الطائفة الناصرية…والناصريون…
تمهيد
قد يبدو للبعض انها تسمية ومصطلح ايديولوجي سياسي معاصر، لكنها بالحقيقة هي مصطلح يهودي- مسيحي وبعبارة اصح هم النصارى مع تحريف المصطلح ليسهل الفهم بمعنى
ناصرة → ناصري → نصراني
ماهي الناصرية
الناصرية مصطلح قديم، ومعناه يختلف حسب السياق التاريخي والديني. … ببساطة
أولًا: الناصرية تاريخيًا
الناصريون كانوا
جماعة يهودية-مسيحية ظهرت في القرن الأول الميلادي
وسُمّوا بذلك نسبة إلى يسوع الناصري (من مدينة الناصرة).
ماذا كانوا يؤمنون؟
يرونه المسيح الموعود.
لكنه إنسان مختار من الله، لا إله.
نبي مُرسَل، وليس أقنومًا إلهيًا.
كانوا ملتزمين بشريعة موسى
الختان
السبت
الطعام الطاهر
اعتبروا أنفسهم يهودًا مؤمنين بيسوع.
قبلوا إنجيلًا واحدًا فقط غالبًا:
إنجيل متّى بصيغة عبرية/آرامية.
رفضوا تعاليم بولس الرسول.
الفرق بينهم وبين المسيحية الارثوذكسية
-الناصريون يؤمنون ان المسيح نبي، بينما الكنيسة الارثوذوكسية تؤمن ان يسوع المسيح الإله المتجسد.
-الشريعة ملزمة عند الناصريين بينما هي أكتمّلت في المسيحية الارثوذكسية
-الثالوث مرفوض عند الناصريين بينما هو عقيدة أساسية عند المسيحية الارثوذكسية.
-القديس بولس مرفوض عند الناصريين بينما هو رسول معتمد في المسيحية الارثوذكسية.
هل اعتُبروا هرطقة؟
نعم، بعد القرن الثاني:
الكنيسة صنّفتهم هرطقة
لأنهم
أنكروا ألوهية المسيح
تمسّكوا بالشريعة اليهودية
لكن تاريخيًا
وجدوا شأنهم شأن الكنيسة الاولى
منذ القرن الاول المسيحي
الناصرية في القرآن
كلمة ﴿النصارى﴾ في القرآن
يرى بعض الباحثين أنها مشتقة من
ناصرة → ناصري → نصراني
وليس من كلمة “مسيحي” (Christianos) اليونانية.
وهذا يجعل المصطلح القرآني أقرب إلى
الطائفة الناصرية واشد بعداً مع الكنيسة المسيحية الارثوذكسية المستقيمة الرأي

الخلاصة
الناصرية
حركة يهودية-مسيحية مبكرة
تؤمن بيسوع نبيًا ومسيحًا
ترفض ألوهيته والثالوث
لكن توجد مؤشرات قوية على أن أفكارها وتيارات قريبة منها كانت ما تزال موجودة حتى ذلك الوقت.
وجود الناصريين حتى القرن الرابع–الخامس
آباء الكنيسة مثل:
إيريناوس
أبيفانيوس القبرصي (القرن الرابع)
يذكرون الناصريين صراحة
يهود يؤمنون بيسوع
يلتزمون بالشريعة
لا يقولون بألوهيته
ابتداءً من القرن الرابع
صارت المسيحية دين الدولة الرومانية
بدأت ب
1- مطاردة الطوائف غير الأرثوذكسية
2- تهميش الجماعات اليهودية-المسيحية
فحدث أحد أمرين
1. ذوبان بعض الناصريين داخل اليهودية
2. تحوّل آخرين قسرًا أو تدريجيًا إلى المسيحية الرسمية
3. هجرة مجموعات صغيرة إلى أطراف الشام والعراق والجزيرة العربية
لا يوجد نص صريح يقول
“ان هناك جماعة ناصرية منظّمة استقبلت المسلمين”
لكن توجد قرائن مهمّة
أ) وجود مسيحيين غير ارثوذكسيين في الشام والجزيرة
مثل الأبيونيين
وجود النصارى في شبه جزيرة العرب (جماعات يهودية-مسيحية متأخرة)
ب) والدليل توصيف القرآن لـ «النصارى»
في كتاباته
لا يذكر الثالوث بصيغته المسيحية الاورثوذكسية
يركّز على
عيسى عبد الله
نفي الألوهية
وهذا أقرب لاهوتيًا إلى الناصرية المبكرة
الدليل على هذا
ج) سرعة قبول بعض النصارى بالإسلام
تاريخيًا
بعض الجماعات لم تجد صعوبة عقائدية كبيرة مع الإسلام لأن
التوحيد
نفي ألوهية المسيح
الالتزام الأخلاقي
كانت قريبة من تصوراتهم

الناصرية كاسم وطائفة محددة
-على الأرجح اختفت قبل الإسلام
-الناصرية كتيار فكري ولاهوتي استمر بأشكال مختلفة داخل
– جماعات نصرانية شرقية
– تيارات يهودية-مسيحية
– بيئات الجزيرة العربية
الخلاصة الدقيقة
لا يوجد إثبات تاريخي قاطع لبقاء طائفة ناصرية منظّمة حتى انطلاق الإسلام
لكن من المرجّح جدًا أن
-بقاياها الفكرية والعقدية كانت حاضرة
-ساهمت في تشكيل صورة «النصارى» الذين خاطبهم القرآن
ماهي الايات في القران التي تشير الى صلة محمد بالطائفة النصرانية
لا توجد آية قرآنية تقول صراحة إن محمدًا كان تابعًا للطائفة الناصرية
لكن بعض الباحثين يستدلّون بآيات معيّنة على تقاطع أو صلة معرفية/لاهوتية بين خطاب القرآن والتقاليد النصرانية المبكرة (الناصرية أو القريبة منها).
سأعرض لك الآيات الأساسية ثم كيف فُهمت في هذا السياق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾
(البقرة 62 – المائدة 69)
لماذا مهمّة؟
• القرآن لا يستخدم:
– مسيحيون (Christians)
– مسيحانيون
بل يستخدم نصارى فقط
بعض الباحثين يرون أن
«نصارى» أقرب إلى الناصريين الأوائل
وليس إلى المسيحية الرومية الارثوذكسية
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾
(المائدة 75)
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾
(الزخرف 59)
التقاطع مع الناصرية
الناصريون
– يرون عيسى إنسانًا مختارًا
– نبيًّا، لا إلهًا
هذا يطابق لاهوت الناصرية
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾
(المائدة 73)
ملاحظة مهمّة
القرآن لا يناقش الثالوث بصيغته اللاهوتية الدقيقة (أقنوم، جوهر…) بل يرفض
التثليث
بعض الباحثين يقولون
هذا يدل أن المخاطَبين
-انما هم مسيحيين ارثوذوكسيين
– في منهج (قريب من الناصرية)
﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
(المائدة 116)
لماذا تُستشهد بها؟
هذا التصوير
-لا يطابق العقيدة الارثوذوكسية لكنه ينسجم مع ممارسات شعبية أو طوائف هامشية النصرانية مثال لها أن القرآن يستهدف ايمان المسيحية الأرثوذكسية.
القرآن لا يذكر
• الفداء
• الخطيئة الأصلية
• الصلب كخلاص (بل ينفيه)
• الاتحاد الأقنومي
وهذه كلها مرفوضة أصلًا عند الناصريين.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
(آل عمران 52)
«أنصار» ← نفس الجذر اللغوي لـ نصارى يوحي بصورة
– تلاميذ موحِّدين
– بلا لاهوت لاحق

الخلاصة
القرآن لا يقول إن محمدًا كان نصرانيًا أو ناصريًا
لكن خطابه عن عيسى والنصارى، أقرب بكثير إلى:
– الناصرية المبكرة
– أو نصرانية شرقية غير اورثوذكسية
ولهذا يقول كثير من الباحثين
أن الإسلام قد استهدف المسيحية الارثوذوكسية وكان اقرب للجذور الناصرية، وكان وقتها لا يوجد “إنجيل عبري كامل” (انجيل للنصارى )محفوظ لليوم يمكن قراءته ككتاب مستقل، وكل ما يوجد هو شذرات (اقتباسات قصيرة) نقلها آباء الكنيسة.
والآن التفصيل الموثّق
أولًا: ما هو “الإنجيل العبري المنسوب للناصريين”؟
هو ما يُعرف في المصادر القديمة بعدة أسماء متداخلة:
• إنجيل الناصريين
• الإنجيل العبري
• إنجيل العبرانيين
لكنها تشير إلى تقليد إنجيلي يهودي–مسيحي استُخدم عند:
• الناصريين
• الأبيونيين
• بعض اليهود المؤمنين بيسوع
وكان الانجيل الناصري
• مكتوبًا بالعبرية أو الآرامية
• قريبًا من إنجيل متّى
• خاليًا من اللاهوت التثليثي
ثانيًا: لماذا لا نجده كنص كامل؟
لأسباب تاريخية ولاهوتية واضحة:
1. الكنيسة اعتبرته غير قانوني
2. لم يُنسخ في الأديرة الرومية الارثوذكسية
3. اختفى تدريجيًا
4. لم يبقَ إلا ما اقتبسه خصومه
ما نملكه اليوم هو نصوص منقولة عن الخصم
وهذا بحد ذاته لافت جدًا.
ثالثًا: أين توجد هذه الشذرات فعليًا؟
المصادر الأصلية (باللغة اليونانية/اللاتينية)
ستجد الشذرات في كتب هؤلاء الآباء
• عاش في فلسطين
• قال صراحة
«رأيت الإنجيل الذي يستخدمه الناصريون»
• نقل منه عدة اقتباسات يوجد في
Commentary on Matth
Against Pelagius
• كتابه الشهير
Panarion
• يذكر:
– نصوصًا منه إنجيل الناصريين
– وصفًا لعقيدتهم
• يشير إلى
-إنجيل عبري مستخدم عند اليهود المؤمنين بيسوع
• يذكر وجود إنجيل عبري مختلف عن الأناجيل الأربعة

رابعًا: أين تجده اليوم كقارئ معاصر؟
الخيار الأفضل (أكاديمي ومعتمد)
كتاب
The Apocryphal New Testamentبقلم: J. K. Elliott
يحتوي
– كل الشذرات
– مترجمة
– مع شرح تاريخي
كتاب متخصص أكثر
Jewish-Christian Gospels
بقلم: A. F. J. Klijn
وهو أدق مرجع يجمع
– إنجيل الناصريين
– إنجيل الأبيونيين
– إنجيل العبرانيين
مع تحليل نقدي
بالعربية (مهم جدًا)
للأسف لا توجد ترجمة عربية كاملة موثوقة
لكن بعض الشذرات مترجمة في
– كتب مقارنة الأديان
-دراسات عن المسيحية الأولى
(غالبًا بترجمة غير مباشرة عن الإنجليزية).
الخلاصة الحاسمة
لا يوجد إنجيل عبري كامل محفوظ
الموجود
• شذرات فقط
• محفوظة عند آباء الكنيسة
أفضل طريق للوصول إليه
• كتب أكاديمية حديثة تجمع هذه الشذرات
مقارنة بين القرآن والإنجيل العبري المنسوب للناصريين
مقارنة علمية مباشرة بين القرآن والإنجيل العبري المنسوب للناصريين (اعتمادًا على الشذرات الموثّقة فقط، لا افتراضات).
تنبيه مهم
الإنجيل العبري غير محفوظ كاملًا، لذلك المقارنة تتم مع اتجاهه اللاهوتي العام كما وصلنا عبر جيروم وأبيفانيوس وغيرهما.

القرآن
• عيسى
– عبد الله
-نبيّ ورسول
-مخلوق، لا إله
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (المائدة 75)
الإنجيل العبري الناصري
• يسوع
– إنسان مختار
– مسيح مرسَل
– لا يوجد أي نص يصرّح بألوهيته
النتيجة
تطابق جوهري
كلاهما يقدّم يسوع/عيسى كنبي إنساني، لا إله متجسّد.
القرآن
• توحيد صارم
الله واحد لا شريك له
نفي أي بنوّة حقيقية
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
الإنجيل العبري الناصري
إيمان يهودي خالص
– إله واحد
– لا ثالوث
-لا أقانيم
النتيجة
انسجام كامل مع التوحيد اليهودي، ولا وجود للثالوث في كليهما.

القرآن
• رفض صريح:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾
الإنجيل العبري
غياب تام لأي صيغة تثليثية
لا نقاش فلسفي عن جوهر/أقنوم
النتيجة
القرآن ينقض عقيدة غير موجودة أصلًا في الإنجيل العبري، وهذا يدل أنه أقرب الى المسيحية الناصرية.
القرآن
• نفي الصلب
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾
• لا فداء ولا خطيئة أصلية
الإنجيل العبري الناصري
• الشذرات
– لا تركيز على الصلب كفداء
– لا عقيدة خلاص دَموي
• الخلاص = طاعة الله والعمل
النتيجة
–تقارب قوي
-غياب لاهوت الفداء في الاثنين.
القرآن
• الشريعة مركزية
• الإيمان + العمل
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
الإنجيل العبري
• التزام واضح بـ:
– شريعة موسى
-الوصايا
• رفض لاهوت بولس
النتيجة
تطابق في منطق الخلاص العملي
القرآن
• الحواريون
– مؤمنون موحّدون
-لا لاهوت معقّد
﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
الإنجيل العبري
• التلاميذ
– يهود موحّدون
– بلا مفاهيم ألوهية لاحقة
النتيجة
نفس الروح التاريخية المبكرة بين الناصريين ومفاهيم القرآن
القرآن
لغة سامية
خطابي–نبوي
مباشر في العقيدة
الإنجيل العبري
لغة عبرية/آرامية
أسلوب يهودي
أمثال وتعاليم أخلاقية
النتيجة
تقارب ثقافي ولغوي واضح
جدول خلاصة سريعة
القضية القرآن الإنجيل العبري
التوحيد نعم نعم في كليهما
ألوهية المسيح مرفوضة في كليهما
الثالوث مرفوض غير موجود في كليهما
الفداء مرفوض او غير مطروح في كليهما
الشريعة أساسية أساسية في كليهما
بولس غير حاضر مرفوض في كليهما
الخلاصة العميقة
القرآن لا يعتمد على الإنجيل العبري
لكنه
يقف لاهوتيًا في نفس الخط التاريخي مع الناصرية، ولهذا يقول بعض الباحثين:
الإسلام ليس سوى ردًّا على المسيحية الارثوذوكسية، بما ينسجم مع الهرطقة الناصرية.
