المعتزلة…
مدخل تاريخي
ترجعُ كَلِمةُ المعتَزِلَة إلى الاعتِزالِ، والاعتِزالُ لُغةً مأخوذٌ مِن: اعتزَل الشَّيءَ، وتعزَّله بمعنى: تنحَّى عنه، ومنه تعازَل القومُ بمعنى: تنحَّى بعضُهم عن بعضٍ، وكُنْتُ بمَعزِلٍ عن كذا وكذا، أي: كنْتُ في موضِعِ عُزلةٍ منه، واعتزَلْتُ القومَ: أي: فارَقْتُهم وتنحَّيتُ عنهم.
– تكاد تُجمع المصادر التاريخية وكتب الفرق على أن نشأة مذهب الاعتزال ترجع إلى اختلاف واصل بن عطاء مع شيخه الحسن البصرى (110هـ)، في الحكم على مرتكِب الكبيرة، واعتزاله مجلسه لهذا السبب. وفيما عدا هذه الرواية الشهيرة فإن أبا الحسين الملي -تُوفي سنة (377)- يعود بنشأة المعتزلة إلى أيام تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، لأنهم كانوا من أصحاب علي، فاعتزلوا الناس ولزموا البيت والمساجد قائلين: “نشتغل بالعلم والعبادة”، فسُمُّوا بذلك المعتزلة، والأرجح الرواية الأولى.
ومن أشهر الأقوال في هذا الإطار، ما يرويه الشهرستاني من أن واصل بن عطاء، تلميذ الحسن البصري، اعتزل مجلس الأخير حين اختلف معه في مسألة مرتكِب الكبيرة من المسلمين، وأنه ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين؛ إذ قال الحسن البصري تعليقاً على انفصال ابن عطاء عن حلقته: “اعتزل عنا واصل”؛ ومن هنا، وبحسب هذا القول، جاء اسم “المعتزلة”.
ويعترض المستشرق السويدى هنريك صمويل نيبرج، على هذا التفسير التاريخي لاسم المعتزلة، لأن المؤرخ الشهير، المسعودي، يقول إن أصل كلمة “اعتزال” هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أي باعتزال صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين.

التأسيس: نشأت في البصرة على يد واصل بن عطاء (تلميذ الحسن البصري) الذي اعتزل مجلس الحسن حول حكم مرتكب الكبيرة، فسميوا بـ “المعتزلة”.
المنهج: سيطر عليهم المنهج العقلي، حيث قدموا العقل على النقل (النص القرآني والحديث) في فهم الدين، معتبرين العقل أصل النص.
بشكل عام: المعتزلة حركة عقلانية إسلامية مؤثرة، أثرت بعمق في تاريخ الفكر والكلام الإسلامي، واختلفت جذرياً مع أهل السنة في مسائل العقيدة الأساسية، لكن خطرهم الأكبر كان على الفرق الإسلامية الأخرى لا على المسيحية كدين.

الأصول الخمسة
تُمثّل الأصول الخمسة الخط العام لفكر المعتزلة. وقد اتفقوا عليها؛ فيذكر أبو الحسين الخياط -أحد أئمة المعتزلة- أنه لا يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يعني هذا انعدام الخلاف بينهم، فلقد كان هناك بعض الخلافات في الفروع التي بُنيت على هذه الأصول، لكن هذه الأصول الخمسة تمثل الأساس العام لفكر المعتزلة، التي لم تتكون دفعة واحدة، بل مرت بمراحل نشأة المعتزلة وتطورها.
الأصل الأول، التوحيد: يقول القاضي عبد الجبار، الفقيه المعتزلي، بأنَّ “اللهَ تعالى واحِدٌ لا يُشارِكُه غَيرُه في ما يستحِقُّ مِن الصِّفاتِ نَفياً وإثباتاً على الحدِّ الذي يستحِقُّه، والإقرارُ به، ولا بُدَّ مِن اعتِبارِ هذَينِ الشَّرطَينِ: العِلمِ والإقرارِ جميعاً، لأنَّه لو علِم ولم يُقِرّ أو أقَرَّ ولم يعلَمْ، لم يكنْ موحّداً”.
ويعني بذلك إثبات وَحدانيةِ الله ونفي المثل عنه، وأن صفاته هي عين ذاته، فهو عالم بذاته، قادر بذاته، لا بصفات زائدة على الذات، وإمعاناً في تأكيد التنزيه المطلق، نفى أن تكون لله صفاتٌ قديمة حتى لا تشاركه في القِدَم، كما نفت المعتزلة عن الله الجسمية والجوهرية والعرضية، وما يلحق وصف الجسمية من أوصاف كالوجود في المكان والتحرك والذهاب والمجيء، وأيضاً الجوارح والأعضاء وغير ذلك من الأوصاف.
الأصل الثاني، العدل: ويعنون به قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناءً على ذلك نفوا أموراً وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقاً لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم، إنْ خيراً وإن شراً.
ويقول الشهرستاني، الفقيه والمؤرخ الأشعري: “اتفقوا -أي المعتزلة- على أن الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف، وسموا هذا النمط عدلاً”.. وقالوا أيضاً: “العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسناً، وما قبحه كان قبيحاً، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه”.
والعدل مبدأ هام في فكر المعتزلة؛ لأنهم يربطون بين صفة العدل والأفعال الإنسانية، ويرون أن الإنسان حر في أفعاله، وهو مسؤول عن هذه الأفعال حتى يستقيم التكليف ويكون الثواب عدلاً والعقاب عدلاً؛ وذلك خلافاً للجبرية الذين يعتقدون بأن الأفعال من خلق الله والإنسان “مجبور عليها”، لكن المعتزلة ترى أن “عدل الله يقتضي أن يكون الإنسان هو صاحب أفعاله”.
ويترتب على القول بالعدل الإلهي أن الله لا يفعل الشر؛ فأفعال الله كلها حسنة وخيّرة، والشر إما أن يوجد من الإنسان، أو لا يكون شراً، إنما لا نعرف أسبابه، أو لا نستطيع أن نجد له مبرراً، لكنه ليس شراً.

الأصل الثالث، الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر، وأن الله لا يقبل لهم شفاعة ولا يُخرج أحداً منهم من النار، على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعةٍ وتوبةٍ استحقّ الثواب والعوض، وإذا خرج على غير توبة عن كبيرةٍ ارتكبها استحق الخلود في النار، لكن عِقابه يكون أخفّ من عِقاب الكفّار، وسمّوا هذا النمط وعداً ووعيداً.
الأصل الرابع، المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري؛ إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يُسمّى مؤمناً بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافراً، بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مُصِراً على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم.
ويذهب واصل بن عطاء إلى أن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سُمّي المرء مؤمناً، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح، فلا يُسمّى مؤمناً وليس هو بكافر مطلقاً أيضاً؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، لكنه يُخفَّف عنه العذاب وتكون درجته فوق درجة الكفار.
الأصل الخامس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقد أوجبوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك. فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرّد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك، وغَلَبة الظن بحصول النصر وإزالة المنكر.
مسائل عقدية
إضافة إلى هذه الأصول الخمسة، فإن هناك مسائل عقدية أخرى عند المعتزلة:
أولاً، نفي رؤية الله: أجمعت المعتزلة على أن الله لا يُرى بالأبصار، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله والجسم، إذ لا يقع البصر إلا على الألوان، وهو منزه عن الجهة والمكان والجسم، حسب عقيدتهم.
ثانياً، القرآن مخلوق: اختلف المعتزلة مع كل الفرق الإسلامية الأخرى بقولهم بأن القرآن مخلوق وليس كلام الله، في معرِض نفيهم قِدَم الصفات الإلهية حتى لا تشاركه سبحانه وتعالى في القِدَم. ومن تلك الصفات قِدَم كلام الله، فاعتبر المعتزلة أن القرآن يحوي نصوصاً متنوعة ومختلفة ومتعارضة أحياناً؛ ففيها من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والكلام التشريعي والكلام الإخباري والكلام الوضعي، كما يجمع بين المسائل الروحية والدنيوية في آنٍ، فإذا كان ليس جائزاً تنسيب التناقض في القول إلى الله، يصبح من الضرورة إذاً اللجوء إلى النظر العقلي لتفسير ما ورد في القرآن، مما ينزع عنه الأبدية أو عدم الاجتهاد في نصوصه؛ لأن كلام الله محدث ومخلوق في محل، كما هو حرف وصوتٌ كُتِب أمثاله في المصاحف.
وختاماً، فإن فكرة تغليب العقل على النقل في تفسير أمور الدين، عند المعتزلة، قد استمرت في إنتاج كثير من الأفكار حتى العصر الحالي، فاستخدم عديد من الباحثين في الفكر الإسلامي ذلك الجزء من منهج المعتزلة في إعادة التفكير في مناحي الدين الإسلامي، بما يتوافق مع سمات العصر الذي يعيشونه.
المعتزلة …هم أكبر مدرسة عقلانية في الاسلام

حدث في مسجد البصرة
كانت مدينة البصرة في العهد الأُمَويّ قد تحوّلت من معسكرٍ للجيوش الإسلامية إلى الحاضرةِ الثقافيةِ للدولةِ العربيةِ الاَخذةِ في الاتّساع، وأصبح مسجدها أول جامعة إسلامية يتخرّج فيها طلاب الفقه والنظر في العقائد وعلوم اللغة والأدب والشعر وسائر أبواب المعرفة المُتاحة في ذلك العصر.
في تلك الجامعة كان يشغل منصب الأستاذ الأكبر إمام وعالِم جليل هو الحسن البصري، وكان مجلسه يستقطب طلاب العِلم القادمين من مختلف البلدان، وكان من بينهم طالب نبيه وخطيب مُفوَّه أدهشَ القوم ببلاغته حين استغنى، وهو الألثغ الذي لا يُحسِن النُطق بحرف الراء، استغنى عن هذا الحرف في كلامه كله مؤدّياً المعنى نفسه للكلمات التي تتضمّن هذا الحرف باستخدام كلمات مُرادفة ليس فيها الراء.
هذا الألثغ الفصيح كان واصل بن عطاء، الذي جاء من المدينة المنوّرة إلى البصرة لكي يندمج في جوّها الفكري والثقافي ويطلّع على أفكار أصحاب المِلل غير الإسلامية وعلى معتقداتهم، ولاسيما الثنوية منهم والمسيحيين الذين اطّلع منهم على أفكار يوحنا الدمشقي الذي دخل في سِجالات وكتبَ ومؤلّفات تُدافع عن عقيدته المسيحية.
كما أن هذا الراهِب الذي نشأ في عائلةٍ عربيةٍ مسيحيةٍ تولّت مناصبَ مهمّة في البلاط الأموي، كان يقول بمبدأ الاختيار، أي إن الإنسان مُخيَّر في أفعاله وليس مسيّراً. وقد ظهر أثر هذا الاحتكاك مع هؤلاء عبر التركيز على توحيد الذات الإلهية في الأصول الخمسة التي قام عليها منهج أهل العدل والتوحيد الذين عُرِفوا باسم المُعتزِلة.
“لقد اعتزلنا واصل”
وكان واصل، الطالب، شديد الإعجاب بذكاء أستاذه وسِعة معرفته وأحاطته بالقضايا الفقهية التي دفعت الخليفة عمر بن الخطاب إلى توليته قضاء البصرة. غير أن الخلاف ما لبث أن وقع بين التلميذ وأستاذه في مسألة كانت موضوع جدلٍ واسعٍ في الأوساط الدينية وهي مسألة مُرتكب الكبيرة. والمقصود بذلك مَن يتعمّد ارتكاب الذنب الذي جاء فيه حدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، كالشرك بالله تعالى مثلاً، أو قتل النفس ظلماً أو ترك الصلاة وغير ذلك من عِظم الذنوب.
بدأ الخلاف عندما سُئل الحسن البصري عن مُرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر؟ فأجاب أنه مؤمن عاصٍ. فاعترض عليه واصل بأن مرتكب الكبيرة في منزلةٍ بين منزلة بين منزلتين، أي بين الكفر والإيمان، وأنه ليس مؤمن ولا عاصٍ. ثم اعتزل مجلسَ الحسن البصري. فقال الحسن: “لقد اعتزلنا واصل” فسُمّي هو وأتباعه بالمُعتزِلة، أما المُعتزِلة فقد سمّوا أنفسهم” أصحاب العدل والتوحيد”.
واتّخذ واصل بن عطاء لنفسه مجلساً مستقلاً في المسجد أخذ يدرّس فيه منهجه الفكري القائم أساساً على تقديم العقل على النقل في المسائل الدينية، فيما كان رأي الحسن والجمهور تقديم النقل على العقل.
وهكذا كانت بداية أول مدرسة عقلانية إسلامية ما لبثت أن لعبت دوراً خطيراً في الحياة الفكرية والعقائدية في المجتمع الإسلامي. وكانت وراء ما سُمّي بمحنةِ خَلْق القرآن التي بدأت في عهد المأمون. وذلك أن المُعتزِلة يرون أن القرآن كلام الله وهو مخلوق الله تعالى، أي أنه مُحدَث وليس جزءاً من ذاته قديماً بقدمه، كما تقول المُشبِّهة. بينما ينظر الأشاعرة وغيرهم إلى كلام الله على أنه صفة ذات لله. في حين ينظر المُعتزِلة إلى كلام الله على أنه صفةُ فعلٍ لله، أي أن الله خلق كلاماً أي أحدثه.
ويُقال إن يوحنا الدمشقي ألزم الأشاعرة بقِدم المسيح وأزليّته بما أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، والكلمة قديمة في رأي المُعتزِلة.

هل يجوز الخروج على الحاكم؟
لم تكن قضية مُرتكِب الكبيرة سوى منطلق لنشر منهج التفكير العقلاني في القضايا الدينية وما يترتّب على ذلك من نتائج اجتماعية وسياسية. وذلك أن التعارُض الناشىء بين أصحاب المنهج العقلي وبين المحافظين القائلين بتغليب النقل على العقل، ينطوي على أبعادٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ محورها الموقف من الحاكم الجائر هل يجب القيام عليه أو السكوت عنه والخضوع له.
وكان رأي واصل ومَن جاء بعده من رؤساء المُعتزِلة هو القيام على الحاكم الظالم والمقصود يومها الحُكم الأموي. وأما رأي الحسن البصري فهو السّمع والطاعة للحاكم مهما بلغ من الجور أو الخروج على الشريعة درءاً للفتنة. مع العِلم أن الحسن البصري كان يرى أن حُكم بني أميّة فيه ظلم وجور لكنهم أقوياء وليس بإمكان المعارضة أن تقف في وجههم ما يترتّب عليه سفك الدماء.

الأشعري … إرتداد عن المعتزلة
يلاحظ في ما تقدّم إلى تفرّق المُعتزِلة فِرَقاً لا تكاد تتّفق في ما بينها إلا على الأصول الخمسة. لكن ثمة مَن ارتدّ عن منهجِ المُعتزِلة وخرج منهم وناصَبهم العداء وانضمّ إلى أهل السنّة والجماعة مع شيءٍ من التمايز. وأشهر هؤلاء أبو الحسن الأشعري الذي يُنسَب إليه الأشاعرة.
كان الأشعري من تلاميذ إبي علي الجُبائي شيخ المُعتزِلة في زمانه (235- 303 للهجرة). وكان الأشعري مُتكلّماً يتمتّع بذكاءٍ حادٍ، وقد ردّ على مقولات المُعتزِلة رداً لقيَ صدىً واسعاً لدى الجمهور، وأصبح من شيوخ أهل السنّة والجماعة المُعتَبرين.
الانحسار الفعلي لتيار المعتزلة
أيّدّ المُعتزِلة بني العباس لمّا آلت الخلافة إليهم بعد بني أميّة. وعلا شأنهم في عهد المأمون حين أخذت مسألة خلق القرآن طابعاً سياسياً، فقد أوعز إثنان من شيوخ المُعتزِلة إلى الخليفةِ المأمون بأن يجعلَ القول بخلق القرآن عقيدةً رسميةَ للدولة، وأن يتتبّع كل مُعارِض لها بالقتل والحبس والجلْد وقطع الأرزاق.
وقد اتّبع المأمون هذا السبيل في ما عُرِف بمحنة خلق القرآن.
وكان أبرز مَن تعرّض للاضطهاد والحبس لرفضه هذه المقولة هو الإمام أحمد بن حنبل. واستمرت هذه المحنة في أيام المعتصم والواثق، ثم انقلب عليهم المتوكّل ووضعَ حداً لنفوذهم.
ومنذ ذلك الحين أخذ تيارهم الفكري ينحسر حتى كاد يتلاشى، إلى أن عاد للظهور على نحوٍ متواضعٍ في العصرِ الحديث. ومن أشهر المُفكّرين الذين يمكن القول بأنهم تأثّروا إلى هذا الحد أو ذاك بفكر المُعتزِلة القدماء: الشيخ رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمّد عبده، محمّد رشيد رضا، عبد الرحمن الكواكبي، أحمد أمين وغيرهم

خطرهم على المسيحية
تأثير محدود ومختلف: لم يكن المعتزلة يهاجمون المسيحية كدين، بل كانوا يناقشون العقائد الإسلامية داخلياً.
تأثر بالفكر اليوناني: تأثروا بالفلسفة اليونانية في نفي الجسمية عن الله وتقديم العقل، وهذا ما يربطهم ببعض النقاشات الفكرية التي كانت موجودة في سياق التفاعل مع الفكر الديني الآخر (المسيحي واليهودي).
الجدل حول الكلمة: تأويلهم بأن كلام الله مخلوق (صفة فعل) قادهم للتساؤل حول طبيعة “كلمة الله” في المسيحية (المسيح)، فبعضهم رآه كـ”كلمة” مخلوقة. لكن هذا كان داخل السياق الفكري الإسلامي، ولم يكن خطراً مباشراً على المسيحية بقدر ما كان خلافاً حول طبيعة الصفات الإلهية عموماً.
