دمشق الشام قصة تاريخ اقدم عاصمةتاريخ حافل بالأمجاد
على الرغم من أن دمشق معروفة بأنها من أقدم مدن التاريخ، واقدم عاصمة مأهولة،لاتزال عامرة، إلا أنه لا يزال من غير الواضح متى تم استيطانها، وإن كان قد بدأ فيها الى احد عشر الفاً سنة قبل الميلاد، وان من اهم التلال الأثرية المكتشفة في سورية كان فيها وهو تل أسود في جدّيْدة بالقرب من دمشق،وفيه مجموعة من المباني التي تشير الى تطور عمراني لافت، وكذلك أظهرت الحفريات في عام 1950 أن مركزًا حضريًا كان موجودًا في الألفية الرابعة قبل الميلاد في تل الصالحية، جنوب شرق دمشق، وتم اكتشاف فخاريات من الألفية الثالثة قبل الميلاد في المدينة القديمة، وتم العثور على ذكر “دماسكي” في لوح طيني في إيبلا (تل مرديخ حاليًا) يعود تاريخه إلى نفس الفترة.
وجاءت أول إشارة مكتوبة مؤكدة إلى المدينة في الألواح الهيروغليفية لتل العمارنة في مصر، حيث تم إدراجها ضمن الأراضي التي غزاها تحتمس الثالث في عام 1490 قبل الميلاد.
وفي الألفية الأولى قبل الميلاد، أصبحت دمشق عاصمة لإمارة آرامية يُعرف تاريخها بشكل أساسي من خلال المراجع التوراتية والسجلات الآشورية. ومن الآثار المادية المهمة التي تعود إلى تلك الفترة لوح حجري من البازلت يصور أبو الهول المجنح، عُثر عليه أثناء أعمال التنقيب في فراغ كبير أسفل الجامع الأموي، وفيه آثار آلهة تعود الى شعوب المشرق وقتها وكانت تودع في معبد حدد فائدة للقوافل التجارية لتعبدهاأثناء تجارتها مع الشام.
كما ترك الآراميون أيضًا إرثًا فريداً في نظام القنوات او توزيع المياه في دمشق، لكن التطوير الجذري لهذا النظام كان قد تم بيد المهندسين الرومان زمن الحقبة الرومانبة التي بدأت ماقبل منتصف القرن الاول قبل الميلاد واستمرت في الدولة الرومية حتى دخول العرب المسلمون الى دمشق عام 635مسيحية، وكانت اللغة الآرامية هي السائدة في سورية الكبرى وبلاد الرافدين من انتهاء السبي البابلي وعودة اليهود من بابل، حتى انهم تكلموها في حياتهم ونقلتها القوافل معها من دمشق الى كل الأرجاء الشامية حيث صارت لغة التجارة البينية في المشرق نفسها، التي كانت بمثابة لغة مشتركة لبلاد الشام الى حين سيادة اللغة اليونانية القديمة مع حملة الاسكندر الأكبر منتصف القرن الرابع قبل الميلاد تقريباًوحتى حملة التعريب التي قام بها عبد الملك، مع بقاء الارامية لغة الارياف والى الشرق من الفرات.
وفي القرون التالية قبل المسيح، سقطت دمشق مثل غيرها من عواصم المنطقة في أيدي الآشوريين في القرن الثامن قبل الميلاد، والبابليين في القرن السابع قبل الميلاد، والفرس في القرن السادس قبل الميلاد، والإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد مع الاسكندر المقدوني، والرومان في القرن الأول قبل الميلاد.
ومع فتوحات الإسكندر الأكبر في عام 333 قبل الميلاد، أصبحت دمشق جزءًا من العالم الهلنستي ( اليوناني الشرقي) الشامل، وتعايشت الأحياء الآرامية مع مستوطنة يونانية جديدة. وفي العصر السلوقي برزت أنطاكية عاصمتها وتخلفت دمشق عنها.

في المسيحية الرومية
وكان ضم دمشق إلى الإمبراطورية الرومانية بيد بومبيوس القائد الروماني الذي فتح سورية والحقها بالأمبراطورية الرومانيةالعام 64 ق. م، وقد جاء هذا الضم بعد هزيمة ملك ارمينيا ديكران الكبير الذي كان في العام 70 ق.م قد فتح دمشق، واقره عليها السلوقيون بصفة حاكم وحامي لها، وقد اعان بومبيوس الروماني سورية ولاية رومانية خاضعة مباشرة لمجلس الشيوخ الروماني، ولكنه ابقى على الثقافة واللغة اليونانية كما كانت في العهد السلوقي واستمراراً للتقاليد الهلنستية في الادارة والحكم والعبادات بالرغم من تبعية دمشق المباشرة استمرارًا لمجلس الشيوخ الروماني في روما ، وكانت دمشق مدينة كبيرة هلنستية الوجه والثقافة والتقاليد الهلنستية تحت حكم هادريان (حكم من 117 إلى 138 ميلاديًا) وحكم سيفيروس ألكسندر (حكم من 222 إلى 235 ميلاديًا الذي اصل عائلته وجده سيبتيموس سيفيروس الحمصي.).
وتوجد آثار لقلعة رومانية في شمال غرب المدينة، وعلى بعد 200 متر إلى الشرق يقع كاتدرائية دمشق/ كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، الذي بناه التي كانت اولا معبد حدد الآرامي ثم معبد جوبيتير الروماني فكاتدرائية دمشق الرومية ثم الجامع الاموي بيد الوليد بن عبد الملك..
ولا تزال كنيسة حنانيا الرسول اول اسقف لدمشق وهي بيته محفوظة (ومعها كنيسة مريم وكلتاهما اقدم كنيستين في العالم وتعودان الى العام 35م.)، تخليدًا لذكرى اعتناق شاول الطرسوسي للمسيحية في دمشق بعد ظهور الرب يسوع له في كوكب في منطقة دير الرؤية البطريركي اليوم اما عماد شاول فقد تم كما في سفر اعمال الرسل بيد حنانيا، في بيت يهوذا الدمشقي اليوم في حارة النقاشات مقابل البزورية على بعد مائة متر من الكاتدرائية المريمية وهذه المنطقة تُعرف اليوم،ب”مئذنة الشحم”، والرؤية تمت في كوكب وتيمت القرية الاكبر باسم دار الرؤية ومع تمادي الزمن تحول اسمها الى داريا، كما تحول اسم منطقة القيمرية اليوم من اسم ايا ماريا اي القديسة مريم نسبة الى كنيسة مريم او المريمية.
ومثل بقية سورية، وبعد براءة ميلانو 313م التي اطلقها الامبراطور قسطنطين بالسماح للمسيحيين بحرية العبادة وايقاف الاضطهادات العنيفة بحقهم في الامبراطورية الرومانية.

في الامبراطورية الرومانية الشرقية او الرومية أصبحت دمشق مسيحية بحلول مطلع القرن الرابع 313م، ومع تقسيم الإمبراطورية الرومانية بيد ثيودوسيوس الكبير في عام 395م الى شرقية بقيادة القسطنطينية لتقف في وجه الفرس المغيرين في حروبهم التي لم تنته مع الامبراطور الرومانيةرومة والقسطنطينية، وغربية بقيادة روما الى حين انهيارها بيد البرابرة الجرمان عام 476م ، أصبحت دمشق موقعًا عسكريًا مهمًا للإمبراطورية الرومية تابعا للعاصمة القسطنطينية فعادت للازدهار من جديد وخاصة بعدما امر الامبراطور ثيوذوسيوس بتحويل هيكل جوبيتير الدمشقي الوثني الى كاتدرائية عظمى على اسم القديس يوحنا المعمدان ، وقد امر الامبراطور الرومي تراجان بنقل الرأس الشريف من القسطنطينية الى كاتدرائية دمشق ليوضع على مائدتها المقدسة العام 451م وليكون شفيعا وحاميا لدمشق. ونشير هنا الى ان مساحة المعبد / الكاتدرائية كانت تشكل مساحة ربع دمشق القديمة آنذاك.
ومع ذلك، أدت الاختلافات العقائدية واللاهوتية والسياسية إلى خلخلة الامبراطورية الرومية كما دمرت الحروب الفارسية في القرن السادس، والتي تم خوضها أغلبها على الأراضي السورية الكثير من الارجاء السورية (نقصد بلاد الشام)، الحياة الاقتصادية للبلاد، ونتيجة لذلك الضعف، سهل على المسلمين دخول دمشق في عام 635م.
وحتى دخول المسلمين الى دمشق عام 635م كان في قسمي دمشق 35 كنيسة متوزعة بالتساوي تقريبا بين شطري المدينة الشرقي بدءاً من باب شرقي،وبلدة اناطولي اليونانية كانت تقع شرق دمشق على ضفة بحيرة العتيبة وكان سكانها يونان بقوا حتى القرن العاشر لذا نقول ان الباب الشرقي نُسب الى بلدة اناطولي اليونانية وتعريبها الشرقية، و الشطر الغربي بدءا من قوس النصر التترابيل بجانب بطريركية الروم الارثوذكس اليوم في الشارع المستقيم الى باب الغربي او باب الجابية نسبة الى بلدة الجابية في حوران العاصمة الدينية للغساسنة. عند التترابيل نتخيل ان شارعا مستقيما كان يبدأ من الباب الصغير جنوب دمشق، وينتهي عن باب السلامة او باب السلام وباب الفراديس (الجنان لجمال الموقع بين الخضرة والمياه) شمال دمشق عند القوس التقاطع، وهذا التقاطع كان يقسم دمشق الى اربعة ارباع، وكان الجزء الممتد من قوس النصر الى باب الفراديس يدعى درب مريم، نسبة الى كنيسة مريم آيا ماريا التي عكست اسمها هذا على الحي المحيط بالكنيسة بأكمله وحملت المحلة اسم آيا ماريا ومع تمادي الزمان منذ القرن 13 تم تحوير الاسم الى القيمرية، كما حصل في بلدة داريا التي كانت دار الرؤية نسبة الى رؤية القديس بولس كما ورد في سفر اعمال الرسل.. كما اسلفنا اعلاه.
عاصمة الخلافة الاموية
على الرغم من أن العرب المسلمين دخلوا دمشق إلا أنهم في البداية لم يسعوا الى تغيير تخطيط دمشق.. وكانوا يشاركون السكان الاصليين وكلهم مسيحيون في بيوتهم، فأصحابها يسكنون الطبقات العليا وهم يسكنون في ارضية هذه البيوت، وخاصة في محيط كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، وقد حولوا جزءا من شرق الكاتدرائية المطل اليوم على النوفرة الى مسجد اسلامي ومصلى لهم، وقام معاوية وهو اول والي مسلم لدمشق بتحويل قصر والي دمشق الرومي الى قصر الولاية وسكنه، وهو المعروف بقصرالخضراء وجعله دار ولايته دار ولايته ثم دار الدولة عندما اسس الامبراطورية الاموية. وكان ذلك في عام 661م، وانتابه التداعي والخراب زمن الانقلاب العباسي ونهاية الدولة الاموية، وفي منتصف القرن 18 م جدده والي دمشق اسعد باشا العظم وجعله دار ولاية دمشق العثمانية.
ولمدة اقل من قرن تقريبًا بعد ذلك، عملت المدينة كعاصمة للإمبراطورية الاموية التي امتدت من الاندلس غربا إسبانيا حالياً إلى غربي الصين الحالية، وهي الأوسع نطاقًا من أي إمبراطورية تم تحقيقها في التاريخ الإسلامي.
منذ السّنوات الأولى لدخول العرب المسلمين (14هـ/635م) أخذت المدينة تتحوّل تدريجياً من مدينة آرامية ، نبطية، رومانية، رومية إلى مدينة عربيّة بوجه اسلامي، وحلّ الصحابة المرافقون للجيوش وأمراء العرب المسلمين وكبراؤهم في الدّور والقصور التي أخلاها اصحابها الروم من حكّام وقوّاد، والسكان الروم الذين خرجوا مع جيوش الروم المنسحبة من مدينة رومية بدءاً من دمشق الى المدن اليونانية حمص حماه حلب فأنطاكية وكان خروجهم كما اعتقدوا مؤقتا سيعودون بعد انكفاء المسلمين الى مدنهم. فتوزّع المسلمون في جميع أنحاء المدينة في دور هؤلاء، ولم يكن لهم وقتئذ أحياء خاصّة بهم وأخرى للمسيحيين، كما سيحدث فيما بعد. ودليلنا على ذلك أن ابن عساكر يعدّد دوراً للصّحابة كانت في محلّتي باب توما وباب شرقي، وهما من الأحياء المسيحية اليوم ومنذ قرون. كما أن المسلمين شاركوا المسيحيين في المعبد القديم، فأصبح يضمّ كنيسة في الجانب الغربي، ومسجداً للمسلمين في الجانب الشرقي، حيث أقيمت طقوس العبادتين ضمن بنائين متجاورين يجمعهما سور خارجي واحد.
وظلّت هذه الحال من التجاور بين العبادتين أكثر من نصف قرن، إلى أن شرع الوليد في تحقيق مشروعه المعماري الضخم، محولا كاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان التي كانت تشكل ربع دمشق القديمة في مساحتها الى جامع شاء ان يجعله اكبر حواضر الاسلام في العالم الاسلامي وكان ذلك العام 705م.

ثمّ أخذوا في التجمّع حول الجامع الأموي وإقامة المباني والقصور والمحالّ العامّة، في السّاحة الواسعة المحيطة بالمعبد القديم والتي بُدئ بتخصيصها للأغراض العامّة منذ العصر الرومي. فحول معاوية دار والي دمشق الرومي وجعله قصره واسماه قصر الخضراء كما مر، وهو اليوم قصر العظم، وكان ممتدا إلى جوار الجدار الجنوبي للكاتدرائية-الجامع وحيث كان باب الكاتدرائية وهو باب الجنوبي اليوم للجامع وكان والي دمشق الرومي في العهد الرومي يدخل منه صباح كل يوم قبل البدء بالعمل اليومي للصلاة ، تتصل به بباب خاص. ويروي ابن عساكر مؤرّخ دمشق في القرن السادس الهجري أن “معاوية بنى قصره بالطوب، فلمّا فرغ منها قدم عليه رسول ملك الرّوم فنظر إليها، فقال معاوية: كيف ترى هذا البُنيان؟ قال: أمّا أعلاه فللعصافير، وأمّا أسفله فللفئران. قال: فنقضها معاوية وبناها بالحجارة”.
ومن الجدير ذكره ، ونظرا ً لمهارة مسيحيي دمشق من روم وسريان في البناء والعمران والفسيفساء فهم الذين امرهم الوليد بهدم الكاتدرائية، وقد احجموا عن تلبية اوامره لخوفهم من غضب الله وكما في ابن عساكر اخذ معاوية المعول بيده وهدم به اولا مذبح الكنيسة وهو يقول فليغضب علي الله… فصاح المسلمون وتلعهم اليهود في تهديم كنيسة القديس يوحنا العمدان.
والذي قام ببناء الجامع هم المهندسون والعمال الدمشقيون المسيحييون من روم وسريان، وهم من بنى قصر الخضراء قصر معاوية قبلاًالتي كانت اول دار عربية اسلامية زمن معاوية. واقتدى الوالي معاوية بوالي دمشق الرومي فكان يؤم مصلى الكاتدرائية صباح كل يوم للصلاة قبل بدء العمل وكان يدخل من باب الكاتدرائية الجنوبي( المطل اليوم على ساحة الصاغة القديمة) ويجتاز الكاتدرائية الى مصلى المسلمين الواقع شرق الكاتدرائية مطلاً على النوفرة ( اليوم).
هذا جلّ ما نعرفه عن أوّل بيت عربي في دمشق. وتشير الرّوايات إلى أنّ للدار جناحاً خاصّاً بأهل الخليفة، وجناحاً آخر يستقبل فيه رجال الدّولة ويتناول طعامه فيه، ويخرج منه للصّلاة في الجامع. وتحوّلت الدّار بعده إلى دار للمُلك يقطنها مَن يتولّى الخلافة من بني أميّة، ثمّ تهدّمت في الغزو العباسي، وأصبح في مكانها دار للشرطة وضرب النّقود، كما شاهد ذلك الرحّالة المهلّبي في القرن الرّابع الهجري (العاشر الميلادي). ثم اتى عليها الحريق الشامل السنة 1068م مع الجامع الأموي فزالت آثار دار معاوية (قصر الخضراء) نهائيّاً، ليتحوّل مكانها منذ عام 1245م حتى عصرنا إلى سوق للصاغة ( سوق الصاغة القديم المحروق). وكانت دار عبد العزيز بن مروان وابنه الخليفة عمر بن عبد العزيز بحذاء جدار الجامع الشمالي مكان المدرسة السّميساطيّة اليوم.
ونعرف قصراً كان لهشام بن عبد الملك، في مكان المدرسة المجاهديّة داخل باب الحرير، أي في سوق القلبقجيّة، وقصوراً أخرى بنيت خارج السور، أحدها يُنسب إلى الحجّاج بن عبد الملك، وقد أطلق اسمه على الحيّ الذي نشأ بعد ذلك حول هذا القصر، وبالقرب منه قصر عاتكة بنت يزيد، ويسمّي الناس اليوم حيّاً من أحياء دمشق بقبر عاتكة (محوّراً على ألسنة العبّاسيين عن: قصر عاتكة)، وكان “بستان هشام” الذي تتغنى به فيروز في قصيدة “سائليني ياشآم” هو في منطقة الزبداني والصفوانية ( الصوفانية اليوم) وهو بستان غنّاء جميل جداً، وفيه احد قصور هشام…
واقام الخلفاء والامراء الامويون قصورا في كل مكان في سورية وشرقي الاردن وفي عنجر( لبنان حالياً)،وفلسطين، وهي كما يجمع المؤرخون المعاصرون انها عبارة عن تحفٍ فسيفسائية، ونقوشٍ حجرية، ورسوم ملونة… متقنة جداً: ( قصر سيس، قصر عنجر، قصر الحير الغربي، قصر الحير الشرقي، قصر الرصافة، المشتى، وقصر بن وردان، قُصير عَمرة، قصر الأزرق، القصر الأبيض… وذلك للنزول فيها من وقت لآخر في الربيع والخريف، لينعموا فيها بهواء البادية المنعش النقي، ويتكلموا العربية الصافية، بعدما افسد صخب مدينة دمشق لغتهم العربية، وللتخفيف والتحلل من اعباء الحكم والمدينة والتقاليد الحازمة، وينعمون فيها باللهو والصيد…لذا تصورهم رسوم الفريسك في هذه القصور وهم يصطادون، لكن كان من الخلفاء من هو رصين لاتنطبق غليه هذه السلوكيات كمعاوية ومروان بن الحكم، ومنهم من كان ورعاً كعمرو بن عبد العزيز الذي عاش اشبه يعيش الرهبنة في دير سمعان العمودي. فأكثر هذه القصور تُنسب إلى هشام ويزيد وأولاد عبد الملك، الذين طال حكمهم، واشتهروا بميلهم إلى الإنشاء والتعمير. ويروي المؤرخون أن الناس كانوا إذا التقوا ببعضهم في أيّام الوليد وهشام، كان حديثهم عن العمارة وفنون البناء.
والذي يمكن لنا الخروج به بثقة من خلال مصادر المؤرّخين، أن مدينة دمشق في العهد الأموي كانت ترفل بأبدع حلّة وأجملها بعد أن نعمت بالمركز الممتاز، والخير العميم، والازدهار الاقتصادي. ويحدّثنا المؤرخون عن أحواض المياه والنواعير والسّقايات التي كانت منبّثة على أطراف الشوارع، وعلى أبواب المباني العامّة، وفي الأسواق والسّاحات، وعند أبواب المدينة. ولقد عدّد ابن عساكر عشرين منها كانت باقية إلى عهده، يرجع أكثرها إلى عصر بني أميّة.
ويُنسب إلى الوليد (معمار بني أميّة) عنايته ببناء المُستشفيات، فبنى بدمشق البيمارستان (والكلمة فارسية: بيمار-استان) عند الزاوية الجنوبية الغربية للجامع الأموي، عُرف فيما بعد بالعتيق، ثم جُدّد في عهد اتابكة السلاجقة وسُمّي بالدُّقاقي نسبة للأمير شمس الملوك دُقاق بن تُتُش بن ألب أرسلان الذي حكم دمشق عام 1095م.

ومن المباني الهامّة دار الخيل التي بُنيت أمام قصر الخضراء إلى الغرب من سوق الصاغة (القديمة).
وأخيراً فإن استتباب الأمن وما حازت عليه دمشق بكونها عاصمة الدولة من رخاء وازدهار، كان لابُدّ من أن يؤدّي إلى اتّساع المدينة. وبدأت منذ ذلك العهد تنشأ أحياء سكنيّة خارج الأسوار أخذت تنمو وتكبر كلّما ساعدتها الظروف (يذكر منها ابن عساكر: قينية والقطائع ولؤلؤة الصغرى والكبرى والمنيبع). كما ظهرت في أطراف المدينة وضواحيها مراكز سكنيّة عُرفت بمنازل القبائل، وامتدّ البناء على ضفاف بردى وسفوح قاسيون، وظهرت الجواسق (المقاصف) والطوارم (جمع طارمة: بناء خشبي كالطيّارة في لغة عصرنا، وكان من مصطلحات البناء حتى القرن التاسع عشر: الطرمة). وفي أيام يزيد بن مُعاوية شُقّ نهر يزيد، فساعد هذا النهر على امتداد الخضرة والعمران إلى أعالي السّفح، فضلاً عن إحياء عدد من القرى في الشمال الشرقي من دمشق، وإرواء الجواسق والمنازل التي أقيمت على ضفافه..
ولقد تخرّبت هذه المنازل والأرباض في الفتن والحروب التي تلت العهد الأموي، قال ابن عساكر بشأنها: “وقلّ موضع حُفر فيه إلا وُجد فيه أثر العمارة من سائر أطراف البلد”. وذكر منها في الجنوب: الشاغورتعني اسم المنطقة التي تجري فيها المياه تحتها. ، والمنية (في الميدان)، وقصر حجّاج، وعايلة وعويلة (عند القدم). وفي الغرب القنوات، وقينية، ولؤلؤة الكبرى، ولؤلؤة الصغرى، وصنعاء، والنّيربان، والمزّة. وفي الشمال بيت لهيا، والسبعة أنابيب (عند القصّاع اليوم)، والفراديس.
وكان هناك ميدانان عامّان، أحدهما في الجنوب وهو (ميدان الحصى) (الميدان اليوم)، والآخر في الغرب ويُعرف بالمرج الأخضر، حيث أقيمت مدينة المعرض الدولي (القديم) في عصرنا عام 1953 والملعب البلدي، وبقيت به إلى الأمس القريب. وكانت تقام فيهما حفلات لسباق الخيل والفروسية التي أغرم بها الأمويّون وخاصّة عبد الملك والوليد. إضافة الى مرج الحشيش (مطار المزه، وهو مطار دمشق القديم الذي كانت قد حطت فيه اول طائرة بدمشق الغام 1913 وكانت عثمانية ويقودها ملازمان في الجيش العثماني وسقطن وتحطمت وقتل طياراها الملازم الأول صادق بك ورفيقه زباشي فتحي بك، دفنا في دمشق بالقرب من ضريح صلاح الدين الأيوبي، وتم ترميم ضريحهما في عام 2009
ميدان الحصى والمرج الاخضر كانت تقام بهما حفلات سباق الخيل والفروسية التي أُغرمَ بها الأمويون وخاصة الخليفة عبد الملك وابنه الخليفة الوليد، واستمر ميدان الحصى ميدانا لهذه الفعاليات الرياضية حتى القرن 18 الى حين بدء استيطان واعمار هذه المنطقة ونشوء ضاحية الميدان بفعالياتها التجارية والسكنية كبوابة تبادل ارزاق بين دمشق وحوران. وهكذا كانت هذه الرياض الغنّاء والجواسق البديعة التي تحيط بدمشق تفيض بالحيويّة والنشاط، تغنّى بها شعراء كثيرون وألهمت الفنّانين والصنّاع، فظهر أثر ذلك في إنتاجهم الذي نجد له مثالاً حيّاً في فُسيفساء الجامع الأموي الداخلية الرائعة.
وهنا يمكننا أن نقرأ وصفاً حياً لدمشق وطبيعتها آنذاك، كتبه الرّحالة المهلبي الذي زار دمشق في القرن الرابع الهجري: “وبظاهر دمشق وادي البنفسج ونهر بردى يشقه، مكان مملوء بشجر السّرو لا تصل الشمس إلى أكثر أرضه، وبدمشق عدّة ألوان من الورد، منها أفر إبريز، وأسود، وسُمّاقي، وورد موجّه، للورقة لونان من خارجها وداخلها، وليس الزهر على وجه الأرض ببلد أكثر منه بدمشق”.
ولابدّ أخيراً لاستكمال البحث من ذكر المقابر التي أحدثت خارج أبواب المدينة، فلقد اشتهر منها ثلاث: الأولى مقبرة باب توما في الشرق، والتي تُعرف اليوم بالشيخ أرسلان وكانت ديراً رهبانياً وفيه مقر اسقفية دمشق باسم دير القديس سمعان او شمعون،مقراسقفية دمشق السريان، وقد حل فيه خالد ، والثانية عند الباب الصغير في الجنوب وتضمّ قبور عدد من الصحابة والخلفاء الأمويين، ثم مقبرة باب الفراديس في الشمال.
اما مقابر اليهود المعروفة بالطبالة (بتسكين الط) فهي تقع شرقي المدينة وكانت واسعة جداً ( ولاتزال) لأن اليهود يدفنون الميت في قبر كبير ويضعون عليه حجارة كبيرة، وهي اليوم تقع بعد مقابر المسيحيين وتطل على طريق العودة من مطار دمشق الدولي.
اما مقابر المسيحيين فد بدأ وجودها العام 35مسيحيةزمن عماد شاول وتصييره بولس بيد حنانيا الرسول في بيت يهوذا الدمشقي الكائن في مدخل حارة النقاشات، مئذنة الشحم مقابل البزورية حالياً، وفقاً لتحديد مؤرخ الشام الشهير الخوري العلامة ايوب نجم سميا (كاهن رعية القصاع الارثوذكسية منذ العام1930الى شباط 1968 وكاهن كنيسة الصليب المقدس من تاريخ احداثها العام 1932) وصار بملكية الطبيب الدمشقي الشهير د. اسعد الحكيم مؤسس مستشفى الامراض العقلية بدمشق.

وماهو الترابط بين عماد شاول والمقبرة الدمشقية المسيحية؟
المقبرة المسيحية نشأت عندما تم تهريب بولس الرسول من غدر اليهود بأن تم تهريبه من فوق باب بولس بوضعه بزنبيل كبير (سل) من قبل جاورجيوس بواب الباب بالتعاون مع مسيحيي دمشق، فكان جزاء البواب القتل رجماً، عندها دفنه المسيحيون باكرام، وفي مكان دفنه هو مقام القديس جاورجيوس / مقبرة القديس جاورجيوس، حيث دفن المسيحيون موتاهم في محيط قبر جاورجيوس البواب كالعادة بالدفن في محيط قبور الشهداء والقديسين، ومع تمادي الزمان تحول الموقع في الذاكرة الشعبية من اسم الشهيد جاورجيوس البواب الى اسم القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس فذاك مغمور بينما هو ( العظيم من الشهداء) وقد تم التثبيت خاصة لما تم احداث جمعية القديس جاورجيوس الارثوذكسية لدفن الموتى وهي الجمعية الرومية التي تأسست كأخوية كنسية تولت دفن وايواء شهداء 1860 في المكان وتم تثبيتها كجمعية في العام 1888،
مقبرة المسيحيين كانت في العهد العثماني تدعى تل العظام في المنطقة العقارية بساتين شاغور هذه كانت واحدة للجميع حتى العام 1892 عندما تم تقسيمها بين الطوائف المسيحية حسب عدد كل طائفة، من قبل ولاية دمشق، بناء على طلب من هذه الطوائف، حيث تم نقل رفات موتاها الى مقابرهم المخصصة. وكان وقتها مقبرة صغيرة في تل العظام خاصة بسكان محلة الميدان الارثوذكس ولهم جمعية دفن باسم:” جمعية القديس حنانيا الرسول لدفن الموتى” هذه المقبرة وتحمل اسم القديس لم يطالها التنظيم المحكي عنه ثم استبدل الدفن فيها بالدفن في مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية للدمشقيين، بعدما تم ضم محلة الميدان التي كانت تتبع الى ابرشية بصرى حوران وجبل العرب الى ابرشية دمشق.

ودير القديس حنانيا الرسول، وهو اساس كنيسة القديس حنانيا الرسول في الميدان الوسطاني حارة القوره شي، وكان الامبراطور يوستنيانوس الاول هو الذي بنى هذا الدير هناك قريبا من دير الرؤية لترابط القديسين حنانيا وبولس الرسول، والامبراطور هذا بنى العديد من الاديرة مطلع القرن السادس منها دير سيدة صيدنايا، ودير العصافير في غوطة دمشق الشرقية، ودير السيدة العذراء في الشمال الشرقي في منطقة عدرا ( المحرفة تسميتها عن العذراء)، ودير القديس جرمانوس في الغوطة الشرقية وتحرف الاسم الى جرمانا، ودير القديسين الشهداء الاربعين في جبل قاسيون وكان كهفاً وفيه مثوى الشهداء الاربعين، وقد جعل مزاراً اسلامياً مابعد العهد الفاطمي، ودير الصالحية في الجسر الأبيض، وقد تحول في العهد المملوكي الى مسجد الصالحين بعد هجرة مشايخ من نابلس وتحويلهم للدير الى جامع ومدرسة صوفية، وشكل البناء الحالي يؤكد كينونته السابقة كدير…ووون وفي داخل دمشق القديمة وبالقرب من كنيسة مريم في درب مريم الممتد من قوس النصر الى باب الفراديس كان دير السيدة لليتيمات والراهبات (منطقة الخمارات حالياً هو مقر جمعية القديس بندلايمون لليتيمات) وهؤلاء اليتيمات يصرن راهبات باسم رهبنة السيدة. والمنطقة المحيطة بكنيسة مريم ( المريمية) حملت اسم القديسة مريم ايا ماريا باليونانية ( المريمية- القيمرية)

اما كنائس الشام فكان عددها قبل دخول المسلمين 35 كنيسة مناصفة بين شطري المدينة الشرقي والغربي، تحولت كنائس القسم الشرقي عند دخول المسلمين حرباً من الباب الشرقي الى مساجد وفق شريعة الفتح، بنما بقيت نصف كنائس الشام في القسم الغربي على حالها ومن بينها كاتدرائية دمشق/ كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، وفيها رأس القديس على المائدة المقدسةمنذ العام 452م ليشفع بدمشق، كون دخول المسلمين اليه صلحا بالتوافق بين سرجون النصراني ( جد القديس يوحنا الدمشقي) وابو عبيدة بن الجراح الذي دخلها صلحا مع قواته من باب الجابية، ولقاء طرفي الجيش بقيادة خالد بن الوليد وابي عبيدة بن الجراح عند كنيسة مريم، فهذه عدت من املاك الدولة لوقوعها على الخط الفاصل بين القسمين الشرقي المفتوح حرباً والغربي المفتوح صلحاً، وتبعاً لذلك اغلقت…منذ العام 635 الى 705 عندما بدأ الوليد بن عبد الملك بتحويل كاتدرائية القديس يوحنا الى جامع بني امية الكبير، عندها احتج المسيحيون لأنه لم يبقَ لهم كنيسة في القسمين يصلوا فيها، عندها امر باعادة كنيسة مريم للمسيحيين الروم بقوله:” اننا نعوض على النصارى بكنيسة مريم بدلا من كنيسة يحي”. وكانت نسبة المسيحيين وقتها 60% من عدد سكان دمشق، فأقام المسيحيون مطرانيتهم الرومية الملكية الارثوذكسية في حرم كنيسة مريم، وجعلوا كنيسة مريم كاتدرائيتهم بدلا من كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، والكاتدرائية كلمة يونانية تعني كنيسة السدة البطريركية او الاسقفغية.
وكان البطريرك الانطاكي يقيم في مدينة انطاكية، ومطران دمشق يليه في صدارة المجمع المقدس حيث كان يجلس عن يمين البطريرك. وفي حربه ضد الفرنجة دمر الظاهر بيبرس مدينة انطاكية،عام 1268 فتابع كرسي انطاكية وبطريركها التيه الذي بدأ بغزوة الفرنجة عام 1094م وبقي سائحا الى عام 1345 عندما نقله البطريرك اغناطيوس الثاني الى دمشق نظراً لأهميتها الحضارية والاجتماعية والاقتصادية واساساً الدينية فقد وجدت فيها اول جماعة مسيحية بعد فلسطين عام 35 وانطلقت منها البشرى المسيحية مع شاول المهتدي بولس الرسول الى العربية اولا ثم الى الشمال السوري فأنطاكية وعمت كل المشرق، وكان اسقفها كما بينا يلي البطريرك في انطاكية…
تراجع أهميتها
وبعد سقوط الأمويين في عام 750، نقل الخليفة العباسي عاصمة الخلافة إلى بغداد.
وتراجعت دمشق إلى وضع مدينة إقليمية، خاضعة للعقوبات من قبل السلالة الجديدة بسبب ثوراتها العديدة ونهب المباني الأموية وتفكيك تحصينات المدينة.
ومع تغير طرق التجارة، فقدت دمشق أيضًا الكثير من بروزها الاقتصادي، ولم يتحسن الوضع مع انتقال السيادة من بغداد إلى القاهرة في أواخر القرن التاسع، أو عندما تناوب الأتراك على حكم دمشق سواء بشكل مستقل أو تحت السيادة الاسمية للفاطميين خلال معظم القرن الحادي عشر.
وفرضت الفرنجة بحروبهم المسماة صليبية وهي تسمية ظالمة لمسيحيي المشرق (اذ كانت راية الصليب رمزا حربيا كالنسر الروماني والنسر الرومي ذي الرأسين ولم تكن رمزاً دينياً لأن الصليب اداة محبة وليس اداة قتل، كما ان المسيحيين المشرقيين عانوا خلال قرني الغزو الفرنجي الامرين من ظلم الفرنجة الغزاة ومحاولاتهم لتننة (جعلهم لاتين) ارثوذكس المشرق من روم ومن مسيحيين شرقيين… وعانوا الامرين اكثر بعد طرد الفرنج من ظلم المماليك واومجازرهم بحقهم لانهم على دين الفرنجة وتدمير انطاكية وغيرها…)
لقد فرض الفرنجة تهديداً خطيراً على دمشق في نهاية القرن الحادي عشر ولعبت قلعة دمشق دوراً مع اسوار المدينة في الدفاع عنها، ورغم أن دمشق تمكنت من الإفلات من الاحتلال المباشر، إلا أنها تحملت العديد من الهجمات والحصار.
وخلال هذه الفترة، أعيد بناء أسوار المدينة ببوابات معززة، وتم ترميم قلعة دمشق وترميم اسوارها وهي في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة بعد ان تداعت بضربها بالمجانيق بكثافة.
وبحلول القرن الثاني عشر، تم تقسيم المدينة إلى مجتمعات منفصلة، حيث تم تجهيز كل حي بوسائل الراحة الخاصة به، بما في ذلك المسجد والحمام والفرن العام وإمدادات المياه المستقلة والأسواق الصغيرة التي كانت خلف الابواب وخاصة باب توما وسواه وتسمى سويقة او باشورة، وظل المسجد الكبير والسوق المركزي من رموز وحدة المدينة، وانتشرت خانات البضائع والتجار المتاجرين مع دمشق على جانبي الشارع المستقيم الممتد من باب شرقي الى باب الجابية.
في الذاكرة الأندلسية الاموية
عندما وصل الأمير عبد الرحمن (الداخل) بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وفتح اسبانيا ووصلوا الى جبال البيرينة في فرنسا وقد توقفوا بعد معركة بلاط الشهداء، وبذر النواة الأولى للحضارة الإسلامية الشامية فيها؛ حرص منذ قيام دولته عام 756 م على تجديد ما اندثر من حضارة بني أمية في المشرق، ونقْلِ النظم الإدارية المعروفة في المشرق الإسلامي في العهد الأموي، وتطبيقها في الأندلس تطبيقاً مشابهاً وعملياً على نحو يثير الإعجاب.

وكان من الطبيعي أن يتأثر أهل الأندلس بأبرز مظاهر الحضارة الإسلامية في الشام، فالحياة الأدبية في الأندلس كانت صدى لحياة الشام الأدبية.
والحياة الاقتصادية من زراعية وصناعية وتجارية اعتمدت على الوطن الأم ثم تميزت بعدها بمميزات جديدة، فالمزروعات التي عرفت في بلاد الشام انتقلت إلى الأندلس، وإذا كان الفضل يعود إلى الشاميين في نقل هذه الغروس إليها؛ فإليهم يعود الفضل من جهة أخرى في نقل واعتماد وسائل الري في الأندلس. ويبدو دور الشام كبيراً في مجال تطوير الصناعة في الأندلس؛ لأن معظم الصناعات التي انتشرت واشتهرت فيها كانت معروفة في بلاد الشام. أما التجارة فبقيت من الحرف الرائجة بينهما بشكل حيوي وقوي، وكان التجار من كلا القطرين الشامي والأندلسي يجوبون سواحل البلدين محملين بالبضائع، ويشكلون تعاملاً اقتصادياً ملحوظاً رغم انعدام الصلات السياسية.
والواقع أن الداخل حاول أن يجعل من عاصمته قرطبة صورة من العاصمة الاموية دمشق، من حيث منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية وأشجارها وقصورها ومساجدها ومواقع مبانيها. وفي ذلك يذكر المقري في نفح الطيب أن الداخل «لما تمهد ملكه شرع في تعظيم قرطبة», فجدد مغانيها، وشيد مبانيها، وحصنها بالسور، وابتنى قصر الإمارة والمسجد الجامع ووسع فناءه، وأصلح مساجد الكور، ثم ابتنى مدينة الرصافة وجعلها منتزهاً له، واتخذ بها قصراً حسناً، وجناناً واسعة، نقل إليها غرائب الغراس، وكرائم الشجر من بلاد الشام وغيرها.
وقد أظهر الأمير عبد الرحمن حنينه إلى وطنه ومسقط رأسه من خلال أشعاره وأسماء قصوره، لذا نجد أن عصره خضع للتأثيرات الشامية بصورة واضحة، وظهر ذلك من منشآته التي أقامها بقرطبة تجديداً لملك أجداده في المشرق، كي يصبغ الحضارة الأندلسية بالتقاليد الشامية لتكون استمراراً وامتداداً لحضارة الأمويين في بلاد الشام.
ويذكر المقري أن عبد الرحمن الداخل «لما استقر أمره وعظم؛ بنى القصر بقرطبة وبنى المسجد الجامع، وأنفق عليهما.. وبنى بقرطبة الرصافة تشبهاً برصافة جده هشام».
ولقد حاول عبد الرحمن الداخل ومن جاء بعده حتى عصر الخليفة عبد الرحمن الناصر 350هـ؛ أن يجددوا في الأندلس ما طمس من آثار بني أمية في المشرق من معالم الخلافة، وما انقرض من آثارها، وأن تطعم الحضارة الأندلسية بالتقاليد الشامية حتى تكون استمراراً لحضارة بني أمية في الشام، وتدفقت بعد ذلك التيارات الحضارية القادمة من الشام في كل مجالات الحياة.
وكان أهل الأندلس يتفقهون على مذهب الإمام الأوزاعي (إمام أهل الشام)، ثم انتقلوا إلى مذهب الإمام مالك. ولقد اجتهد حكام الأندلس في رعاية مختلف العلوم والفنون، فجمعوا فيها أعلام العلماء وسادات الفضلاء، حتى صُنفت التصنيفات الفائقة، واقتُنيت الكتب النادرة، وجُملت المباني والحدائق؛ فأصبحت الأندلس بحق منافسة لبلاد الشام.
المؤثرات الشامية في الحياة الأندلسية
فُتِحت الأندلس سنة 710م على يد القائد طارق بن زياد، وظلت بذلك إحدى ولايات الدولة الأموية حتى سقوطها سنـة 132هـ، وارتبطت الأندلس ببلاد الشام ارتباطاً وثيقاً، وكثر أهل الشام في الأندلس خصوصاً بعد دخول طالعة بلج بن بشر القشيري سنة 123هـ/740م مع آلاف من أهل الشام وجند مصر، واستقرت غالبية هذا الجيش في الأندلس، وكل مجموعة استقرت في الموقع الذي يشبه إقليم بلدهم؛ فأقام أهالي دمشق في البيرا (غرناطة)، وأهالي حمص بالقرب من أشبيلية، وأهالي قنسرين في جيان.
وعلى صعيد المؤثرات الشامية والتشابه بين الشام والأندلس، فقد تبين أن موقع مدينتي غرناطة وقرطبة يشبه إلى حد كبير موقع مدينتي دمشق وبغداد، فدمشق تقع على الضفة اليسرى لنهر بردى، وقرطبة تقع على الضفة اليسرى لنهر الوادي الكبير، ويطل على دمشق جبل قاسيون بينما يطل على قرطبة جبل الشارات، بالإضافة إلى التشابه بين البلدين في بيوتهما وأساليب الحياة فيهما، وقد صدق قول الجغرافيين العرب بأن الأندلس شامية في هوائها، وشامية في حياتها، ومن ذلك قول المقري في نفح الطيب: «الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمنية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جباياتها، صينية في معادن جواهرها، عدنية في مناخ سواحلها..»، أما شكيب أرسلان فيقول نقلاً عن الشقندي: «غرناطة، دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل». وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس وتسمى بدمشق الأندلس لأنها أشبه شيء بها، ويشقها نهر حدرة، ويطل عليها الجبل المسمى بشلير، وقد نزل بها أهل دمشق لما جاؤوا إلى الأندلس لأجل الشبه المذكور.
الشاميون في الأندلس
أرسل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك كثيراً من القبائل العربية التي سكنت بلاد الشام إلى شمال إفريقيا للقضاء على ثورات البربر، وكانوا بقيادة كلثوم بن عياض القشيري، وبلغ عددهم نحو ثلاثين ألف رجل، وقد هزمهم البربر وقتلوا قائدهم كلثوم في معركة بقدورة بالقرب من نهر سبو سنة 124هـ/741م، أما الناجون منهم فقد توجهوا بقيادة بلج بن بشر -ابن أخي كلثوم- إلى جهة المغرب فدخلوا سبتة وتحصنوا فيها، وحاصرهم البربر لمدة تسعة أشهر، وخربوا المناطق المحيطة بهم، واقفرَّ ما حولها مسيرة يومين، حتى كاد بلج وأتباعه الذين كانوا يبلغون نحو عشرة آلاف أن يهلكوا من قلة موارد العيش، فاضطروا إلى أكل دوابهم وأضحوا على شفير الموت.
وكان يحكم الأندلس في تلك الأثناء الوالي عبد الملك بن قطن الفهري، وقد التمس بلج بن بشر عدة مرات من واليها أن يسمح له ولرجاله بالعبور إلى الأندلس ولكنه رفض طلبهم بشدة، وكان عبد الملك بن قطن يخشى من دخول الشاميين، وإبعاده عن ولاية الأندلس، التي كانوا يعدونها بلدة خاصة بهم، فخافوا من استقرار عشرة آلاف رجل في أراضيهم، وهكذا رفض عبد الملك كل التماسات أهل الشام، كما منع إرسال أية معونات إليهم، وعاقب بقسوة الذين تجرؤوا على شحن الأطعمة لهم، ولكن تطور الأحداث اضطر الوالي عبد الملك بن قطن إلى تغيير رأيه، فقد أثَّرت أحداث شمال إفريقيا على الأندلس، وخاصة بعد أن تمرد البربر على العرب في هذه الولاية، وعندما لم يستطع القضاء على تمردهم أيقن بضرورة دخول الشاميين إلى الأندلس، فعقدوا اتفاقاً معه على أن يسلموا إليه عشر رهائن من كل جند ضماناً لمغادرتهم الأندلس خلال عام بعد انتهاء ثورة البربر، وبالمقابل تعهد عبد الملك بنقلهم أثناء عودتهم إلى شمال إفريقيا في مجموعة واحدة دون أن يتعرضوا لحظر البربر.
فعبر بلج بن بشر إلى الأندلس، واستطاعوا أن ينتصروا على البربر فيها، وراقت لهم الحياة في الأندلس ورفضوا مغادرة البلاد. وهنا نشب صراع شديد بين أهل البلد أتباع عبد الملك بن قطن وبين الشاميين أتباع بلج بن بشر، واستمر هذا الصراع حتى وصل إلى الأندلس والٍ جديد هو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وذلك سنة 125هـ/742م.
وحرص أبو الخطار منذ بداية ولايته على تهيئة جو مناسب لاستقرار الشاميين في البلاد، ولم تكن هذه المهمة سهلة، لذا فقد قام بمنح الشاميين إقطاعات من الأرض في مناطق لم يستقر فيها البلديون بعد، حتى يتمكن الشاميون من الاستقرار تحت إمرة زعمائهم، وليكونوا متهيئين للجهاد والخدمة في الجيش وقت الحاجة إليهم.
وقد جرى توزيع الشاميين في الأندلس على غرار تجمعاتهم السابقة في بلاد الشام -أي على نظام الجند، وتحرى أبو الخطار أن يكون استقرار كل مجموعة في مكان يحمل بعض التشابه للمكان الأصلي الذي كانت تنتمي إليه في بلاد الشام، فاستقر جند دمشق في البيرة، وجند حمص في إشبيلية ونبلة، وجند قنسرين في جيان، ووزع جند فلسطين بين شذونة والجزيرة الخضراء، وجند الأردن في رية. أما أولئك الشاميون الذين سكنوا في مناطق مختلفة بين البلدين قبل ترتيبات الاستقرار التي وضعها أبو الخطار؛ فقد بقوا في أماكنهم الأولى، ولهذا سموا بالشاذة ؛ لأنهم شذوا في أماكن استقرارهم عن بقية إخوانهم الشاميين.
وأدى وصول الشاميين واستقرارهم في الأندلس إلى تغيير ميزان القوى في البلاد لصالح المسلمين، ومن هنا قام أبو الخطار بإعطاء ثلثي الأراضي والمزارع إلى الشاميين، وأبقى الثلث الآخر للسكان الأصليين والبلديين الذين استمروا في الزراعة بناءً على اتفاقية عبد العزيز بن موسى بن نصير وتدمير، في منطقة مرسية.
ولم يُطالَب الشاميون بالقيام بالتزامات أخرى ما عدا الخدمة في الجيش والمشاركة في الجهاد عند الحاجة، وأُعفوا من أداء العشور على الأراضي التي يقيمون عليها، بينما كان يتوجب على البلديين وبقية المسلمين دفع هذه الضريبة، وفي العهود اللاحقة حصل الشاميون على امتيازات أخرى على حساب البلديين، الذين بدؤوا يفقدون سلطاتهم بالتدريج منذ دخول القبائل الشامية إلى الأندلس.
وكان الشاميون يتألفون من ثمانية آلاف عربي، وألفين من الموالي، وينتمون إلى مختلف العشائر اليمنية القدسية والمضرية، وإلى عشائر ربيعة، أما الموالي فكانوا ينتمون إلى أصول بيزنطية أو إلى بربر شمال إفريقيا، وقد تسموا بالموالي الشاميين تفريقاً لهم عن الموالي البلديين الذين دخلوا معهم، وكان موالي الشام على اتصال وثيق بالأسرة الأموية الحاكمة، فقد عُرِفوا أيضاً باسم موالي بني أمية. وتركز استقرار هؤلاء الموالي في البيرة وجيان، ومما يدل على كثرة عددهم في كورة البيرة إطلاق اسمهم على أحد وديانها الذي كان يعرف باسم وادي بني أمية.
أما بالنسبة إلى العشائر العربية الشامية فقد استقر العديد منها في كورة البيرة، خاصةً القيسيين. ومن هؤلاء عشائر محارب، وهوازن، وغطفان، وكعب بن عامر، وقشير, ونمير، ومرة، وفزارة، وسُلَيم. كما استقر أيضاً في منطقة البيرة بعض الأفراد الذين ينتمون إلى قبائل مضر وربيعة، ولكن عددهم لم يكن كبيراً. أما أهم القبائل اليمنية التي استقرت في البيرة وما جاورها، فهي قبيلة همدان التي كان بحوزتها إقليم كامل سمي باسمها، والذي يقع بالقرب من غرناطة، وقد استقرت بعض الجماعات التي تنتمي إلى غسان أيضاً في منطقة البيرة حيث كانت لهم قرية تُدعى غسان، واستقر قسم من هؤلاء أيضاً في منطقة أخرى تدعى وادي آشي، وقد حرص أبو الخطار على تنظيم القبائل اليمنية التي تشكل أغلبية جند حمص وفلسطين والأردن، والقبائل الحضرمية وجند مصر وغيرها، بوضعهم في الأماكن اللائقة بهم والقريبة منهم.
يقول ابن حيان: «أشار على أبي الخطار أرطباس قومس الأندلس وزعيم عجم الذمة ومستخرج خراجهم لأمراء المسلمين.. بتفريق القبائل الشاميين الغالبين على البلد من دار الإمارة بقرطبة إذ كانت لا تحملهم، وإنزالهم بالكور على شبه منازلهم التي كانت في كور شامهم. ففعل ذلك عن اختيار منهم.. فأنزل جند دمشق كورةَ البيرة، وجند الأردن كورةَ جيان، وبعضهم بكورة تدمير، فهذه منازل العرب الشاميين، وجعل لهم ثلث أموال أهل الذمة من العجم طُعمةً.. فلما رأوا – يعني العرب الشاميين- بلداناً شبه بلدانهم بالشام؛ نزلوا وسكنوا واغتبطوا، وكثروا وتمولوا».
وصفوة القول إن الشاميين الذين أتوا مع بلج أصبح لهم مركز مميز، فهم رجال الأجناد وأهل الديوان، أُعطوا الأراضي، واستمروا في الزراعة، وأعفوا من العشور؛ فصارت الدولة الإسلامية الأندلسية، شاميةً بعد مجيء بلج، وأصبح أهل الشام هم أصحابها وذووا المكانة العليا فيها، وهذا ما يعرف في تاريخ الأندلس بالتقليد الشامي، وقد تمسك أمراء بني أمية بأصولهم وعاداتهم الشامية على طول تاريخهم، حتى أن الأمير محمد رفع الشاميين فوق غيرهم، وقرر لهم ذلك امتيازاً حافظوا عليه حتى منتصف إمارة عبد الرحمن الناصر على الأقل.
دمشق تنهض مجدداً
باستيلاء نور الدين بن زنكي، وهو أمير تركي، على المدينة في عام 1154 وجعلها مرة أخرى عاصمة لمملكة قوية وقاعدة لحملاته العسكرية ضد الفرنجة.
وانتعشت المدينة مجدداً وتعززت تحصيناتها، وأقيمت المباني الدينية والمدنية، وتم تقديم أشكال جديدة من العمارة، ونشأت أحياء جديدة للمهاجرين.
وعلى الرغم من بعض النكسات العسكرية والاقتصادية، استمرت المدينة في الازدهار في عهد صلاح الدين وخلفائه الأيوبيين، الذين حكموا هناك حتى عام 1260. وصار جيش دمشق من الاكراد الذين سكنوا في منطقة في سفح قاسيون ( حي الاكراد حاليا) وكانت بمثابة مستعمرة لهم
وتطورت دمشق إلى مركز ديني وتعليمي رئيسي، حيث تنافس الأمراء على بناء المدارس الدينية. وكانت الرعاية الأيوبية تتركز حول المسجد الكبير وفي الحي الكردي على سفوح جبل قاسيون، حيث انتقل العديد من الأكراد، نظرًا لقرابتهم العرقية مع الأيوبيين، للخدمة في الجيش.
وتعرضت دمشق وأجزاء كبيرة من سورية للغزو المغولي المدمر عام 1260، وانهار الوضع الاقتصادي فيها، ولكن نجح المماليك، الذين تولوا الحكم في مصر، في هزيمة المغول في موقعة عين جالوت في أيلول من عام 1260.
وتعافى الاقتصاد بسرعة بعد انسحاب المغول، وكان مزدهرًا بحلول بداية القرن الرابع عشر، واستمرت المدينة في التوسع إذ نما حي جنوبي جديد على طول الطريق المؤدي إلى حوران (سلة القمح في دمشق)، وفلسطين، ومصر، حيث تم تداول معظم صادرات المدينة من المواد الغذائية والسلع الفاخرة هو حي الميدان كضاحية اقتصادية وسكانية.
وتم تسهيل السفر التجاري من خلال العديد من الخانات (النزل) المنتشرة في الشارع الرئيسي. وقد نشأ حي شمالي جديد، سوق ساروجة، كمنطقة سوق حول القلعة، وبسبب قربها من القلعة، أصبحت هذه المنطقة الحي السكني المفضل للمماليك في القرن الخامس عشر، ثم في العهد العثماني سكنها القادة العثمانيون وصار الحي معهم يسمى اسطنبول الجديدة.

حروب وكوارث
لأكثر من 150 عامًا، كانت دمشق قاعدة للحروب بين المسلمين والفرنجة، وقد دُفن 4 من أشهر قادة المسلمين وهم نور الدين بن زنكي، وصلاح الدين، والعادل (شقيق صلاح الدين)، والسلطان المملوكي بيبرس في محيط المسجد الكبير.
وتتحد مقابرهم، التي تتميز بقباب كبيرة نسبيًا وبوابات مقوسة عالية مع المدارس الدينية حيث تعد المقابر من أبرز المباني في العصور الوسطى في المدينة، وقد تم ترميمها جميعًا خلال التسعينيات من القرن الماضي.
ولقد عانت دمشق من كارثتين كبيرتين متتاليتين في منتصف العصر المملوكي. كانت أولى هذه الكوارث، تفشي الطاعون بين عامي 1348 و1349، والذي قضى على ما يقرب من نصف سكان المدينة.
وكانت الكارثة الثانية نهب المدينة في عام 1401 على يد تيمورلنك، مصحوبًا بسياسته في ترحيل الحرفيين المهرة إلى عاصمته في سمرقند (في أوزبكستان الحالية).
وإلى جانب الإدارة التي وُصفت بالجشعة للمماليك في وقت لاحق، أدت هذه الكوارث إلى اقتصاد ضعيف انعكس سلبًا على شكل وبنية المدينة، وعلى الرغم من زيادة المساحة المبنية في القرن الخامس عشر، إلا أن التوسع كان يرجع في الغالب إلى الهجرة من المناطق الريفية الفقيرة.
وبالإضافة إلى ذلك، كانت المنطقة الحضرية الممتدة تخفي عددًا لا يحصى من قطع الأراضي المهجورة، والتي أطلق عليها اسم “الخربة” (غير مأهولة) في وثائق الوقف، حيث كانت الأنقاض بمثابة شهادة على الاقتصاد المفلس عشية الغزو العثماني من قبل السلطان سليم الأول في عام 1516.
فترة الاحتلال العثماني
في فترة الخلافة العثمانية، فقدت دمشق مكانتها السياسية، لكنها احتفظت بأهميتها التجارية.
وقد سهّل دمج الشرق الأوسط والبلقان في إمبراطورية واحدة التجارة الداخلية، لكن صعود التفوق الأوروبي في التجارة الدولية قلل من دور المدن السورية كمستودعات نهائية في التجارة البرية، وكان الحافز الرئيسي للأنشطة الاقتصادية في دمشق خلال الفترة العثمانية هو موسم الحج.
وكان السلاطين العثمانيون، الذين حصلوا على اللقب المرموق “حماة المدينتين المقدستين” (مكة والمدينة)، حريصين على تنظيم وتأمين الحج، وقد باتت دمشق، باعتبارها آخر مركز حضري على الطريق من الأناضول إلى مكة، كمحطة لقاء رسمية للحجاج القادمين من الشمال والشرق، ونتيجة لذلك، أصبح إيواء الحجاج خلال موسم الحج النشاط التجاري الرائد في المدينة.
وكان التطور الحضري المرتبط بالحج يتركز بشكل طبيعي على الطريق إلى مكة، وتطورت منطقة الميدان، وهي منطقة بأكملها تضم عدة أحياء وقرى، إلى الجنوب من المدينة، وأدى تشبع التجارة المربحة في وسط المدينة إلى زيادة بناء الخانات هناك.
القرن الـ 19

وبلغت هذه الطفرة في البناء ذروتها مع تشييد خانين ضخمين جنوب المسجد الكبير من قبل اثنين من أفراد عائلة آل العظم، وهما سليمان باشا وأسعد باشا، اللذين هيمنا على المشهد السياسي في القرن الثامن عشر.
وبشر القرن التاسع عشر بعصر جديد حيث تم الشعور بالهيمنة العالمية الأوروبية على المستوى المحلي من خلال العمليات المزدوجة للتغريب والتحديث التي تم تنفيذها خلال فترة حكم محمد علي باشا، الحاكم شبه المستقل لمصر، الذي سيطر على سورية بين عامي 1831 و1840.
وبعد عودة العثمانيين بمساعدة القوى الأوروبية، تكثف إخضاع الاقتصاد المحلي لأسواق أوربة، لكن عملية التحديث المنهجي تباطأت، وقد أدى التعصب الديني العنيف في عام 1860 ومذبحة المسيحيين التي قضت على نصف الوجود المسيحي الدمشقي وهجرة الربع وبقاء الربع كأقلية مرتاعة إلى التدخل الأوروبي المباشر في المنطقة، وخاصة في منطقة لبنان الحديثة.
وأصبح مدحت باشا، المصلح العثماني العظيم، حاكمًا في عام 1878. وأجرى تحسينات مدنية، فوسع الشوارع وحسن الصرف الصحي، وفي أوائل القرن العشرين، قام مهندسون ألمان ببناء خط سكة حديد دمشق-المدينة المنورة، الذي اختصر رحلة الحجاج إلى 5 أيام.
القرن الـ 20

وخلال الحرب العالمية الأولى، كانت دمشق المقر الرئيسي المشترك للقوات العثمانية والألمانية.
وقبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، وجد صعود القومية العربية أرضًا خصبة في دمشق، التي أصبحت مركزًا للتحريض المناهض للعثمانيين حيث قام فيصل، نجل شريف مكة، بزيارات سرية إلى هناك توجها بلقاء بطريرك انطاكية للروم الارثوذكس غريغوريوس حداد راجيا منه باسم والده الشريف حسين بن علي شريف مكة المكرمة تجييش الصف المسيخي ومعه اليهود لدعم الثورة العربية الكبرى بقيادته كملك العرب..
وفي خطوة مضادة، قام جمال باشا، القائد العام العثماني، بإعدام 21 قوميًا عربيًا في 6 آيار من عام 1916، سبعة منهم في دمشق واربعة عشر في بيروتوهو اليوم الذي لا يزال يُحتفل به باعتباره يوم الشهداء، ليس فقط هؤلاء الشهداء الابرار على اعواد جمال باشا والاتراك بل كل شهداء سورية.
ومع ذلك، هُزم العثمانيون بسبب الهجوم المزدوج للقوات البريطانية والعربية وأخلوا المدينة في أيلول من عام 1918، وتم إعلان قيام دولة سورية مستقلة في عام 1919، وعاصمتها دمشق، وأُعلن فيصل ملكًا في أوائل عام 1920.
ولما اعلن المؤتمر السوري التأسيسي 1920 سورية مستقلة بقيادة الملك فيصل لم يبايع البطريرك غريغوريوس الامير فيصل ملكاً الا اذا اعطى المسيحيين واليهود ذات الحقوق والواجبات التي للمسلمين، ووافق الملك واعلنت موافقته ونشرت في جريدة العاصمة ( الجريدة الرسمية)، وفي جلسة المؤتمر اعلن امين سر المؤتمر الفلسطيني محمد عزة دروزة قيام المملكة السورية وملكها فيصل، واعقبه فورا في الكلام وفق الترتيب وكانت كلمتان فقط الاولى اعلان الاستقلال والملكية والثانية للبطريرك غريغوريوس الرابع الذي بكلمة بايع بها فيصل ملكاً على سورية باسمه الشخصي وباسماء رؤساء الكنائس المسيحية وطائفة اليهود
لم يدم استقلال مملكة سورية طويلاً، فخلال الحرب العالمية الأولى، عقدت القوى الأوروبية مفاوضات سرية لتقسيم مقاطعات الإمبراطورية العثمانية فيما بينها.
وتم وضع سورية قسراً تحت الانتداب الفرنسي، وسقطت دمشق في أيدي جيش الجنرال هنري غورو في 25 تموز من عام 1920، بعد معركة ميسلون التي استشهد بها وزير الحربية السوري يوسف العظمة وجيشه الصغير المتكون من 3500 جندي بأسلحتهم البدائية مقابل اعظم جيش وقد انتصر في الحرب العالمية الاولى. ولم يجد فيصل من يودعه في محطة القدم الا البطريرك غريغوريوس مادا يده للوداع وهو يقول له ان هذه اليد التي بايعتك ستبقى وفية لك الى الابد عندها بادر فيصل الى تقبيلها… مشهد ولا اروع ملك سورية وابن شريف مكة يقبل يمين البطريرك غريغوريوس، هكذا هي سورية الحب والاخوة والمواطنة الكاملة.
وقاومت دمشق الاحتلال الفرنسي، ولعب البطريرك غريغوريوس وخليفته البطريرك الكسندروس وشاب الكنيسة دورا مهما بمساعدة ثوار الغوطة ومدهم بالسلاح والذخائر والمؤن وكذلك فعل المطارنة في كل سورية في مساعدة الثوار ضد الاحتلال الفرنسي وعلى الرغم من القصف الفرنسي للمدينة في عام 1925، استمرت المقاومة حتى أوائل عام 1927.مادعي ” الثورة السورية الكبرى”،
وتم وضع خطة حضرية جديدة أدت إلى إنشاء طوق سكني حديث حول المدينة القديمة، مما أدى فعليًا إلى فصلها عن الغوطة، حيث كان يلجأ الثوار بانتظام.
وفي هذه المدينة الحديثة، تنافست المعايير الاجتماعية والثقافية والمعمارية الأوروبية بشكل مباشر مع المعايير التقليدية، وأزاحتها بمرور الوقت.
وشهدت سنوات الانتداب الفرنسي لسورية أنشطة سياسية مكثفة شملت الطيف الإيديولوجي بأكمله، بما في ذلك الليبرالية والشيوعية، وقبل كل شيء القومية العربية.
وناضل الدمشقيون، جنبًا إلى جنب مع مواطنيهم، من أجل استقلال بلادهم ومن أجل الهدف الأوسع المتمثل في دولة عربية واحدة حيث تأسست الاحزاب وكلها سعت للاستقلال، في دمشق أثناء الحرب العالمية الثانية.
واستمرت فترة الانتداب حتى يسان 1946، عندما غادرت القوات الفرنسية البلاد أخيراً يوم الجلاء في 16 نيسان 1946، ومرة أخرى أصبحت دمشق عاصمة لسورية المستقلة واحتفل السوريون في اليوم التالي في 17 نيسان 1946 بأول عيد للجلاء، بعد احقاب طويلة من الاحتلالات.

