باراباس

باراباس…

 

باراباس

اسم أرامي معناه “ابن الأب” أو “ابن السيد أو المعلم”. ولعل كلمة “أبا” كانت تستخدم للتعظيم (متى 23 :9) ثم أصبحت اسم علم، فيكون “بارباس” معناه “ابن أباس”. وقد جاء هذا الاسم في بعض النسخ “بار – ربان” أي “ابن المربي أو المعلم”.

وهو رجل اشتهر بسفك الدماء وفعل المنكرات. ولما كان اليهود يحاكمون الرب يسوع كان المجرم باراباس هذا ملقى في السجن لعلة قتل وتحريك فتنة بين الشعب. وكان من عادة الحاكم الروماني أن يُطلق لليهود مجرماً كل سنة في عيد الفصح من أرادوا. فبلغ من انحطاط تلك الأمة في ذلك الحين أنهم طلبوا من الحاكم الروماني إطلاق باراباس المجرم وتسليم مسيحها إلى الموت على الصليب (متى 27 :16 -26).

ويذكر اوريجانوس في شرحه لإِنجيل متي، أنه وجد الاسم في بعض المخطوطات القديمة “يسوع باراباس” في (متى27 : 16-17)، كما يظهر الاسم علي هذه الصورة في المخطوطة”. “من القرن التاسع. ولو صح أن اسمه الأول كان “يسوع” -وهو أمر غير مستحيل في ذاته- فإنه يجعل عرض بيلاطس أقوي وقعًا: “من تريدون أن أطلق لكم: يسوع باراباس أم يسوع الناصري؟”. ومع أن كثيرين من العلماء يقبلون هذه الصورة للاسم، إلا أنه لا يمكن الجزم باصالتها أو صحتها.

وباراباس هو المجرم الذي طلبت الجموع من بيلاطس -في عيد الفصح وبتحريض من الكهنة والشيوخ- أن يطلق سراحه وأن يصلب يسوع الناصري ( متى 27: 20 -21) مرقس 15:15، لو23 :18، يو 40 :18)  ويقول مرقس إنه كان ” موثقًا مع رفقائه في الفتنة، الذين في الفتنة فعلوا قتلًا “. ويقول لوقا: “وذاك كان قد طرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل” ( لو 23: 19) . ويقول يوحنا: “وكان باراباس لصًا” أو قاطع طريق ( يو 18:40). ولا نعلم عن باراباس شيئًا أكثر من ذلك، ولا عن الفتنة التي أشترك فيها. ويزعم البعض أن تلك الفتنة كانت حركة سياسية ضد السلطات الرومانية، وهو أمر بعيد الاحتمال جدًا، إذ لا يعقل أن الكهنة (وكانوا من الحزب المؤيد لروما) يحرضون الجموع علي أن يطلبوا إطلاق سراح سجين سياسي من أعداء روما، ويجيبهم بيلاطس إلي طلبهم،بينما هم يقدمون يسوع المسيح للموت بعلة مقاومة روما وقيصر (لو 23:2)، فالأرجح أن الفتنة كانت عملًا من أعمال عصابات قطع الطريق. أما الزعم بأن اليهود لم يكن يعنيهم إطلاق سراح مجرد لص أو قاطع طريق، ففيه تجاهل لما يمكن أن تنساق إليه جموع الرعاع الهائجة.

ولا نعلم شيئًا عن عادة إطلاق سجين في كل عيد، أكثر مما جاء في الأناجيل، ولكن عادة إطلاق سراح الأسرى والسجناء في المناسبات المختلفة كانت أمرًا مألوفًا، حتى الآن.

باراباس وصلب المسيح

باراباس هو ذلك المجرم الذي طالبت الجموع بيلاطس باطلاق سراحة واخذ المسيح بديلا عنه لكي يصلب (مت 27: 20، 21، مرقس 15: 15، لو 23: 18، يو 18: 40) ولطالما كان اسم باراباس مرتبطا بالمجرم الشقي وقاطع الطريق الخاطي الذي يستحق العقاب والذي نال الحرية  الغير متوقعة ( الخلاص الجسدي ) لقد استوقفني اسم باراباس عندما علمت ان معناه هو  “ابن الأب” أو “ابن السيد أو المعلم” وجال في خاطري تأمل روحي بسيط.

كلنا باراباس بخطايانا لاننا كلنا ابناء الاب كما قال معلمنا يسوع اذا صليتم قولوا ابانا الذي في السماوات….

فيا يسوع حتى وانت يحكم عليك بالصلب وتساق كشاة الى الذبح لم تنسى باراباس الخاطي فاطلقته لعله يتوب ويرجع الى الاب. فكل البشرية تجسدت في تلك اللحظة في ذلك الخاطئ ليفتديه المسيح ويطلق سراحة للحرية  ليعطيه فرصة التوبة والرجوع ونيل الخلاص الروحي

انا وانت يا من نشبه باراباس ولا نزال نتخبط في ظلمة الحبس بسبب الخطايا و القلق الداخلي و الخوف و الحزن  يجب الان ان نذهب ونؤمن برسالة  الله لنا في الانجيل و بنعمة المسيح المعطاة لنا نتحررابديا من لعنة الخطيئة و الدينونة ولا نصغي فيما بعد لشكايات ابليس و افتراءات العالم بل نتلذذ بثمارالفداء والخلاص الذي منحه لنا المسيح ونعيش في سلام وابتهج في رجاء مجد الله.يُذكر باراباس في الأناجيل الأربعة جميعها في العهد الجديد: متى 27: 15–26؛ مرقس 15: 6–15؛ لوقا 23: 18–24؛ ويوحنا 18: 40. وتتقاطع حياته مع حياة المسيح أثناء محاكمة يسوع.

كان يسوع واقفًا أمام بيلاطس البنطي، الوالي الروماني الذي كان قد أعلن بالفعل أن يسوع بريء من أي جريمة تستوجب الموت (لوقا 23: 15). كان بيلاطس يعلم أن يسوع قد تم تسليمه بدافع الحسد، و”لأنه علم أن رؤساء الكهنة أسلموه حسدًا” (مرقس 15: 10)، لذلك حاول أن يجد طريقة لإطلاق سراح يسوع مع الحفاظ على السلام. قدّم بيلاطس للجمهور خيارًا: إما إطلاق سراح يسوع أو إطلاق سراح باراباس، وهو مجرم معروف كان قد سُجن “من أجل فتنة حدثت في المدينة، وقتل” (لوقا 23: 19).

باراباس
باراباس

كان من العادة قبل عيد الفصح إطلاق سراح سجين يهودي (مرقس 15: 6). كان الوالي الروماني يمنح العفو لأحد المجرمين كعمل حسن نية تجاه اليهود الذين كان يحكمهم. لم يكن الاختيار الذي عرضه بيلاطس أكثر وضوحًا: قاتل ومثير شغب مشهور ومذنب بلا شك، أو معلّم وصانع معجزات بريء بوضوح. واختار الجمع إطلاق سراح باراباس.

يبدو أن بيلاطس قد تفاجأ بإصرار الجموع على إطلاق سراح باراباس بدلاً من يسوع. فقد صرّح الوالي أن التهم ضد يسوع لا أساس لها (لوقا 23: 14) وناشد الجموع ثلاث مرات أن تختار بعقلانية (الآيات 18–22). “فكانوا يصرخون بصوت عظيم طالبين أن يُصلب، فغلبت أصواتهم” (الآية 23). فأطلق بيلاطس سراح باراباس وسلّم يسوع ليُجلد ويُصلب (الآية 25).

في بعض المخطوطات من متى 27: 16–17، يُشار إلى باراباس باسم “يسوع باراباس” (أي “يسوع، ابن الآب”). إذا كان باراباس يُدعى أيضًا “يسوع”، فإن عرض بيلاطس للجمع يكون محمّلًا بمعانٍ روحية أعمق. كان الخيار بين يسوع، ابن الآب؛ ويسوع، ابن الله. ومع ذلك، بما أن العديد من المخطوطات لا تحتوي على اسم “يسوع باراباس”، لا يمكننا التأكد من أن هذا كان اسمه.

قصة باراباس وإطلاق سراحه من الدينونة تُعد تشبيهًا رائعًا لقصة كل مؤمن. فقد كنا مذنبين أمام الله ونستحق الموت (رومية 3: 23؛ 6: 23أ). ولكن، دون أي تدخل منا، تم اختيار يسوع ليموت عنا. هو، البريء، حمل العقوبة التي كنا نستحقها. نحن، مثل باراباس، سُمِح لنا أن نذهب أحرار بلا دينونة (رومية 8: 1). وقد “تألّم المسيح مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله” (1 بطرس 3: 18).

ماذا حدث لباراباس بعد إطلاق سراحه؟ لا يعطي الكتاب المقدس أي إشارة، والتاريخ غير الكتابي لا يُفيد بشيء. هل عاد إلى حياة الجريمة؟ هل كان ممتنًا؟ هل أصبح في نهاية المطاف مسيحيًا؟ هل تأثر بتبادل السجناء؟ لا أحد يعلم. لكن الخيارات التي كانت متاحة لباراباس متاحة لنا جميعًا: إما الخضوع لله اعترافًا ممتنًا بما فعله المسيح من أجلنا، أو رفض هذه العطية والاستمرار في العيش بعيدًا عن الرب.

هل جاء يسوع الى الصلب ليطلق باراباس المجرم ؟

هل من إنسان عاقلِ يصدق ما حدث مع المسيح وبارباس ، فالجمع الذين أحتشدوا  حوله بيوماً ما وهو يقيم الموتى وصفقوا له لساعات طويلة ، الذين هتفوا له عندما فتح عين الأعمى وطهر البرص وشفى الكسيح  وأشبع الجموع الكثيرة  ،هم هم نفس الشعب الذين  أجتمعوا معاً ليقولوا بصوتٍ واحد يقول عنهم إنجيل لوقا ”

” فصرخوا  بجملتهم قائلين خـذ هذا “أي المسيح” وأطلق لنا باراباس ” لو 23: 18
بجملتهم  يالها من قساوة قلب الإنسان لم يوجد في وسطهم من يقول إطلقوا لنا يسوع المسيح ، لم يوجد في وسطهم إنسان رقة مشاعره ليسوع المسيح وكأنه لم  يكن في وسطهم من شفى يسوع أبنه أو إبنته أو أحد أفراد  عائلته ، لم يوجد منهم شخص راى كل ما فعله يسوع خيراً للشعب ، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس “أع 10: 38 هذا  هو يسوع المسيح الذي  صرخ الجميع  لكي يصلب ، وكأن لوقا يريد أن يؤكد على موقفم جميعاً تجاه يسوع المسيح ليذكر لنا من جديد يقول فصرخوا أيضا جميعهم ليس هذا بل باراباس وكان باراباس لصاً ” لو 23: 40 .
لصاً يُطلق ويصلب  الرب يسوع  هذه هي عدالة الأرض وقساوة قلب الإنسان ، هل لهذه الدرجة لتفرح القلوب بلص يخرج حراً ويصلب من أعطى للإنسان حياة وشفاء .
باراباس كان لصاً ” لو 23: 40 هذه هي صفة من صفات باراباس كان لصاً ” واللص هو السارق المحترف ويقول السيد المسيح عن السارق  لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك ” يـو 10:10
+  يسرق فهذه  هي صفته
+ يذبح  هذه هي مـــهنته
+ يـهلك  هــذا هـدفــــه
ويضيف  الرب يسوع على إبليس أنه كان قتالاً من البدء ” يو 8: 44 ، أحبائي  هذ هو ما وصف به لوقا باراباس بكلمة واحده إنه كان  لصاً .
ولكن  دعني أيضا أذكر صفة من صفات السيد المسيح توجد بإنجيل يوحنا 14: 6 “أنا هو الطريق والحق والحياة ” وفي يوحنا 10:10 ” واما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة  وليكون لهم أفضل ”
أي جاء المسيح برسالة الحياة التي   تعطي  حياة لكل من يقبله ، هي رسالة رجاء وأمل .

كيف مات باراباس؟(٢)

“قبل أسابيع، التقطت من مكتبتي رواية قصيرة لا تتجاوز مئة وأربعين صفحة: “باراباس”.. ياله من اسم! كنت أبحث عن قراءة سريعة وخفيفة، وبالفعل، كانت قراءة سريعة، لكنها لم تكن خفيفة أبدا. لم أكن قد سمعت بمؤلفها السويدي بار لاغركفيست، بالرغم من فوزه بجائزة نوبل، ولعلي الآن أستطيع أن أقول إنه من أكثر النوبليين جدارة بالجائزة. قلت إن القراءة كانت سريعة، والسبب يعود إلى أسلوب مؤلفها الذي ما إن تقرأ حتى يأخذ بتلابيبك، هذا الأسلوب الساحر المتقشف والذي يعتمد في إيجازه على الإيحاء والصور الشعرية المركزة. لاغركفيست ينتمي إلى المدرسة التعبيرية Expressionist  وكل صورة يرسهما من شأنها أن تظل عالقة في عقلك بما تستدعيه من خلجات وأسرار تفضح أغوار النفس البشرية. قلت أيضا إن القراءة لم تكن خفيفة، والسبب يعود إلى موضوعها بالغ الجدية: الإيمان والإلحاد.. والذي لم أقرأ رواية تتناوله من قبل بهذه المهارة والعمق.

باراباس هي تلك الشخصية الإنجيلية التي وردت في هامش حادثة صلب المسيح. يقول الانجيليون إن الحاكم الروماني بلاطس البنطي عندما التقى بالمسيح أشفق عليه وتأكد من سلامة سريرته وأراد أن يطلق سراحه. لم يكن الأمر بهذه السهولة، إذ إن رؤساء كهنة اليهود أخذوا يرددون أن يسوع كان ينادي بمجيء مملكة الرب كي تحل مكان مملكة القيصر وانه جعل من نفسه ابن الله، وانه سينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة ايام. كيف يمكن لبلاطس أن يعفو عن رجل ألصقت به هذه التهم الخطيرة؟ أراد بلاطس أن يرمي بالمسؤولية على عاتق اليهود، وكمحاولة أخيرة؛ عرض عليهم أن يستغلوا فرصة “الفصح الناموسي” كي يختاروا العفو عن أحد السجينين اللذين سيُمضى بأحدهما إلى هضبة الجلجلة كي يُصلب. السجين الأول كان السيد المسيح له المجد، والثاني باراباس. نعم، باراباس المجرم القاتل، ذو الندبة الطويلة والروح المشوهة. وكانت المفاجأة اختار اليهود باراباس، ليُطلقْ، وليصلب المسيح، كما في بشارات الانجيليين الاربع.

اختار بار لاغركفيست  شخصية باراباس هذه كي تكون بطله الذي سيمضي به في رحلته الروحية الطويلة من أورشليم إلى روما. تبدأ القصة بمشهد باراباس وهو يتأمل الرجل النحيل المصلوب مكانه فوق الجلجلة، وستنتهي على المصالب التي أقامها نيرون للمسيحيين في روما بعد أن اتهمهم بالسعي لحرقها. في رواية باراباس يركز الكاتب على ثلاثة مشاهد مفصلية:

الأول هو أكثر الحوادث تعبيرا عن شخصية باراباس…

الثاني هو أكثرها تعبيرا عن مخاوفه وبحثه الروحي…

الثالث هو ذاك الذي تبلغ فيه الأحداث ذروتها…

المشهد الاول الذي يعبر عن شخصية باراباس هو ذاك الذي يرد في نصف الرواية الثاني، عندما يقع باراباس أسيرا في يد الرومان، ليعمل في مناجم تحت الأرض. هناك التقى بساهاك، الرجل الذي يخفي إيمانه بالمسيح، وعندما توطدت الصداقة بينهما باح ساهاك بسره إلى صديقه، وأراه القرص الذي يرتديه في قلادة حول عنقه، وقد نقش على ظهره اسم السيد المسيح (إيسوس كريستوس) بدلا من اسم القيصر. ولأن قصة باراباس بكاملها قصة ذاك الرجل الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن إلا أنه عاجز عن الإيمان بدون قناعة حقيقة، عندها يطلب من ساهاك أن ينقش اسم المسيح أيضا على ظهر قرصه. وعندما يفتضح أمرهما ويشي بهما أحد الجواسيس…!

تحدث تلك المحاورة الرائعة بين الحاكم الروماني المحلي وباراباس

– أنت لا تؤمن؟ لمَ إذن تحمل اسمه على قرصك؟ أليس هو إلهك؟ أليس هذا ما يشي به النقش؟

– أنا بلا إله

– لكن لا أفهم. لمَ إذن تحمل هذا “اليسوع المسيح” منقوشًا على قرصك؟

– لأني أريد أن أؤمن.

هذا إذن باراباس، إنها شخصية الملحد الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن، غير أن صرامته العقلية وصدقه القاسي مع نفسه، يجعلانه يرفض أن يفعل دون اقتناع كامل. لكن ما الذي جعل باراباس يتلهف على الإيمان؟ ما الذي جعل هذا المراقب الصامت لجموع المسيحيين يحاول الاقتراب منهم ومن ديانتهم؟ لقد كانت حاجته للإيمان تدور على مستويين، وحول هذين المستويين بما يدور بينهما من تجاذب وشد تدور كل القصة: كان يحتاج الإيمان كمنظومة تقدم إجابات على أسئلته الميتافيزيقية، وكان يحتاج الإيمان أيضا كرابطة روحية تربطه ببشر آخرين، ببشر يعيشون متآخين في هذا الزمن المتوحش.

المشهد  الثاني هو المفصلي في الرواية والذي يعبر عن رحلة باراباس الروحية هو مشهد لقائه بلعازر، الرجل الذي اقامه الرب يسوع المسيح إلى الحياة بعد اربعة ايام من وفاته ودفنه. منذ حدثت تلك المعجزة، وحتى بعد أن صلب المسيح ورفع، أصبح لعازر قبلة لكل أولئك المتشككين، حيث يأخذهم تلاميذ الرب يسوع لمقابلة لعازر، والذي ما إن يقص عليهم ما جرى ويؤكد لهم ما يُروى عنه حتى يهرع أكثرهم إلى الإيمان. لكن ليس باراباس! عندما التقى الأخير بلعازر، سأله لعازر ماذا يريد أن يعرف، فكانت المفاجأة عندما سأله باراباس عن العالم الآخر، مملكة الموتى، كيف كانت وبماذا أحس؟ السؤال أربك لعازر وأثار حنقه. هذا الرجل لم يأت ليستمع إلى المعجزة وإنما كي يسأل عن مملكة الموت! لم يسبق أن سئل لازارس مثل هذا السؤال.

– لم أجرب شيئا. كنت مجرد ميت. والموت لا شيء.

– لا شيء؟

– لا شيء. ماذا يجب أن يكون؟ أتقصد أنك تريد مني أن أخبرك عن مملكة الموتى؟ لا أستطيع. مملكة الموتى ليست أي شيء. إنها موجودة، لكنها موجودة بصفتها لاشيئا.
بعد هذا المشهد، وعلى طول الرواية، سوف يتصارع باراباس مع فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت، وبدل أن يلقى فيها راحة روحية على الطريقة الأبيقورية (حيث تنتشر الذرات في العماء بعد الموت) تصبح هذه الفكرة مصدر فزع لديه.

أما المشهد الثالث -المشهد الذروة- فهو قصة ضياع باراباس في متاهات القبور في آخر الرواية. كان لزاما عليه أن يجد نفسه تائها فعليا بين الأموات والجثث كي يتحول هذا الوضع المادي إلى تشبيه معنوي metaphor سيحمله باراباس إلى أقصى تعبيراته ليجده منطبقا على جميع مراحل حياته؛ نعم إن روحه ضائعة، ميتة، إنه تائه، ووحيد! لقد أصابه هذا اليقين المفاجيء بالذعر، وأحس بحاجة ملحة للانضواء تحت راية المسيح والإيمان به. ها هنا تجاذب حاد -كما قلنا سابقا- بين حاجته للإيمان كي يتخلص من الوحدة، وحاجته للإيمان الميتافيزيقي ذي الأجوبة. ولذا يؤمن باراباس بطريقته الخاصة، فرسالة الرحمة المسيحية لا تصلح لهذا العالم الفاسد المتوحش، وهكذا يجب أن يشعل النيران مع المخربين كي يمهد الطريق لعصر المسيح ويسوي هذا العالم الفاسد بالأرض.

الخاتمة التراجيدية في باراباس هي أنه لم يتم رفضه من قبل الرب يسوع، بل من قبل المؤمنين أنفسهم. إنه الرجل الذي تنكر للمسيح وشَطب اسمه من النجاة، ولذا تنكروا له. ولكن، أليست المسيحية هي دين الرحمة؟ ألا يوجد شيء يثير الشفقة في هذا الشخص الضعيف الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن؟ إخفاق باراباس للوصول إلى الإيمان أدى به إلى هذه الخاتمة التراجيدية والمنطقية معا: فبينما سيق المسيحيون أزواجا إلى الصلبان، ها هو باراباس في نهاية الرواية يُقاد وحيدا خائفا إلى موته. لقد رفض الإيمان كإجابة ميتافيزيقية ترضي عقله، وهكذا رفضه الإيمان كرابطة روحية ومصدر عزاء ضد الوحدة و الخوف.

لا ندري في آخر عبارة له، عندما قال: “إليك أسلم روحي” .. هل كان يخاطب الله أم العدم؟ كيف مات باراباس؟ مؤمنا أم ملحدا؟ إنه سؤال الرواية الأهم، وهو ما سيجعلها عالقة لشهور في عقلك. أكاد أزعم أن هذا هو أفضل توظيف قرأته لخاصية التعمية والإغماض في النهايات. هناك حدس داخلي يميل إلى أن باراباس مات ملحدا، وخصوصا أن المؤلف ملحد أيضا. إذن ها هو باراباس -لأول مرة- يسلم نفسه بارتياح إلى العدم. كيف حصل هذا؟ وهو الذي قضى حياته يجاهد فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت؟ لقد كان تعبا، ولم يعد يطيق ولا يفهم تعب هذه الحياة ووحشيتها، وهو ما قد يفسر العبارة الأخيرة التي تكاد تسمع فيها نغمة صوفية منتشية قبل أن يلفظ نفسه الأخير!

يُحسب للرواية أمانتها القاسية في تصوير الجانب الأخلاقي والوحشي للإنسان. هي تمتليء بمشاهد تقشعر لها الأبدان من ممارسات لا تتوقف عند لامبالاة الإنسان وحسب، وإنما تظهر تلذذه وحيوانيته وهو يرى غيره يتعذب ويُسحل ويُصلب. هذه الممارسات ليست محصورة على طائفة واحدة في الرواية، بل نجد المسيحيين أنفسهم -وهم الذين يتعرضون للمطاردة والتعذيب في تلك الحقبة- لا يتورعون عن تكشير أنيابهم كلما سنحت فرصة. على نفس الخط نجد باراباس الملحد يقوم أحيانا بأعمال أخلاقية أو إيمانية لا يفهمها، كحمله جثة الفتاة ذات الشفة المشرومة كي يدفنها جانب وليدها المجهض.

هنا تظهر عبقرية المؤلف في أبهى صورها. فرغم أن باراباس يؤمن أن دفن الفتاة ذات الشفة المشرومة بجانب طفلها لا يجدي بعد أن انتقلت روحها إلى العدم إلا أنه يفعل ويقطع الأميال الشاسعة بالجثة الممزقة كي يؤدي هذا الفعل الطقوسي. وكذا أيضا تلوح عبقرية المؤلف حين يحكي لنا بخبث قصة والدة باراباس ولعنتها التي أطلقتها عليه بعد ولادته وكأنه يريد أن يدفعنا إلى أن نؤمن أن هذه اللعنة كانت سببا في شقائه. بهذه الطريقة يلمس المؤلف جوانب خفية للإيمان ويؤكد على ضرورته من أجل السعادة وسد فجوات الفهم.

بحسب للرواية أيضا تصويرها الدين وهو في مرحلة التكوّن، حين نرى القديس بطرس -بعد صلب المسيح بيوم- وهو يستند حائرا متخبطا على الجدار، يحاول أن يفهم وأن يجيب أسئلة باراباس دون أن يملك إجابة واضحة. نرى أيضا أتباع المسيح والحواريين وهم يتناقلون الشائعات ويناقشون أسئلة جديدة حول هوية المسيح وحقيقة صلبه وقيامته. الرواية تتطلب بعض المعرفة بالقصة المسيحية، إذ أن المؤلف لا يسمي الشخصيات الرئيسية التي نلقاها في محطات الرواية كبطرس ولعازر.

خاتمة صغيرةإلهي أدعوك أن تغفر لي خطاياي وتطهرني من كل أثم وتصفح عن ماضيّ الأثيم وتكتب أسمي بسفر الحياة وساعدني أعيش عمري وحياتي لك وحدك  ……أمين

حواشي البحث والمراجع

١-موقع الانبا تكلا

٢-مدونة عدي الحربش

GOD QUESTIONS


Posted

in

by