بولس رسول الأمم…رسول الجهاد الامين…المشرع الاول للمسيحية… أو بولس الطرسوسي أو شاؤول/ الجزء الاول
مقدمة
أسماء وألقاب متعددة كلها تعود إلى أحد أعمدة الكنيسة، إنه القديس بولس الرسول الذي ولد في حوالي السنة الخامسة ميلادية في مدينة طرسوس (آسية الصغرى وتقع في ابرشية كيليكيا احدى ابرشيات الكرسي الانطاكي الشهيدة)، ويقال أن ولادته كانت بين الخامسة والعاشرة ميلادية، وكان اسمه العبري( شاؤل) على أسم أول ملك في أسرائيل، والروماني (بولس): “أَمَّا شَاوُلُ، وَقَدْ صَارَ اسْمُهُ بُولُسَ…” (أع 9:13) لأن اليهود اعتادوا أن يأخذوا اسما رومانيا من أجل علاقاتهم مع اليونانيين والرومانيين، وكان مواطنا رومانيا منذ مولده، “فَلَمَّا رَبَطَهُ الْجُنُودُ لِيَجْلِدُوهُ قَالَ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الَّذِي كَانَ وَاقِفاً بِقُرْبِهِ: «أَيَسْمَحُ لَكُمُ الْقَانُونُ بِجَلْدِ مُوَاطِنٍ رُومَانِيٍّ قَبْلَ مُحَاكَمَتِهِ؟» فَمَا إِنْ سَمِعَ الضَّابِطُ ذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْقَائِدِ وَأَخْبَرَهُ بِالأَمْرِ، وَقَالَ: «أَتَعْلَمُ أَيَّةَ مُخَالَفَةٍ كُنَّا سَنَرْتَكِبُ لَوْ جَلَدْنَا هَذَا الرَّجُلَ؟ إِنَّهُ رُومَانِيُّ الْجِنْسِيَّةِ !» فَذَهَبَ الْقَائِدُ بِنَفْسِهِ إِلَى بُولُسَ وَسَأَلَهُ: «أَأَنْتَ حَقّاً رُومَانِيٌّ؟» فَأَجَابَ: «نَعَمْ!» فَقَالَ الْقَائِدُ: «أَنَا دَفَعْتُ مَبْلَغاً كَبِيراً مِنَ الْمَالِ لأَحْصُلَ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ». فَقَالَ بُولُسُ: «وَأَنَا حَاصِلٌ عَلَيْهَا بِالْوِلاَدَةِ!» وَفِي الْحَالِ ابْتَعَدَ عَنْهُ الْجُنُودُ الْمُكَلَّفُونَ بِاسْتِجْوَابِهِ تَحْتَ جَلْدِ السِّيَاطِ، وَوَقَعَ الْخَوْفُ فِي نَفْسِ الْقَائِدِ مِنْ عَاقِبَةِ تَقْيِيدِهِ بِالسَّلاَسِلِ، بَعْدَمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ.” (أع 25:22-29) أهتم بدراسة الشريعة اليهودية منذ سنته العاشرة، وفي الرابعة عشرة ذهب إلى أورشليم ليكمل تعليمه، “، وتتلمذ على يد غاملائيل الفريسي أحد أشهر معلمي اليهود في ذلك الزمان ويحترمه الشعب كله، وهو المختون في اليوم الثامن، من نسل أسرائيل، من سبط بنيامين .. وفي الشريعة فريسي (فل 5:3)، وكانت وفاته بين سنتي 64 و 67 في مدينة روما. وتعلم صناعة الخيم، “وَإِذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِهْنَتِهِمَا، وَهِيَ صِنَاعَةُ الْخِيَامِ، أَقَامَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ يَشْتَغِلُ مَعَهُمَا.“(أع 3:18)، وإنه قديس تبجله جميع كنائس المسيح، ويعتبر أحد قادة الجيل المسيحي الأول وقد يمكن أن نعتبره أهم شخصية بعد المسيح في تاريخ المسيحية، بالرغم من عدم التقائه بالمسيح في حياته، عرف برسول الأمم لأنه بشر آسيا الصغرى وأوربا كما لقب مع بطرس الرسول بعمودي الكنيسة، وهامتي الرسل، وتعيد الكرسي الانطاكي المقدس لهما في ٢٩ حزيران من كل عام وهو عيدهما المندمج مع عيد تأسيسهما كرسي انطاكية العظمى، وكان اول كرسي رسولي في التاريخ المسيحي.

كان في حياته متحمساً ذو ميول متطرفة، حارب الكنيسة الناشئة لأنه كان يعتبرها فرقة يهودية ضالة تهدد الديانة اليهودية الرسمية، وأظهر غيرة شديدة على الشريعة وحفظ التقليد وكان أول ظهور له وهو يراقب شهيد الكنيسة الأول (أسطيفانوس) عندما تم رجمه حتى الموت وهو يحرس ثياب الراجمين!!! ويقدم لهم الماء، ” وَخَلَعَ الشُّهُودُ ثِيَابَهُمْ عِنْدَ قَدَمَيْ شَابٍّ اسْمُهُ شَاوُلُ لِكَيْ يَحْرُسَهَا.” (أعمال 58:7) الأمر الذي حدث بين سنتي (33-37م)، وكان بكل تأكيد راضياً بما يقومون به، رغم كونه صغير السن وقتها، وبعد ذلك عمل للحصول على موافقة الكهنة اليهود بتتبع المسيحيين حتى مدينة دمشق كي يسوقهم موثقين إلى أورشليم. لأنه أحسّ بأن المسيحية الفتية تعتبر خطرا كبيرا خاصة بالنسبة له كيهودي متدين الذي كان يعتقد أن عليه مقاومة اسم يسوع الناصري بكل جهده، “وَكُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ أَبْذُلَ غَايَةَ جَهْدِي لأُقَاوِمَ اسْمَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ.”(أع 9:26)، لكن المسيح حوله من مضهد له إلى رسول وإناء مختار.
ظهور الرب يسوع عليه في الطريق الى دمشق او طريق دمشق
لقد اهتزّ كيان شاوول القاسي والمضطهد كله لأنه رأى ربنا يسوع المسيح بالجسد الروحاني الممجد وهو في بهاء مجده ، كلمه وشاهده بالعين المجردة وهو في كامل يقظته ووعيه. ” فنهض شاول عن الأرض، كان وهو مفتوح العينين لا يبصر أحداً. فإقتادوه بيده وأدخلوه إلي دمشق. وكان ثلاثة أيام لا يبصر فلم يأكل ولم يشرب ” (أع8:9-9). يبدوا أن شعاعاً من النور اخترق ندمه وألمه. شعاع المحبة الحانية الغافرة التي أظهرها ربنا يسوع المسيح في مجيئه إليه، ولم ينسى شاول هذه المحبة الغامرة مدى حياته. فسلام الله قد تسرب إلى قلبه، وانتهت الأزمة به إلي رجل راكع يبكي حين أبلغه القديس حنانيا الرسول ماذا يجب عليه أن يفعل.

وكان الطريق إلى دمشق هو الفيصل الذي غير مجرى حياته من خلال تلك المقابلة الرهيبة الوجاهية مع الرب يسوع… والرؤيا فائقة الضياء التي جعلته يفقد البصر وغيرت لاحقاً كل مجريات حياته (أعمال الرسل فص9)
وصرخة الرب يسوع:” شاول شاول لماذا تضطهدني . فقال له من أنت يا سيد . فقال الرب أنا يسوع الذي أنت تضطهده . صعب عليك أن ترفس مناخس . ” (أع 3:9-5). وكلمة مناخس هي المنخاس الحديد الذي يلبسه الفارس في مؤخرة حذائه ، والذي بواسطته يستطيع الفارس السيطرة علي الفرس الذي يمتطيه للجري بأقصي سرعة، والفرس لا يستطيع ان يرفس المنخاس لأنه سوف يؤلمه ويؤذي نفسه، وفي هذا إشارة إلي قلب شاول الطرسوسي الذي كان ينخسه لمحاربة أهل الطريق ومحاولة القضاء عليهم بشتي الطرق، داخل وخارج أورشليم، ولذلك ظهر له الرب لأن الرب هو الذي يقودنا في موكب نصرته.
كان لقاء الرب يسوع المسيح شخصياً مع شاول في الطريق إلي دمشق سبباً في انقلاب حياته، وتغير من مضطهد لأهل الطريقة الجديدة إلى مؤمن بهذه الطريقة وكارز ومبشر بالمسيح في كل الإمبراطورية الرومانية لأن الرب عينه رسولا للأمم وقد قام بثلاث رحلات تبشيرية. تقابل شاول مع القديس حنانيا الرسول في دمشق في الزقاق المستقيم، وكان الرب قد قال للقديس حنانيا قبل أن تتم هذه المقابلة أن شاول هذا أناء مختار ليحمل أسمي أمام أمم وملوك بني إسرائيل لأنني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل أسمي (أع1:9- 17) وبالفعل جاز القديس بولس الرسول آلاماً كثيرة وضيقات وشدائد من أجل المسيح، وكان يتقبل هذه الآلام بفرح حتى استشهد بقطع رأسه في روما سنة 67 م. بأمر من نيرون الملك الطاغية من أجل شهادته للمسيح. وقد سار على هذا المنوال رسل المسيح له المجد، وأيضا خلفاؤهم .
كيف لا وأن نور من السماء أشرق عليه وحاوره يسوع وأقنعه بأنه اضعف من ان يرفس مناخس وانه الرب يسوع المسيح الموعود، القائم من بين الأموات، وكانت دمشق هذه المدينة السورية مكان الوعد بأعادة نظره من قبل اول اسقف على دمشق لأول جماعة مسيحية بعد اورشليم وهو الرسول حنانيا الذي عمده في بيت يهوذا الدمشقي في الشارع المستقيم ومن حينها عرف باسمه (بولس) واقترنت دمشق باسم بولس الرسول ففي طريقها شاهد وحاور الرب يسوع، وفيها نال الخلاص بمعمودية الماء والروح، ومنها انطلق للتبشير في كل المسكونة.


كان ارسال حنانيا إلي شاول لكي يصلي عليه ويشفيه ويجعله يبصر مرة أخري ويعطيه الحل ويعمده ويمتلئ من الروح القدس ويرشده للكرازة بإسم الرب (أع16:22)، (أع17:9)، وكان ذلك عام ( 35م). كما ان الرب عندما أرسل القديس حنانيا الرسول قال له ” قم واذهب إلي الزقاق الذي يقال له المستقيم واطلب في بيت يهوذا رجلا طرسوسيا اسمه شاول . لأنه يصلي.” (أع 11:9) . وهذا يوضح لنا أن المسيح يسوع ربنا هو الله العالم بكل شئ في حياتنا ، يعلم أين نوجد وماذا نعمل وكيف نفكر ولا ‘يخفي عليه شئ ولذلك فهو الوحيد ولا أحد سواه الذي يستطيع أن يدين العالم لأنه هو الوحيد الذي يعلم بخفايا الأمور ، كذلك ، لأن” الآب قد أعطي كل الدينونة للإبن ” (يو22:5). والمعني الذي ‘يفهم من أن الاثنين عشر تلميذا سيجلسون علي الكراسي يدينون اسباط اسراييل الاثني عشر في اليوم الأخير هو أنهم سوف يجلسون علي الكراسي ‘يخجلون و‘يحرجون أسباط إسرائيل ونسلهم لأنهم لم يؤمنوا بالرب عند مجيئه الأول ، لأنه ” إلي خاصته جاء وخاصته لم تقبله “(يو 11:1)
“وأما شاول فكان يزداد قوة ويحير اليهود الساكنين في دمشق محققا أن هذا هو المسيح. ولما تمت أيام كثيرة فتشاور اليهود ليقتلوه . فعلم شاول بمكيدتهم . وكانوا يراقبون الأبواب نهارا وليلا ليقتلوه . فأخذه التلاميذ ليلا وأنزلوه من السور مدلين إياه في سل” (أع22:9 – 25 )

انطلق الى العربية هارباً من اليهود الدمشقيين الذين كانوا يودون اغتياله، فهربه جاورجيوس بواب الباب الواقع على يمين “الباب الشرقي” في سور دمشق والمعروف حالياً باسم “باب بولس” بأن دلاه بزنبيل ( سل كبير) بمعونة التلاميذ الى خارج السور فهرب الى منطقة العربية (حوران وشرق الاردن…) فكان مصير البواب جاورجيوس الاستشهاد رجماً ودفن فيه وتحول مكان دفنه الى المقبرة المسيحية في دمشق منذ تاريخه حيث صار المسيحيون يدفنون موتاهم حول ضريحه واليوم معروف باسم مقبرة القديس جاورجيوس.

في العربية
بشر في العربية لمدة ثلاث سنوات عاد بعدها الى دمشق وعند رجوعه الى دمشق كان ملتهبا بالروح وبنفس الحماس والغيرة التي كان يحارب بها اهل اول جماعة مسيحية خارج اورشليم ولكن حماسته هذه تحولت إلي الشهادة بإسم الرب يسوع. “وأما شاول فكان يزداد قوة ويحير اليهود الساكنين في دمشق محققا أن هذا هو المسيح. ولما تمت أيام كثيرة فتشاور اليهود ليقتلوه . فعلم شاول بمكيدتهم . وكانوا يراقبون الأبواب نهارا وليلا ليقتلوه . فأخذه التلاميذ ليلا وأنزلوه من السور مدلين إياه في سل” (أع 22:9 – 25 ) فهرب إلي أورشليم ( عام 37م). ومنها انطلق الى انطاكية مرورا بالمدن السورية مبشراً والتقى في انطاكية ببطرس الرسول مع كوكبة من مختاري الرب الذين حل عليهم روح الرب في العنصرة، فأنشأ هو وبطرس الكرسي الانطاكي المنقدس السنة 42 مسيحية وجلس عليه بطرس كأول الاساقفة عام 45 مسيحية وهو اول البطاركة على الكرسي الانطاكي المقدس

بولس كإنسان
إنه يتمتع بغنى بشري وروحي عظيم، مفكر وعبقري، صاحب عاطفة إنسانية ورقة في التعامل: “سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ، وَعَلَى أُمِّهِ الَّتِي هِيَ أُمٌّ لِي.” (رو 13:16)، محب ويعرف معنى الصداقة (غل 15:4، 19) لا يعرف الكذب.. حازم .. شجاع .. متوازن يعرف كيف يعطي ذاته كلها، أعطى نفسه للمسيح، حمل هم كل الكنائس (2كور 28:11) كان خاضعا لنداءات المسح (أع 9:16)، أهتم بالمشاركة في الايمان (غل 2:2) والأمانة للتقليد الآتي من الرب (1كو 23:11-24، 1:15-12)، وعرف أن المسيح قد جاء من أجل الجميع فطلب أن يكون كلا للكل (1كور 22:9)، بمعنى آخر أنه حمل إنجيل المسيح لكل الناس.
رحلاته التبشيرية
قام بعدد من الرحلات الرسولية ثلاثة أو أربع رحلات، لأن بعضهم يدمج بين الرحلات ليختصرها إلى ثلاث،
رحلة بولس الرسول التبشيرية الاولى بين سنتي (45-49) مسيحية
مكث بولس لفترة من الزمن في مدينته طرسوس ومن ثم انضم إلى برنابا وذهبا معاً إلى أنطاكية حيث وعظا فيها سنة كاملة، ومن هناك انحدرا إلى منطقة اليهودية حاملين معهما مساعدات من كنيسة أنطاكية. وبعد أن أكملا مهمتهما غادرا أورشليم يرافقهما مرقس. من أنطاكية بدأ بولس رحلته التبشيرية الأولى رافقه فيها برنابا وفي قسم منها ابن أخت هذا الأخير مرقس. فعبروا البحر إلى قبرص وبعد ذلك إلى جنوب الأناضول (بيرجة، بيسيدية، ايقونية، لسترة، دربة). كان بولس ورفاقه يتبعون أسلوبا معيناً في الدعوة، فقد كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى ينادون بالخلاص بيسوع المسيح في مجامع اليهود وفي الأسواق والساحات العامة حيث أوجدوا جماعات مسيحية جديدة وأقاموا لها رعاة وقساوسة.
انقسم اليهود من سامعيهم بين مؤيد ومعارض، وأما بولس فقد حول وجهه صوب الوثنيين ليتلمذهم هم أيضاً على ما يؤمن به.

مجمع أورشليم
حوالي عام 48 م وقعت أزمة بين مسيحيي أنطاكية حول مسألة الختان عندما وصل إلى المدينة مسيحيون ذوو خلفية يهودية يطالبون بضرورة تطبيق شريعة الختان على المسيحيين القادمين من “الامم” ( الوثنيون) لكي ينالوا الخلاص، أما بولس وبرنابا فقد خالفا ذلك بشكل كبير، ولما لم يتمكنا من حل المسألة أرسلت كنيسة أنطاكية بهما مع أناس آخرين إلى الرسل والمشايخ في أورشليم للنظر في الأمر. وتم عقد ما يعتبره مؤرخوا الكنيسة أول مجمع كنسي وهو مجمع أورشليم رئسه يعقوب الرسول اخو الرب، وافقت فيه الكنيسة على مقترحات بولس وبرنابا بأن لا يُلزم الوثنيون المؤمنون بالمسيح بالختان فهي الشريعة الموسوية التي ابطلها الرب يسوع بسر العماد، كذلك يُكتفى بمنعهم عن “نجاسات الأصنام والزنى والمخنوق والدم” بحسب وصف كاتب سفر أعمال الرسل. وتم بعد ذلك المجمع تحديد المهام التبشيرية في الكنيسة، حيث أصبح بطرس – مع يعقوب ويوحنا بن زبدي – مسؤولون عن تبشير اليهود الذين يختتون لنيل الطهارة وفق الشريعة الموسوية، وبولس – مع برنابا – رسول للأمم (أي الوثنيين). وبفضل ذلك المجمع أيضاً تحدد وجه المسيحية كديانة مستقلة وليس كفرع من فروع اليهودية.
رحلة بولس الرسول التبشيرية الثانية بين (49-52)مسيحية
في الرحلة الثانية أراد برنابا اصطحاب مرقس معهما، ولكن بولس لم يوافق على ذلك، فوقع خلاف فيما بينهما افترقا على أثره والسبب لأنه فارقهما في بمفيلية ، ومضى بولس في طريقه مع سيلا أحد الوعاظ المسيحيين. كان هدف بولس الرئيس من تلك الرحلة هو المرور على الجماعات المسيحية التي أقامها في جنوب الأناضول خلال رحلته الأولى لتفقد أحوالها، وفي لسترة التقى بتيموثاوس الذي انضم إليه هو الآخر، ثم تابع طريقه باتجاه الشمال حتى وصل إلى الدردنيل ومن هناك عبر إلى اليونان. وفي تلك البلاد أسس بولس كنائس جديدة في

رحلة بولس الرسول التبشيرية الثانية
فيلبي وتسالونيكي وبيرية وأثينا وكورنثوس. وخلال إقامته الطويلة نوعاً ما في كورنثوس قام بولس بكتابة رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل تسالونيكي (حوالي عام 52 م)، ومن المحتمل أنه كتب في تلك الفترة أيضا رسالته إلى الغلاطيين، مع أن بعض الباحثين يرجحون احتمال أن تكون هذه الرسالة – المكتوبة في أنطاكية – هي باكورة أعماله، بينما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في فترة لاحقة في مدينة أفسس.
أبحر بولس بعد ذلك إلى قيصرية في فلسطين ومنها قام بزيارة لأورشليم ومن ثم عاد إلى أنطاكية.
رحلة بولس الرسول التبشيرية الثالثة بين (53-58)مسيحية
أخذت الرحلة الثالثة بولس إلى غلاطية ثم إلى فريجية ومنها إلى أفسس، وكانت فترة العامين والنصف التي قضاها في أفسس هي أكثر فترات حياته إثماراً، كتب فيها رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس (حوالي عام 56 م). بعدها ذهب بنفسه إلى كورنثوس حيث يعتقد أنه كتب فيها رسالته إلى أهل روما، ثم عاد إلى أفسس وبعدها إلى أورشليم حيث اعتقل فيها، وكانت تلك هي زيارته الأخيرة للمدينة المقدسة (بين عامي 57 و 59 م).

رحلة بولس الرسول التبشيرية الرابعة بين (63-67)مسيحية
جاءت هذه الرحلة بعد أسره في أورشليم مدة سنتين حيث أبحر إلى روما ولمدة سنتين هناك كتب رسالته إلى كولسي وأفسس وفيلبي وإلى تلميذه فيلمون، وقام برحلته شرق المتوسط (1طيم 3:1 و 5:1) وفي ذلك الوقت كتب رسالته إلى تيطس وتيموثاوس وفي أسره بروما كتب رساته الثانية إلى تيموثاوس وكان استشهاده في روما أبان اضطهاد نيرون للمسيحيين (أع 28:27).

اعتقاله واستشهاده في روما
في فترة الخمسينات زار بولس أورشليم مع بعض مسيحيي الأمم الذين آمنوا على يديه، وهناك تم اعتقاله لأنه قام بإدخالهم (وهم يونانيون) إلى حرم الهيكل، وبعد سلسلة من المحاكمات أُرسل إلى روما حيث قضى فيها آخر سنين حياته. بحسب التقليد المسيحي فأن بولس أعدم بقطع رأسه بأمر من نيرون على أثر حريق روما العظيم الذي اتهم المسيحيون بإشعاله عام 64م.
بعد خروجه من السجن الأول في روما لم يهدأ القديس بولس بل زاد من نشاطه في الكرازة، فترك روما وذهب إلي كولوسي وأقام في بيت فليمون ، وهناك التقي للمرة الثانية مع أنسيمس. ومن كولوسي قام ببعض الزيارات الرعوية لجميع الكنائس التي أسسها في هذه البلاد المحيطة لكي يثبتهم في الإيمان ويعضدهم لكي تستمر خدمتهم الكرازية والرعوية . بعد ذلك سافر عن طريق البحر حتي وصل إلي أسيا الصغري والبلقان وايطاليا وأسبانيا حيث قام بالكرازة وبتأسيس كنائس في هذه البلاد . ثم عاد إلي ترواس حيث تم القبض عليه بأمر من الطاغية نيرون و‘رحل إلي سجن مأمرتايم بمدينة روما حسب التقليد عام 67م . ووقف القديس بولس أمام نيرون الامبراطور الطاغية للمرة الثانية وكانت التهمة هذه المرة أنه زعيم لجماعة المسيحين الذين ، اتهموا كذبا أنهم ، قاموا بإحراق مدينة روما العريقة ، ولم تستمرالمحاكمة طويلا وصدر الحكم بالاعدام ، ولم يكن مع القديس بولس محام ليدافع عنه ولم يكن معه هناك أحدا من المسيحين أو الأصدقاء ، حتي القديس تيموثاوس الذي كان يلقبه بإبنه لم يكن هناك . ونظرا لأن القديس بولس مواطن روماني لم يعدم شنقا أو مصلوبا أو رميا بالحجارة ، ويقول التقليد الروماني وكذلك كتاب السنكسارالمستعمل في كنائس الكرازة المرقسية أنه في عام 67 م استشهد كل من القديسين العظيمين بطرس وبولس هامتا الرسل ، وقد استشهد القديس بطرس مصلوبا منكس الرأس ، والقديس بولس بحد السيف خارج مدينه روما حيث كانت ساحة الاستشهاد علي طريق أوستيا . ولم يكن هناك أحد يحمل جسديهما في إعزاز ويبكي عليهما أو يواريهما التراب بكرامة واعزاز.

إن كان القديس العظيم بولس الرسول لم يستطع الذهاب بالجسد إلي أقاصي الأرض ليكرز ويبشر بالإنجيل ” البشارة المفرحة ” ولكن شكرا لله فإن رسائله قد نابت عنه وأوصلت الكرازة بالإنجيل للخليقة كلها . فهي تقرأ في كل المسكونة من مشارقها إلي مغاربها ومن شمالها إلي جنوبها ، مؤكدة حق الأمم في الإيمان بالرب يسوع المسيح بدون تهود، وأن الخلاص متاح لكل إنسان وذلك بالإيمان بالرب يسوع المسيح فاديا ومخلصا.

رسائل العهد الجديد التي كتبها بولس الرسول
| · الرسالة إلى أهل رومية
· الرسالة الاولى إلى أهل كورنثوس · الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس · الرسالة إلى أهل غلاطية · الرسالة إلى أهل أفسس · الرسالة إلى أهل فيلبي · الرسالة إلى أهل كولوسي |
|
مميزات القديس الرسول بولس
الميزة الأولى
هي كونه رأى الرب (1كور9:1)، أي كونه التقى الرب في لحظة معينة من حياته، (غل 15:1-16) حيث يقول: أنه دُعي، وأختير إلى حد ما، بنعمة الله عبر وحي ابنه لاجل اعلان البشرى السارة للوثنيين. ويقول أيضا :”أنه مدعو ليكون رسولا”(رو 1:1)، أي “لا مِنْ قِبَل الناس ولا بمشيئة إنسان، بل بمشيئة يسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من بين الأموات” (غل 1:1)، فهذه هي خاصيته الاولى كونه قد رأى الرب وتلقى دعوة منه.
الميزة الثانية
هي أن يكون قد أُرسِلَ وذلك يستوجب عليه أن يتصرف كوكيل وكممثل للذي أرسله، ولذلك نجده يعرّف نفسه “رسول يسوع المسيح” (1كور 1:1، 2كور 1:1)، أي وكيله القائم على خدمته بالكامل، لدرجة أنه يسمي ذاته أيضا “خادم يسوع المسيح” (رو 1:1).
الميزة الثالثة
وهي عيش “التبشير بالإنجيل”، عبر تأسيسه للكنائس، ولُقبَ بالرسول لم يأتي بصورة فخرية بل من خلال العمل حيث يقول: “ألستُ رسولا؟” أو ما رأيت يسوع ربنا؟ ألستم صنيعتي في الرب” (1كور 1:9) وأيضا في موضع آخر يقول: “أنتم رسالتنا .. رسالة من المسيح، أُنشئت عن يدنا، ولم تكتب بالحبر، بل بروح الله الحي” (2كور 2:3-3).
ويلتصق بمحبة المسيح بشكل صميمي بقوله: “فَمَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ لَنَا؟ هَلِ الشِّدَّةُ أَمِ الضِّيقُ أَمِ الاِضْطِهَادُ أَمِ الْجُوعُ أَمِ الْعُرْيُ أَمِ الْخَطَرُ أَمِ السَّيْفُ؟ بَلْ كَمَا قَدْ كُتِبَ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُعَانِي الْمَوْتَ طُولَ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا كَأَنَّنَا غَنَمٌ لِلذَّبْحِ!» وَلكِنَّنَا، فِي جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، نُحْرِزُ مَا يَفُوقُ الانْتِصَارَ عَلَى يَدِ مَنْ أَحَبَّنَا. فَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ لاَ الْمَوْتُ وَلاَ الْحَيَاةُ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ وَلاَ الرِّيَاسَاتُ، وَلاَ الأُمُورُ الْحَاضِرَةُ وَلاَ الآتِيَةُ، وَلاَ الْقُوَّاتُ، وَلاَ الأَعَالِي وَلاَ الأَعْمَاقُ، وَلاَ خَلِيقَةٌ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (روم35:8-39).
وتصرف وتحدث الرسول بولس عن خدمته التي تميزت كما جاء في الرسالة إلى (2كور 3:6-10) “وَلَسْنَا نَتَصَرَّفُ أَيَّ تَصَرُّفٍ يَكُونُ عَثْرَةً لأَحَدٍ، حَتَّى لاَ يَلْحَقَ الْخِدْمَةَ أَيُّ لَوْمٍ. وَإِنَّمَا نَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّنَا فِعْلاً خُدَّامُ اللهِ: فِي تَحَمُّلِ الْكَثِيرِ؛ فِي الشَّدَائِدِ وَالْحَاجَاتِ وَالضِّيقَاتِ وَالْجَلْدَاتِ وَالسُّجُونِ وَالاضْطِرَابَاتِ وَالأَتْعَابِ وَالسَّهَرِ وَالصَّوْمِ؛ فِي الطَّهَارَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَطُولِ الْبَالِ وَاللُّطْفِ؛ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ مِنَ الرِّيَاءِ؛ فِي كَلِمَةِ الْحَقِّ وَقُدْرَةِ اللهِ؛ بِأَسْلِحَةِ الْبِرِّ فِي الْهُجُومِ وَالدِّفَاعِ؛ بِالْكَرَامَةِ وَالْهَوَانِ؛ بِالصِّيتِ السَّيِّيءِ وَالصِّيتِ الْحَسَنِ. نُعَامَلُ كَمُضَلِّلِينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا ، كَمُعَاقَبِينَ وَلاَ نُقْتَلُ، كَمَحْزُونِينَ وَنَحْنُ دَائِماً فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَمَنْ لاَ شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ”. وهكذا فعلا كانت خدمته ولم يكن بإمكان أحد اتهامه بما ينافي الأخلاق والآداب وكان ذا علمٍ موهب به من الله وكانت محبته بلا رياء، ويمارس بشارته بقوة الله، وكان يحارب بنشر رسالته بأسلحة البر في الهجوم والدفاع وهذا ينم عن تفكيره بأن الأخلاق المسيحية الجيدة هي أحسن سلاح في كلتا الحالتين.
ويمكننا أن نقول أن الآية الرئيسة في حياته كانت: ” فَالْحَيَاةُ عِنْدِي هِيَ الْمَسِيحُ، وَالْمَوْتُ رِبْحٌ لِي. وَلَكِنْ، إِنْ كَانَ لِي أَنْ أَحْيَا فِي الْجَسَدِ، فَحَيَاتِي تُهَيِّيءُ لِي عَمَلاً مُثْمِراً. وَلَسْتُ أَدْرِي أَيَّ الاثْنَيْنِ أَخْتَارُ!” (فيلبي 21:1-22). فيا ليتنا لو اقتدينا بهذا الرسول العظيم وتكون حياتنا جزءا مما عمل أو وصل إليه ونربح نفوسنا ونوفوس أخوتنا البشر، فالمجد للرب يسوع بإعطائه مثل هكذا رسول لنا لكي بواسطة تعاليمه نرث المُلك المعد لنا منذ إنشاء العالم.

عظمة القديس بولس الرسول تكمن في أنه
6 – ظهر الرب لشاول مرة اخري في الليل وهو في كورنثوس وقال له ” لا تخف بل تكلم ولا تسكت. لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك . لأن لي شعبا كثيرا في هذه المدينة ” (أع 9:18-10) .

22 – في نفس الوقت كان القديس بولس الرسول في قمة الوداعة والتواضع، فنراه يقول: ” ثم أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه أنا نفسي بولس الذي في الحضرة ذليل بينكم وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم.” (2كو10: 1) . وعندما كان في ميليتس ارسل إلى أفسس واستدعي قسوس الكنيسة وقال لهم “ لذلك اسهروا متذكرين اني ثلاث سنين ليلا ونهارا لم افتر عن ان انذر بدموع كل واحد” (أع31:20).

28 – تكلم القديس بولس الرسول عن سر الافخارستيا بقوله: ” تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً” (1كو23:11)، وهذا يوضح ان القديس بولس تسلم هذا السر العظيم أثناء تلمذته للرب يسوع وهو في العربية ودمشق حيث مكث هناك ثلاث سنوات.

