رهبنة الدير

دير رقاد السيدة الرهباني في حماطوره

دير رقاد السيدة الرهباني في حماطوره

مدخل بسيط

دير سيدة حمطورة.. لؤلؤة محفورة على جبل صخري في كرم سده/الكورة*
يعد دير رقادي السيدة العذراء في حماطوره (شمال لبنان) معلماً مسيحيا ارثوذكسيا تاريخيا بارزاً، يقع على جرف صخري شاهق في وادي قاديشا (كوسبا-الكورة) ولايشكل الا نسبة ١٠٪ من مساحة الدير التاريخية. يشتهر بجدارياته الرومية الارثوذكسية القديمة، رفات القديس يعقوب الحماطوري، وطابعه المعلق، ولا يمكن الوصول إليه إلا سيراً على الأقدام، ويتميز بكونه مركزاً للنساك والرهبان. 
دير سيدة حماطورة  هو من اديرة ابرشية جبيل والبترون (جبل لبنان)للروم الارثوذكس)
وهو شاهد حي و على ظلم العصور ومحافظ على البدائية وأيقونة صامدة على صخور الشمال اللبناني منذ القرن الخامس وهو احد الاديرة التي يعج بها جبل لبنان ويطل مقابلاً على دير سيدة البلمند البطريركي.
يُطلُّ دير رقاد والدة الإله حماطورة للروم الأرثوذكس على شير صخري على طريق الكورة- الأرز.

التسمية والجذور

دير حماطورة (معناه نبع الجبل وفي السريانية يُرادُ بها “جبلُ الحميَّة”) كان في ما مضى مدرسة لتعليم الإكليروس، ويتدرّب فيه الرهبان قبل الكهنوت وإرسالهم إلى الخدمة “ليفيضوا كالنبع”، ويُعتبر شاهداً على التاريخ المحفور في حجاره.
دربٌ مهجورة، من مئات أدراج صخرية شقّها الأقدمون، كتفها الجبل وخاصرتها نهر كوسبا، هي الطريق الوحيدة للوصول إلى دير سيدة حماطورة. للوصول إلى الدّير يتوّجب على الزائر أن يتسلّق درجًا وعرًا صعودًا من قعر الوادي ليُبهر بجماله وسحر كنيسته، فكنيسة السّيدة العذراء مميّزة بطابعها الرّهبانيّ وتُعتبر مركز الدّير وقلبه النابض.
يُعتبر دير سيدة حمطورة من أكبر الأديرة المحيطة بالوادي وأكثرهم هدوءًا وقد عَرِفَ فترة طويلة من الفراغ. أمّا اليوم، فيعيش فيه عشرة رهبان يبدأ يومهم عند الرّابعة صباحًا بالصّلاة لينصرف من بعدها كلّ واحد منهم إلى عمله، فمنهم من يعمل في زراعة الزيتون وإعداد النبيذ ومنهم من يرسم الإيقونات ويقوم بخياطة الثّياب، وعند السّادسة مساءً يحتفلون بالصّلاة وينسحبون إلى صوامعهم.

موقع الدير
موقع الدير
يتمتع دير سيدة حماطورة الأرثوذكسي بموقع مميز بين الصخورفي وسط جبل مطل على بلدة كوسبا، بارز كالإيقونة على صدر الطبيعة، ما يشد المؤمنين للصلاة والحج والمستكشفين للغوص في تاريخه بالرغم من الصعوبات التي تعترض قاصده في درب مدرّج صعوداً في الجبل. ويعود الدير تاريخياً إلى القرن الخامس ميلادي. وقد صمد بالرغم مما تعرض له من اضطهاد في مختلف الحقبات خصوصاً في عهدي المماليك والعثمانيين. ففي أيام المماليك كانت الجيوش تصادر منتوجات الدير، وتعذب الرهبان، وتعاملهم بقسوة. وكان أهالي القرى المجاورة يهّربون الشبان لكي يحتموا في كنفه، فتجمع حوله بعض الأهالي، وعملوا مع الرهبان على إنشاء قريّة «كربريبا». ولكن سكانها انتقلوا منذ نحو نصف قرن إلى القرى المجاورة للعمل والعلم. بالإضافة إلى العنف البشريّ، تعرض الدير للعديد من العوامل الطبيعيّة القاسيّة، وعدد من الزلازل كان أبرزها في العام 1600، حيث صمد الرهبان فيه حتى العام 1917، حين ضرب لبنان زلزال كبير أدى إلى ردم جزء كبير من الدير. والجهود المستمرة حتى اليوم لم يتمً ترميم سوى 10 في المئة من الحجم التاريخي للدير. وتشهد المخطوطات على التاريخ العريق للدير حيث يعود أقدمها للقرن العاشر. ويؤكد مخطوط لسائح روسي زار الأديار في لبنان أن دير حماطورة كان يمتد على كامل الجبل بحسب وصفه الدقيق له. وتعود الأيقونات المنقوشة على جدرانه إلى حقبات مختلفة، من القرن الخامس والسادس. ولكن القسم الأكبر منها رسم في القرن العاشر، إثر حرب الأيقونات التي بدأت بعد صدور قرار عن الإمبراطور آنذاك بمنع تكريم الأيقونات في الكنائس، فباشر الجنود بتلفها والتعرض إليها بمختلف الوسائل. ويشبه دير سيدة حماطورة بعض الأديرة في تركيا، وأخرى في فلسطين من حيث مكانه وامتداده على كامل الجبل. وفي ناحيّة أخرى يشبه أديرة يونانيّة وروسيّة التي تضم إلى جانب الدير الرئيسي عدداً من المناسك والأديرة الصغيرة والكنائس التابعة لرئيس دير واحد، فهو يضم إلى جانب «كنيسة رقاد والدة الله حماطورة»، منسكا لمار إلياس، وآخر للقديس يوحنا المعمدان، وكنيسة القديس مخائيل، ودير القديس جاورجيوس،
مثلث الرحمات رئيس الدير السابق الأشمنندريت بندلايمون فرح لفت إلى أن الكثير من تفاصيل الحقبة الأولى من تاريخ المكان غامضة “بسبب غياب الوثائق،إنّ تاريخ التّأسيس يعود إلى القرن العاشر ويُعتقد أنّ مائدة الكنيسة تأتي من معبد رومانيّ كان قائمًا في المكان نفسه. إلا أن تاريخ بناء الدير يعود لحدود القرن الخامس المسيحي”. كل المخطوطات التي بقيت حتى الان تشهد بأن المساحة الحالية للدير تُشكّل 10 في المئة من مساحته التاريخية الاصلية، “اذ كان يمتدّ على طول الشير الصخري”.
وكما عرف الدير فترات إزدهار ونشاط، فإن أقبيته تشهد على العواصف البشرية والطبيعية التي ألمّت به عبر القرون. في زمن المماليك الذين كانوا يكنّون عداوة للرهبنة، تعرّض الدير “لعمليات تخريب وتهديم ضخمة ومصادرة المنتجات. وأتى العثمانيون في ما بعد وأكملوا على الباقي. “كما لم تسلم حجار “عجيبة الكورة” (كما يحلو لزائريه تسميتها)، من غدر اليد البشرية، فالذاكرة إن حكت، ستروي أنّ الطبيعة ايضا ألقت بثقلها عليه، اذ تعرّض لدمار كبير إثر الزلازل، وأبرزها العام 1600 وأواخر العام 1917″،

التعديات المعاصرة

إنّ إثبات التّواريخ أمر غير ممكن، إلا أنّ دلائل عديدة تشير إلى وجود الدّير في العصر الفرنجي. ويُذكر أنّه ابتداءً من العام 1600 م. وردت غالبية معلومات الدّير من رهبانه عبر مجموعة مخطوطات تضمّ حوالى الـ500 وثيقة. أما أبرز أحداث الدّير فهي خلال العام 1890 حين دخل لصوص على الرّهبان وقتلوهم حاملين معهم ممتلكات الدّير وإيقونات قديمة ومخطوطات،

السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي (*)

السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي
السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي

نبذة بسيطة

ولد في دمشق بتاريخ ٢١ تشرين الثاني ش ١٨٢١  وتعلم في كتاب المعلم يوسف مهنا الحداد ( القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي +١٨٦٠) الذي صار خورياً للمريمية بعد ذلك واعاد تأسيس مدارس الآسية الارثوذكسية الدمشقية عام ١٨٣٦ و١٨٤٠ حيث اكمل ديمتري دراسته فيها، ثم هاجر للعمل في القسطنطينية عام ١٨٤٤ وبقي هناك حتى عودته الى بيروت ودمشق ١٨٩١ وامضى بقية حياته راهبا في ديري حماطوره والبلمند.

في تنسكه

تنقل بين ديري سيدة البلمند البطريركي وسيدة حماطورا  وعاش فيهما حياة رهبانية، بدون مسوح، ولصفاته الغيرية  فقد رحب  صديقه مطران بيروت ولبنان غفرئيل شاتيلا  ضيفا كريما في الدير وفي الوقت عينه  رجاه الاشراف على مالية  دير سيدة حماطورا الذي كان قد بدأ يعود الى حياته الرهبانية، وكان خاسراً بالرغم من اوقافه الكثيرة فدعمه واخرجه من الخسارة من  الموجودات التي ابقاها في جيبه الخاص، واشرف على اراضيه الوقفية زراعة وحرفاً زراعية رهبانية وبشغل يديه، عادت على الدير بريعية منتظمة، وفي الوقت عينه كان ينتقل الى دير سيدة البلمند  متابعاً له ولاراضيه الزراعية داعما له ماديا واشرافاً وخاصة بعدما اعتلى صديقه الدوماني عرش البطريركية واحدث مدرسة لاهوتية في دير سيدة البلمند1901 و اسند اليه امر المتابعة ممثلا شخصيا له  علميا وماليا واشرافا على الدير وفعاليته ومعيشة رهبانه…

الاعتداء علي حماطورة

حدث مرة وكان في دير سيدة حماطورة  عام 1904 وقد اضطر رئيس الدير الى النزول الى بيروت لأعمال تتعلق بالدير، وترك امر رئاسة الدير لعلمنا متابعا الرهبان الذين كانوا يوقرونه ويلثمون يده وكأنه رئيسهم، حدث ان  تعرض الدير لهجوم عصابة كبيرة من اللصوص كالعادة بسبب بعده عن العمران وتفرده في القفر، فعاثوا في الدير فساداً وسجنوا الرهبان بغرفهم واغلقوا ابوابها من الخارج بعدما ضربوهم بشدة، وكانوا يبحثون عن مال الدير، واستجوبوا ديمتري فأنكر معرفته ان في الدير  مالاً فقاموا بضربه بشدة حتى فقد الوعي، وتابعوا بحثهم عن المال،فوجدوا مابقي من ماله الخاص، فأخذوه وفي كل ظنهم انه مال الدير وغادروا…

وبعدما استفاق من غيبوبته بعد انصراف العصابة قام بفتح غرف الرهبان واطلقهم فخرجوا وبحث معهم عن مال الدير فوجده مخبئا فحمد الله، لكنه انتبه الى انهم اخذوا ماله الشخصي، فشكر شفيعة الدير السيدة الطاهرة  بدموع وسجدات انها أخفت مال الدير عن عيونهم  وكان سعيدا بأن ماله الخاص افتدى مال الدير…!كما تقول الوثيقة.

دير سيدة حماطورة
ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي

وهُجر الدّير بين عام 1917 و1990 بعد أن دمَّر زلزال جناحين من أجنحته.

من جهة أخرى، يتبع للدير كنائس ومقبرتان ومغارة، فالكنائس قديمة صغيرة قائمة على الجبل استخدمها النّساك سابقًا للصّلاة والتّأمل، أما المغارة فهي معروفة بـ”مغارة العمود” فالناس يعتقدون الناس أنّ عمودها يشفي من العقم، فحتى اليوم تأتي النّساء لزيارة هذه المغارة والدوران حول العمود فإذا التصقت تنورة المرأة بالصاعد حلّت بها الخصوبة. وبالقرب من المغارة شُيّدت كنيسة للقدّيس يوحنا المعمدان، نصفها محفور في الصّخر والنصف الآخر مبنيّ بالحجارة.

شهادة الرئيس السابق المرحوم الارشمندريت بندلايمون فرح.

في الخمسينات من القرن الفائت، حاول شخص يُدعى يوسف إسرائيل، الذي يقال إن سيدة حماطورة شفيت زوجته، القيام ما امكنه في المساعدة في إصلاح ما تدمّر وأن يعيد للدير رونقه من ماله الخاص شكرا للعذراء ، إن بماله الخاص أو بجمع التبرعات اللازمة لذلك، لكنه لم يكن مقيماً فيه في شكل مستمر لأن “له عمله وأسرته”.
العام 1992، بعد حريق أصاب كنيسة الدير، سقط دليل اخر الى أهميته التاريخية. فالنيران المندلعة تسببت بوقوع طبقة الطين المكشوفة التي تخفي وراءها رسوماً جدارية ذات طابع رومي ارثوذكسي تعود للقرون الوسطى، يُعمل على إعادة تأهيلها حتى الآن.

الايقونات الجدارية المطموسة بالطين
الايقونات الجدارية المطموسة بالطين
دخلمثلث الرحمات الارشمندريت فرح الدير في خريف 1994، وأقام القداس الأول فيه بتاريخ 21 تشرين الثاني. وبعد أشهر، حضر العمال وبدأت أعمال الترميم وإعادة البناء اللازمة، و”بعدها راحت الحياة الرهبانية تتجدد تباعاً في الدير، حتى تجاوز عدد الرهبان اليوم الخمسة عشر بعدما ناهز عتبة المئتين قبل حملات الإضطهاد”.
العام 2008، وأثناء عمليات الحفر والترميم، عثر الرهبان تحت أرض الكنيسة على اربع جثث مدفونة، “تعود لشهداء تعرضوا للضرب بعنف غذ بدت عظامهم مكسورة. وإحدى الجثث مقطوعة الرأس وعظامها محاطة بطبقة من الكلس”، وفق المرحوم الارشمندريت بندليمون فرح.( في حينه) ووفق العلماء، فإن وجود طبقة من الكلس على الجثة يعود لسببين، الأول، طبيعة التراب الذي يغطي الجثة، والذي يحوي على الكلس، وذلك لا ينطبق مع طبيعة التراب تحت الكنيسة. أما الثاني، فهو أن تكون الجثث تعرضت للاحتراق. فتأكد حينها الرهبان من أن احدى الجثث “تعود للقديس يعقوب الحماطوري، لتطابق مكان وجود الجثث مع ظهور القديس العجائبي من جهة، والتاريخ المحدد في المخطوط لاستشهاد القديس الذي أسس الرهبانية في الدير من أيام المماليك، من جهة أخرى”.( صور الهياكل العظمية ادناه)

رهبنة شابة

يغلب العنصر الشّاب على الرهبان الموجودين في الدير، ذلك لأن الراهب الأرثوذكسي لا يتنقل من دير الى اخر في حياته الرهبانية، فكل سكانه أصحاب دعوات جديدة. تتميز الحياة في الدير بالطابع البدائي، وبخاصة أنه بعيد من بلدة كوسبا، فيعاني سكانه صعوبة التنقل والتواصل مع المحيط الخارجي خصوصاً في الشتاء. “تصل المواد الاساسية التي يحتاجها الرهبان إما عبر نقلها على الدواب أو بواسطة ونش موصول من بلدة راسكيفا في قضاء زغرتا الى الدير. ويتوزع سكانه المهمات من الزراعة وتربية الحيوانات والدواجن، فضلاً عن أعمال الترميم، وطبعاً حسن إستقبال الضيوف، الذين يتقاطرون ليس فقط من البلدات الشمالية أو اللبنانية، بل إن نسبة ملحوظة من السياح السوريين و…والأجانب يتوافدون كل سنة للتعرف الى هذه التحفة، التي تشبه في شكل العمارة الأديرة الرومية في آسية الصغرى واليونان”، كما يؤكد الرهبان.
هذا الدير، وكما غيره من المعالم الخارجة من التاريخ، هو فعلاً في حاجة لدعم المؤسسات الدينية والدولة وأهل الإختصاص، لينفض الغبار عن معالمه ويعيد إليه بريقه.
زيارة هذا الدير تتعبك في الصعود ولكنك بمجرد ما تدخل ويناولك الاخ الراهب او المتطوع كأس ماء محلى لتستعيد انفاسك وتستقر تشعر انك في عالم الهي سماوي فتتمنى ان تبقى وان تساعد رهبنته وان تستمع الى تراتيل جوقته المبدعة… هذا كان شعوري في كل مرة زرت هذا الدير وذرفت دمعة حرى على الهياكل البشرية الرهبانية التي ذبحها سيف التعصب والغدر وبالذات الفتى الاصغر فيهم… وماذنبهم الا التوحد وعبادة الخالق هنا بالقرب من سماء عليائه….
فتسبح الرب وتصلي وتطمئن روحك وانت تردد الصلاة: ” ايها الرب يسوع المسيح ارحمني انا عبدك الخاطىء”

الصلوات من الرهبان  في كنيسة الدير
الصلوات من الرهبان في كنيسة الدير

احياء الحياة الرهبانية

 وناهز عدد الرهبان في حماطورة 200 راهب في حقب تاريخه، لكن سرعان ما تقلص العدد بعد حقبات الاضطهاد المتتاليّة من المماليك الى العثمانيين الى غارات السكان المحليين والطامعين بموجوداته. اما اليوم فهم اليوم عشرة. إذ إنه في العام 1992 أتى إلى الدير راهب من جبل آثوس في اليونان، وحاول جاهداً النهوض به لكنه لم يتمكن لصعوبة العيش فيه وهو مدمر، إضافة الى موقعه وسلوك طريقه الوعرة، ونقل الأغراض اليه حملاً بالأيادي، أو على ظهر البغال. وفي العام 1993 قدم الأرشمندريت بندليمون فرح إليه، إثر حريق شب فيه، بسبب إضاءة الشموع من قبل المؤمنين، وعمل على إعادة تأهيله، ما أدى إلى إظهار أيقونات القرن السادس، التي لم يتمكن الرهبان من إعادة ترميمها بعد هجوم العثمانيين، وتلفها عام 1770، فطلوها بالطين الأبيض الذي تكسر من شدة الحرارة أثناء الحريق. وفي العام 2008، أثناء استكمال عملية الترميم على أيدي الرهبان، عثر تحت الأرض على أربع جثث مدفونة، تبين أنها تعود لشهداء تعرضوا للضرب لظهور عظامهم مكسورة. وإحدى الجثث مقطوعة الرأس وعظامها محاطة بطبقة من الكلس. وبحسب العلماء، إن وجود طبقة من الكلس على الجثة يعود لسببين، الأول، طبيعة التربة التي تحيط بالجثة، والتي قد تحتوي على الكلس. وذلك لا ينطبق مع طبيعة التراب تحت الكنيسة، أما الثاني، فهو أن تكون الجثث قد تعرضت للاحتراق. فتأكد الرهبان وقتها أن احدى هذه الجثث تعود للقديس يعقوب الحماطوري، لتطابق مكان وجود الجثث مع ظهور القديس العجائبي من جهة، والتاريخ المحدد في المخطوط لاستشهاد القديس الذي أسس الرهبانية في الدير من أيام المماليك من جهة أخرى.

المتطوعون للخدمة

يحظى المتطوعون خلالَ ثلاثة أيام بفرصة عيش حياة الرهبان اليومية في ديرِ سيدة حمطورة الأرثوذكسي وخاصة خلال الصيف، حيثُ تتنوع نشاطاتهم بين ورشة فرط حبات الرمان، وزيارة الأماكن المُقدسة، وأوقات الصلاة،حيث يقدمون المساعدة للرهبان في ما تحتاجه الحياة اليومية في الدير، فيختبرون خبرة العيش الرهباني الحقيقية فيهذه البيئة الروحية الصافية وفي بيئة خضراء جميلة  بعيدا عن صخب المدن وضوضائها ومباهج الشباب اليومية…

فريق تطوعي اجنبي يعمل في فرط الرمان
فريق تطوعي اجنبي يعمل في فرط الرمان

احد المتطوعين الأجانب وصف تلك الخبرة

“…وكان موعدنا الصباحي أمامَ مطحنةٍ عندَ سفح الجبل حيث يقع الدير في قلبِ وادي قاديشا، وهو مكانٌ هادئٌ بجوارٍ جدولٍ صغيرٍ. وكم سُعدنا عند رؤية حوالي ثلاثين شاباً وشابة تتراوح أعماراهم بينَ 13 و23 ربيعاً بالإضافة إلى عدد قليل من الكِبار، منشغلين بتقطيع وإفراغ حبات الرمان في مكانٍ ظليل هرباً من شمسِ لبنان الحارقة. وسُرعان ما قُدمت لنا العصي المُسطحة لضرب ثمرة الرمان المشطورة إلى نصفين، بُغية إسقاط حباتها الوردية ونصف الشفافة. فسيُوزع هذا المحصول فيما بعد على العائلات الفقيرة.

رهبان الدير مع بعض المتطوعين في كنيسة الدير
رهبان الدير مع بعض المتطوعين في كنيسة الدير
بدأنا بالغناء بعدَ سماعنا الأغاني باللغة العربية، وكنا نضربُ الفاكهة على نحوٍ إيقاعي. كما أسعدنا حضور الأخ سيرافيم أحدُ رهبان الدير الثمانية، فعرفنا على جمال الترانيم الأرثوذكسية ولاسيما تلك المُرنمة باللغة اليونانية. وبعدَ انقضاء عدة ساعات في فرط الرمان، قصدنا جدول المياه لنتناول الغداء حيثُ تعرفنا على الشبيبة على نحوٍ أفضل. كان بعضهم يتحدث الفرنسية بطلاقة والبعض الآخر أقلَ مقدرة، ولكن وجدنا على أية حال طريقة للتواصل بمزيجٍ من الفرنسية والإنجليزية والعربية.
واصطحبنا أحدُ الرهبان في جولةٍ عندَ غروب الشمس عن وادي قاديشا، لزيارة الطاحونة بعدَ أنَّ أصبحت ورشة نجارة حيث يُصنع الأثاث وكذلك العديد من الحُلي الكنسية بما في ذلك حامل الأيقونات أو الإيكونوستاز، وهو قاطعٌ خشبي مُخصص لحملِ الأيقونات ويفصلُ صحن الكنيسة عن الهيكل في الكنائس الشرقية.
انتاج ورشة الدير من الاثاث والاحتياجات الكنسية
انتاج ورشة الدير من الاثاث والاحتياجات الكنسية
بُنيتْ كنيسة الدير في القرن الرابع المسيحي، وهي مغطاة بلوحات جدارية رومية بحالةٍ جيدة تعودُ إلى العصور الوسطى. كما أنها تأوي أيقونة عجائبية كانت ذات يوم موضوعة في كنيسة صغيرة أعلى الجبل. وتروي التقاليد أنَّ الفلاحين رأوا نوراً ينزل من الكنيسة نحوَ الدير وتكررَ هذا المشهد عدة مرات أثناء الليل. وفي كل مرة كانوا يعثرون على الأيقونة العجائبية في كنيسة الرهبان. لذلك قرروا تركها هناك، ومنذُ ذلك الحين تأتي النساء العاقرات للصلاة أمامها تطلبنَ نعمة إنجاب الأطفال.

ومن ثمَّ صعدنا إلى الكنيسة الصغيرة حيث تقبعُ بقايا قديس أرثوذكسي وثلاثة شهداء بينهم طفل رضيع. وقال لنا الراهب وهو يفتح صندوق الذخائر حتى نتمكن من شم رائحتها: “تفوحُ من هذهِ الذخائر رائحة الورود”. وأشادَ الرهبان في الجوار ورشة صناعة الشموع من العسل، إلى جانب مقبرة الرهبان حيث لم نرى سوى ثلاثة قبور، إذ إنَّ جثامين الرهبان تُستخرج بعد ثلاث سنوات من رحيلهم لتُدفن في مدفنٍ جماعي.

رفاة وهياكل الرهبان
رفاة وهياكل الرهبان

يستيقظُ الرهبان في كلِ صباح عندَ الساعة الرابعة لترنيمِ صلاة الصباح، ويضربُ أحدُ الرهبان عودين معاً في إيقاعٍ معينٍ ليعلن بداية الصلاة للرهبان والضيوف.

ويستيقظُ المتطوعون على الرغم من الساعة المبكرة مُحاربين النعاس من أجلِ التأمل والصلاة. إلى أن تحين الساعة 11 صباحاً وهو وقت العودة إلى طرابلس. نُغادرُ هذا المكان راضين عن المُساعدة التي قدمناها وممتنين إلى كل اللقاءات الغنية التي حظينا بها، وسُعداء لتذوق الأطباق التقليدية التي حضرها أصدقائنا اللبنانيون على شرفِ وداعنا.
جناح المقبرة الرهبانية
جناح المقبرة الرهبانية

كلمة ختامية

“انا هو الطريق والحق والحياة”

هكذا علمنا ربنا يسوع المسيح له المجد، ودعانا للسير فيه للوصول الى الحق والحياة، الرهبنة هي مسيرة شاقة وشائكة يسيرها الراهب للوصول الى الاستشهاد بالرب يسوع، ان هذه العيشة قدتبدو هنية للناظر اليها، لكن ان لم يعش هذا الناظر تلك الخبرة الرهبانية مع الرهبان لن يدرك فحوى ما علمنا اياه الرب يسوع من انه هو الطريق والحق والحياة…

رهبنة دير سيدة حماطوره كبقية الرهبنات الرجالية والنسائية، رهبنة مجاهدة اختارت الصعاب للوصول الى الراحة الروحية، وبالذات رهبنة دير سيدة حماطوره اختارت الصعود دوما في مسالك الدير الجبلية الشاقة للوصول اليه ليس بدون تذمر، بل بفرح روحي وسعادة وهم يحملون مايحتاجون من امتعة واثقال، يعيشون حياة العمل والصلاة بعيدا عن ضوضاء وصخب الحياة، وهذا مايشجع الشباب للرهبنة غيرهم للعيش مؤقتاً وخاصة لما ترى الراهب يقابل الصاعد الذي وصل الى النفس الأخير مع آخر الخطوات عند مدخل الدير، بابتسامة عريضة مرحبا ومناولاً اياه جرعة من الماء المحلى ليستعيد توازنه عندها ينسى تعب الطريق ويسعد بدخوله في هذه الواحة الروحية الأخاذة.

دير سيدة حماطوره الرهباني يدعو الشبيبة للابتعاد عن مباهج الحياة ويعيش بعض الخبرة الرهبانية في تعب العمل مساعداً للرهبان، ومصليا معهم ومستمتعاً بترتيلهم الالحان الرومية والييتورجيا البديعة انه يتناول جرعة صافية من الغذاء الروحي ليعود بعدها الى حياته العملية بكل همة ونشاط ببركة ربنا يسوع المسيح…

هي خبرتي في زيارتين بعمر وصحة مناسبين للصعود البدني الصعب ولكني وصلت فيه الى الراحة الروحية واحسست اني قابلت وجه ربي المبتسم والمبارك لي وكم بت اتمنى لو يمنحني الله القدرة وانا في هذا العمر لزيارته ولربما تكون الزيارة الاخيرة ولكنها مجددة للبركةالربانيةمن ربنا يسوع المسيح واهتف له ببوح روحي خاشع، ايها الرب يسوع المسيح الهي ومخلصي ارحمني انا عبدك الخاطئ، ليتبارك اسمه الى الابد.

حاشية

(*) انظر سيرته هنا في موقعنا باب اعلام ارثوذكسيون

درج الدير وهو الطريق الوحيد
درج الدير وهو الطريق الوحيد