الفطرة والإيمان وأثره في حياة الإنسان
اذا رجعنا الى الانسان الأول في مجتمعه الفطري الطبيعي، وعرفنا كيف جابه به صعوبات الحياة فريداً عاجزاً متوحشاً، ورأينا كيف وقف امام ظواهر الكون وألغازه وجلاً خائفاً، وآملاً راجياً، ثم استقرأنا ما في قرارة نفس كل فرد منه من انعكاسات وايحاء، لوجدنا لدى افراد الانسان الأول وحياً واحداً تجاه هذه الأوضاع، منبعثاً من فطرته، ومتفقاً مع طبيعته، سواء في وضع الانسان تجاه ما وراء الانسان من قوة قاهرة مسيرة، يلمس آثارها ولكنه لا يراها، وهي مصدر خوفه تارة، ومكان أمله أخرى، ومبعث ملاحظاته وتفكيره دوما.
فكل مظاهر الكون أمام الانسان كانت ألغازاً مبهمة تبعث على الملاحظة والتفكير، بل مفاجآت مخيفة مقلقة: تفزعه العواصف اذا ثارت واحاطت وتخيفه الأنهار اذا فاضت وهاجت، وتذهب البراكين بقلبه ولبه اذا انفجرت، ويقلق من الشمس اذا لفحته بنارها، ويجفل من الليالي ومن وحوشها، ويرتاب من السماء ومن نجومها…

وهكذا فإن ضعف الانسان الأول امام صعاب حياته، وخوفه من مظاهر الكون المعاصر والغازها، بل انهيار أعصابه أحياناً امام ما يصيبه من أذاها، كل ذلك كان لدى الانسان الفطري السليم في خلقه، والحي في شعوره وظله، مبعثاً لديه للانفعال والتفاعل، ومنبهاً فيه لحس الملاحظة والتفكير، ولا نرى في تنبه حس الملاحظة والتفكير لديه الا مصدراً لكل خير، اذ ليس الانسان العاقل والسليم في تكوينه هذا الذي يمر بهذه الكائنات العظيمة ومظاهرها العجيبة وكأنه لا يراها.
وليس الانسان الصحيح هو الذي اذا فاجأته أحداثها لم يهتز لها، ولم تتجه نفسه للبحث عن اسرارها، وللتعرف على ما وراءها، وانما يبحث فيستهول الكون، ويستقبله بالحيرة أولاً، ثم بالاستقرار والتقديس لمن وراءه ثانياً، لأن واقع هذا الكون هائل ومحيّر، ومحفز للتقديس والافصاح عن القداسة بلغة اللسان او لغة الضمير.
وعلى هذا فإذا كان صغر الانسان أمام عظمة الكون الهائلة، وضعفه أمام مظاهر الطبيعة هو مصدر الوحي بالإيمان بما وراء هذا الكون ومظاهره: من قوة قاهرة حكيمة ومسيرة، فليس معنى ذلك أن معدن الايمان هو من طبيعة الضعف في الانسان! ولو كان معدن الايمان هو من طبيعة الضعف في الانسان لما كان أوفر الناس نصيباً في الايمان الا اوفرهم نصيباً من الضعف والهوان! ولكن اين هذا من جميع بناة الأديان ومؤسسيها المخلصين، الذين كانوا جميعاً أقوياء ومن ذوي البأس والخلق المتين، ومهما يكن من الصلة ما بين ضعف الانسان وإيمانه، كما ذهب اليه الكثير من الباحثين، فإن الانسان لا يزداد ايماناً كلما ازداد ضعفاً، ولا يضعف على حسب نصيبه من الإيمان، بل مازال الضعفاء في النفوس اذا ما جردوا من كل قوة وسلطان هم الضعفاء في الايمان، ومازال ذوو القوة في الخُلق لدى كثرة الناس في هذا المقام هم ذوي القوة في الايمان، ولذلك لم يكن الانسان المعتقد هو الانسان الواهي الهزيل، ولم تكن القيادة الصحيحة للناس في ايمانهم يوماً من الأيام هي القيادة في الوهن والضعف.! ” بل كانت أعظم الحوادث التي انتجت أعظم الآثار في التاريخ هي قيام الديانات” “ولهذا كان الأصح والأولى بالتقرير والتحقيق، أن العقيدة تعظم في الانسان على قدر إحساسه بعظمة الكون، وعلى قدر إحساسه بصغر نفسه وهوان شأنه” امام الكون.

وان مبلغ الا حساس بالعظمة هو مبلغ الإحساس بالعقيدة الدينية، وان صغر الكون في نظر الانسان نقص في الشعور بظاهره وخافيه، ونقص من اجل ذلك في طبيعة الاعتقاد والايمان، وعلى هذا تكون العقيدة بما وراء هذا الكون العظيم: من قوة قاهرة عليمة مسيرة لهذا الوجود العظيم الهائل، هي تتجاوب مع عظمة هذا الوجود المحيط بالنفس الإنسانية، كما تكون هذه العقيدة المنبعثة عن وحي عظمة الكون دليلاً على صحة تكوين ذلك الانسان وكمال التفكير فيه، وليست دليلاً على نقصه وغفلته عن حقائق الأمور.
وهكذا دُفع الانسان الفطري الأول دفعاً تحت عامل الانفعال من مظاهر الكون العجيبة، وتحت عامل تنبه حس الملاحظة والتفكير فيما وراء هذا الكون ومظاهره، وأخذ في اندفاعه يفتش عن الفاعل القاهر الذي لابد منه لهذه الكائنات ومظاهره، ولكنه وقد فتش عن الفاعل والمسيّر لهذه الظواهر، اندفع يناديه من أعماق قلبه بكل معاني التقديس والتجريد معتقداً بأنه لا شك من ورائها، وانه خالقها وباعثها، والمسير لها بخيرها وشرها، وهكذا احبه لخيرها وخافه من شرها، وعبده رغبة ورهبة، مستعطفاً ومستجيراً، وطالباً رحمته، وسائلاً رعايته وحمايته.
وهكذا انبعث الايمان من ذات الانسان، وشع نوره في قلبه بوحي من فطرته وطبيعته، وآمن بأن هناك من وراء الكون هذا قوة فوقه هي التي ابدعته واوجدته، وبسطت عليه سلطانها، وفرضت عليه احكامها وهي مناط آماله، ومكان رجائه، وان هذه القوة ليسن بمادة ليلمسها ولا بأشخاص ليراها، وانها غير محدودة بشكل ولا ملموسة بيد، وهي حاضرة في كل مكان.
ويرى الباحثون في أصول الأديان ومبعثها لدى الانسان الفطري، أنه قد تعاون عدة عوامل على خلق هذه العقيدة الدينية: فمنها الخوف من الموت، ومنها كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة، او الأحداث التي لم يكن في مقدور الانسان فهمها، ومنها الأمل في معرفة الآلهة، والشكر على ما يصيب الانسان من حظ سعيد. وكان أهم ما تعلقت به دهشة الانسان الأول، وما استوقف انظارهم في سر الانسان العجيب، وهما الجنس والأحلام، ثم الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء في الأرض والانسان، فقد بهت الانسان البدائي لهذه الأعاجيب التي يراها في نومه، وفزع فزعاً شديداً حين شهد في رؤياه أشخاص أولئك الذين يعلم عنهم علم اليقين انهم فارقوا الحياة، وقد دفنهم بيديه ليحول دون عودتهم، ودفن معهم الوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد، فيصي عليه لعنته.
وكيفما كان الأمر، فإن هذه العوامل التي تدافعت على شخص الانسان في مجتمعه الفطري الأول، واحدثت في نفسه ما أحدثت من قلق وذعر، لم تكن كما أشرنا اليه من قبل نتيجة ضعف في شخصه وفي تكوينه، وبالتالي فإنها لم تكن في غير مصلحته، بل الأمر هو على العكس تماماً: فلو انه لم يشعر بشيء من ذلك في نفسه تجاه هذه الأحداث ومظاهر الكون العجيبة، لكان ذلك هو الدليل على ضعف تكوينه، وجمود حواسه، وعدم استعداده لعمل شيء ما في هذه الحياة في سبيل بقائه.
ولذلك لا نعتبر ما انتهى اليه الانسان الأول من إيمان إثر هذه العوامل التي تفاعلت في نفسه، واندفع من ورائها يطلب البقاء بأي ثمن كان حتى اهتدى الى الإيمان بالله الا دليل الحيوية، والنشاط الحسن والملاحظة، والتساؤل لفهم ما لم يفهم: مما هو ضروري لا بد منه للتطور والابداع والقدرة على البقاء.
ولقد دلت التتبعات لتواريخ حياة الشعوب الذين لم يكن لديهم ديانة قط فيما يبدو، إنما هم قبائل الأقزام في بعض القارات، وخاصة أقزام افريقيا، وهؤلاء عجزوا وحدهم في تاريخهم القديم والحديث عن المساهمة في الحضارة الإنسانية. فأقزام افريقيا لم يكن لديهم عقيدة او شعائر دينية يقيمونها، ولم يكن لهم طوطم ولا اصنام، ولا آلهة. وكانوا يدفنون موتاهم بغير احتفال، وإذا ما فرغوا من دفنهم لم يبد عليهم ما يدل على اهتمامهم بهم او حزنهم عليهم. بيد أن اقزام الكاميرون قد اعترفوا بآلهة الشر وحدها، ولم يحاولوا قط إرضاء هذه الآلهة، على أساس أن المحاولة ي هذا السبيل عبث لا يجدي، وذلك دليل العجز، وفقدان الحيلة في العمل لدفع ما يؤذيهم، كما هو دليل الانحطاط في الإنسانية الى أسفل درك في الحيوانية التي من شأنها الاستسلام للواقع ولو كان فيه الموت. وكذلك قبيلة “فيدا” في سيلان، فقد اعترفت باحتمال وجود الآلهة وخلود الروح، لكنهم لم يجاوزوا ذلك الحد الى تأدية الصلاة او تقديم القرابين، وسأل احدهم سائل عن الله، فأجاب في حيرة فيلسوف حديث:
“أيكون على صخرة، ام على تل من تلال النمل الأبيض، ام على شجرة ؟اني لم ارَ قط إلهاً”. وكذلك الشأن في اقزام اميركا الشمالية وهنودها، فهم وان تصوروا إلهاً، لكنهم لم يعبدوه، وظنوا أنه أبعد من أن يعتني بأمورهم، وقال هندي من قبيلة “ايبون”: أن آباءَنا واجدادنا كانت تعنيهم هذه الأرض وحدها، لا يرجون شيئاً سوى أن ينبت لهم السهل كلأً، ويفجر لهم ماءً لتطعم جيادهم وتشرب، انهم لم يشغلوا أنفسهم ابداً بما كان يجري في السماء، وبمن هو خالق النجوم وحاكمها! وكلما سُئِلَ الأسكيمو: من ذا الذي صنع السماوات والأرض؟ كانوا يجيبون دائماً بقولهم: “لسنا ندري”، وسُئِلَ رجل من ” الزولو”: اذا رأيت الشمس تشرق وتغيب، واذا رأيت الشجر ينمو، فهل تعرف من هو خالقها ومن هو حاكمها؟ أجاب ببساطة:
كلا، فنحن نراها، لكننا لا نستطيع ان علم كيف جاءت! ويظهر أنها جاءت من تلقاء نفسها!

وهكذا نرى ان الايمان بالخالق كان نتيجة حركة فكرية: من يقظة وملاحظة وحركة وسؤال، وإن عدم لاكتراث بمن وراء ظواهر الطبيعة، كان نتيجة جمود في الحس والعقل والحركة مع فقدان الملاحظة والحيوية، ولذلك كانت الحضارات من انتاج الأولين أصحاب الحيوية والملاحظة والتفكير والاستنتاج، أصابوا أم أخطأوا في استنتاجهم، اما الآخرون الجامدون في حسهم فقد ظلوا كالأموات : أقزاماً لا يفهمون، ويقول ول ديورانت في هؤلاء الأقزام غير المؤمنين: “ان هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشرية كلها، اعتقاداً سليماً، وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية النفسية… من حيث قدم ظهورها، ودوام وجودها، فما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شيء من صدر الانسان؟” وكذلك يقول الدكتور ستانلي كوك مؤلف كتاب دراسة الأديان:” كان للدين في نفوس القدماء منزلة لا تدانيها منزلة، كما هو شأنه اليوم بالنسبة لكافة المحدثين الذين هم أقرب الى الفطرة…
وكان دينهم عملياً الى حد بعيد، هو حياتهم وقد انطبع في اسلوبهم في الحياة، وفي وسائلهم في كسب القوت، وفي طبيعة ارضهم ومناخهم وكان يعبر عن مزاجهم، ويوجه تفكيرهم… وكان الدين قديماً عاملاً جوهرياً في كافة الأحداث التي لازمت الانحطاط او النهوض الاقتصادي”.
ونقول ان الايمان أساسه ظاهرة فطرية اجتماعية شاملة، فاذا رفضنا هذا الدافع الفطري الى الايمان بخالق هذا الكون ومبدعه فلن يستقيم معنا تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية الشاملة لحياة الانسان واصوله، مما اجمع عليه المؤرخون، تلك الظاهرة التي قامت في التاريخ القديم لدى جميع الشعوب – رغم اختلافها – على الايمان بخالق لهذا الكون، وهادم له إذا ما يشاء. وكذلك إذا رفضنا هذا الدافع الفطري الى الايمان بخالق لهذا الكون فلن يستقيم معنا ايضاً فهم لوجود الآلهة لدى جميع الشعوب القديمة التي كشفت عنها الآثار، وقد جسمها أصحابها بعد ان كانت قوى مجردة.
وهكذا نقل المؤرخون بإجماع أن عقائد الهنود القدماء انما كانت قائمة على القول بوجود إله واحد أبدي غير محدود، هو أصل للعالم وروحه، وهو “براهم” او ” الروح الأعظم”، خالق هذا الكون وهادمه، وكذلك قال المؤرخون فيما يتعلق بعقائد الرومان القدماء، انهم كانوا يمارسون ديناً شبيه بأديان الاغريق والهنود القدماء، وانهم كانوا يقيمون عقائدهم الدينية على فكرة أساسية، هي الايمان بأرواح غير مسماة ، وبقوى ليست عادة او بأشخاص :” نوميتا ” أي انها غير محدودة بشكل ولا ملموسة بيد، وهي حاضرة في كل مكان، وكذلك كان الايمان لدى سكان الصين البدائيين:” فلم يكن الدين لديهم يختلف بوجه عام عن دين عبدة الطبيعة، وعبادة الأرواح الكاملة في جميع نواحيها، وكذلك كان الشأن لدى المصريين القدماء:” فمن المتفق عليه ان الآلهة لدى المصريين هي في اصلها من القوى الطبيعية المهمة التي كانت ذات أثر مهم في حياة سكان وادي النيل القدماء: حيث جسموا وشخصوا هذه القوى بعدئذ وعبدوها على هيئة آلهة”. وكذلك كان الأمر لدى سكان ما بين النهرين في العراق.

بل اذا صعدنا في تتبع الأصول البشرية حتى نصل الى الجدين آدم وحواء في جنتهما وعزلتهما، فإن وجودهما في ذلك العالم البديع الذي لا يعرفان من امره بل ولا من أمرهما شيئاً، أعزلين مجردين من كل خبرة ومعرفة، لم يكونا بلا ريب دون احفادهم وانسالهم فيما بعد ذلك بعصور في هذا الشعور الفطري في التوجه نحو الخالق والايمان به، فلقد وجدا نفسيهما في جنتهما وهما يعلمان انها ليست من صنعهما، وجدا كل شيء في الجنة طوعهما، فعاشا زمنا في نعيم دائم لا حد له وهناء لا مثيل له، فمن الذي اوجد جنتهما ومن الذي وضع فيها كل شيء لسعادتهما؟ هل هما اللذان اوجدا نفسيهما؟
كلا، وهما يعرفان مدى سلطانهما ومنهى قدرتهما! أو خلقوا جميعاً من غير خالق؟ ” أم خلقوا من غير شيء”؟ ام هم الخالدون؟ ام خلقوا السموات والأرض؟؟.
لقد ذهبت الأديان جميعها، وتبعهم المؤرخون المؤمنون بأن الله تجلى لهما في جنتهما، وتلقيا منه أوامر ونواهي زاجرة، فعصيا مرة واحدة، فجردهما من سعادتهما، واخرجهما من الجنة، والقى عليهما وعلى نسلهما أعباء الحياة وشقاءها، وكلفا بالاستقامة في حياتهم، وبالامتثال لأوامر الخالق وان لا يقدما على معصية ثانية فيلقيا جزاء ثانياً. وهكذا حمل آدم وحواء المسؤولية اولاً عن نفسيهما، وكلفهما بحمل المسؤولية ثانياً في القيادة والحكم في نسلهما، وكان العقاب الذي لقياه بسبب خروجهما على الأوامر الإلهية عظة قاسية لهما، ومثلاً يحتذيانه في قيادة النسل البشري برمته.
ومن هنا اشتركت معظم الشرائع القديمة بالاعتقاد بأنها مستمدة من الآلهة، وبالاعتقاد بأن الحاكم يمثل الإله في هذه الأرض، لقد تصور سكان العراق الأقدمون الكون على هيئة دولة او مملكة تحكم فيها الآلهة وتدير شؤونها وتتدرج السلطة فيما بينها، وتتوزع الأعمال، ويتجلى في المملكة مبدأ الطاعة، والا لما امكن وجود المجتمع والدولة ، وذللك صارت إطاعة أنظمة المجتمع وأحكامه على رأس الفضائل المتطلبة في الفرد، وتتدرج الطاعة وتتنوع من إطاعة الفرد الى رأس اسرته، ثمن من هذا الى إطاعته لرأس المجتمع، ثم من هذا الى إطاعة الآلهة.
وأن ما تقدم من أثر الفطرة في تكوين الايمان بالخالق يحملنا على الجزم الآن بأنه ليس من الممكن فهم تطور الانسان، في مختلف الأمكنة والأزمنة، بل ليس من الممكن فهم نشأة حضاراته القديمة ما لم تفهم هذه الحقيقة في نشأته، وهذه الصفة الدينية لمجتمعه.
ويقول ستانلي كوك مؤلف كتاب دراسة الأديان:” وكان الدين عند الأقدمين أهم شأناً مما هو عادة عند شعوب العالم الحديث، وكان يشمل كل ما يحسون انه أحق الأشياء وألزمها لهم، وكان جزءاً أساسياً من نظامهم الاجتماعي والسياسي لا ينفصل عنه بحال من الأحوال…ومن ثم لا يمكننا أن نعد الدين مجرد شيء ابتكره الكهنة أو الحكام أو رفضوه، بل لا بد للدين أن يسد الى حد ما حاجات البشر التي لا غنى لهم عنها” لذلك قال المؤرخون لتاريخ العراق القديم ولتاريخ حضاراته: انه يتعذر فهمهما ما لم يمهد لدرسهما بفهم ديانة القوم وعقائدهم. وما قيل في شعوب العراق يمكن ان يقال في سائر شعوب العالم القديم ممن ساهم في تاريخ الحضارة.

ويقول علماء الاجتماع: ان الشعائر الدينية قديماً، هي التي كونت الرابطة في جميع المجتمعات، وان الدين يحتوي على جميع العناصر التي أوجدت مختلف مظاهر الحياة الجماعية، وانه لا يمكن فهم تصوراتنا الفلسفية اليوم دون معرفة العقائد الأولى التي كانت صورتها الأولى. وهكذا نجد في أصول العقيدة والدين جميع مصادر الحضارة.
واخيراً يقول غوستاف لوبون في كتابه – سر تطور الأمم -: ” كانت المبادئ الدينية على الدوام أهم عنصر في حياة الأمم، وهي لذلك اهم عنصر في تاريخها، وان اكبر الحوادث التي انتجت أعظم الآثار هي قيام الديانات وسقوطها، وان جميع النظم السياسية، والتدبيرات الاجتماعية، قامت منذ بداية التاريخ على معتقدات دينية… وان الدين أسرع مؤثر في الأخلاق”.
هذا واذا كان علماء الاجتماع قد أثبتوا للدين ذلك الأثر العظيم في حياة الشعوب القديمة مهما كانت حقيقة ذلك الدين، فلا يقدح به ان الدين لم يبق له نفس الأثر في مجتمعاتنا الحديثة، اذ من المشاهد اليوم ان من لا يدينون بدين من العالم المتحضر ليسوا أقل شأنا من غيرهم في تطوير حضارتنا الحديثة اذا ما استعلموا عقلهم وذكائهم، وذلك لأن الانسان الأول، فيما قبل الأزمن التاريخية، وكذلك شأن معظم الجماعات البدائية في الأزمنة التاريخية، لنقص في خبرتهم وعلمهم، كان الدين مهما اختلفت أسسه خير جامع لهم، وخير منظم لأوضاعهم ، وقد ظهر فيهم خيرة رجال البشرية من انبياء وهداة ومصلحين وقديسين، ليحملوا امام البشرية مشعل النور والهداية في الظلمات.
غير أنه قد خلف بعد أولئك العظام من قادة الأديان في البشرية خلف لم يكن للكثيرين منهم ما كان لأولئك المؤسسين الملهمين، فخلطوا عملاً غير صالح بعمل صالح، وكان لا بد. للعقل البشري المتطور من ان يميز ما بين العقل وبين أدعياء الدين، ولم يجد الأدعياء فيها مخرجاً غير محاربة العقل والدعوة الى تجميده تحت ستار من أوامر الدين ايضاً، ولذلك قضوا على ما كان للدين من صدارة في القيادة والهداية، وتنافر الدين مع العلم والعقل لدى الكثيرين الذين حلت لديهم قوة الفطنة والذكاء في الهداية، مكان ما لم يعقل من أوامر الدين في القيادة.

