فلسفة التاريخ

فلسفة التاريخ

فلسفة التاريخ

مقدمة

بداية اود ان اعرف التاريخ على ما درسته فيه واعرفه عنه، وما افهمه، او على الأصح كما يفهمه المفكرون اليوم. فلم يعد التاريخ تعداداً لحوادث تاريخية وقعت، وسنوات عاشتها تلك الحضارة، او تأريخ شعب (لاتزال بقاياه الهزيلة بعد ذوبانها بكل الأقوام في محاولة ،قد تكون يائسة، لإحياء الذات بالرغم من مضي آلاف السنين على انقضائه وحضارته. كما بات عالم اليوم في سعي البعض الى إحياء الأعراق والقوميات والأديان الملتصقة بها)، ولا على سنوات حكمها ملك أو عاهل، ولا عن امبراطوريات افل نجمها منذ الوف وقرون ولم يبق منها الا الاسم المتداول في تاريخ العالم.

ولكن التاريخ الأن يشمل كل الحركات التي يقوم بها، أو قام بها الشعب بكامله. ومعنى هذا ان دراسة التاريخ تقتضي منا أن ان نعرف الأحوال والظروف والعوامل والبواعث التي أدت الى قيام حادث معين، والنتائج التي ترتبت على هذا الحادث. بل نحن يجب أن نعرف أكثر من هذا.

ما يتوجب علينا

يترتب علينا ان نحيط بالاتجاهات الفكرية والتيارات الأدبية والحياة الاقتصادية التي تمر بها الجماعة في حين من الأحيان، ليتم لنا إدراك ما يتم على يدها، او يمر عليها في الوقت ذاته.

وإذن فنحن في حاجة الى معرفة عميقة متسعة لإدراك تاريخنا، تمهيداً لفهم ما مر بنا، وما نما من شخصيتنا، وكيف تمَّ هذا النمو، ثم ما الذي تحتاجه هذه الشخصية لتتكامل لها العناصر اللازمة للحياة الحاضرة. فهل نحن نقوم بهذا تماماً؟ هل نعالج تاريخنا على أسس معينة ثابتة مدروسة، بحيث يكون فهمنا له صحيحاً؟

يخيل إليَّ أننا لم فعل بعد هذا!

فنحن حديثوا عهد بعد بدراسة تاريخنا. وقد درسه قبلنا قوم أخرون! او اقوام أخرى! وهو الواقع، فمعظم ما نعرفه هو نتاج ثمرات دراسات الغير!

لكنهم لم يدرسوه لنا كمنفعة عامة، إنما اهتموا به لهم لأنه يخدمهم…او من اجل هواياتهم او لذاتهم الديموغرافية، او لأغراض خدمتهم، وبالنتيجة لأجل الميل والهوى الشخصي.

فلما فطِّنا نحن الى وجوب الاهتمام بتاريخنا بأنفسنا، تلقينا المهمة بكثير من التعجل والتسرع، لذلك أسبغنا على هذه الدراسة شيئاً كثيراً من العاطفة القوية سواء كانت الدينية او الطائفية والمذهبية، او العرقية لاظهار تمايز عرقنا ولو كان في مرحلة الاحتضار، او الموت السريري كونه ذاب في الأعرق الأخرى فأمسوا قلة تتغنى بأ مجاد مندرسة فبقوا خلايا في العرقيات والمجتمعات الحالية الأقوى او حتى التمسك لحد الهستيريا بالعاطفة الجغرافية، كأن تكون تلك الجغرافيا الحالية او الوطن، ملكا لعنصرهم وحده ، وان امسوا ندرة كساقية في بحر، وأن كل ما اجاء في وقتهم وبعدهم من شعوب غزاة، حتى لوكانوا مهاجرين مسالمين لكنهم بنظرهم كانوا غزاة طالما مالت الكفة الجمعية الىهم…! وهذا مانراه مستفحلاً اليوم في عالم الاعلام ووسائله.

أي اننا في غالب الامور وقبل كل شيء نعالج الكثير من قضايانا في سرديات التاريخ بالعاطفة القوية العنيفة الجارفة.

ولعل مما قوّى نظرتنا العاطفية لتاريخنا ارتباطه ارتباطاً وثيقاً بحياتنا الدينية والطائفية والمذهبية، لذلك دخل عنصر القداسة في الأمر. وهكذا باندماج القداسة والعاطفة الطائفية والعرقية الى تاريخنا اصبح هذا التاريخ أعلى من أن يتعرض للنقد، وأبعد من ان ينال. بل يجب الا يُنتقد، والا ينال لقدسيته!!!

وزادنا إيغالاً في هذا أن الدراسات الغربية الأولى حملت بدورها طابعاً من التحامل علينا وعلى تاريخنا، لذلك ترتب على المشتغلين منا بالتاريخ، او على بعضهم على الأقل، أن يدفعوا هذه الأمور ويفندوها، فانصرف أكثرهم الى انتاج كتب استعراضية، بدل ان تكون كتباً دراسية عميقة.

وبسبب هذا النوع من الاندفاع في درس تاريخنا على هذه الأسس، والذود عن عاطفتنا التي حكينا عنها أعلاه، عمينا عن مواطن الضعف في حياتنا الغابرة كما عمينا عن مواطن القوة الحقيقية. فانتزعنا من هذا التاريخ الطويل نتفاً هنا ومن هناك، جعلناها نماذج للقوة، وما كانت في الواقع الا اندفاعات جانبية اذا ما قيست بالتيار الفكري الروحي القوي الذي يمكن ان تهتدي بهديه. ولما صفق لنا السامعون والقارئون على هذه النتف، رددناها في كل مناسبة ومكان مما زاد في قيمتها ورفع من شأنها، بما لا يتفق وماهيتها وأهميتها.

وقد ترتب على هذا ان ظل الخير في تاريخنا في موطنه، والشر فيه في مظانه، ولم يتضح لنا منه إلا هذه النتف. وبسبب ذلك انتشر الغرور في نفوسنا انتشاراً لا مبرر له. كما هو حال “الأكثرية” (كما يسمون أنفسهم ويتباهون) بحق من اسموهم “أقلية”  برأيهم يجب ان يخضعوا للأكثرية.!!!

ولما جئنا نحدد القيم الروحية في تاريخنا، ونعين ما يمكن ان نفيد منه في اختباراتنا السابقة، الفينا أنفسنا على شيء كثير من الارتباك، والفوضى والاضطراب. وكأن هذه الفلسفة التي يجب ان تنتزع من صميم التاريخ مائعة رجراجة خالية من عناصر التركيز لأن أحداً لم يركزها.

وبقدر ما اصابنا الغرور في فهم تاريخنا، وبقدر ما أصبحنا ننظر اليه نظرة مقدسة عالية، جمُدَ تفكيرنا، وتصلبت الشرايين التي كان يجب ان تحمل الدماء قوية نقية الى الحياة الفكرية. وعجز هذا الجمود عن إثارة القوى الكامنة فينا، وبعثها قوى فعالة خلاقة.

وإذا كنا نحن اليوم ننشد أموراً كثيرة، فإن بين الذي ننشده ولا شك فلسفة للحياة تعين الهدف القومي، وتبين السبيل السوي اليه، وتوضح لنا معنى وجودنا توضيحاً سليماً. ولكي نتمكن من هذا فنحن بحاجة الى إعادة النظر في تاريخنا. وفي سبيل هذه الإعادة علينا ان نضع نصب أعيننا الأمور التالية:

اولاً- ان نطرح جانباً فكرة القداسة التي نحيط بها هذا التاريخ الذي عملناه فأصبحنا الآن من دماه. ومتى فعلنا ذلك تنفسنا الصعداء، واستطعنا أن ندور في أُبهاء الزمن دون أن نخشى أن يقع الطوب المقدس على رؤوسنا فيدميها.

ثانياً- يجدر بنا ان نقلل من نظرتنا العاطفية الى تاريخنا. وبذلك نستطيع ان نبين مواطن القوة الصحيحة، كما نستطيع أن نتعرف الى نواحي الضعف. فنفيد من الأولى ونتجنب الثانية.

ثالثاً- حري بنا ان نعني بدرس فلسفة التاريخ، كما فهمها كتَّابنا القدامى وفلاسفتنا ومؤرخونا، لنرى الى أي حد يمكن ان نفيد منها في تعيين حياتنا الحديثة وفلسفتنا المعاصرة.

في النتيجة

بعد هذه العجالة المختصرة، نرى اننا نحن بحاجة الى معالجة تاريخنا معالجة حرة صريحة جريئة بدون ان نخلط العاطفة الدينية والمذهبية به، وبذلك تكون لنا منه فائدة القيادة والهدى نحو الحاضر واستشراف المستقبل الذي يكرر دروس التاريخ في لباس معاصرفنكتسب احترام الذات واجيالنا الصاعدة وعقولها.


Posted

in

,

by