطوط “مجموع لطيف” للبطريرك مكاريوس بن الزعيم، أنه بعد شغور كرسي ابرشية حلب بارتقاء المطران ملاتيوس كرمة السدّة البطريركية في الأوّل من أيار سنة ١٦٣٤ باسم البطريرك أفتيميوس الثّانيّ.

“وأقام الكرسيّ بحلب ستّة عشر شهراً بغير مطران. ثمّ انتدبوا كاتبه [أيّ ملاتيوس بن الزعيم الذي أصبح فيما بعد بطريركاً باسم مكاريوس] مطرانًا على حلب وأقام هناك ثلاث عشرة سنة، ثمّ صار بطريركا.”

البطريرك الأنطاكي مكاريوس بن الزعيم
البطريرك الأنطاكي مكاريوس بن الزعيم

هو الخوري يوحنّا ، ابن الخوري بولس، ابن الخوري عبد المسيح، الشهير بالبروطس “ابن الزعيم، أصله من كفربهم بحماه.”

وُلد في  مدينة حلب في أواخر القرن السادس عشر وتزوّج. ثمّ رسمه المطران ملاتيوس كرمة كاهناً بحلب، اطلق يده في الرعاية والارشاد وفي مكتبته الشهيرة فانكب يعرب كتب معلمه بجلد موصوف.

توفيت خورية الخوري يوحنا بعد سنة  1627، وقد رزقه الله منها بطفل اسماه بولس كان رضيعاً عند وفاة امه. فتولاه والده بالتعليم والتهذيب الروحي والعلمي والرعاية والتثقيف وفي اللغات العربية واليونانية  والعثمانية وآدابهم،  ولكن ولما كان مكلفاً من معلمه المطران ملاتيوس بالكثير من الامور رعائياً وادارياً، فقد عهد لرفيقه في الكهنوت الخوري المعلم ميخائيل بجع وايضاً  الشماس ثلجة كرمة شقيق معلمه البطريرك افتيموس، وكان ثلجة اضافة الى علمه الغزير كان بديع الخط في نسخ المخطوطات،  فعهد اليهما اكمال  تعليم ولده بولس فتعهداه بتعليم الدينيات والعلوم والمعارف وتابعا تثقيفه، بما كان والده قد علمه اياه في اللغات واتقان الخط  والسلاسة السردية. حيث أدى تعليم والده وإكماله من قبلهما ومواهبه الذاتية في تميزه  بكتابة أدب الرحلات  دوراً  كبيراً في تاريخ الكرسيّ، وتدوين سيرة ورحلتي والده الشهيرتين الى روسيا، وجولاته في ارجاء الكرسي الانطاكي والخدمة الكنسية.

انكب علمنا على تعريب الكتب  التي كان معلمه المطران ملاتيوس كرمة قد اهتم بها، واولاه تعريبها لثقته به. وكان علمنا كثير الجلد على المطالعة والنسخ متوسط الخط. وكثيراً ماكان استاذه المطران ملاتيوس يوكل اليه مراقبة اداء النساخ في المقابلة والمراجعة والنسخ.

ولع علمنا الخوري يوحنا بجمع الكتب ومطالعتها واستنساخ او نسخ مالم يتمكن من ابتياعه منها الى ان جمع مكتبة مفيدة حافلة بنفائس المخطوطات. وكان لمعلمه المطران ملاتيوس كرمة مكتبة غنية جداً، فانكب علمنا على مطالعة مخطوطاتها، واحرز نصيباً وافراً من الآداب والتاريخ والعلوم الدينية.

التحق راهباً بدير مارسابا الشهير بفلسطين، ثم اختاره البطريرك ابن كرمة وباجماع الحلبيين مطراناً على حلب بعد صيرورته بطريركا، فأطلق يده في نوريته البطريركية، واقامه اكسرخوساً على بلاد آمد وديار بكر وارضروم وفي تدبير أبرشيته البطريركية في انطاكية ومحيطها. وقام بتزويج ولده صغيرا بعمر 17 سنة وفقا لنصيحة معلمه البطريرك افتيموس الصاقزي ورسمه مبتدئاً ثم شماساً.

في بطريركيته صيرالبطريرك مكاريوس ابنه الشماس بولس ارشيدياكوناً على شمامسة الكرسي الانطاكي، فرافق والده في تنقلاته ورحلاته ودوّن كل شيء ماجعل والده من اشهر بطاركة انطاكية والكنيسة الارثوذكسية في العالم.

ولاتزال سيرته مطرحاً لاهتمامات المؤرخين ولكتابات ودراسات كتاب التاريخ واقبال الباحثين من مختلف انحاء العالم.

كان علمنا  ككل كهنة عصره ليس متفرغاً للكهنوت، بل يعيش على ماتنتجه يداه من مهنة الحياكة التي عمل بها لرعاية ولده وحتى رسامته اسقفاً.

دار البطريركية بدمشق
دار البطريركية بدمشق

وعندما صار مطراناً تعرض والبطريركية لتهكم المرسل اليسوعي الاب كيرو  الى مجمع انتشار الايمان الكاثوليكي برومة/ الفاتيكان بتاريخ 26 كانون الأوّل 1639م في تقريره الى المجمع المذكور عن رسامة الخوري حنّا الزعيم مطراناً على حلب، مستهجناً تصرّف بطريركية انطاكية للروم الارثوذكس “وهي تنقل  كاهناً من وراء نول الحياكة إلى كرسي الأسقفيّة”
كان ابن الزعيم في مطرانيته على حلب مجافياً لرهبان رومه، وقد حدَّ من دخولها للتعليم والتبشير في كنائس ومدارس وبيوت الرعية، علماً انه كان يعاني التعب المالي في مساعدة رعيته امام الابتزاز المتبع، ولم يرضَّ ان يُلام معلمه ابن كرمة بأنه كان مسايراً لها، وكأنه كان يستقرىء المستقبل المؤلم لجهة الاستلاب والانشقاق  والانضمام للكرسي البابوي عام 1724.

لكنه تميز بالحزم والاقتدار فلا مساومة مع ثوابت الارثوذكسية، وامتلك ناصية اللاهوت والتقليد وفي حبه للتعريب عن اليونانية والكتابة بيده، رغم نقص معرفته بها( بشهادة ولده كاتب سيرته) وكان خطه متوسط الجمال.

قاد بنجاح فريقي رعيته المتنافرّين، فالأول كان الأكبر وهو ارثوذكسي بالظاهر ولاتيني بالباطن، بينما الثاني وهو الاقل عدديا كان ارثوذكسيا قلباً وقالباً، وقد قاد الفريقين بنجاح بوسطية دون مساومة على العقيدة الارثوذكسية بشهادة المطران ناوفيطوس ادلبي (مطران حلب السابق للروم الكاثوليك).

 وهنا ندفع عنه ذات التهمة التي (كان الكثيرون، ولازالوا) يلصقوها بمعلمه بخضوعه للبابا سراً، وايضا مستندين على رسالة مزعومة ومنسوبة له، ظهرت لاحقاً متزامنة مع الادعاء بمثلها لمعلمه ابن كرمة، ولوكان ذلك صحيحاً لما صرف ردحاً طويلاً في سفرتيه الشهيرتين الى روسيا ( 7 سنوات و5 سنوات) استجراراً للمعونات التي أوفى بها الديون الثقيلة وفوائدها المتعاظمة على الصرح البطريركي ومدرسة الآسية التي كانت تدرس اولاد الرعية الفقيرة بالمجان… وبقية ردنا هو عينه كما في التهمة الملصقة بابن كرمة.

هؤلاء المطارنة والبطاركة عاشوا، وبقوا ارثوذكسيين، وماتوا ارثوذكسيين صرف، ودفنوا في مدفن البطاركة الارثوذكس بمريمية دمشق (بما فيهم افتيموس الصيفي ذاته في المقبرة الارثوذكسية الدمشقية) بالرغم من كل الاغراءات المادية التبشيرية وصمدوا بالرغم من كل الفقر والقهر من العثمانيين) فكفى تجنياً عليهم.

دير سمعان العمودي
دير سمعان العمودي

كان بطاركة انطاكية ومنذ الانشقاق الكبير 1054م يلعبون الدور الحكيم في التوفيق بين روما والقسطنطينية، ربما هذا الموقف والمساعي الحميدة من بطاركة انطاكية دفعت بالبعض من علماء الكثلكة المحليين الى اعتبارهم اعترفوا سرا برئاسة بابا رومية وخضوعهم له.

عندما مرض البطريرك افتيموس الصاقزي مرض الموت، اختاره خليفة له، لكنه اعتذر، فكاد ان يوقعه تحت الحرم مهددا اياه ان لم يقبل، فقبل مرغماً، وتم تنصيبه في مريمية الشام  بفرح غامر، واتخذ اسم مكاريوس.

ساس ابن الزعيم بطريركية انطاكية 25 سنة بنجاح تام بالرغم من الفقر والمظالم العثمانية والضرائب الباهظة، ولكن انكسر خاطره بوفاة ابنه بولس في طريق عودته من رحلته الثانية في تبليسي عاصمة جورجيا فدفنه هناك، وعاد الى دمشق مكسور الخاطر وأكمل مخطوط الرحلة بيده.
وخلاصة القول أنّ المطران ملاتيوس ابن الزعيم كان خير خلف لسلفه ومعلّمه المطران ملاتيوس كرمه، ليس  في إدارة الأبرشيّة الحلبيّة فحسب، بل أيضاً في دفع عجلة الثقافة بين أبناء رعيّته وسائر مواطنيه. وأنّه بفضل مَن عمل تحت يده وبإشرافه، أنْتَجَ أدبياً أكثر ممّا أنتج معلّمه. فكان أوسع أفقاً منه، إذ تناول بالبحث والتأليف والترجمة والنسخ مواضيع تاريخيّة وعلميّة عامّة خرج بها عن نطاق الطقوس واللاهوت الضيّق، وفاق معلمه العلامة ابن كرمه في ميدان الثقافة العامة، ومعرفة احوال الشعوب وخاصة الارثوذكسية التي زارها وكنائسها ولاهوتها.

كتب وعرب العديد من الكتب: مثل مجموع لطيف، النحلة، كتاب جداول الاربع بطريركيات وتناثرت آثاره في كل مكان وحتى في المتحف البريطاني والصرح البابوي وفي جورجيا وفي روسيا واوكرانيا…

البطريرك اثناسيوس الرابع ابن الدباس الدمشقي

  هو رائد الطباعة العربية الاول في سورية الكبرى ودائرة الكرسي الانطاكي وسائر المشرق، وواضع الكتب الطقسية والكتب التأريخية، ومعرب غيرها، وقد طبعها اولاً في بوخارست/ رومانيا/ أولاً ثم في حلب ثانياً.

جعل مطرانية حلب دار بطريركية وأقام فيها بكل كرامة هذا المنصب.

الأمير قسطنطين برانكوفيانو حاكم فلاشيا رومانيا 1688-1714 الذي استضاف البطريرك اثناسيوس الرابع بن الدباس وسهل له الطباعة العربية
الأمير قسطنطين برانكوفيانو حاكم فلاشيا رومانيا 1688-1714 الذي استضاف البطريرك اثناسيوس الرابع بن الدباس وسهل له الطباعة العربية

هو البطريرك الذي تغرب طويلاً في رومانية بضيافة اميرها (الشهيد لاحقاً مع ولديه وصهره بالغدر العثماني فاستشهدوا بقطع الرأس بأمر السلطان احمد باشا في اسطنبول)، وقد اقنعه بحاجة الكرسي الانطاكي الماسة الى المطبوعات الارثوذكسية وباللغة العربية لتحصين الرعية امام الغزو الرهباني اللاتيني ودعاياته المطبوعة بالعربية.

عمل مع الطباع الكرجي الماهر الخوري انثيموس، وصنعا معاً احرف الطباعة العربية. ولصيته وفضائله وهو بطريرك سابق ومطران حلب حالياً، انتخبه مجمع كنيسة قبرص بالاجماع رئيساً للاساقفة، فبقي راعياً لحلب ورئيساً لأساقفة قبرص منذ 1705 الى 1720 حين عاد بطريركاً واقام في البطريركية بدمشق.

عاد من رومانية ونقل معه مطبعة بوخارست، مع مخطوطات هامة جداً اهداها له امير رومانيا (المحكي عنه) الى حلب، وأودعها في دار البطريركية في محلة ابي عجور مكان دار باسيل الأنطاكي. وقد اقام فيها 40 سنة وعمل عليها طباعاً وتحت يده الشماس عبد الله زاخر.

في عام 1720 عندما تولى السدة البطريركية مجدداً بدمشق بعد وفاة البطريرك كيرلس ابن الزعيم، نقل معه المطبعة من حلب واودعها البلمند، ومعها مساعده الشماس عبد الله زاخر، ورهط من الرهبان الحلبيين، واودعوا المطبعة في جناح اقامتهم في البلمند والمعروف للآن ب”جناح الحلبية”.

عند وفاته 1724 غادر المذكورون البلمند بطلب من المرسل اللاتيني الذي كان يزورهم، الى دير ماريوحنا الشوير الكاثوليكي، واعلنوا انضمامهم، واختفت المطبعة فجأة الا من بعض القطع الصغيرة، بقيت في جناح المطبعة “الحلبية” الى ان ظهرت فجأة معهم في دير الشير، حيث يؤكد التقليد البلمندي وأئمة التأريخ د. اسد رستم وخريسوستموس بابادوبولس، وعيسى زريق وشهادات أهل الكورة الحزينة، وبالذات بلدة قلحات، انها ذات المطبعة الدباسية الحلبية البلمندية، وقد طبع فيها بيده الانجيل والمزامير وتفسير أناجيل الآحاد والأعياد، ووضع كتاب “تاريخ بطاركة انطاكية” بالعربية اولاً ثم نقله الى اليونانية الدارجة، والى الرومانية واهداه الى امير رومانيا وضمنه بطاركة انطاكية من بطرس الرسول الى عهده.

آل دباس

عائلة دباس من العائلات المتجذرة في بلاد الشام، وهي من كبريات العائلات المسيحية العربية ذات النفوذ الواسع، وتعتبر من أبرز العائلات الكهنوتية التي أعطت الكثير من البطاركة والاساقفة والكهنة والرهبان في خدمة الكنيسة الارثوذكسية والكنيسة جمعاء مدة اربعة قرون. ترقى بجذورها الاولى الى بلدة ازرع في العربية (حوران) وهي بلدة تاريخية متجذرة يونانيا ورومياً بالمسيحية.

في عام 1386 سكنها كبير العائلة عبد المسيح، الذي عمل بصناعة الدبس.

 انتقلت عائلة دباس الى دمشق واستقرت فيها، ومنها الى بيروت وفلسطين ومصر…

يعتبر الخوري موسى الدباس والد البطريرك اقناسيوس الثالث، وشقيقه البطريرك كيرلس، مؤسس الفرع الدباسي الدمشقي – البيروتي ومنه المحامي شارل دباس الارثوذكسي اول رئيس للجمهورية اللبنانية حين اعلانها من السنة 1928-1932.

 أما علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع فمولود في دمشق من الخوري العلامة فضل الله الدباس احد اهم كتبة البطريركية عام 1647.

تلقى العلوم والعربية وآدابها على والده طفلاً، وفي مدرسة الآسية بدمشق، وفي ابتدائية اليسوعيين الدمشقية المفتوحة وقتئذ.

نهل عن والده الروحانية الأرثوذكسسة وجمال الخط، وفي اليسوعية اللاتينية، ثم الايطالية عن الرهبان الفرنسيسكان في القدس.

 منذ طفوليته كان الى جانب دراسته في مدرسة الآباء اليسوعيين يساعد والده في الخياطة، كبقية اقرانه ليتعلم مهنة يكتسب منها ايرادا مالياً وبالذات هي مهنة العائلة. ويتابع دراسته.

ترهب في دير مارسابا في فلسطين ونبغ في العلوم اللاهوتية العالية وفي اليونانية القديمة والحديثة، وبجهده الذاتي اتقن الرومانية والسلافية والعثمانية والسريانية.

في دير مار سابا تميّزَ فرسموه كاهناً وارشمندريتاً ورأسوه الدير، ثم رسمه البطريرك الأورشليمي دوزينوس الثاني أسقفاً وأرسله الى دمشق بطلب من الدمشقيين.

الغلاف الداخلي لكتاب الاورلوجيون المطبوع بسناغوف -بوخارست للبطريرك اثناسيوس الرابع الدباسسنة 1702
الغلاف الداخلي لكتاب الاورلوجيون المطبوع بسناغوف -بوخارست للبطريرك اثناسيوس الرابع الدباسسنة 1702

وكان الدمشقيون / الا فريق صغير/ قد اجمعوا عليه بطريركاً، وتم ذلك. ولكن الفريق الثاني نادى بكيرلس ابن الزعيم حفيد البطريرك مكاريوس تقديراً لسيرة

جده، بالرغم من صغر سنه 17 سنة وتم ذلك ايضاً.

حصل التنازع المؤسف بين البطريركين، وانقسمت الرعية بين البطريركين، حتى عقدا مصالحة بينهماالسنة 1694 حيث تنازل ابن الدباس عن المنصب البطريركي لابن الزعيم، وانتقل مطراناً الى حلب حيث كانت سدة المطرانية شاغرة، وحلب الابرشية الأشهر عددياً وعقيدة واوقافاً وكان يوقع هكذا:”أثناسيوس البطريرك الأنطاكي سابقاً”، واتُفق على انه في حال وفاة اي منهما يتولى الثاني السدة البطريركية بدون منازع. وهذا ماتم عند وفاة كيرلس بن الزعيم 1720، فاستلم اثناسيوس ابن الدباس المنصب البطريركي بدمشق مجدداً الى وفاته عام 1724.

في كل حياته الاكليريكية ساس هذا الراعي الأمين رعيته، ووقاها من الاستلاب، وكم دفع من جيبه الشخصي لهذا التحصين، بما في ذلك ماكتبه من كتب ووزعه لحماية هذه الرعية من التبشير المتعاظم الذي قويت شوكته، بحماية الولاة والقناصل ومن خلفهم السفراء في القسطنطينية وكان تأثيرهم مهولاً في البلاط العثماني ولدى الباب العالي والصدر الأعظم، وقد باتت هذه السياسة مكشوفةً منذ 1710 زمن مطران صيدا المنضم افتيموس صيفي ربيب مدرسة انتشار الايمان الكاثوليكي في رومة… بقي علمنا اثناسيوس يجاهد حوالي 40 سنة في هذا الخط وبذات الاندفاع والزخم.

لما شعر بدنو اجله في عام 1724، اشار على الدمشقيين اختيار الراهب سلبسترس القبرصي، وكان هذا ابن اخته فوتين الدباس، ولازمه في حلب شماساً مخلصاً، وكان معروف عنه تمسكه الشديد بالارثوذكسية، وبالحزم تجاهها، فهو ربيب الجبل الرهباني المقدس آثوس، وبقناعة خاله انه قادر على وقف التدهور المتسارع في دمشق كما حصل في حلب وصيدا وزحلة.

 وافق الدمشقيون ومطارنة الابرشيات، وطلبوا من البطريرك المسكوني رسامته في القسطنطينية، وارساله الى دمشق على عجل. وفي طريقه الى دمشق مر بحلب، ومعروف المكيدة، وهي مأدبة السمك التي اولمها له وجهاء حلبيون بايعاز من الرهبنات فاستشاط غيظاً، لأن الوقت كان الصوم الكبير، فقلب الطاولة، عندها تهجم عليه الرعاع وضربوه محاولين ايذائه، والمتنفذون سعوا عند والي حلب لسجنه، فهرب متخفياً وعاد الى القسطنطينية، حيث حصل بمساعي البطريرك المسكوني على تأكيد بطريركيته على انطاكية بفرمان سلطاني جديد وعاد الى دمشق، عندها غادرها على عجل السيد كيرلس طاناس الذي كان قد استولى على المنصب البطريركي برسامة غير شرعية وفق القانون الانطاكي وعلى دار البطريركية والمريمية، وانتقل الى دير المخلص ومعه اعوانه وأخذ معه كل الالبسة الحَبرية التي كان قد احضرها مكاريوس بن الزعيم من روسيا في رحلتيه، واثناسيوس ابن الدباس من رومانيا، والموجودات النقدية وبعض حجج الاوقاف الشرعية، مخطوطات المكتبة البطريركية، والآنية المقدسة الطقسية الثمينة المهداة من روسيا وبلاد الكرج ورومانيا.

  اما دير المخلص هذا  فقد كان قد اقامه خاله افتيموس الصيفي في جون صيدا لماكان مطراناً على الابرشية، وهناك اقام  بطريركيته وشرطن اساقفة للأبرشيات وثلاث رهبنات.

 في الختام يُعد اثناسيوس الرابع دباس كسلفه اثناسيوس الثالث دباس من المجاهدين الانطاكيين الحديثين العظام في اهتمامهم بالكرسي والحفاظ على رعاياه من الاستلاب، جمع علمنا الى القداسة ونظافة الكف وبذل ماله الشخصي للرعية جمع جهاداً قل نظيره، واتصف بالحزم في مواجهة الهرطقات، والغزو الرهباني، وكان جريئاً في حواره مع  المتزمتين من غير المسيحيين في ذلك الزمن العثماني الاسود وهو عصر الانحطاط بامتياز.

غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية يعلن قداسة انثيموس الكاهن الطباع الكرجي معاون البطريرك اثناسيوس الدباس  في رومانيا
غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية يعلن قداسة انثيموس الكاهن الطباع الكرجي معاون البطريرك اثناسيوس الدباس في رومانيا

برع في التأريخ، وفي الموسيقى الرومية، فكان أحد اعلامهما، وبرع في كتابة الايقونات بمعونة تلميذه الخوري يوسف المصور مؤسس هذه الاسرة الحلبية الشهيرة في فن تصوير الايقونات.

من كتبه التي لاتعد كان كتابه الشهير” سر التوبة والاعتراف” لدحض الدعاية اللاتينية بأن الارثوذكس لايقيمون وزناً لسر الاعتراف، ويسقطونه ويكتفون بالمناولة، وفق هذه الدعاية الجائرة وقد اشاعتها رهبناتهم، وانه لكي ينال المؤمن الخلاص يتوجب عليه ان يعترف امام خوري لاتيني، ثمة عشرات التقارير في مجمع انتشار الايمان الكاثوليكي في رومة تفيد بتحول كهنة ارثوذكسيين عديدين اعترفوا عند نظرائهم اللاتين وقد تحولوا للكثلكة. ومن جانب رديف ان جلسات الاعتراف هذه كانت اداة جذب للارثوذكس.

حتى علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع ابن الدباس تعرض في ساعته الاخيرة لنفس التجربة عندما دخل عليه احد الرهبان اللاتين وطلب منه ان يعترف عنده الاعتراف الأخير( تنفيذا) لهذه الاستراتيجية واسلوب الجذب ولكي يقال انه في اعرافه الاخير انضم الى رومة  لكن البطريرك ابن الدباس رده على اعقابه زاجراً.علمنا جعل الكتاب المقدس خبزه اليومي منذ تفتحت عيناه على الحياة، وجعله القدوة في الثبات على الايمان القويم والعقيدة المستقيمة الرأي.

المطران الياس معوض

البطريرك الياس الرابع / بطريرك العرب

البطريرك الياس الرابع
البطريرك الياس الرابع

خدم مطراناً ابرشية حلب منذ 1950 -1970، وعندها اختاره المجمع الانطاكي المقدس بطريركاً بعد البطريرك ثيوذوسيوس السادس، وتمت رسامته وتنصيبه في مريمية الشام وتوفاه الله بطريركاً عام 1979.

لم ينل اي بطريرك قبله لقب بطريرك العرب ومنحه اياه بجدارة وباحتفال غير مسبوق المؤتمر الاسلامي العالمي الأول في باكستان/ لاهور 1974، وتهافت زعماء الدول المشاركين للسلام عليه ومصافحته وتهنئته والتقاط الصور التذكارية معه بعد تلك الجلسة التاريخية وكلمته المدوية بعنوان:” القدس”  التي عكست موقف المسيحيين العرب، والتقرب منه.

هو الياس بن دياب معوض، ولد العام 1914 في قرية أرصون من المتن الأعلى في جبل لبنان.

تلقى علومه الابتدائية بصفته راهباً مبتدئاً في دير القديس جاورجيوس الحرف بجبل لبنان، والإعدادية في المدارس الغسانية الأرثوذكسية في قسمها الاكليريكي الداخلي والتي كان قد أحدثها مطران حمص اثناسيوس عطا الله، والثانوية في المدارس الآسية الأرثوذكسية بدمشق، وكان يقيم في دار البطريركية راهباً برعاية البطريرك غريغوريوس الرابع، الذي احبه والبسه الثوب الاكليريكي مبتدئاً عام 1927 في المريمية الدمشقية، وقد تنبأ له بمستقبل مرموق بعد أن خَبِرَ قدراته.

أوفده البطريرك الكسندروس الثالث عام 1934 إلى معهد خالكي اللاهوتي الشهير التابع لبطريركية القسطنطينية حيث نال شهادته الجامعية اللاهوتية بامتياز في سنة 1939 واكتسب اليونانية القديمة والحديثة والتركية، وبعد عودته على الفورعينه البطريرك الكسندروس الثالث مديراً لمدرسة البلمند الاكليريكية، ورسمه كاهناً فارشمندريتاً عام 1941.

عاد الى دمشق وقام بتدريس الدينيات واللغة العربية وآدابها في مدارس الآسية.

في عام 1947 انتدبه معتمداً بطريركياً الى البرازيل لرعاية المعتمدية البطريركية في ريو دي جانيرو، وبقي هناك ثلاث سنوات فنجح باقتدار وحاز محبة الجميع، واكتسب خبرات رعائية واسعة واتقن اللغة البرتغالية.

إلى أن انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس مطراناً على حلب عام 1950. فعاد الى دمشق، ورسمه البطريرك المذكور الكسندروس الثالث في المريمية وسط بهجة شعبية حلبية ودمشقية عارمة، ودخل حلب صحبة  وفد اكليريكي وعلماني رفيع، حيث جرى استقباله بشكل ملفت من الفعاليات الحلبية كافة من الحدود الادارية لمحافظة حلب اضافة الى ادلب مع وفد كبير من لواء الاسكندرون. ولقد لقي من كل الفعاليات الحلبية شبه مبايعة بأنه مطران كل الحلبيين بكل اديانهم وطوائفهم، وتقربت منه مديرية أوقاف حلب، ومفتيها، وشيوخ المسلمين كافة نتيجة لصيته الذائع الموقر.

كان وحدويا مع الكنائس الاخرى بامتياز مع التمسك الشديد بالثوابت الارثوذكسية.

مّثّلّ الكرسي الأنطاكي المقدس في المؤتمرات الأرثوذكسية العالمية في رودس أعوام 1961، 1963، و1964، وفي جنيف (سويسرا) عام 1968

اشترك في أعمال الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين في بيروت 1970 .

تسلم السدة البطريركية أواخر عام 1979 والجسد الانطاكي مثخن بجراح انشقاق كوكبة من مطارنته، فجعل همه بذل مساعٍ حثيثة لإعادة الشركة معها، وفتح حوار والتراجع عما كان سبباً للقطيعة ورقء الجرح، وكان ذلك أول أعماله في يوم الأربعاء 21 تشرين الأول 1970، كمحاولة منه لتضميد جراح الجسم الأنطاكي وشدد على النظام المجمعي في الكرسي الأنطاكي المقدس.

دير سيدة البلمند البطريركي
دير سيدة البلمند البطريركي

زار كل الأبرشيات الأنطاكية ساعياً لتحقيق تطلعاته في نهضة إنطاكية منشودة تعود فيها البطريركية الانطاكية الى تألقها العريق، وساس الكرسي الأنطاكي بكل اقتدار ومحبة.

 رعى بكل الدعم الشباب في مطرانيته وبطريركيته، واولى الحركة الكشفية الارثوذكسية الدعم المادي والمعنوي، فالحركة الكشفية مدرسة الوطنية والكنسية بامتياز كما نهلنا عنه، كما اعطى الدعم ذاته لحركة الشبيبة الارثوذكسية مثمناً دورها في التعليم الروحي للطفولة والشبيبة، واسهامها الفعال في ايجاد الكهنة الأكفاء للكرسي والتعليم والتبشير.

اهتم بالمدارس عموماً في دائرة الكرسي الأنطاكي المقدس كونها الأساس في نهضة الكنيسة والوطن، وأولى اهتماماً خاصاً بالتعليم اللاهوتي وتحديداً بمدرسة البلمند

اللاهوتية الناشئة في دير سيدة البلمند البطريركي، فأنفق عليه بسخاء، إذ كان هاجسه الأكبر (حتى قبيل وفاته) تخريج كهنة مؤهلين لرعاية الرعايا في المرحلة المقبلة، وقد دشن بيده في عام 1974 معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في دير البلمند مع سليمان فرنجية رئيس لبنان في عهد رئيس الدير مطران اللاذقية المطران أغناطيوس هزيم. ومد الجسور اللاهوتية اكثر مع اليونان وروسيا والروس البيض في فرنسا، واوفد الطلبة لنيل الشهادات اللاهوتية والدراسات العليا.

كان بسيطاً  في علاقاته مع الجميع، وبابه مفتوح على الدوام بكل تواضع الكبار، لم يرد طالب حاجة منه بحنو بالغ… ولقد قوّىّ ساعد الجمعيات الأرثوذكسية الخيرية  والثقافية والاجتماعية في عهده لدى الدولة… واهتم جداً بتنمية الاوقاف واستبدال الضعيفة الريعية بأخرى لتدر ريعية اكبر لتنفيذ خطته الطموحة، ورعى الأديرة والحياة الرهبانية بشدة. لكن القدر لم يمهله طويلاً فكان عهده قصيراً  الا انه كان حافلاً بالانجازات الكنسية الارثوذكسية والعالمية والوطنية والقومية.

 وكان في معتمديته في البرازيل ومطرانيته بحلب وبطريركيته في دمشق قد خلف أسلافه البطاركة والمطارنة الأنطاكيين، كان منارة للوطنيين جميعاً، ومطراناً لجميع الحلبيين مسيحيين بكل طوائفهم ومسلمين. وعندما أصبح بطريركاً واعتلى السدة الأنطاكية في دمشق، صار بطريركاً لكل العرب، ومرجعاً عربياً كبيراً حمل لواء العروبة في الداخل والخارج، ومقاتلاً عنيداً في الكلمة والقلم والفعل لأجلها. وخاصة بالنسبة للقضية المركزية فلسطين فقد كانت هاجسه الأكبر.

كان مرجعاً لكل حركات التحرر العربية، وحمل لواء القضية الاهم فلسطين وحقوق شعبها الى المنابر العالمية، وخاصة الكونغرس الاميركي عندما افتتح احدى جلساته بالصلاة 1977 وكان هو اول رئيس روحي في العالم، وفي التاريخ الاميركي الذي يفتتح جلسة الكونغرس بالصلاة وتحدث عن الشعب الفلسطيني وحقه في العودة الى وطنه السليب، واقامة دولته المستقلة على تراب فلسطين وعاصمتها القدس المقدسة.

تناول الموضوع ذاته مع الرئيس الاميركي جيمي كارتر وادارته، وتعرض لهجوم كاسح من منظمة الايباك اليهودية الاميركية، ومن الصهيونية العالمية، وكان لايزال بعد زائراً لأميركا متفقداً ابرشيته ورعاياه.

كان كأسلافه بطاركة ومطارنة انطاكية متميز بنبل هذه المواقف بعاطفة صادقة متجذرة.

وحول مشاركته في المؤتمر الاسلامي العالمي الأول في لاهور باكستان 1974  المخصص من اجل فلسطين والقدس، فقد أصّرّ المغفور له حافظ الأسد  على مشاركة وفد مسيحي عربي برئاسة غبطته في هذه الفعالية الاسلامية العالمية الأولى، لينقل موقف المسيحيين العرب من القضية القومية المحورية هذه، فالمسيحيون العرب شركاء اخوتهم المسلمين العرب في فلسطين والقدس تاريخياً وحضارة ووجوداً، وقدموا الدماء لأجلها.

وقد شارك ومعه وفد اكليريكي وعلماني رفيع ضم اليه مطران اللاذقية اغناطيوس هزيم (بطريرك العرب الثاني بعده) بالرغم من بعض الاصوات المعارضة لمشاركة وفد مسيحي…!

القى غبطته كلمة قصيرة وبليغة بعنوان “القدس” ضمنها الرؤية المسيحية عن القدس فهي وامها فلسطين اقدس المقدسات المسيحية التي شهدت للرب يسوع ورؤيته عن واقعها ومستقبلها.

فأجمع المؤتمر على مبايعته بطريركاً للعرب، وقرر المؤتمر منحه لقب “بطريرك العرب”، وتبارى رؤساء الدول والوفود المشاركة في التقاط الصور التذكارية معه بعد كلمته المدوية وهي محفوظة في الوثائق البطريركية بدمشق.

بالرغم من عمر بطريركيته القصير من 1970-1979 تجول في مشارق الارض ومغاربها مشدداً على وحدة العالم المسيحي، ونبذ التنافر بين الكنائس، لكنه لم يساوم على الارثوذكسية فكان من البطاركة الارثوذكس العظام في العالم المسيحي.

بعد منتصف ليل 21 حزيران1979 ارتقت روحه الى بارئها، فعم الحزن كرسينا الانطاكي والعالمين الارثوذكسي والمسيحي، وسورية ولبنان الشعبيين والرسميين، ويقال انه فور تلقيه هذا النبأ المفجع أتاه سراً وبالليل صديقه المغفور له  الرئيس حافظ الاسد، والقى عليه نظرة الوداع الأخير، وفاه بكلمة رثاء صغيرة بعين دامعة بحق هذا المناضل القومي والسوري بالرغم من لبنانيته.

جنز باحتفال مهيب بما يليق به، لا ازال اذكره بتفاصيله الدقيقة والحزينة، كوني كنت من قيادة الكشاف الارثوذكسي الدمشقي المنظم لهذا الاحتفال الحزين. وقد رفعناه محمولاً على الأكف ودُفن في مدفن البطاركة الاساس الذي كان في حرم الساحة الغربية لمريمية الشام ( قبل نقل المدفن الى تحت هيكل المريمية شرق الكاتدرائية.

تميز رحمه الله بالشفافية والوضوح والواقعية وعدم المواربة والجرأة في مايطرح، اضافة الى حنو النفس ورقتها كما اسلفنا.

اما جرأته فكانت منقطعة النظير بخصوص القضايا التي يؤمن بها، وبالغيرة المتقدة المندفعة على الارثوذكسية وجماعيتها ووحدتها وتقليدها القويم، وعلى كرسيه الانطاكي المعذب عبر تاريخه من الاخ قبل القريب والبعيد، وعلى الوطن السوري الواحد، ومواقفه كما حكينا تشهد ومنها صرخته الشهيرة بأن رئاسة الجمهورية اللبنانية ليست حكراً على الموارنة بل هي حق لكل لبناني شريف وكفوء… وقد تعرض لعاصفة من الانتقادات من بعض الساسة اللبنانيين المناوئين لهذا الطرح، وهو بالتالي غمز من قناة كل الانظمة العربية العربية التي تُقصي المسيحيين عن حقهم في رئاسات بلدانهم واداراتها العليا وفق مبدأ المساواة والمواطنة.

وهو في هذا الصدد كان على الدوام في كل خطبه ولقاءاته يُذّكر بدور المسيحيين في الحضارة العربية، وفي عصر التنوير العربي والنهضة العربية للتحرر من الاستعمار العثماني، والتحرر من الانتداب الفرنسي، وفي ماقدموه من دماء في سبيل القضية الفلسطينية والكفاح  العربي في الحروب اللاحقة، فيجب ان يُصان حقهم في رئاسة بلادهم وادارتها ووظائفها العليا بعيداً عن نسبية التمثيل…!

اجاد الى جانب العربية وآدابها كتابة القصة ونظم النثر والشعر، والأدب الكنسي اضافة الى تميزه بنظم الشعر باليونانية حيث اجادها بشقيها القديم والحديث، واجاد معها الفرنسية والانكليزية والبرتغالية وألم بالتركية والعبرية والآرامية…

  وله كتاب حول الشعر اليوناني الحديث، نشرته وزارة الثقافة في سورية عام 1959، وكتاب ” طريق النعمة” وقد عربه عن الانكليزية، وكتاب بولس الرسول وقد عربه عن الفرنسية للكاتب هولزنر وهو من أروع ما كُتب عن بولس رسول الأمم ومرجع رئيس عنه، وكتاب ” الآباء الرسوليين” عن منشورات النور

نقل عن اليونانية كتاب ” الحياة في المسيح” لنيقولا كاباسيلاس، وله مقالات أدبية ولاهوتية عديدة، كما أن له العديد من الترجمات نشرتها له مجلات ودوريات العصبة الأندلسية والأديب والثقافة والمعرفة والنعمة والنور…

أحدث مجلة ” النشرة البطريركية” بدورها الأول من 1970-1974

يُعدُ رحمه الله أحد آباء الكنيسة العظام في زهده بالدنيا ومبهجاتها وبالمال والمقتنيات والمجد الباطل، وقد مات كما عاش راهباً عاشقاً نذورها وعاشقاً لأنطاكية وللوطن.

ختاماً أقول

بلا شك اسعدتنا محافظة حلب مشكورة عندما اسمت شارعاً باسمه، وحبذا لو حذت محافظة دمشق حذوها في تكريم هذه القامة الروحية والوطنية والقومية، وبكل اسف نرى ذلك التقصير بحق كل البطاركة والمطارنة الانطاكيين العظام، وكل منهم له المواقف الانسانية والوطنية والقومية الشريفة التي تضيق بذكرها المراجع، كما لبطريركنا العظيم الياس الرابع بطريرك العرب…

ايها المحترمون

ان موضوعنا هذا يحتاج يقيناً الى عدة ايام لنفي هؤلاء الاعلام العظام مالهم من خقوق علينا وهو واجبنا نحوهم…

شكراً سادة المتروبوليت افرام الطهور راعي هذه الابرشية المحروسة بالله، وقد شاء تسليط الضوء عليهم…

شكراً سيدنا دعوتكم لنا للمساهمة في تسليط الضوء معكم في فعالية النور وعلى حسن اللقيا….

شكراً لكل من عمل من اجل انجاز عرس حلب الروحي هذا، وخاصة العاملين بصمت…

شكرا رعية حلب المحبوبة من صغيرها لكبيرها…

دمتم بالنور احبتي…

كل عام وانتم بخير في عيد شفيع الابرشية القديس سمعان العمودي

وابرشيتكم الغالية يسطع نورها ليعود كما كان عبر العصور.

د. جوزيف زيتون