التاريخ المقدس ودروسه الاجتماعية
يحفل كتابنا المقدس / العهد القديم بدروس اجتماعية لطيفة ينبغي الإضاءة عليها للإستفادة من عبَّرها.
اولاً- في قايين وهابيل
(٥٥٠٦-٥٤٧٥ ق.م ) (تكوين ٤: ١- ٤٢)
بعد طرد الجدين الاولين آدم وحواء من فردوس النعيم الى ارشنا التي تنبت شوكاً وحسكاً، ولدت حواء ابنها البكر فسمتَّه قايين أي مخلصاً، قائلة في ذاتها: لعله هو مخلصي من الموت الأبدي والذي سيسحق رأس التنين أي الشيطان، ولكن لم يتم لها شيء من ذلك، ثم ولدت ابنها الثاني فدعته هابيل أي باطل هو الخلاص الذي انتظرته من ابني البكر. وكان قايين يحرث الأرض، وكان هابيل يرغى الغنم، واراد كل منهما ان يقدم لله قرباناً من محاصيله، فقَّرَب الأول عن قلب رديء أسوأ الأثمار، بينما انتخب شقيقه الأصغر هابيل وبقلبه النقي والتقي أجمل حملانه فقدمه ذبيحة للخالق. فقبل الله قربان هذا ورذل قربان ذاك.
فحسد ابن آدم البكر قايين أخاه هابيل، والحسد يولد البغض والبغضُ يولد القتل، فدعا قايين أخاه هابيل الى التنزه معه بعيداً عن والديهما، وإذ استفرده انقض عليه وقتله، واراد ان يخفي جثمانه فشاهد غراباً يقتل غراباً آخر وينبش الأرض ويطمر الغراب الذي قتله، فاقتدى به قايين وغَّييَّبَ جسد شقيقه هابيل الذي قتله في حفرة وأهال عليه التراب (وهكذا تعلم بنو البشر دفن الموتى.
وفي العبرة ان الفساد دب قبلاً في نفس ودم الأب الأول آدم، فتوارثه عنه ابنه البكر قايين القاتل والأحفاد.
في ذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ” حيث يكون سلطان المحبة فهناك لايكون قايين مضحياً أخاه”.
هكذا قضى هابيل نحبه بتولاً كاهناً شهيداً فكان رمزاً للمسيح، وصرخ دمه الى الله طالباً الانتقام، فنادى الرب قايين قائلاً: “قايين، قايين، اين اخوك؟ فأجابه هذا: العلي أنا حارس لأخي؟ فقال له الله جلت قدره: ان الأرض التي شربت دم أخيك هي التي صرختْ اليَّ، وها انك تبقى تائهاً على وجه الأرض. وكانت عين الخالق تنظر شذراً أي بغضب دوماً الى قايين بواسطة الضمير، وظل قايين كل أيامه مضطرباً جزعاً وقلقاً هائماً على وجهه.

ثانياً- شيت – أخنوخ
(٤٨٤٦ – ٤٤٨١ ق. م)
ثم ولدت حواء إبناً سمته “شيتاً” أي عوضاً، قائلة: ” ان الله قد عوَّضَ عليَّ بإبن بدلاً من هابيل.
ورأى بنو شيت بنات عمهم قايين أنهن فاتنات فتزوجن منهنَّ، وعم الفساد جميعهم ما خلا واحداً من أحفاد قايين اسمه “أخنوخ” نقله الله الى مكان مجهول نظراً لقداسته. وتصنع الكنيسة المقدسة تذكار هابيل وشيت وأخنوخفي أحد الآباء الذي قبل أحد النسبة قبيل عيد الميلاد الخلاصي الشريف.
ثالثاً – نوح والطوفان
(٣٨٦٦-٢٩١٦ق.م) (تكوين ص ٧ : ١ -٤٣ و ص ٨ و ص ٩)
ولسبب الخطيئة التي عمَّتْ وجه الأرض، أوحى الله الى رجل بارّْ يُدعى نوح أن يصنع فلكاً (مركباً- سفينة) عظيماً يدخله هو وزوجته وبنوه الثلاثة( سام و حام و يافث)وكنّاتِّهْ الثلاثْ، ويُدخل معه زوجين من كل الحيوانات غير الطاهرة ذكراً وانثى، وأما من الطيور والحيوانات الطاهرة فسبعاً سبعاً.
فأطاع نوحُ صوتَ الربْ وبنى فُلكاً عظيماً هو وبنوه وعماله. ولما كمُلَ الفُلكْ أرشد الله زوجين ذكراً وأنثى من كل صنف ونوع من الحيوانات غير الطاهرة، وسبعاً سبعاً ذكوراً وإناثاً من الطيور والحيوانات الطاهرة، فصعدت الى الفلكِ على جسر خشبي كان نوح قد أعدَّهُ لها، ثم صعد اليه نوحُ وزوجته وبنوه الثلاثةوكنّاته الثلاث، وكان نوح قد أعدَّ عِشباً وعلفاً وحبوباً للطيور والدبابات، ومؤونة له ولعائلته، وأقنية تجري فيها المياه العذبة التي تقطر من السحب، وارسل الله طوفاناً عظيماً على وجه الأرض فانفتحت ميازيب السماء وتفجرتينابيع الأرض مدة أربعين يوماً وأربعين ليلة،فغرق البشر بسبب خطاياهم وغرق معهم كل طير وحيوان بقي خارج الفُلكْ، واعتلت مياه الغمر حتى كادت تبلغ ذرى الجبال العالية، ورسى الفلك على قمة جبل ارارات في أرمينيا الحالية (حيث وُجدت بقايا حطامه وعُثرعلى قسم منه في القرن ٢٠).
ارسل نوح غراباً بعد أن صحا الطقس، فذهب الغراب ولم يرجع الى الفلك لأنه التهى بأكل رفات الموتى التي قذفها الطوفان الى أعالي الجبال، ثم عاد نوح واطلق حمامة فذهبت وعادت وفي فمها غصن زيتون أخضر ففهم نوح أن رؤوس الأشجار قد بانت، وان الغضب الإلهي قد زال، وان السلام قريب.
وبعد سبعة أيام ظهرت اليابسة، فنزل نوح وعائلته وكل الحيوانات التي كانت معه، وأطلق سراح الطيور المعششة في الفُلك، وقدم من كل الحيوانات الطاهرة ذبيحة شكرللخ.
ووعد الله نوحاً بأنه لن يرسل على الأرض بعد ذلك طوفاناً يعم وجه البسيطة، واعطاه علامة لذلك قوس القزح الذي صار منذ ذلك اليوم يبدو جلياً في الغيوم بعد المطر. وبارك الله نوحاص وبنيه قائلاً: “انموا واكثروا واملأوا الأرض” (تكوين ٩: ١).
لقد آمن نوح باللهْ فأمِنَ، وصدق قولَهُ فسَلِمَ، ولقد كان الفلك رمزاً للكنيسة التي من يدخلها من المسيحيين ينجو من طوفان الخطيئة، أو قلّ انه كان رمزاً للعذراء الطاهرة التي صَّيَّرَتْ نفسها تابوتاً متنفساً لله فأنقذت المؤمنين من طوفان المعصية والهلاك. وكان نجاة ثمانية أشخاص من الماء (نوح وعائلته) رمزاً لنجاتنا من الهلاك بواسطة المعمودية، كما نجا الفُلكُ باعتماده ومن كانوا بداخله في المياه. وكان الطوفان في السنة ال ٣٢٦٦ ق.م.

رابعاً- نوح وحام
(تكوين ٩ : ٢٠ – ٢٨)
وغرس نوح كرمة وأحبَّ أن يأخذ من عنبها شيئاً فيعصره ويشربه، ففعل ذلك مراراً حتى سكر فتعرى من ثيابه وهو سكران، فأبصره ابنه حام فضحك عليه، وذهب الى اخويه سام ويافث وناداهما ليأتيا الى أبيهما فيضحكا، لكن اخويه سترا وجهيهما وجاءا بكتان والقياه على والدهما، وهما ينظران الى الوراء. فلما استفاق نوح من سكره بارك ساماً ويافثاً ولعن حام لأنه ضحك عليه فقال فيه: “عبداً للعبيد يكون كنعان بن حام”.
لقد كان نوح حين تعرّى وهو سكران، رمزاً للمسيح الذي كان عرياناً على الصليب مخضباً بدمائه سكران من كأسِ الموت”
فأبصره الشيطان وضحك عليه ظاناً انه قد ظفر به، ولكن الشمس والقمر لم يطيقا أن يريا الذي وهبهما النور معلقاً على الصليب كفاقد الحياة والنور ولذلك أخفيا أشعتهما من الساعة السادسة حتى الساعة التاسعة من النهار أي مدة بقاء يسوع على الصليب عرياناً وميتاً. وترك يسوع الشيطان يضحك ولكن ضحك هذا وذاك تحول الى بكاء ونحيب لكونهما لم يعودا سيدين بل عبدين.
وتصنع الكنيسة تذكار نوح في احد الأجداد الذي قبل أحد النسبة قبيل عيد الميلاد الخلاصي.
خامساً – برج بابل
سنة ٢٧٥٥ ق.م ( تكوين ١١: ١ – ١)
وعاد الناس يخطئون بعد وفاة جدهم نوح، ةطفقوا يعبدون الأوثان ويبنون برجاً عظيماً ليفتخروا بمدنيتهم فبلبل الله ألسنتهم فتفرقوا جماعات جماعات كل منها تتكلم لغة خاصة بها، فسميَّ ذلك البرج غير المتمم “برج بابل” لأنه فيه بُلبِلتْ لغاتهم والسنتهم.

الخاتمة
إن تقسيم الألسنة كان قديماً سبباً لتفريق الأمم، وأما تقسيم الألسنة وتوزيعها عند حلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة المجيد فقد كان سبباً لدعوة الأمم الى إتحاد واحد بيسوع المسيح. وكان برج بابل عبرةً لنا نحن البشر الراغبين في إقامةِ مدنية لا تمت الى الانجيل بصلة: إننا فقدنا الايمان والمحبة فتفرق شملنا وتعادينا. فلا سلام لنا إلا بالرجوع الى الله الآب السماوي الواحد والرغبة في الخير للقريب كما نرغب فيه لأنفسنا. أحفاد نوح راموا مجد أنفسهم حين قالوا: ” هلموا نبني لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه في السماء”، لكن الله أفسد عليهم عملهم وبدَّد شملهم. وأبناء هذا العصر ورؤساءه راموا مجد أنفسهم حين حاولوا أن يقيموا للعالم مدنَّية غير مؤسسة على تعليم يسوع، فإذا ببرج بابل يعود اليوم الى الوجود غير متَّمَمْ: لقد تعددت المشارب وتضاربت الآراء والمآرب فتبلبلت لغة أهل المشارق والمغارب والكل طغى على الكل، وقضى الضعيف بخسة ونذالة وخطيئة القوي والظالم، لأنهم بلا حب ومحبة اذ ” بدون ( الحب المجَّسَمْ) لا يستطيعون شيئاً” لا يستطيعون ولا يعملون شيئاً للسلام والبشرية التي صنعها الله على صورته ومثاله لتسبحه أبد الدهر. هو فعل سلطان عالم الالحاد المعاصر الشرير.
