ضلالة الرسكوليين

ضلالة الرسكوليين الصائبين (المنشقينRasklniki )

ضلالة الرسكوليين الصائبين (المنشقينRasklniki )

الرافضين لعقيدة راية الصليب المقدس

ينضم الى اليهود والمبتدعين المجدفين على صليب المسيح الرسكوليون الذين خرجوا منذ عهد ليس ببعيد في أواخر القرن ١٩ في روسيا، وبالأساس هم خرجوا من العقيدة الارثوذكسية. فكبرياؤهم وعنادهم ومقاومتهم الشاملة لجميع المبتدعين فصلتهم عنا.

يقول الرسسكوليون:” اننا لسنا موافقين البتة لليهود والمبتدعين الذين يرفضون الصليب بالمرة لأننا نقبل بصليب المسيح المثمن الأطراف فقط لا المربعها…”

فقبل ان نجاوب على هذا ينبغي أن ننتبه الى الحقائق التالية التي هي اساس للإيمان الأرثوذكسي

أولاً- ان كل صورة تستحضر شيئاً مقدساً يجب أن لا تُكرم على بسيط الحال. بل لأنه بالصورة يعطى التكريم لعنصرها الأول. ولذلك ارتكزت المجامع المسكونية المقدسة على تلك الركيزة وهي:” ان شرف الأيقونة يرتفع الى عنصرها الأول”.

وهكذا فكل ساجد عن حُسنِ عبادة للأيقونة لا يُنجَزْ سجودُه بالأيقونة لأنه وهو ساجد لها بالجسم يسمو بالعقل الى ما هو أبعد، أي إلى ذات العنصر الأول وما تستحضر الأيقونة. وهذا ينبغي أن يقال أيضاً عن الصليب لأنه صورة المسيح المصلوب وشعاره.

اذن فالساجد للصليب لا يتم سجوده بل يرتفع بالعقل الى ماهو ابعد الى ذات يسوع المصلوب عليه. فهذا هو السجود التقوي للصليب الشريف وللايقونات المقدسة! إن المجامع المسكونية والآباء القديسون انما يعلموننا هذا السجود بصوت متفق!.

ثانياً- إن كل مفتش في الأيقونة عن القِدَمْ والغنى أو رسم التصوير وبهذا ينهي سجوده غير رافع عقله الى ما هو اسمى الى العنصر الأول أي الى مَنْ او ما تستحضره الأيقونة انما هو ساجد منافق. لأنه يسجد لعمل ايدي البشر ويتخذ المادة غاية لسجوده. وهذه الأشياء التي يسجد لها ليست مقدسة بذاتها، ولا هي جديرة في جوهرها بالسجود. وإنما هي مقدسة وتستحق السجود بالانتساب فقط أي لأنها تستحضر موضوعاً مقدساً: كأيقونة المسيح مثلاً، فإنها تستحضر المسيح وأيقونة والدة الإله وغيرهما من أيقونات  القديسين. فهكذا يجب أن نوضح بالتدقيق عن الصليب المقدس أيضاً. لأن من يفتش في الصليب… عن الثمانية الأطراف والستة الأطراف او الأربعة الأطراف!!! وينهي سجوده بهذه لم يرفع عقله الى ما هو اسمى الى المسيح المصلوب الذي أحرز منه الصليب القوة والقدسية، فذاك ساجد منافق كما قلنا. هكذا تقول المجامع المسكونية والآباء القديسون ويعلمّون!

ان القديس يوحنا الدمشقي يقول في عظته الأرثوذكسية عن السجود لأيقونة المسيح

” اني لا أكرِّمْ اللوح او الجدار ولا الدهان بل صورة جسد المسيح ونظر الرب”.

ثالثاً- لكل شيء مركب أو مؤلف مركبّاته أو أجزاؤه. وبعض هذه الأجزاء جوهرية ولا كينونة لذلك الشيء بدونها البتة وبدونها عرضية اصطناعية يمكن لذلك الشيء أن يواصل كيانه بدونها، مثلاً: الانسان موضوع مركب ومؤلف لأنه كائن من أجزاء كثيرة. إن في الانسان نفساً وجسداً. والجسد له أيضاً اجزاؤه، بعضها رئيسية: كالرأس والرقبة والصدر والبطن والرجلين وغيرهما. وبعضها من الدرجة الثانية كالعينين والأذنين والأسنان والأصابع وغيرها. أما الأعضاء الأخرى فتستخدم لأجل الزينة فقط كالشعر مثلاً.

بالرغم من انها كثيرة هي أعضاء جسد الانسان. ومع ذلك فليست كلها ضرورية جوهرياً لأجل كيان الانسان. وانما اثنان منها ضروريان لذلك هما النفس والجسد. وبدونهما لا يستطيع الإنسان قطعاً أن يكون. أما بدون شعر مثلاً وبدون اسنان ويدين ورجلين، وهلم جرا فيستطيع أن يواصل كيانه. ويُرى هذا أيضاً في موضوعات أخرى مركبة. ويجب ان نفكر في الصليب فنقول: ان الرسكوليين يفرضون في الصليب أربع مركبات: أولها الخشبة الممتدة بالطول، والثاني الخشبة الصغيرة المائلة بالعرض، والثالث (عنوان المسيح) الموضوع فوق الخشبة المعترضة، والرابع الخشبة الصغيرة المائلة او موطئ القدمين الموضوعة تحت المعترضة.

ضلالة الرسكوليين
ضلالة الرسكوليين

وعلى هذا النمط يسمون هذا الصليب المثمن الأطراف صليب المسيح الحقيقي. اننا نسجد لمثل هذا الصليب ونقّبله بمحبة ولا نوجّه مع ذلك انتباهنا الى أشيائه أو إلى مثمن أطرافه بل لأنه يمثل المسيح المصلوب كما قلنا آنفاً.

وهنا ينبغي أن نقول أيضاً أن هذه الأجزاء الأربعة لا تؤلف كلها جوهر الصليب. فالعنوان أولاً موضوع أعلى من الخشبة المعترضة ولا يُعزى بالمرة الى جوهر الصليب لأن المسيح مخلصنا لما حمل الصليب الى الجلجلة كان الصليب صليباً في الحقيقة، وان كان بدون العنوان.

ان الإنجيلي يوحنا اللاهوتي كتب: ” فحينئذ أسلمه اليهم ليُصلَب فأخذوا يسوع وخرجوا به، فخرج وهو حامل صليبه الى موضع يسمى موضع الجمجمة وبالعبرانية يسمى جلجثا” (يوحنا ١٩: ١٦ – ١٧) وأيضاً: ” وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب” (١٩ :١٩) فالصليب مع ذلك كان صليباً قبل العنوان.

إن هذه الحقيقة لأسطع من الشمس إذ يُرى من الانجيل ذاته أن (العنوان)لم يكن جزءاً جوهرياً للصليب ولم يعد البتة مع الأجزاء التي تركب منها الصليب. وهكذا بشهادة الانجيل ليس الصليب مثمن الأطراف ولننظر الآن في الخشبة القصيرة الموضوعة تحت المعترضة التي يصورونها مائلة ( وليس لها موجب شرعي) ويسمونها موطئ القدمين. فهل كانت تلك الخشبة الصغيرة المسماة موطئ القدمين على الصليب؟ ان الكتاب المقدس سكت عنها!. الا ان القديس يوحنا الدمشقي باستناده على كلام أشعياء النبي كتب في مواضيع كثيرة من ( الأكتويخوس) – كتابه المثمن الألحان -:”قد صُلبتَ أيها المخلص في سروة وشربينة وارزة”، (أش ٦٠ :١٢ – ٤١: ١٩)، ولذلك لا نرفض نحن موطئ القدمين المصور على الصليب. الا اننا نقول أن تلك الخُشَبة الصغيرة ليست جزءاً جوهرياً من أجزاء الصليب ولأنه لا يمكن للصليب أن يكون صليباً بدونه. إن الصليب بجوهره يمكن أن يكون صليباً بدونه. ان الصليب بجوهره يمكن أن يكون في الواقع صليباً من دون تلك الخشبة الصغيرة.

إن جوهر الصليب انما يقوم بأن يكون ضرورياً وكافياً لأن يسع الانسان المصلوب لأنه انما اختُرع وصُنِع لأجل هذه الغاية على التدقيق أي ليصلب عليه المحكوم عليهم. الا ان الصليب المربع الأطراف. وهكذا يكفي أن يكون الصليب المتسع للإنسان المصلوب مربع الأطراف بجوهره. ومن هنا يُرى جلياً ان تلك الخشبة الصغيرة المسماة موطئ الرجل ليست بجزء جوهري ولا ضروري للصليب ولو كانت على صليب الرب. فاذا كانت الحال هكذا كان من الحماقة وليس البتة من النطق والحِجة أن تُثار عنها مثل هذه المجادلات والمشاجرات التي يأتيها الرسكوليون.

فأذ قد وضعنا هذه الأفكار في الأساس نجاوب على اعتراضهم فنقول: عبثاً يسمي الرسكوليون صليب الرب مثمن الأطراف. لأن العنوان لا يُنسب أبداً  الى جوهر الصليب كما بُرهن آنفاً من الانجيل. أما الصليب بلا عنوان يكون مسدس الأطراف. وعبثاً أيضاً يثيرون مثل هذه المشاجرات والمخاصمات. لأن تلك الخشبية موطئ الرجل هي كالعنوان أيضاً اذ ليست بالقسم الذاتي للصليب كما بينا آنفاً. وعبثاً يسمي الرسكوليون أنفسهم الساجدين الأنقياء للصليب المقدس. لأنهم التصقوا بمادة الصليب، ويكرمون  مثمن أطراف الصليب تكريمهم له ويُهون سجودهم على هذا المثمن الأطراف غير رافعين عقلهم الى ما هو أسمى، الى المسيح المصلوب على الصليب الذي أحرز منه الصليب قوته كلها وقدسيته كلها وشرفه كله وقيمته كلها.

ولكن فليعلم المتمسكون عن عنادٍ بالصليب المثمن الأطراف اننا نحن الأرثوذكسيين نسجد أيضاً للصليب المثمن الأطراف والمسدس الأطراف والمربع الأطراف ولكل صليب حتى وللكثير الأطراف. فنكرم صليب الرب المقدس او على القول الأصح نسجد للشبيه بذلك الصليب الذي صُلب عليه الرب ما دام الصليب الأصلي الذي صُلب عليه المسيح لا يُقتنى. لأن  المسيحيين الأمناء قسَّموه ونقلوه بركة وشفاء في المسكونة كلها. فالآن يُصنَعْ او يُصَوَرْ شبيه ذلك الصليب. ونحن نكرم على الرغم من هذا شبيه الصليب كصليب حقيقي ولكننا لا نؤلهه لأن صليب المسيح الحقيقي ذاته ليس هو الله بل هو خشبة وعقوبة للآثمين. ونكرم الصليب ليس لأجل كمية اطرافه بل لأجل آلام الرب التي احتملها عليه مصلوباً، حتى ولا ننظر الى مثمن الأطراف او مربعها فقط لأننا لا نسجد لمادة الصليب ولا للخشبة ولا للأطراف الأربعة فقط او الثمانية، بل للمسيح ربنا متذكرين صلبه على الصليب، فليس الصليب مخلصنا بل المسيح المصلوب على الصليب وهو مخلصنا. ولسنا نسمى مسيحيين بالصليب بل بالمسيح الاله نفسه، وليس الصليب عندنا هو الله بل المسيح هو الهنا، لذلك لا نؤمن البتة بأطراف الصليب بل نضع ايماننا كله في ذات المسيح الهنا. ونكرم الصليب المقدس على السواء مهما كانت اطرافه ليس لأجل الصليب بل لأجل المسيح نفسه مصلوباً عليه، ولا نضع رجاء خلاصنا في مادة الصليب بل في المسيح المصلوب نفسه:” اننا نسجد كما يقول القديس يوحنا الدمشقي لصورة الصليب الشريف المحي من أية مادة صُنع، ولا نسجد للمادة – ألا فلا يكونن هذا – بل للصورة كرمز المسيح لأنه هو نفسه قال لتلاميذه: حينئذ تظهر علامة ابن البشر في السماوات، يعني الصليب” (شرح الايمان المدقق. الكتاب الرابع. الفصل ١٢). فانتبهوا لكلمات المعلم القديس فإنه قال: نسجد لصورة الصليب غير مكرمين فيه المادة بلا صورة الصليب كرمز لصلب المسيح. وهذا المعلم القديس يقول ايضاً: “اذ قد رأينا صورة صلب المسيح وبتذكرنا لآلامه المخلّصة نسجد أيضاً للمصوَّرْ لا للمادة المستخدمة. لأننا لانسجد لمادة الإنجيل ولا لمادة الصليب بل للصورة”. ( الفصل ١٧). فانتبهوا الى كلماته: ” لا للمادة بل المصَّوَّرْ” أي ليس لمادة الصليب بل لصلب المسيح المصور بالصليب. هذا هو ايماننا الأرثوذكسي الموافق لتعليم المجامع المسكونية والآباء القديسين! ان هذا الايمان لا يشبه بوجه من الوجوه الايمان بالصليب المثمن الأطراف الساجد للمادة كما لله!، الايمان الذي لعنته المجامع المسكونية المقدسة.

ويقول الرسكوليون:” ان الصليب المربع الأطراف انما هو ختم الدجال  المحكي عنه في الرؤيا :” وجعل الجميع الصغار والكبار الأغنياء والفقراء الأحرار والعبيد ان يَتَّسموا بسمهْ في أيديهم اليمنى وفي جباههم، ولا يقدر احد أن يشتري او يبيع الا من كان له هذه السمة او اسم الوحش او عدد اسمه” (رؤيا ١٣: ١٦ – ١٧).

ولكن لو كان الصليب المربع الأطراف ختم الدجال، لكان المجدفون على الصليب الذين يحيطون أنفسهم بالراية المربعة الأطراف عبيدَ الدجال. اذن فليكفوا عن أن يضعوا على أنفسهم الراية المربعة الأطراف إذا كانت هي ختم الدجال. او إذا كانوا يقبلون الصليب المثمن الأطراف وحده فليحوطوا ذواتهم به وحده، أي فليُنزلوا يدهم عن الجبهة، ويضعوها على السُرّة شعاراً لعنوان المسيح ثم من الكتف الى الكتف شعاراً لخشبة الصليب المعترضة، وأخيراً فليصوروا باليد على البطن الخشبة المائلة شعاراً لموطئ القدمين.! ولكن من ذا الذي لا يضحك من هذا الجنون؟

في صلاة السحر يوم عيد رفع صليب الرب المحي في الاحد الثاني ترنم الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة:” أيها المسيح الاله. ان العالم المربع الأطراف يتقدس اليوم لصليبك المربع الأجزاء المرفوع”. وفي قانون الصليب الشريف يقال أن:” الصليب قوة مربعة الأطراف وبهاء الرسل”(النشيد الأول). وفي ذلك القانون ذاته نقرأ نحن: “ان علوك الحامل الحياة أيها الصليب يضرب أمير الهواء. أما عمقك فينحر الحيات في جميع الهوّات ويصور ايضاً عرضك حاطاً امير العالم بمتانتك” (النشيد الرابع). وفي ذلك القانون يقال ايضاً: “انت رفعت بالمسيح المصلوب طبيعتنا الساقطة وإذ ساهمت في انهاضها ارتفعت الإلهية عالياً وعمقت بما لا يوصف فأنت هو راية المسيح أيها الصليب الفائق الغنى والسعة التي لا تقاس وشعار الثالوث الحامل الحياة الغير المدرك” (النشيد الثامن).

هكذا يتمجد المربع الأطراف في صليب المسيح لا المثمن. العلو والعمق والعرض. ولذلك يسمى الصليب: المثلث التركيب والمثلث المحبة والمثلث الغبطة ورسم الثالوث المثلث الأقانيم. لأنه بالعلو يشير الى الآب الساكن في العلى. وبالعمق يشير الى الإبن النازل حتى الى الجحيم. اما بالعرض مع الطول فيشير الى الروح القدس الحاضر في كل مكان والمالئ الكل ولذلك لما نرسم نحن على أنفسنا راية الصليب نقول: “باسم الآب والإبن والروح القدس”. قال القديس أثناسيوس اللاهوتي:” اننا نسجد لصورة الصليب المركب من خشبتين الذي ينقسم الى الجهات الأربع” ( راجع كتاب ( العصا) الصفحة ٦٦). وكتب القديس يوحنا الدمشقي: ” كما ان أطراف الصليب الأربعة تتوطد وتتقوى بالمركز المتوسط هكذا بقدرة الله يثبت العلو والعمق والطول والعرض”, (شرح الإيمان المدقق. الكتاب الرابع). وفي (الكتاب المسمى بالإنجيل التعليمي القيامي) مكتوب هكذا: ” ان صورة الصليب المقسوم الى الجهات الأربع يُظهر بوسطه أو بمركزه ان كل شيء يثبت بقدرة الله: فيثبت العالي بالطرف العالي او بالقرن. والتحتاني بالطرف التحتاني. اما الوسط فيثبت بهاتين أي بطرفي خشبة الصليب المعترضة…

ان الرسول القديس بولس بدلالته على هذا يقول:” ليحل المسيح في قلوبكم بالإيمان حتى اذا تأصلتم في المحبة، وتأسستم عليها تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وان تعرفوا ايضاً محبة المسيح التي تفوق المعرفة لتمتلئوا بكل ملء الله” (افسس: ١٧– ١٩). أي انه يعني بالعلو ما هو سماوي وبالعمق ما هو جحيمي. أما بالعرض والطول فيعني الأطراف الوسطى المثبتة بالقدرة الملكية الكلية” (عظة على عيد رفع الصليب. الورقة ٣٤٧ على ظاهرها).

ان القديس يوحنا الذهبي الفم بتفسيره كلام الرسول بولس هذا يقول: “انه يسمى العرض والطول والعمق والعلو ليظهر محبة الله العظيمة المنتشرة في كل مكان”.

والله تعالى خلق هذا العالم على شكل صليب مربع الأطراف لأنه برأ فيه الشرق والغرب والجنوب والشمال. نعم والإنسان مخلوق أيضاً على شبه صليب مربع الأطراف لأنه إذا بسط يديه  فصار يشبه الصليب المربع الأطراف. وماذا يقال أكثر؟ أليس جميع المسيحيين يرسمون اشارة الصليب على ذواتهم رسم الصليب المربع الأطراف لا المثمنها لأن المسيح ربنا صُلب على صليب مربع الأطراف لا مثمنها؟ افلا يتباركون براية الصليب المربع الأطراف كأنه راية المسيح وخاتم موهبة الروح القدس في المعمودية بالميرون المقدس؟

إذن فالذين يسمون الصليب المربع الأطراف خاتم الدجال لا خاتم الروح القدس يجدفون على سر الميرون المقدس أيضاً.

ان مبتدع هذه الهرطقة ورئيسها الأول كان المسمى بولييتير Buglliter  المبتدع اليوتيراني. وكيف اجتاز هذا التجديف البذيء الى الرسكوليين في روسيا. ان هذا غير معروف. ولكن لا عجب. لأن الروح الشرير الفاعل في المبتدعين الأجانب يعمل في الروس حيث يفترض واقعاً تجذر الايمان الأرثوذكسي!

قد بينّا الشهادات على صليب المسيح المربع الأطراف. فما هي تبريرات المجدفين على الصليب وهو ما نسأل؟

نقول ان الصليب  مربع الأطراف الذي نرسمه على اجسادنا وبه نعلن مسيحييتنا هو المكَّرَمْ.

اما الذين يسمون الصليب المربع الأطراف “خاتم الدجال” فهم المهرطقون. ان الأمم كله تنقسم في زمن الدجال  الى نصفين: فبعضهم سيؤمنون بالمسيح وبعضهم بالدجال. وكلا النصفين سيُعلمون بخاتم المسيح وبالدجال سيعلَمون بخاتمهم.

مكتوب في سفر الرؤيا عن المؤمنين بالمسيح

” ورأيت ملكاً آخر قد طلع من مشرق الشمس ومعه خاتم الله الحي وصرخ بصوت عال الى الملائكة الأربعة الذين أعطوا أن يضروا الأرض والبحر، قائلاً: لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الشجر حتى نختم عبيد الهنا على جباههم” (رؤيا ٧: ٢ -٣).

اما عن الذين يؤمنون بالدجال فمكتوب عنهم هكذا

” وجعل (الدجال) الجميع الصغار والكبار الأغنياء والفقراء الأحرار والعبيد ان يتسموا بسمهْ في أيديهم اليمنى، لا يقدر احد ان يشتري ويبيع الا من كان له السمة او اسم الوحش او عدد اسمه، فها هنا هي الحكمة مّن كان ذا فهم فليحسب عدد الوحش لأنه عدد انسان وعدده ستمائة وستة وستون” (رؤيا ١٣: ١٦ -١٨). فخذوا تفسير القديس اندراوس رئيس أساقفة قيصرية الجديدة لسفر الرؤيا وتعلموا منه ما هو خاتم المسيح وما هو خاتم الدجال وكفّوا عن الأفك والبهتان.

ويقول الرسكوليون: ” لم يكن صليب المسيح من خشبتين بل من ثلاث خشبات أي من سرو وشربين وارز لأنه هكذا كُتب في المثمن الألحان. فإذا كان الصليب مركباً من ثلاث خشبات فكيف أمكن أن يكون مربع الأطراف؟

ولكن قيل آنفاً أن أجزاء كل شيء مركب بعضها يكون ذاتياً لا يمكن للشيء المركب ان يوجد بدونها، وبعضها عرضي يمكن للشيء ان يتابع كينونته بدونه. وقد كان الصليب في الحقيقة صليباً في جوهره بلا العنوان الذي وضعه بيلاطس على الصليب بعد ان عُلِقَ عليه المسيح. نعم وموطئ القدم لا يُعزى الى ذات الصليب. لأن المسيح لما حمل الصليب الى الجلجلة لم يكن موطئ القدمين حينئذ لأن المسيح لم يكن قد رُفعَ على الصليب والجند لم يعرفوا الحد الذي تصل اليه رجلا المسيح، ولذلك لم يعملوا موطئ الرجل الذي عمل في غالب الظن على الجلجلة. ان الصليب الذي حمله مِنكبا المسيح لم يكن ولا ريب مثمَّن الأطراف بل مربع الأطراف. ويقولون: ” هكذا وصار آلة رومانية”. ولكن في انجيلنا السلافي يسمى صليب المسيح صليباً لا آلة رومانية: ” فخرج وهو حامل صليبه الى موضع يسمى الجمجمة وبالعبرانية جُلجثا” (يو ١٩: ١٧). وأيضاً:” وبينما هم خارجون اذ صادفوا رجلاً قيروانياً اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه” (مت ٢٧: ٣٢). وهكذا يسمي الإنجيليون القديسون في اللغة الروسية صليب المسيح المربع الأطراف الذي حمله كتفا المسيح لا آلة رومانية. اما تسمية هذه الآلة فليست رومانية بل بولونية. فإسم الصليب عندنا هو كريست وعند البولونييين آلة، وعند الرومانيين كروكس، وعند اليونانيين صليب وعند العبرانيين غيتس. اما الرسكوليين فيريدون ان تتكلم الأمم كلها باللسان الروسي. ولكن هذا لا يمكن ان يكون ابداً. لأن الله قد أعطى مختلف الأمم مختلف اللغات عند بناء البرج كما ترنم الكنيسة الإلهية قائلة:” لما اتفقت الألسنة قسم العلي الألسة.

وايضاً لو كان الصليب قد صُنع من ثلاث خشبات كما يبين الرسكوليون ( بالأكتويخوس) المثمن الألحان لما كان مثمن الأطراف بل مسدسها، لأن الصليب المعمول من ثلاث خشبات لا يمكن أن يكون مثمن الأطراف. فإذا قالوا ان العنوان الذي وضعه بيلاطس على الصليب كمَّل مثمن الأطراف فقد قيل آنفاً ان العنوان لا يُعزى البتة الى الصليب. قولوا لنا على ماذا كان ذلك العنوان مكتوباً؟ أعلى ورقة ام على تنك، ام على نحاس، ام على خشب؟  فإذا قلتم على خشب فكيف يوَفَّق هذا وقول كتاب الاوكتويخوس المثمن الألحان القائل عن ثلاث خشبات فقط من السرو والشربين والأرز؟ اما أنتم فافترضوا الرابع. واذا قلتم قد كُتب العنوان على ورق او على نحاس او على تنك ففي حالة الستة الأطراف يكون الصليب اذن من ثلاث خشبات. وطرفا ذلك العنوان يمتنع حينئذ أن يكونا هكذا مهميّن حتى يُعَّرَّفْ بهما مثمن الصليب. فكيف توفقون الآن الخشبات الثلاث والمثمن الأطراف؟ لأنكم لو قلتم أن صليب المسيح عُمل من ثلاث خشبات فقط لاستحال البتة ان يكون مثمن الأطراف. ولو قلتم ان العنوان كمثل مثمن الصليب لما كان صليب المسيح ثلاث خشبات وطوواً بالصليب المثمن الأطراف. من كان ايمانه بالله على هذا النمط فليس له في ذاته أساس متين.

اما نحن الأرثوذكسيين فنثبت ان الامعان في تقصي هذا انما هو زائد وحشو مفرط بل هو عمل فضول وحب الاستطلاع أكثر مما هو حسن تعبّد وتقوى. وإحداث الإنشقاق بسبب هذا في كنيسة المسيح والميل بالشعب السليم عن وحدة الكنيسة انما هو كفر ونفاق وتهجم على شق جسد المسيح الذي هو كنيسته المقدسة.

إن ايماننا وخلاصنا لا يتمان بعدد خشبات الصليب ولا بعدد أطراف الصليب بل في المسيح ربنا الوحيد المصلوب على الصليب. ويكفينا إيماناً واعترافاً بأن ربنا صُلبَ لأجلنا على الصليب. اما وضع الايمان ورجاء الخلاص في عدد خشبات الصليب واطرافه أفما يكون مضادة للمسيح نفسه؟ هل افتدتنا خشبات الصليب او أطرافه؟ أو ما افتدانا المسيح إذ أُهرق دمه لأجلنا على الصليب؟ ليس صليب المسيح مشرَّف عندنا بعدد الخشبات ولا بعدد الأطراف، بل بالمسيح نفسه وبالدم الطاهر الذي تضرج به. فلو اصدر صليب ما معجزات على سبيل الفرض، فلا يصدرها بذاته، بل بقدرة المسيح الرب المصلوب عليه وباستدعاء اسمه الفائق الشرف.

ان الصليب المثمن الأطراف شريف، وشريف أيضاً الصليب المربع الأطراف. كلاهما شريف على السواء وقوتهما متساوية، وكل منهما هو صليب المسيح المحيي. إلا انهما ليسا إلهين لنا لنؤمن بهما بل هو راية آلام المسيح إلهنا الذي نؤمن به وحده ولأجله نكرم الصليب كيفما كان.

الخلاصة

بعد كل ماقيل، فهل من معنى أو أساس للإنفصال عن الكنيسة من أجل الصليب المربع الأطراف او المثمنها؟ أمن الممكن ان يكون الصليب المربع الأطراف بدعة ضد الله ؟ أو من الممكن أن يكون الصليب المثمن الأطراف عقيدة الايمان؟ لا الكتاب المقدس ولا الرسل القديسون ولا معلمي المسكونة، نعم لا أحد يرفض الصليب المربع الأطراف ولا المثمنها على السواء. ان الكفار الرسكوليين وحدهم احدثوا انشقاقاً على صليب المسيح الذي صالح العالم كله مع الله بل عداءً غير قابل للمسالمة ولأجل مجد الانشقاق.