نهايةالحكم العثماني

نهاية الحكم العثماني

نهاية الحكم العثماني

كانت معركة مرج دابق في شمال حلب سنة ١٥١٦، والتي انتصر فيها العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول على المماليك بقيادة سلطان مصر والشام قانصوة الغوري الملقب بالملك الأشرف، بداية حكم العثمانيين لسورية الطبيعية ومصر وكل بلاد العرب لاحقاً. هذا الحكم للعثمايين الأغراب لم ينتزعوه من العرب بل  كان متابعاً لحكم المماليك الأغراب عن العروبة، توارثوا الملك منذ أفل نجم الحكم العربي العباسي، أي افل نجم العروبة، والقى الظلام رداءً اسودا في الربوع العربية، بعد غارات المغول المتتابعة، ولم يقتصر الأمر على تغير  الحكام، من حاكم غريب الى حاكم غريب، فقد تغيرت أوضاع الخلافة الإسلامية وانتقلت قاعدتها من بغداد، وارغم السلطان سليم الأول اخر خلفاء بني العباس وهو من الضعفاء بالتنازل عن عباءة الخلافة الإسلامية اليه فصار خليفة المسلمين، ولكن من بعد ان كانت ضعيفة لم يبق منها الا الرسوم والمظاهر منذ منتصف العهد العباسي، أصبحت قوية اذ كان العثمانيون قد بلغوا اوج عزتهم.

لكن لم يبق للغة العربية تلك المنزلة، وان كان السلطان سليم قد فكر وهَّمَّ بجعل العربية اللغة الرسمية لدولته، لكنه عدل عن ذلك ب”اللغة العثمانية” التي تكتب باحرف الهجاء العربية كاللغة الفارسية واستمد العثمانيون آداب وتراث الفرس وجعلوها في كيان الدولة العثمانية…

كانت نهاية الخلافة العثمانية في عهد اتاتورك في مشهد متكرر عن نهاية سلطنة المماليك بيد السلطان سليم الأول، فقضى اتاتورك على السلطنة بإقامة الدولة العصرية العلمانية وصارت الجمهورية التركية، التي لاصلة لها بالدولة القديمة، الا ماسجله التاريخ ودوّنته الكتب.

في اثناء الحكم العثماني للعرب، كان هؤلاء يشاطرون الأتراك بالاعتزاز بفتوحاتهم، ويخضعون للدولة التي تحكمهم وهم جزء منها، عندما تضطرب أمورها، او تخسر بعض أجزاء منها.

لكنهم عانوا ما عاناه غيرهم عندما اصبح الجيش الذي كان عماد الدولة بنظامه وشجاعته، خطراً على الحكومة وعلى الشعب، وعلى السلطان في عصر الانحطاط العثماني، واستحكمت حلقات الفوضى، وقل ولاء العمال واخلاصهم، وقام مقام السلطات الشرعية قوى ذات اوصاف أخرى، قبلية وطائفية ومذهبية، وعنصرية، واقطاعية، تنظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وفقد الامن وتسيدت الوحدات الانكشارية والقوى الرديفة الساحة الأمنية وظُلم الشعب من قبل الولاة وجشعهم ومتعهدي الضرائب، لذلك قامت هذه القوى تؤمن شيئاً من الاستقرار والحكم الذاتي، وبفضلها استطاعت الدولة العثمانية ان تحتفظ ببعض السلطة المعنوية والمادية، وقد جرت محاولات في عهد السلطان محمود والسلطان عبد المجيد لاصلاح أمور الدولة التي صارت الرجل المريض بوصف الدول الغربية لها.

نهاية الحكم العثماني
نهاية الحكم العثماني

وجاء عهد السلطان عبد الحميد  الملقب بالأحمر بسبب ارتكابه المجازر الدموية بحق المسيحيين فتمكن الاستبداد  وطالت مدته واستفحلت شروره، وكلما ساء الحكم واستشرى الفساد اكثر، كلما زاد تدخل الدول الاوربية العظمى وقتئذٍ، وانتزعت قطر بعد قطر وكانت اليونان اول منطقة تحررت بعد نضال مرير دام لتسع سنوات من ثورات دامية للحصول على الاستقلال (١٨٢١-١٨٣٠).

وتوالى النضال للشعوب المحكومة وخاصة في البلقان للتحرر، وترافقت بمؤامرات من الدول العظمى للخلاص من الهيمنة الحميدية،، وكانت الدعوات الدينية تتصاعد بدوام ملكه وتأييد عرشه الذي كان مخضباً بدماء الأبرياء من يونان القسطنطينية والارمن في مناطقهم، وكان عهده يتمتع بحماية نظام بوليسي محكم، لاحق المتنورين العرب في بلاد الشام الذين طالبوا بالاستقلال وبحد ادنى باللامركزية، تضاف الى هذه الطغمة الاستبدادية طبقة من المشايخ وحركات الدراويش …تعمل للدنيا ولا تعمل للآخرة، وكتاب ووزراء يحسنون الاستفادة من مخاوفه، وكان العنصر الذي يعتمد عليه في ساسته الخارجية تنافسْ الدول والاذعان لإرادتها، حتى إذا اُعلن الدستور سنة ١٩٠٨، تلقاه الترك والعرب بالبشر والأمل، لكن لم يتطاول الأمر كثيراً حتى انقلب استبداد الفرد الى استبداد جمعية الاتحاد والترقي التركية الطورانية، التي حكمت البلاد والأقاليم الى حكم عصابة ليس لديها شعور بالمسؤولية ولا قيود قانونية او معنوية، لا تبالي ما تصنع في سبيل بقاء سلطانها والتغلب على من يعترض سبيلها او يعارض خطواتها.

واخذت جمعية الاتحاد والترقي تنقاد بشكل جارف الى الدعوة الطورانية المتزمتة شديدة العداء لكل ما هو غير تركي من شعوب واقاليم خاضعة، حتى اعادت الى الاذهان ذكريات جنكيز خان وهولاكو، وهما فاتحان مغوليان لا يمتان بصلة، الا اذا اتتخذنا العنصرية اساساً أكثر اتساعاً وشمولاً، وقد ردد الجيش التركي اسم جنكيز في اغانيه التي يرددها العرب وسواهم من الشعوب غير التركية رغماً عنهم.

وكان قادة العرب قد حسبوا الانقلاب التركي وإعلان الدستور من قبل الاتحاديين أن آمالهم  أصبحت دانية القطو، وان عهداً جيداً سيبسط ظلاله على جميع شعوب الدولة فتنعم بفوائده وحسناته، ولكن ما لبثوا ان أحسوا بخيبة امل مريرة، فبدأوا يعدون العدة للمحافظة على كيانهم وتعزيز صلاتهم، والتعاون مع بعض الأحرار من الأتراك انفسهم، وانفصل كثير من زعمائهم عن جمعية الاتحاد والترقي التي استولت على السلطة في الدولة العثمانية، واشتركوا في حزب الحرية والإئتلاف الذي عاش حياة قصيرة، ثم كانت الحركة الإصلاحية في بيروت وغيرها، وتأسيس حزب اللامركزية العثمانية الذي اتخذ القاهرة مقراً له، وكان المنتدى الأدبي الذي يجمع شباب العرب في القسطنطينية عنصر دعاية ونشاط دائم، ثم عقد المؤتمر العربي الأول في باريس سنة ١٩١٣ ، وتألفت الجمعيات السرية، وأهمها حزب العهد العسكري، والجمعية العربية الفتاة.

على ان العصبية الجنسية في بلاد العرب تتعارض مع نزعة أخرى هي الروح الدينية التي تسبغ على الإسلام صفته الجامعة، ولاتفرق بين عربي وأعجمي، فكان السواد الأعظم يتمسك بأهداب الخلافة الإسلامية  في بني عثمان، ويحرص على البقاء مستظلاً بظلها، وان كان هنالك شعور بالاستئثار والغلبة ينتشر تدريجياً، ودواعي البعثة العربية مازالت ماثلة مستديمة في كل تاريخ الإسلام، وكل ذكرياته، فالعرب هم مادته، الذين يقرأون القرآن بلغتهم ومحمد جاء من ظهرانيهم، وهم الذين انجبوا القادة والمؤسسين الذين اقاموا ديار الإسلام الكبرى في المشارق والمغارب.

وجاءت مذاهب الغرب في السياسة والاجتماع، فأضافت الى ذلك الشعور منازع جديدة، أخذت تتطور بمظاهر مختلفة دينية وفكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وكانت بشائر النهضة عند العرب كما عند غيرهم:

الآداب والعلوم والفنون والسياسة والتاريخ، الذي يعتمدون عليه في تكوين وجدان قومي يجدد لهم ذكرى ماضيهم المجيد وشعور بمستقبل قريب.

في النصف الأول من القرن ١٩،وقع أمران في مصر ونجد، تجاوز اثرهما البلدين ، وارتجت لهما ارجاء المنطقة العربية، ففي نجد كانت دعوة الداعية الإسلامي محمد بن عبد الوهاب الى تطهير الإسلام من الشوائب, والرجوع به الى العقيدة الفطرية الخالصة، وقد آزره أخيراً محمد بن سعود فدخل في مذهبه، وكانت الأماكن المقدسة في الحجاز والعراق اول غرض يرميه، فاستولى عليها، ولما مات كان يأخذ اهبته لفتح الشام، ولم يجد السلطان العثماني وسيلة لقهر هذا الخصم الشديد، ومحاولته غزو سورية الا بمؤازرة عامله الجديد القوي محمد علي باشا حاكم مصر، الذي عبأ جيشاً قوياً يتألف في معظمه من الأبانيين أبناء جنسه الذين جاوؤا معه لطرد حملة نابليون بونابرت على مصر وسورية (١٧٩٨-١٨٠١)، وكان هذا الجيش مدرباً على أساليب الحرب الحديثة ومجهزاً بهازها، فقهر الوهابية، وساق الأمراء السعوديين الى عاصمة السلطنة العثمانية، فأعدم فيها من أُعدم، ولكن النزعة الدينية التي اصطبغت بعض الشيء بصبغة سياسية مازالت تكمن وتظهر، وبقيت حزازات النفوس وضغائن القلوب.

ولم يلبث محمد علي نفسه، أن دخل في نزاع مسلح مع السلطنة العثمانية، وقاد ابنه إبراهيم باشا الجنود الى انتصارات كاسحة وصل فيها الى مشارف العاصمة القسطنطينية، وكان يهدف الى إقامة دولة عربية حديثة، تحل محل العثمانية الواقفة على ثنية الوداع، ويُروى عن إبراهيم باشا قوله:” انه ستابع حروبه الى أن يبلغ آخر مكان يُنطق به بالعربية…” لكن ليس هنالك من ادلة!!!

على ان من الثابت ان محمد علي وبالرغم من كونه البانياً الى أنه كان يهدف الى احياء دولة عربية قوية، أكثر مما يهدف الى تحقيق مطامع شخصية في المُلك والسلطان. وقد اعترضت سبيله السياسة البريطانية، حذراً من أن تصبح الأمبراطورية العثمانية ( الرجل المريض) منقسمة الى دولتين، إحداهما تابعة للسياسة الروسية المؤيدة للسلطان العثماني، والثانية تابعة للسياسة الفرنسية المؤيدة لمحمد علي، وقد آل الأمر الى إتفاق انكلترة وروسيا والنمسا وبروسيا مع تركيا وبقاء فرنسا وحدها تنادي بغدر الإنكليز وكيدهم، واستقر محمد علي باشا في مصر بعد ان انتزعت منه سورية. وانشأ خديوية تطورت الى مملكة.

ولم تنه بذلك متاعب الدولة العثمانية، واستمرت الاضطرابات الداخلية والخارجية، فكانت تتقلب بين الفتن والحروب، وعجز دعاة الإصلاح عن معالجة أمورها وتقويم اعوجاج مسيرتها وسياستها، بعدما تأصل الداء وعزَّ الدواؤ! واقترنت دعوة الخلاص من الإستعباد والفساد، بدعوة العرب الى التحرر والنهوض، التي كانت تسيرهما بتأثير الادباء والصحافة والشعراء، ويقال أن الصدر الأعظم مدحت باشا الملقب لاحقاً بأبي الدستور، كان منشطاً للتحرر والنهوض في اثناء ولايته كوالي على سورية، بعد أن ساءت الأمور بينه وبين السلطان عبد الحميد، وانتهى الأمر بنقله الى الطائف وقتل فيها غيلة. وقد أجَّلَ الاتحاديون ذكراه بعد إعلان الدستور، لكن لم يتخذوا من مناهجه دليلاً يقتفون آثاره، كما لم يعبأوا بآراء غيره من الأحرار، مثل الأمير صباح الدين صاحب خطط اللامركزية والميرالاي صادق بك رئيس حزب الحرية والائتلاف والصدر الأعظم المحنك كامل باشا، وقضوا على الدولة التي آل اليهم أمرها في عشر سنوات.

وعندما اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى كان العرب على نوع من الاتفاق مع الأتراك، مبني على الشروط التي بين ممثل الحكومة في القسطنطينية مدحت شكري وبين أعضاء المؤتمر الأول الذي عُقدََ في باريس في ١٨ حزيران ١٩١٣، وكان الشريف علي حيدر وعبد الكريم خليل قام بدور الوساطة لدى طلعت زعيم الاتحاديين السياسي ووزير الداخلية آنذاك. والذي يطالع هذه الشروط التي رضي بها العرب يستغرب ضآلتها، فهي لاتزيد عن وجوب العناية باللغة العربية، وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية، وإشراك عدد من العرب في مجلس الأعيان ومجلس الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وقد نفذ اتحاديون ماتم الاتفاق عليه مع العرب بنسبة محدودة، فرضي بعض زعماء العرب، ولم يرض آخرون من الذين ظلوا يتجهون بآمالهم الى غايات أبعد ومقاصد أسمى.

ولما تحد الاتراك مع الالمان في الحرب العالمية الأولى، تحدث أنور وزير الحربية الى جمال الذي كان وزير البحرية، وأبلغه بأن لديه معلومات غير مطمئنة عن سورية والبلاد العربية، وانه يستطيع أن يؤدي الى وطنه خدمات جليلة جديدة، اذا قبل المهمة السياسية التي يُعهد اليه فيها، فورد بما أراد من السلطة، وهو رجل سياسي اكثر من كونه عسكري، ولذلك وقع الاختيار على الملحق العسكري في باريس علي فؤاد، ليصرف همه للشؤون العسكرية.

ولعله من المفيد ان نقتطف مما قاله هذا في مذكراته، عن وكيل القائد العام أنور، وعن تأهب جمال لعمله الجديد، وعن الاماني التي كان يمني بها الألمان والأتراك، ما نلخصه:

” زرت وكيل القائد العام أنور (السلطان هو القائد العام) وكنت خلفته قبل بضعة أشهر في منزله الصغير في بشكطاش ضابطاً شاباً كريم المهزة لين الجانب، واضعاً امامه صورة نابليون بونابرت قد أصبح في قصره نشا نطاش تفوح عليه مخايل حاكم قاهر دكتاتور، قد غاصت بشاشته واكفهرت اسارير وجهه، وقر قراره على أن يفعل فعل قيصر… وفي الحرب كل ما يرجوه من منزلة رفيعة وشرف باذخ، وهي أفضل وسيلة يبلغ بها مطامحه وشهواته، وينقد خوارق العادات التي قُدِّرَ لها ان تجري على يده…

وفي الحرب نجم الحاكم القاهر والواجب الذي لا يخالجه شك أنه إنزال عليه بقضاء وقدر… وغاية الحياة عنده أن يموت الانسان ميتة مذكورة، بعد أن يقيم سوق المنايا ويقعدها، ويحمل حملات عنيفة برؤوس الحراب التي يكتب تاريخ العالم.

وقال عن جمال:” زرته صبيحة اليوم الثاني فرأيت فيه إنقباضاً ووحشة أكثر من كل وقت رأيته فيه، كأنه ثمل منذ ذلك الحين بحميا المنزلة الشريفة التي كُتب له إحرازها.

وكان قادة الألمان يناظرون أركان حرب الأتراك، بما تكون عليه حدود بلادهم بعد الحرب، التي ستمتد الى شمالي القفقاس وتمر بجوار نهر الغولفا، ومصر داخلة فيها بلا خلاف، والمناظرة حول القريم (القرم) وتركستان، فسبق الى ظن علي فؤاد أنهم يتفكهون، ولكنهم كانوا في حديثهم جادين غير هازلين، وكان رئيس اركان الحرب الألماني يعمل الفكرة في امره، اذ يراه اثناء مناظرات الحدود غير منساق في التحدث بتلك الاحلام اللذيذة، فيعنى بإقناعه عناية خاصة، وقد سأله مرة ولماذا لا تكون هذه حدود بلادكم؟

وقد حل جمال باشا في قيادة الجيش الرابع المكلف بغزو مصر محل زكي باشا الحلبي الذي عارض فيه بجرأة عظيمة، وهز نبأ تعيينه مقر الجيش هزة لا توصف، فرغب كل انسان ان يذهب معه، ويقذف بنفسه في صحراء التيه ومجاهلها، وللهياج سلطان كبير على القلوب، تضطرم فيه العواطف وتتحكم بالعقل وتتغلب عليه، فتقوم مقام اللم والرأي والفن: العقيدة والايمان والرجاء.

وذكر علي فؤاد ما لقيه جمال باشا في حلب وحماه وحمص وبعلبك من الحفاوة والإكرام ، وما أعدت له دمشق من أفخم المواكب وأزهارها، وكيف كان الشعراء يتلون قصائدهم الحماسية، ويجعلون بما أوتوه من بلاغة فاتح مصر، ويسجلون له الفتح قبل وقوعه جزاء مقدماً له، وكان في ملامح وجهه وتمكنه من نفسه وتماسكه في عواطفه وسيطرته على ميوله، يردد فيمن حوله نظرات ساجية مستقرة، كأنها تنادي بأن الآمال في محلها، وانه حقيقي بكل ما قيل من شعر وعمل من حفاوة. اما زكي باشا قائد الجيش الرابع السابق، بعد وصول القائد الجديد، سار به القطار ساكناً ساكتاً مطمئناً لم يشعر بخبره الا قليل من الناس.

وحافظ جمال باشا على صلات طيبة برجال العرب، وكان عبد الكريم الخليل من أقرب المقربين اليه، الى أن انقلب على أعقابه من القناة، وكأنه أخذ يثأر من السوريين قتلاً ونفياً وتعذيباً، حتى انتفض الشريف حسين في الحجاز، وقد عجلت لذلك المغارم والمظالم بإيقاد الثورة، التي ترجع أسبابها الطبيعية والضروريةـ على رأي علي فؤاد نفسه- الى أمور أعمق وأدق، يأتي في مقدمتها موقع الحجاز الجغرافي ومطالب العرب القومية، وليس للأشخاص الذين طبعوها بطابعهم الا منزلة ثانية.

ولما كان الالمان يدفعون بالأتراك الى خوض المعارك بإثارة نفوسهم للفتوحات البعيدة، فقد كان لورنس يحدث الثائرين الذين آموا الحجاز من كل فج عميق بدخول دمشق التي لاتزال بعيدة نائية، واذا سمعوا باسمها كانت تسكن جوارحهم وينصتون كأن على رؤوسهم الطير، ولكن اين منهم تلك الأرجاء، وأين منهم النصر المؤزر الذين يبلغهم إياها…ومع ذلك فقد ابتسم الحظ مرة أخرى الذين يتصفون با لإقدام والجرأة وتساعدهم المقادير، وطوت الثورة العربية الحزون والسهول، حتى أدركت ما تؤمله، برغم الوسائل  القليلة والآلام الكثيرة والشكوك السائدة.

وهكذا انفصمت العرى بين العرب والترك، وذهب كل فريق في سبيله، يعالج ما خلقه الحكم العثماني الطويل من مشكلات في داخل البلاد وخارجها، معقدة بالخلافات العنصرية والمنازعات الطائفية والمطامع السياسية والدولية، وقصد صناديد الاتحاديين اوربه وآسية، سعياً وراء مغامرات جديدة، او استتاراً من الجرائم التي ارتكبوها وظلت تلاحقهم لينالوا عقاب ما جنت أيديهم.

اما جمال السفاح الذي اوردنا ذكره، حذره رئيس الديوان العرفي في عاليه من حكم التاريخ فأثار غضبه وسخطه، فقد روت بعض الوثائق التي نشرتها الثورة الشيوعية في روسيا على أن دوائر السياسة الحليفة كانت تنظر في مشروع اتفاق معه ليؤسس حكماً لنفسه في الأقطار العربية، على غرار محمد علي باشا، حتى قيل ان الفتك الذي تميز به انما كانت لتحويل الأنظار عما اباح به في هذا الأمر، واني لأرتاب بهذه الرواية التي تحدث عنها بعض وكلاء الدول الحليفة، وزعموا انهم فاوضوا جمال باشا على أساسها، وكان من الدهاء والتعصب التركي بحيث يستبعد ان يقع بمثل هذه الزلة، وقد أذيعت أنباء الوثائق السرية، قيل أن يصيب الزوال دولة الاتحاديين الذين كان في وسعهم أن ينتقموا منه، والأتراك حتى الآن لا ينظرون الى اسرته النظر الذي يدل على أن عميدها كان يدير خيانة للدولة، وهو ثالث الثلاثة الذين يحكمونها، اما الآخران فهما طلعت وأنور.

نهاية الحكم العثماني
نهاية الحكم العثماني

ولا تدل الوثائق على ان فرنسا كانت ترغب في مفاوضته، على حين انه كان حسن العلائق بها، وقد زارها قبل الحرب العالمية الأولى، ولقي تكريماً كثيراً، كما زارها بعد الحرب وقبل أن يعود ليلقي مصرعه في القفقاس، وهو في طريقه الى الأفغان، حتى ان جريدة الديبا التي كانت من أهم الجرائد الفرنسية السياسية، كتبت مقالاً شديد اللهجة تنكر على الحكومة الفرنسية ترحيبها بهذا الرجل، وفي بلادها أناس- أي سوريون ولبنانيون -يشعرون بألم شديد من ذكريات عسفه وظلمه.

وعدا ذلك فإن قادة الألمان وساستهم الذين كتبوا عن تركيا في تلك الأيام مثل المستشار فون سندرس، والمستشار فون باين الذين كانا في القيادة الألمانية في الشرق، قد بحثا عن جمال السفاح وانكرا طغيانه، ونصحا الحكومة العثمانية باستجابة مطالب العرب. ولم يذكرا فيما كتباه ماقيل عن مفاوضات جمال السفاح لوكلاء الدول الحليفة، واعتقد ان في الموضوع خديعة وتضليلاً.

وجدير ذكره ان ضيا كوك آلب، احد كبار المتحمسين للطورانية ارتأى بعد فوات الأوان في سني الحرب الأخيرة، ان تقوم علائق الترك والعرب على أساس أشبه بنظام النمسا والمجر، وروى ان محمود شوكت باشا، قائد الجيش الذي خلع عبد الحميد، كان يرى اتحاداً من هذا القبيل، تكون عاصمته حلب، ولا غرابة في نقل العاصمة، فقد اتخذ اتاتورك انقره بدلاً من إسطنبول، وكان جاويد بك وزير مالية الاتحاديين واكثرهم علماً وذكاءً، يتحدث بمثل هذه الآراء بعد الحرب، فقال له محدثه ولماذا لم تدع لذلك والأمر بيدكم؟ فأجابه: وهل كان لدينا من المعقول ما يتسع لقبول ما أذكره؟.