هل يولد الانسان حراً أم لا؟…
في بدء القول
هل أنا حر في تحقيق ما اريد وما اهدف اليه، وادراك ما اشتهي واعتزم عليه؟…
هل انا حر في أفعالي وتصرفاتي، وفي كل حركاتي وسكناتي؟.
وبعبارة أعم وأشمل، هل يولد الانسان حراً مخيراً، ام مجبراً مسيراً.

النقاش والجواب
هي مواضيع مثيرة للنقاش والجدل تداخلت (ولا تزال) فيها الايمانيات مع القناعات الفكرية…فأنشأت أسئلة ثرية وبسيطة، ولا أكثر…
تصدى لها الفلاسفة منذ فجر الخليقة، وعلماء النفس والاجتماع… عندما نشأت هذه العلوم وصار لها مدارس وعلماء، ناقشوها وعالجوها كثيراً وردوا عليها، كل بحسب فكره ورؤيته وقناعته، ولبوسويه وديكارت وكانط وليبنيز وسكرتان، ودبلوف وهنري برغسون وغيرهم، آراء واضحة في تحليلها ودراستها والتبسط فيها، وكانت نتيجة ما انتهوا اليه، وأجمعوا عليه، هو، إن الانسان يولد حراً، مخيراً لا مسيّراً، وان حريته هذه هي التي تميزه عن الحيوان، وتجعله مسؤولاً كإنسان، لأن الحرية معناها الاختيار، والاختيار يوجب المسؤولية، وهذا عكس ما يذهب اليه ( الجبريون)، الذين يقولون بأن الانسان مسيّر لا مخيّر، إذ لو صح ذلك، وكان الانسان مجبوراً على أفعاله، مسيّراً لا مخيراً في اموره، لما كان للخير والشر، ولا للثواب والعقاب، أي معنى، بل لما وجبت عليه اية مسؤولية، كالحيوان الذي خُلقَ مسيّراً بغريزته وسليقته، فهو لا يُسألْ عن عمل عمله، ولا عن أمر أتاه، حتى قالوا، (جناية العجماء جُبار)…
ولكن الحرية ممتدة متسعة كالفضاء لا حدود لها، فهل يبقى الانسان، الذي وُلدَ حراً، يتمتع بها على اطلاقها واتساعها؟.
كلا… وسبب ذلك انه ينشأ وتنشأ معه قيود أخلاقية، واجتماعية، وسياسية، ترافقه في حياته، وتتبدل حسب تقلباته وتطوراته، فتضيق وتشتد كلما نما أو كبر، أو كلما توغل في مدينته وحضارته، فحرية الطفل، مثلاً، أوسع، بدون شك، من حرية الكهل، وحرية الانسان في العصور الأولى، أوسع من حرية إنسان هذا العصر، في مدنيته وحضارته، وحرية ابن القرية أوسع من حرية ابن المدينة، وهلم جّرا، وهذا ناشئ عن ان هذه القيود الاجتماعية، والأخلاقية، والسياسية، تقوى وتزداد بالنسبة لإدراك الانسان من جهة، وبالنسبة للحضارة وما تخلفه وراءها من تقاليد وعادات وقوانين زاجرة ناهية، دينية كانت أو غير دينية، وذلك حفظاً على كيان المجتمع، وبقائه واستمراره.
ولعل الضابط الوحيد الذي يفرض هذه القيود على إرادة الانسان، أو قل على حريته، فيقيدها، ويحد منها، ويوجهها الوجهة التي يريد، وهو العقل، فا لانسان حر بدون شك، ويستطيع أن يعمل ما يريد او ما يشتهي، أو ما يخطر في رأسه، ولكنه عندما يهم بتنفيذ هذه الإرادة أو هذه الشهوات يعترضه العقل، ويقف منتصباً امامه، ملوحاً له بهذه التقاليد والعادات، والقوانين والوصايا كلها محذراً إياه من تخطيها أو الخروج عليها، وعندما يمسك الانسان ميزانه بيمينه، فإما أن يميل مع ارادته وشهوته، وإما مع عقله وضميره، فمن ثقلت كفة شهواته تحمل وزر عمله، وكان من الجانحين، ومن ثقلت كفة عقله فاز بالحكمة والصواب، وكان من الناجحين الفائزين…
فالحرية اذن، التي خلقها الله مع الانسان، لابد لها من ضابط، أو رادع، فإذا فلتت منه، أو استقلت عنه، كانت نوعاً من الجنون، او هي الجنون بعينه، لأن المجنون يستطيع أن يعمل ما لا يعمله العاقل…يستطيع مثلاً ان يرمي الناس بالحجارة بدون سبب، ويستطيع أن يظهر في الشوارع عارياً، ويستطيع أن يؤذي من يريد، ويستطيع أن ينتقم بنفسه، ويضرب ويقتل ذات اليمين وذات اليسار ما دام ولد حراً… وما ذلك إلا لأن هذه الحرية التي خلقت معه، فقدت مدربها، وضابطها، وموجهها الى الطريق السوي، والى ما فيه نفعه ونفع المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا مما يؤيد صحة القول بأنه تضيق وتتسع بالنسبة للعقل الرادع الموجه، ومن الطبيعي بعد ذلك، أن تكون حرية العاقل أضيق من حرية المجنون، وحرية الكهل أو الشيخ أضيق من حرية الطفل، أو الشاب الناشئ…
وما دامت هذه الحرية ترتكز الى حد بعيد على هذا الضابط الرادع، الموجه الذي هو العقل، وبدونه تفقد حقيقتها وقيمتها، ولا يبقى لها من معنى، كان من الحكمة، قبل كل شيء، الاهتمام بتربيته، وتهذيبه، وتدريبه تدريباً صالحاً، وتوفير كل ما يلزمه ليكون أميناً عادلاً ناجحاً، يحسن التوجيه، ويحسن القيام بما يفرضه عليه الواجب، والحق، والدين، لا سيما وهو يجعل الانسان مسؤولاً عن حركاته وسكناته، وأفعاله، وتصرفاته، فإما الى ثواب، وإما الى عقاب…فما هي الصفات التي يجب أن نُحمله على ممارستها، والاعتياد عليها، حتى يقوى ويشتد فيحسن التوجيه والقيادة، والضبط والربط، ليستطيع أن يقف في وجه تيار العاطفة والشهوات، فلا تتغلب عليه ولاتشتط به، أو حتى يصمد أمام المغريات الدافعات، فلا يورد صاحبها موارد التهلُكة، أو يحمله على الأذى، والاضرار بالناس؟.

ان اول ما يجب التفكير به، هنا، هو وتثقيفه وترتبيته تربية دينية صحيحة سليمة، فالأديان كلها حددت معنى الحريات، ووجهتها وجهتها السليمة، وهذبتها بالأخلاق القويمة،فلا تدفع بها الى النفع الخاص، ولا الى الانتقام، او البغضاء، او إيذاء الناس، بل الى التعاون، والوفاق، والعدالة، والتسامح، وإطاعة الله.
ثم تدريبه على التضحية، والابتعاد عن الأنانية، ليستطيع أن يكون عادلاً في قيادة هذه الحرية التي أوكل اليه أمرها، فلا يقودها او يوجهها وفقاً للأنانيات والمطامع،بل وفقاً لما فيه الصالح العام ومرضاة الله.
ثم تدريبه، بالتالي، على الرحمة، والشفقة، والعطف، حتى يجد من حرية القوي على الضعيف فلا يظلم ولا يطغي ولا يكبر.
وتدريبه أيضاً على النظام والطاعة،فلا يسبغ للمرء أن يعمل للفوضى والارتباك، والعبث بالأنظمة والقوانين والحدود…
وتدريبه، كذلك، على الشعور بواجب البناء لا الهدم، فلا يسمح لحرية الا لتبني لا لتهدم، وتخرب…
وتعويده بالنتيجة، على الاصغاء الى صوت الضمير، وهو من صوت الله، فيصم اذنيه عن صراخات الشهوات، والمغريات الداوية المتعالية…
وهذا ما يجب ان نثقف العقل به، وندربه عليه، ونحمله على ممارسته واعتياده، ليكون ضابطاً صالحاً، وموجهاً أميناً لهذه الحرية التي خلقها الله مع الانسان، فالعقل، كبقية الأعضاء، يقوى بالمراس والمران، ويشتد بالتقوى والايمان، وعندما يكون العقل سليماً ناصحاً قوياً، تأمن الغوائل، ونضمن الفضائل، لأنه عندئذ لا يأذن بأن نقدم على عمل ما بدون ان نفكر ونفكر، والتفكير الصحيح، كما قال باسكال، هو مبدأ الأخلاق، والأخلاق هي حصن منبع للحريات، تصان به وتسلم فيه، او هي سد قائم يجد من طغيانها او تدفقها هدراً وضياعاً، بل يوجهها الى الطريق السوي، والوجهة الصالحة المفيدة، فلا تكون ابداً للإيذاء، ولا تكون أيضاً للاستعلاء،والله يهدي من يشاء…
غير ان هذا العقل، الذي يُطلب له الكمال والسمو، ماهو الا مشرع، منظم موجه…انه في حقيقته اشبه بالقوة التشريعية التي تضع القوانين والأنظمة وتترك امر تنفيذها الى القوة التنفيذية التي هي (الإرادة)…

فالإرادة اذن هي المنفذة الوحيدة لقرارات العقل وتوجيهاته، وهي كغيرها إما أن تكون ضعيفة فتعجز عن تطبيق هذه المقررات والتشريعات، وعندئذ تطغي العاطفة، وتتغلب الشهوات، واما ان تكون قوية شديدة. وعندها يوضع الأمر في نصابه، فتكون الفضيلة وتسود الأخلاق.
وكما ان العقل يحتاج الى تمرين وممارسة ليقوى ويشتد فان الارادة تحتاج أيضاً الى مثل هذا لنستطيع مجابهة طغيان العاطفة والشهوات والأنانيات الأمارة بالسوء، فليعمل اذن كل منا على تقوية ارادته وتصلبها اذا أراد ان يأمن الزلل، ويتحاشى الخطل، وطوبى لأصحاب الإرادة القوية. لأنهم عقلاء نافعون، بعيدون عن الشر متعالون. يصغون للعقل ويسمعون، فالرجل القوي الإرادة، كما يقول وليم جيمس، يصيخ من غير تردد لصوت العقل ولو كان نداؤه ضعيفاً، ومتى كان المشرع حكيماً عاقلاً، والمنفذ قوياً عادلاً ساد الحق والنظام، وكان الامن وكان السلام…
