خليل ابراهيم بيدس

خليل إبراهيم بيدس.. أديب فلسطيني من الناصرة 

خليل إبراهيم بيدس.. أديب فلسطيني من الناصرة 

نبذة في السيرة الذاتية

خليل إبراهيم بيدس من مدينة الناصرة ولد في عام 1875  تووفي في التاسع من شباط عام 1949 في بيروت.

كتب  جهاد صالح في كتابه عن كنيته بيدس ان “أسرته هي ‘الصباغ’، أما بيدس فإنه لقب لحق عمه يوسف بسبب مشابهته لرجل قوي اسمه ‘بيدس’، ثم غلب على الأسرة كلها، وتفصيل ذلك، وفق ما ذكره نعمة الصباغ: ‘كان يوسف عم خليل، إذا نشبت معركة بين شباب الحارة الشرقية، وهو منها، والحارة الغربية يصد المهاجمين مهما كثر عددهم بعصاه، ولا يبالي بالضربات تنهال عليه، وذات مرة لم يتمكن من الوصول إلى بيته، فانتزع باب دكانه، وهاجم الشباب الغربي، وانهال عليهم بالباب ضربا حتى بدد شملهم والدماء تنزف من رؤوسهم وردهم على اعقابهم مهزومين، وكان في عهده رجلا متين العضل، عامل بناء غريب الدار، اسمه بيدس، لا يقوى أحد على أن يقوم برفع الأثقال مثله، فلقب يوسف الصباغ بـ’يوسف بيدس’، وكان له أخت اسمها مريم زعيمة النساء في الأفراح والأتراح، فإذا أطلت قال المجتمعون: جاءت مريم أخت بيدس، فغلب هذا اللقب على تسمية العائلة بـ’الصباغ'”

تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة الروم الأرثوذكسيَة في الناصرة، ثم انتسب إلى دار المعلمين الروسية التي انشأتها الجمعية الامبراطورية الفلسطينية – الارثوذكسية الروسية في المدينة نفسها، حيث أمضى فيها ست سنوات، أصبح بعدها مديراً للمدرسة الروسية الابتدائية التابعة للجمعية الروسية المذكورة في حمص في سورية، ثم نُقل إلى المدرسة الروسية الابتدائية في بسكنتا في لبنان، ومنها إلى مدرسة سوق الغرب ثم إلى مدرسة جدَيْدة مرجعيون في لبنان أيضاً. في هذه المدارس التي كانت الجمعية الروسية المذكورة قد انشأتها في طول البلاد الشامية وعرضها.

نُقل خليل بيدس سنة 1908 إلى المدرسة الأرثوذكسية في حيفا، وأصدر فيها، بعد إعلان الدستور العثماني، مجلَة “النفائس” الأسبوعية، التي حملت في سنة 1909 اسم مجلة “النفائس العصرية” وصدرت نصف شهرية. ومنذ سنة 1911، صارت هذه المجلة تصدر من القدس، إلى أن احتجبت عن الصدور عند نشوب الحرب العالمية الأولى، ولم تستأنف صدورها سوى في سنة 1919، لكنها توقفت نهائيا في سنة 1923. وقد انتشرت هذه المجلة في عدد من البلاد العربية والأجنبية، ونشر كبار أدباء وشعراء فلسطين والعالم العربي أعمالهم فيها.

وحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية اختير بيدس سنة 1911 من جانب العرب الأرثوذكس بالتزكية ليمثلهم في “المجلس المختلط”، الذي أنشأته الحكومة العثمانية لإدارة شؤون الطائفة العربية الأرثوذكسية والإشراف على الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين وشرق الأردن، فاستقال من المدرسة الأرثوذكسية في حيفا وانتقل إلى القدس واستقر فيها.

جهاده الوطني

وأولى بيدس الهجرة الصهيونية اهتمامه مبكرا ونبه إلى خطرها، ودعا السلطات العثمانية، في المقالات التي كان ينشرها في “الأهرام” و”المقطم” في مصر، إلى اتباع العدل في معاملتهم العرب وطالب بإنصافهم. وعند اندلاع الثورة العربية في حزيران 1916، حُكم عليه بالإعدام، لكنه لجأ إلى البطريركية الأرثوذكسية في القدس، فحمته وأنقذته من المشنقة. واشترك بيدس في مظاهرة سنة 1920 في القدس، وخطب فيها منبها إلى خطر وعد بلفور، فاعتقلته السلطات البريطانية وأودعته سجن عكا بعد أن حكمت عليه بالسجن خمسة عشر عاما.

وفي السجن، ألف كتابا وصف فيه سجن المستعمِر والأساليب الوحشية التي يعامل بها السجناء الوطنيين. بيد أن المندوب السامي البريطاني، هربرت صموئيل، أصدر بعد فترة قرارا بالعفو عنه وعن جميع المساجين السياسيين من عرب ويهود. وعُين بيدس، بعد ذلك، معلما للغة العربية في مدرسة “المطران” (مدرسة السان جورج) في القدس، وهو منصب ظل يشغله إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1945. أنشأ مكتبة قيمة تحوي نفائس المخطوطات والمؤلفات فُقدت جميعها…

وفاته

 أما نهايته فقد ابتدأت حينما دخل اليهود إلى الحي الذي أقام فيه حي ‘البقعة الفوقا’ في القدس، وقتلوا كل من وجدوه من الأهالي العرب، فما كان من خليل إلا أن أخذ طريق البر والوادي إلى حي سلوان على قدميه وهو شيخٌ منهك، وأغمي عليه وهو في طريقه لكن سرعان ما اكتشف أهل القرية هوية ذلك الشيخ فاعتنوا به، وبعد أن عاد إلى وعيه دبروا أمر انتقاله إلى عمان، فبلغها منهوك القوى، وبعد أيام توجه إلى بيروت لاحقا بأولاده، وفي التاسع من شهر شباط من عام 1949 توفي، تاركا وراءه أعمالا وآثارا قلمية متعددة الجوانب والمجالات، خلدته على اعتبار أنه واحد من رواد النهضة الفكرية، الثقافية والأدبية في فلسطين.

انتاجه

وترجم بيدس خلال عمره وألف حوالي 40 كتابا، 15 منها ترجمها عن الروسية، وبينها تسع روايات، منها ‘ابنة القبطان لبوشكين’، إضافة إلى ثلاثة كتب نثرية في التاريخ الروسي، منها كتاب ‘تاريخ روسيا القديم’، أما في مجال الكتب الموضوعة فألف رواية هي’الوارث’ وصدرت عام 1920، ومجموعتين قصصيتين هما ‘مسارح الأذهان’ وصدرت عام 1924، و’ديوان الفكاهة’، وهذه الكتب نشرت متفرقة في ‘مجلة النفائس العصرية’، وله تسعة كتب في التاريخ وأدب الرحلة منها، كتاب عن ‘تاريخ القدس’ وآخر ‘رحلة إلى سيناء’، وألف بيدس في مجال الكتب المدرسية ثمانية كتب منها ‘الكسور العشرية’ و’الكافي في الصرف’، ويشير ‘دليل الكتاب العربي الفلسطيني’، إلى أن بيدس كان في حوزته في فترته الأخيرة، ستة كتب معدة للطباعة، بينها ‘معجم كبير’، غير أن نكبة عام 1948 وسرقة مكتبته، حالا دون طباعتها.

لم تصل القصة مترجمة أو مؤلفة في فلسطين قبل خليل بيدس، ولا نعرف أحدا في هذا البلد كم  بلغت قصصه المترجمة والمؤلفة-في هذه الحقبة- عدد قصص خليل بيدس، ولا نصف هذا العدد، ولا نعرف مجلة قبل مجلته ‘النقائس’، عنيت مثل عنايتها بنشر القصص المترجمة والموضوعة، فإذا كان الأمر كذلك أدركنا من كل ذلك معنى قولنا: أن خليل بيدس هو رائد القصة الحديثة في فلسطين بلا منازع، واتضح لنا من ذلك معنى الريادة’. كما يقول جهاد صالح…

بوشكين. “ابنة القبطان” (مترجم)، تولستوي. “أهوال الاستبداد” (مترجم) “الطبيب الحاذق”، بيروت: 1898، “العقد الثمين في تربية البنين”. بعبدا: المطبعة العثمانية، 1889″، “الوارث”: رواية اجتماعية غرامية. القدس: 1920″. مسارح الأذهان: مجموعة أدبية فنية روائية في حقيقة الحياة”. القاهرة: المطبعة العصرية، 1624، “العرب، أبطالهم وأشهر حوادثهم”. القدس، 1942.

الخاتمة

يعتبر الكاتب الفلسطيني خليل بيدس (1875- 1949)، ابن مدينة الناصرة، منذ فترة بعيدة، واحدا من أصحاب الأسماء اللامعة في مجال القصة الفلسطينية في زمن وصلها الجميل، ذلك الزمن الذي انطبق عليه ما قاله الشاعر لسان الدين ابن الخطيب حينما خاطب زمنه الأندلسي الجميل قائلا له ‘جادك الغيث اذا الغيث همى يا زمان الوصل في الأندلس’.وتنوه أن خليل بيدس أديب وقاص ومترجم من الطراز الأول وخطيب مفوه، ساهم في انتقال القصص الفلسطينية إلى آفاق جديدة ترتبط بالواقع وتصور حياة الناس. كذلك تأثر بكبار الأدباء الروس، أمثال بوشكين وتولستوي، ويعتبر رائد الترجمة من الروسية إلى العربية ودعا إلى نهضة ثقافية في العالم العربي، وترك نحو 44 كتابا بين مُؤلف ومُترجم. وقد منحته منظمة التحرير الفلسطينية في كانون الثاني/ يناير 1990، وسام القدس للثقافة والفنون والآداب.

يقول جهاد صالح أنه لم يكن للقصة شأن كبير في الأدب العربي قبل العصر الحديث، ويعزو هذا إلى عدد من الأسباب، منها اعتبار الشعر الشكل الأدبي النابع من عمق التراث العربي وما دونه دخيل عليه، واهتمام المثقفين بثقافة عربية إسلامية واقتصار اطلاعهم على المقامات، لكن غايتهم من هذا الاطلاع كانت بعيدة عن مجال القصة بعدا كبيرا، وعدم شيوع القصة القصيرة بشكل واسع ومتنوع في الأقطار العربية.

ويعود مؤلف الكتاب جهاد صالح إلى خليل بيدس فيرى أنه منح القصة اهتماما خاصا، فقام بتأسيس مجلة لينشر فيها ما أراد ترجمته وكتابته من القصص، هي مجلة ‘النفائس’، ويؤكد اهتمام بيدس بالقصة ما أشار إليه فيما يتعلق بها في تقديمه لمجموعته القصصية ‘ديوان الفكاهة’، وهو أن القصة فن رفيع يؤدي رسالة اجتماعية هادفة، وذات قدرة على نقل رسالة الاصلاح والتهذيب، إضافة إلى أن بيدس يؤكد أهمية فنية القصة وتشديده على أنها لا بد من أن تلج أعماق النفس الإنسانية.