حادثة إعدام الأخوين زريق من مذكرات البطريرك غريغوريوس حداد
هل تكشف لنا المذكرات الشخصيّة جوانب خفيّة من التاريخ لا تذكرها الوثائق الرسميّة؟
كيف تضيء حادثة إعدام الأخوين زريق على واقع المحاكمات والإعدامات في ظلّ الحكم العثماني إبّان الحرب العالميّة الأولى؟
يعرض هذا المقال للدكتور باسيل خوري قراءةً في مذكّرات البطريرك غريغوريوس حدّاد، مسلّطًا الضوء على أبعاد إنسانيّة وتاريخيّة مؤلمة تكشف تداخل السياسة، والانتقام، والإيمان في مرحلة مفصليّة من تاريخ المشرق.
إعدام الأخوين زريق
في مذكّرات المثلّث الرحمة البطريرك غريغوريوس حدّاد
في مجموعة أوراق تركها لي والدي قبل وفاته(١)، وجدت كتيّبًا من تسع صفحات مخطوطة بعنوان «الخوري إغناطيوس الأنطاكيّ في مذكرات البطريرك غريغوريوس حداد من 12 أيلول سنة 1915 إلى 24 تشرين الأول 1915 نقل بقلم البروتوسينجلس بولس الخوري». وهذا الموضوع كان موضوع بحث في مقالة لي باللغة الفرنسيّة للجامعة اليسوعيّة في مجلة حوليّات التاريخ والآثار ، العدد التاسع عشر سنة 2010. وما يلي تعريب بتصرف من هذا المقال مع إضافات ضرورية مع مرور الزمن.
والمعروف أنّ كلمة «بروتوسينجلس» في الأدب الأكليريكي هو أول نائب لملاك أبرشيّة: بروتو معناه أول، وسينجلس يعني غرفة الراهب أو القلاية أيّ مكان إقامة المطران، فالعبارة تعني الأوّل بين المقيمين مع المطران، ويكون هو الوكيل. وهذه الرتبة الأكليريكيّة مقتبسة من الكنيسة اليونانيّة. أمّا «بولس الخوري» فأصبح في ما بعد أسقفًا على أبرشيّة صيدا وصور ومرجعيون. وربّما كان في موقع مهمّ في المقرّ البطريركيّ في دمشق كي يستطيع الاطّلاع على مذكرات غبطة البطريرك غريغوريوس حدّاد.
أما «الخوري إغناطيوس الأنطاكي»، فهو عم والدي، الذي كان رئيس قسم علاقات البطريركيّة الأنطاكيّة مع الحكومة العثمانيّة. وكان من مواليد أنطاكية. لذا أعطاه المتروبوليت، والأجدى هنا البروتوسينجلس، لقب الأنطاكيّ.
وقد تحدثّت في المقال السابق عن البطريرك غريغوريوس حدّاد وعلاقته بالكنيسة الروسيّة وبالملك فيصل. لذا لم أكرّر الحديث المفصل عن حياته.
وهذا الكتيب هو عبارة عن دفتر مدرسيّ بقياس عشرين سنتمرًا طولًا وخمسة عشر سنتمرًا عرضًا. والغلاف بني. وقد سطّر المتروبوليت بولس الخوري كلمات «الخوري إغناطيوس الأنطاكيّ» للدلالة أنّ همّه هنا هو الأرشمندريت إغناطيوس خوري وليس مذكّرات البطريرك غريغوريوس حدّاد. والجدير بالذكر أنّه كان يريد إبراز أهمّيّة طلب والدي بما ذكره البطريرك عن عمه.
وعلى الصفحة الأخيرة من الكتيّب، كي يشدّد على أنّه نسخ بدقة ما ورد في مذكرات البطريرك غريغوريوس حدّاد، كتب المتربوليت بولس الخوري «نسخة طبق الأصل» مع التاريخ 10 تموز 1946. والمكان هو «بيروت» مع إمضائه. وهنا يطرح السؤال: هل نقلت المقاطع المخصصة للخوري إغناطيوس في مذكرات البطريرك غريغوريوس حدّاد في بيروت، أم في دمشق، وسلّمت إلى والدي في بيروت؟
السياق التاريخي
قبل الحديث عن شخصيات الكتيّب، سوف أسرد بإيجاز عن السياق التاريخيّ للسلطنة العثمانيّة في بداية القرن الماضي، أي القرن العشرين.
في سنة 1908، أجبر بعض ضبّاط الجيش العثمانيّ السلطان عبدالحميد الثاني أن يضع قيد التنفيذ الدستور الذي وضعه مدحت باشا سنة 1876. وذلك الدستور يعطي السلطنة العثمانيّة منحى جديدًا على غرار المملكة البريطانيّة حيث كان مدحت باشا سفيرًا عثمانيًّا فيها. فهو يشدّد على وضع برلمان يمثل الأقلّيّات التي تشارك السلطان في إدارة السلطنة. ولكن الدستور لم يدم طويلاً، وسوف يسقط تحت ضربات النعرات الداخليّة والحروب التي أجبرت السلطنة العثمانيّة على خوضها في البلقان وفي ليبيا. وفي نهاية المطاف انقلب على الدستور ثلاثة ضبّاط شكّلوا حكومة ثلاثية تحكّموا بالإدارة وبشؤون السلطنة. هؤلاء الضبّاط هم أنور وطلعت ومدحت. وقد أسّسوا سياستهم على المركزيّة الإداريّة والتتريك. وقد اعتمدوا على الفكرة السائدة في ألمانيا وهي: شعب واحد، لغة واحدة، دولة واحدة.
في هذا السياق وضع أنور باشا، الذي كان في منصب وزير حرب، قانون 12 أيار 1914(١)، الذي يجرّ كلّ شابّ عثمانيّ، بين عشرين وخمسة وعشرين سنة، إلى الانخراط في «خدمة العلم» لمدة سنتين.
في حين أنّ جمال باشا، الذي كان يشغل منصب وزير البحريّة، استلم الولايات العربيّة للسلطنة بعد أن فشل في تنظيم حملة ضدّ البريطانيّين في مصر. أدار في فترة أولى دير عينطورة في كسروان، حيث حوّله إلى ميتم لأرمن أُجبروا على اعتناق الإسلام. بعدها انتقل إلى عاليه في المتن حيث أسّس محكمة عسكريّة بعد إلغاء استقلاليّة جبل لبنان. أعدم العديد من الصحفيّين والمثقّفين العرب في المرجة في دمشق وساحة الشهداء في بيروت، وذلك انتقاما منهم بسبب مساندة الإنكليز لثورة الحسين، شريف مكة، ضدّ العثمانيّين.
وكان ضبّاط ورجال أمن عثمانيّون يستغلّون الوضع لمصلحتهم، وينفّذون إعدامات جائرة بحقّ أشخاص للثأر منهم. كما سوف نرى لاحقًا.
شخصيّات الكتيب
-المتروبوليت بولس الخوري: وأسمه حليم الخوري. ولد في بتعبورة، قضاء الكورة، درس في المدرسة الإكليريكيّة في البلمند سنة 1896. سنة 1929 رسم أرشمندريتا وأوكل إليه رعاية مطرانيّة جبيل والبترون عند وفاة المتروبوليت بولس أبو عضل. خدم كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس، وسط بيروت، من 1939إلى 1948، تاريخ تنصيبه مطرانًا على صيدا وصور ومرجعيون. توفّي سنة 1995 عن عمر يناهز التسعة والتسعين.
– الخوري إغناطيوس الأنطاكيّ: واسمه ديمتري خوري، وهو البكر من عائلة أنطاكيّة مؤلفة من سبعة أولاد، أربعة شباب و ثلاث بنات. درس في المدرسة الابتدائيّة في أنطاكية، والثانويّة في المدرسة الرشيديّة. سجّله أبوه في المدرسة الإكليريكيّة في البلمند. سيم شمّاسًا في اللاذقية سنة 1907، ثم كاهنًا باسم القدّيس إغناطيوس. وبما أنّه كان يتّقن اللغة التركيّة إلى جانب اللغة العربيّة واليونانيّة، وكلّه البطريرك غريغوريوس الرابع بمهام إدارة علاقة الكرسيّ الأنطاكيّ مع السلطات العثمانيّة. رافق البطريرك في زيارته إلى بطريركيّة روسيا. توفّي في 24 تشرين الثاني 1915 بعد معاناة دامت قرابة أربعين يومًا مع مرض الزنطاري.
– الأخوين زريق: عائلة أرثوذكسيّة من طرابلس مؤلّفة من أربع إخوة. كان والدهم يدعى أناسطاس زريق. البكر، فريد، كان يقطن طرابلس. أنطوان في الولايات المتّحدة وصاحب جريدة «جراب الكردي» التي أسّسها في الولايات المتّحدة سنة 1902. توفيق كان يعيش في مصر ويعمل في شركة مصريّة. والكتيب يعلّمنا باسم الأخ الأصغر، ويدعى إسحق. في صيف 1914، غادر الابن البكر الولايات المتّحدة، مارًّا بمصر، ليصطحب أخاه توفيق إلى طرابلس. لكنهم فوجئوا بإعلان حالة الطورئ وخدمة العلم، خريف 1914، ففرّوا إلى أنفه، حيث قبض عليهم وسيقوا إلى دمشق. وقد أُعدموا في المزة، وعرّفهم قبل مماتهم الخوري إغناطيوس.
النصّ
يبدأ الكتيب بـ«قبل فجر نهار 12 أيلول 1915 ش…». والحرف «ش» يدل على أن التاريخ هو التقويم الشرقي الذي يفرق 13 يوما عن التقويم الغربي. يتابع أنه أتى جندرمة ودق على شباك غرفة الشماس حبقوق، وطلب كاهنا للقلعة «لأجل إيفاء الواجبات الدينيّة لمسجونين». في الصباح، أوضح إغناطيوس للبطريرك أنّه ذاهب إلى القلعة لإيفاء الواجبات الدينيّة لمسجونين. فطلب منه أن يذهب بدلاً من الخوري إلياس الدوماني، وأنّ الخوري كرللس دادا سيخدم الذبيحة الإلهيّة مكانه. قد يعلّمنا الكتيّب أنّ فريد، الذي كان يقطن طرابلس، ذهب إلى البطريرك في دمشق برفقة شخص «…من بيت فرنجية في زغرتا…». ومن الأرجح أن يكون هذا الشخص قبلان فرنجية، والد رئيس الجمهوريّة سليمان فرنجية(٢). وقد رافق فريد إلى دمشق ليخبر البطريرك بإعدام أخويه توفيق وأنطون. ويخبر أنّ توفيق فقد في الأسكندريّة زوجته وابنه، وأنطوان يترك في الولايات المتّحدة خمسة أولاد بعهدة زوجته دون معيل.
توجه الأب إغناطيوس إلى حبس الجناية الملكية في قلعة دمشق «…الساعة س 11 عربية». يجب التوضيح هنا أن «حبس الجناية الملكيّة الذي كان مقرّه في قلعة دمشق هو السجن الرئيسيّ، أو الأهمّ في دمشق. وكان في القلعة سجون فرعية أقلّ أهمّيّة من حبس الجنايات الملكيّة. إذ، كي يستطيع الأب إغناطيوس رؤية السجناء، أي أنطوان وتوفيق، نُقلوا من حبس الجنايات الملكيّة إلى الحبس العسكريّ. أمّا الساعة الحادية عشرة «عربية» فهي الساعة الخامسة مساء، إذ كانت العادة أن يبدأ عدّ الساعات منذ شروق الشمس. كان أنطوان وتوفيق مضطربين. طلب الأب إغناطيوس من الملازم الأوّل علي آغا التفرّد بالسجناء في مكتبه ليعرّفهم.
هنا الجدير ذكره أنّ الموكب الذي نقل السجناء إلى المزة لأعدامهم كان مؤلّفًا من أربع عربات وما يقارب العشرين نفرًا متأهّبين، «سنكه طق». بعد تعداد أفراد الموكب، لدينا كلمات مهمة وخصوصًا لمؤرّخي هذه الحقبة «…وكان هناك عسكر كثير تحت قيادة يكياشي ألماني وضباط خلفه…». قد نعرف جيّدًا أنّ الألمان أخذوا على عاتقهم تدريب وإدارة الجيش العثمانيّ، ولكنّنا لم نكن على علم أنّ الجيش الألمانيّ كان متوغّلاً في معظم شؤون الجيش وخصوصًا في قضايا الإعدامات. أما النصّ العلنيّ حينها قبل الأعدام فكان كما يلي:
«إنّ أنطوان بن نسطاس زريق الرضعان المبادي المفسودة كان سافر إلى البرازيل(٣) وأصدر جريدة اسمها «جراب الكردي» في كلّ عدد منها يكتب ضد الدولة، وعلى الأخص كان يسخر من الدولة في مدة حرب البلقان إلى أن أخذ وأدخل طابور الحمالة في دمشق. ولدى إعطائه مأذونية أيام لتبديل الهواء في طرابلس، فر منها إلى الكورة، وهناك قبضوا عليه، وبحسب تقرير شعبته أخذ عسكر طرابلس خضر أفندي أنه كان يقابل الجندرما اللبناني بإطلاق الرصاص.
أمّا توفيق بن نسطاس زريق فلما طُلب إلى العسكرية، قدم أخوه إسحق بالنيابة عنه، وهو هرب لجهات الكورة. ومع صدور العفو مرات عديدة، لم يسلّم ذاته. وعند انتهاء العفو، صار التفتيش عليه من قبل رئيس شعبته. أخذ عسكر طرابلس خضر أفندي، فأُمسك وهو مشهر السلاح، وعليه فقد حكم على أنطوان لف ومباديه ونشرياته ضد الدولة وعلى توفيق لعدم تسليم ذاته للعسكرية إلخ.
وتصدّق الحكم من حسن حسني باشا وكيل سكزنجي قول أوردي قومنداني»
اللافت في سرد تفاصيل إعدام الأخوين زريق أنّ اللغتين الألمانيّة والفرنسيّة كانتا، مع التركيّة طبعًا، مستعملتين بين أفراد الفرقة العسكريّة التي كانت حاضرة في سهل المزّة. وكان المشهد صعبًا جدًّا، وقد تأثّر الأب إغناطيوس بالمشهد. وقد أصابه الروماتزم حتّى توفّي في 24 تشرين الأول 1915.
الختام
يمكننا القول عن كلّ ما سردناه من توقيف وإعدام أنطوان وتوفيق زريق أنّه يقع في نطاق الكيديّة بين خضر أفندي، رئيس أخذ العسكر في طرابلس والأخوين زريق. وهذا ما اتضح للبطريرك غريغوريوس حدّاد في نهاية الكتيب. أمّا بالنسبة لوفاة الأب إغناطيوس، فقد وضعه البطريرك في خانة التأثر بحادثة الإعدام. والمعروف أنّ الأب إغناطيوس توفّي من مرض الزنطاري. وكان الكثير من أهل أنطاكية يصابون بالزنطاري، كما يخبرني جدي في يومياته، وذلك لتلوث مياه الشرب في أنطاكيا.
رغم كلّ هذا الجانب العاطفي للكتيب، فقد يعطينا معلومات قيّمة على نوعيّة السجون في ذلك الوقت: حبس الجناية الملكيّة، وهو في أعلى الرتب بين السجون حيث تُمنع الزيارات أو الاتصال بالسجناء. والسجون الفرعية، أوالحبس العسكريّ حيث النظام أقلّ قساوة بكثير من سجون الجناية الملكيّة.
يعطينا أيضا معلوات مهمة عن اللغات المتداولة بين أفراد الجيش العثمانيّ: الألمانيّة، وهذا ليس جديدًا بما أن الدولة الألمانيّة كانت تساعد بقدر كبير الجيش العثمانيّ وتسانده سيّما وأن السلطنة العثمانيّة دخلت الحرب العالميّة الأولى إلى جانب ألمانيا. في مقبرة البروتستانت في بيروت، طريق الشام، مقابر لجنود ألمان توفّوا إبّان الحرب العالميّة الأولى. مع ذلك المعلومة الجديدة التي نكتسها في الكتيب هي اللغة الفرنسية التي كان يعتمدها بعض الضبّاط.
نرى في ما جاء بموجبات الإعدام مغالطات كثيرة. ومن المؤكّد أنّ المحاكم العرفيّة كانت لا تتوقف عند صدقيّة او عدم صدقيّة الاتهامات، فهي في الأغلب تختلق الاتهامات كي تبرر الإعدامات، مع انّها لا تحتاج لمبرّرات كي تُعدم اعتباطيًّا من تراه يستحقّ الإعدام.
لمن يرغب بمتابعة هذا المقال والاطّلاع على أرشيف مجلة النور كاملًا، يمكن زيارة الموقع الإلكتروني الجديد:
(د. باسيل خوري)
مجلة النور العدد الرابع – 2025
مجلة النور/ لسان حال حركة الشبيبة الارثوذكسية

الحواشي
١- د. باسيل خوري
