الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

الانجيل، قبل الأناجيل الأربعة

الانجيل، قبل الأناجيل الأربعة

كلمة منفعة

لم يصر المسيح جسداً، ولم يسكن في ما بيننا ليؤسس مدرسة فلسفية او مجمعاً علمياً او ندوة تبحث في النصوص او دين رقوق واساطين لغة، وانما جاء ليؤسس اخوية تلتف حول شخصه برابطتي المحبة والطاعة، فشخصه، لا كلامه، كام منذ البدء، ولا يزال قطب الدائرة ونقطة ارتكاز العقيدة.

ولما كان رائده التفاف البشر حول شخصه بحب لايتزعزع ولا يقهر فإنه اصطفى منذ بدء عمله نخبة من الرسل سقاهم من فيض محبته الالهية اولاً لا بالقول، فابتعد بذلك عن الكتابة والتدوين، ولم يكتب سوى مرة واحدة. ولانعلم ماذا كتب. فالفريسيون جاءوه بإمرأة زانية ليجربوه. فلما قالوا له ان ناموس مسى سنَّ بأن ترجم أمثالهذه المرأة فأنت ماذا تقول؟ أكَّبَّ هو وأخذ يخط باصبعه على الأرض، ولعله تشاغل تشاغلاً عن كلام لا يريد سماعه. ولو كتب السيد ودوَّنَ تعاليمه لاشتغل الناس بأفكاره أكثر من شخصه. فسقراط لم يكتب ولا نعرفه الا بما قاله عنه تلاميذه.

وافلاطون كتب وأكثَرَ في الكتابة. وبينما نرى الناس يهتمون لشخص سقراط نراهم يتشاغلون عن شخص بما خلَّفَ من آثار فكرية مدونة.

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

لم يكن مسيحنا فيلسوفاً يحمل نظرية دقيقة قضى السنين الطوال في درسها وتمحيصها وانما كان العدل الازلي والحق الدائم والقدرة التي لا نهاية لها. فكانت سيرته العقيدة بذاتها، وكانت افعاله واشاراته رمز العالم العلوي في الطهارة والصفاء وتآلف الألحان. لم يكن نبياً مفوهاً، ” ما تكلم إنسان قط مثله” وانما كان يتحكم في المادة والروح في الجسم والنفس. وهل يتبجح الكامل بما فعلت يداه ويظل كاملاً!

هل يُنتظرْ من الكلمة المتأنس  ان يقول انا فعلت هذا وذاك! ومتى كانت الأنانية من صفات الله! هل يبقى الفادي فادياً والمخَّلِص مخَّلِصاً ان كان انانياً!

ولو دون ابن الله ما قال وفعل لظن كثيرون انه خلَّفَ كل ماكان لديه، وانصرفوا الى كلماته المدونة عارضين عن رسالة الرسل في شخص المسيح، ولَفسَّر كل كتاب المسيح كما شاء عارضاً عن الروابط الروحية التي ربطت الجماعة بشخص المسيح، ولتقسمت الكنيسة جسم المسيح الواحد كنائس كما جرى بعد اهتمام مارتن لوثر وكالفن وغيرهما من زعماء البروتستانت بالانجيل. ومن هنا القول الكنيسة قبل الانجيل. فهي عروس المسيح وهو الختن والاناجيل حلاها. والعروس هي الكنيسة أهم من جواهرها، وقد تضيع الجواهر، اما العروس فانها باقية الى انقضاء الدهر.

وقضت مشيئة المخلص بأن ينقل الرسل والتلاميذ ماقال  وما فعل وان يقدموا نقل تيار المحبة والارتباط بشخصه – على تدوين ما فعل وعلم وان يقولوا مع يوحنا الحبيب في رسالته الاولى (١:١-٢) ان ما كان من البدء ماسمعناه وما رأيناه بأعيننا وتأملناه وما لمسته ايدينا في شأن كلمة الحياة لتكون لكم شركة معنا. وشركتنا نحن انما هي مع الآب  ومع يسوع المسيح ابنه، ولكي يقولوا ايضاً انه فعل ما فعل لا للشعب كله بل لشهود قد اصطفاهم الله، لنا، نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الأموات(أع ١٠ : ٤١) – لا للشعب كله مباشرة بل للرسل اصحاب السلطة في الكنيسة الذين كانت لهم موهبة الروح القدس وبواسطة هؤلاء الى جمهور المؤمنين، اي الى ان تكون المحبة قد توطدت والشركة قد تمت والطاعة قد ظهرت وتكون الكنيسة ” جسم المسيح المنظور” قد انتظمت.

وهكذا فإن الكنيسة لم تكن في اي وقت من الاوقات مقيدة بنص الانجيل وحده، ” لأن يسوع صنع أشياء اخرى كثيرة لو انها كتبت واحداً فواحداً لما تسع العالم نفسه للصحف المكتوبة” ( يو ٢١ : ٢٥)، ولكنها استعانت بالتقليد لأنها كانت قد تسلمت الرسالة من المسيح مباشرة وتمتعت بعد ذلك بموهبة الروح القدس. فاستطاعت ان تحفظ التقليد وتستعين به واستطاعت ايضاًبالهام الروح القدس ان تشترع ما تراه لازماً

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

وبقيت الكنيسة بدون الاناجيل الاربعة حوالي ثلاثين عاماً. ولكن ” الانجيل” كان معها في صدور التلاميذ والرسل، وفي حياتهم المتجددة تتجاوب اصداؤه من اورشليم وانطاكية حتى رومة. ويجمع علماء الانجيل على ان التدوين بدأ في هذه الثلاثين نفسها بكتابة روايات قصيرة مستقلة كقصة الآلام مثلاً. ولا يُستبعدْ ان يكون المؤمنون قد رددوا في اجتماعاتهم الأخوية ولمناسبة كسر الخبز قصة الآلام والقيامة وسر الفداء، وان يكون معتنقوا الايمان المسيحي قد رددوا هذه القصة نفسها التي هي اساس الانجيل وبرهانه وان تكون هذه الظروف وامثالها قد قضت بتدوين شيء مماثل  لما جاء في رسالة بولس الرسول الاولى الى اهل كورنثوس ( ١٥ : ٣-٥):

” اذكركم ايها الاخوة الانجيل الذي بشرتكم به  وقبلتموه وانتم ثابتون فيه، وبه تخلصون ان حافظتم عليه كما بشرتكم به، ما لم يكن ايمانكم باطلاً. فإني قد سلمت اليكم اولاً ما قد تسلمت انانفسي ان المسيح قد مات من اجل خطايانا على مافي الكتب، وانه قبر وانه قام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وانه قبر وانه قام في اليوم الثالث على مافي الكتب، وانه تراءى لكيف ثم للاثني عشر، ثم تراءى  لأكثر من خمسمائة اخ معاً اكثرهم باقٍ حتى الآن وبعضهم رقدوا، ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع الرسل. وآخر المل تراءى لي أيضاً كأنما للسِقطْ”.

ولايُستبعد ايضاً ان تكون اقوال السيد المعلم ومآثره قد دُوِنَتْ في هذه الفترة ايضاً ليستعيد بها المبشر ما عرفه سابقاً او ليعَّلم بها الواعظ الداخلين في الدين الجديد.

ثم بدأت هذه الروايات المستقلة تتجمع وتنتظم حول مواضيع معينة من سيرة السيد له المجد، ك”العظة على الجبل” وكالأمثال (متى ١٣) وتقليد السلطان للرسل وانفاذهم ( متى ٢٤). وقد يكون الرابط جغرافياً كالجولة في الجليل (مرقس ١ : ٢١ -٣٥) ومعجزات طبريا ( مرقس ٤ : ٣٥-٤١) والانطلاق الى صور وصيدا (مرقس ٧: ٢٤ -٣٠) وقيام السيد الى اورشليم.

واتسع نطاق العمل في حقل الرب  وكثر المؤمنون وتنوعوا فكان لا بد من جمع هذه الروايات المستقلة المنتظمة حول مواضيع معينة وضم بعضها الى بعض في رواية واحدة. ومن هنا الاشارة في بدء انجيل لوقا الى هذا  الطور من تاريخ تدوين الانجيل: ” اذ كان الكثيرون قد أخذوا في انشاء رواية للاحداث التي جرت في مابيننا على حسب ما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيانٍ ثم صاروا خداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً بعد ان تحققت بدقة جميع الاشياء  من البدء ان اكتبها اليك بحسب ترتيبها ايها الشريف ثيوفيلوس لكي تعرف جيداً قوة التعليم الذي وعظت به”

الاناجيل الازائية

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

لابد وان يكون متى ومرقس بين هؤلاء الذين يشير اليهم لوقا في مقدمة انجيله، وعلاقة نصه بنصيهما ظاهرة واضحة لا تحتاج الى بيان او تبيين. ولكن هنالك علاقة واضحة ظاهرة بين نصيهما ايضاً. فأي الاثنين أقدم من الآخر، وايهما كان المرجع الاساس؟ وهذا التوافق والاندماج بين النصوص الثلاثةمع الاختلاف في الكمية والتفصيل أثار في المائة السنة الأخيرة بين علماء الكتاب ما عرف بقضية التدامج ” Probleme synoptique” . واللفظ  “Synophis” يوناني معناه نظرة عامة. وال ” Synoptikos” هو الاناجيل الثلاثة الاولى متى ومرقس ولوقا لأنها تعرض محتوياتهامن وجهة نظر واحدة.

ومن ينعم النظر في نصوص الاناجيل الثلاثة المتدامجة ( الإزائية) يلمس هذا التوافق والتشابه اللافت لمس اليد. فإذا ما استثنينا اخبار الولادة والطفولة، التي لا اثر لها في انجيل مرقس والتي تختلف في كميتها واسلوبها اختلافاً ظاهراً بينا ماجاء منها في متى وما اورده لوقا، وجدنا الاناجيل الثلاثة تروي  سيرة السيد واعماله رواية متآلفة متدامجة لذلك اطلق عليها علماء الكتاب المقدس  تسمية ” الأناجيل الإزائية”.

فترتيب المواضيع واحد في جميع هذه اناجيل، فهنالك خبر يوحنا السابق تتلوه المعمودية والتجربة. ثم تأتي اخبار العمل في الجليل وامتداده شرقاً وشمالاً عبر الحدود. ثم تجيء اخبار الرحلة الى اورشليم واسبوع الآلام.

ويتبع هذا التآلف في ترتيب المواد اتفاق في انتقاء الحوادث الطارئة والاحاديث  وتأتي هذه كلها بترتيب واحد في الاناجيل الثلاثة الازائية. واذا مارتبت اخبار هذه الاناجيل في جداول عمودية متوازية بحيث يجيء الخبر الواحد في كل منها موازياً لمماثله في الانجيلين الآخرين فاقت الاتفاقات والروايات المنفردة تفوقاً عظيماً. فان تسعة وتسعين من مائة وخمسة مما ورد في مرقس موجود في متى ولوقا. والأخبار الواردة في انجيل متى وانجيل لوقا التي لم ترد في انجيل مرقس موجودة في غالب الاحيان في الانجيلين متى ومرقس  على السواء. ويلاحظ ايضاً ان الالفاظ اليونانية واحدة في الاناجيل الثلاثة وفي مواطن الاتفاق. ثم ان هنالك اتفاقاً في بعض الاحيان في تركيب الجمل. فقد جاء لمناسبة الكلام عن مخلع كفر ناحوم ما يلي:

انجيل متى ٩ : ٦

” فلكي تعلموا اذن ان ابن البشر له سلطان على الارض ان يغفر الخطايا. وقال عندئذ للمخلع قم واحمل فراشك وامضِ الى بيتك”.

انجيل مرقس ٢ : ١٠ – ١٢

” وإذن لكي تعلموا ان ابن البشر له سلطان على الارض سلطان مغفرة الخطايا. وقال للمخلع لك اقول قم واحمل فراشك وامضِ الى بيتك”.

انجيل لوقا ٥ : ٢٤ 

” واذن فلكي تعلموا ان اب وان البشر له سلطان على الارض ان يغفر الخطايا. وقال للمخلع لك اقول قم واحمل فراشك وامضِ الى بيتك”.

وعالج القديس اوغوسطينوس ( ٣٥٤ – ٤٣٠ ) هذه الظاهرة ” De consensu evangelystarum” فقال ان انجيل متى دُوِّنَ اولا وان انجيل مرقس لم يكن سوى اختصار لانجيل متى، وان لوقا اعتمد الانجيلين في كتابة انجيله. واضاف ان العناية الإلهية قضت بهذا التآلف والتدامج والتماثل لأن الخيط المثلث لاينقطع سريعاً” (جامعة ٤: ١٢).

شاع رأي اوغسطينوس وتناقله الآباء أجيالاً طوالاً. لكن قديسنا  لم يعد الى الاصل اليوناني ولو فعل لوجد اختصاراً واقتضاباً في منى  ايضاً. فقد جاء خبر مجنون الجدريين وخبر إحياء ابنة يائير، وخبر اشباع الخمسة آلاف في انجيل مرقس في ٣٢٥ و ٣٧٤ و٢٣٥ كلمة  على التواتر واما في انجيل متى فان هذه الاخبار نفسها وردت في ١٣٦ و١ذ٣٥ و ١٥٧ كلمة على التواتر نفسه. ولو كان مرقس يقتضب انجيل متى اقتضابا فكيف يهمل اخبار الميلاد والطفولة والموعظة على الجبل ومعظم الامثال ليسهب الكلام في غيرها.

وشاع ف المائة السنة الأخيرة في لاوساط العلمية ” الكتابية” وان الانجيليين الثلاثة استقوا اخبارهم من انجيل آرامي  واحد حفظه المؤمنون في صدورهم ، وحافظوا على نصوصه بأمانة ودقة لما اوتوا كشرقيين من مقدرة فائقة في الحفظ عن ظهر قلب، ولما قضت به ظروف التعليم من نقل شفهي. واحدث هؤلاء عهداً الاب غاختر الالماني. لكن معظم الباحثين في قضية التآلف الثلاثي لا يرون في هذا التعليل ما يروي الغليل.

وافضل ماجاءت به قرائح العلماء في المائة السنة الاخيرة قولان لا ثالث لهما. فبعضهم يقول ان مرقس هو اصل اخذ عنه كل من متى ولوقا. وفي طليعة هؤلاء الاب لا غرانج الدومينكاني الشهير. ويستدلون على ذلك بأمور اهمها ان مادة مرقس بكاملها موجودة في الانجيلين الآخرين، وان ترتيب المادة في مرقس هو ترتيبها في غالب الاحيان في متى ولوقا، وانه حيث يختلف هذا الترتيب لا ينفرد مرقس به بل يشاركه فيه واحد من الاثنين الآخرين وانه يمكن ايضاً عزو الاختلاف في الترتيب الى متى او مرقس .

ونص مرقس يظهر لهؤلاء اقرب جداً الى البداهة في التعبير بين النصين الآخرين واغزر واوفر منهما. ويخلص هؤلاء العلماء الى القول انه لما كان لا بد من التفريق في القدم بين النصوص الثلاثة فان نص مرقس أحق  بالأقدمية من نصي متى ولوقا.

ويقول آخرون انه لما كان نص كل من متى ولوقا يتضمن مادة  لم ترد في مرقس فانه لابد من لاعتراف بمصدر آخر لهذين  الانجيلين. واهم ما جاء من نوع هذه المادة التي لم ترد في انجيل مرقس ما يلي

الموضوع……………………………………………………………انجيل لوقا…………………………………………………………انجيل متى

نبي الاردن……………………………………..٣ : ٧ – ٩ (١٠ -١٤) ، ١٦ – ١٧ ، ٢١ – ٢٢……………………………………..٣ : ٧ – ١٢ ، ١٦ – ١٧

يسوع في القفر واناصرة…………………….. ………………….٤ : ١ -١٦……………………………………………………………٤ : ١ – ١١

الموعظة على الجبل وغلام قائد المائة ………………………..٦ : ٢٠ – ٧ : ١٠………………………………………………٥ : ٣ ، ٤ ، ٦ ، ١١ ، ١٢ ،  ٤٤، ٨ : ٥ – ١٠ ومواضيع اخرى.

يسوع ويوحنا المعمدان ………………………………………….٧ : ١٨ – ٣٥ ………………………………………………….١١ : ٢ – ١١ ، ١٦ – ١٨

الى اورشليم……………………………………٩ : (٥١ – ٥٦) ، ٥٧ – ٦٠ ( ٦١- ٦٢)………………………………………………..٨ : ١٩ : ٢٢

بعثة الاثني عشر ……………………………. ١٠ : ٢ – ١٦ ،  (١٧ – ٢٠) ، ٢١ – ٢٤………………………………………………. ٩ : ٣٧ – ٣٨

……………………………………………………………………………………………………………………………………………. ١٠ : ١٦ ، ٩ ـ ١٥

…………………………………………………………………………………………………………………………………………… ١١: ٢٥ – ٢٧

………………………………………………………………………………………………………………………………………….. ١٣ : ١٦ – ١٧

متفرقات بعل زبول ……………………………………………… ١٦ : ٩ – ٥٢ …………………………………………………….. ٧ : ٧ – ١١

………………………………………………………………………………………………………………………………………… ١٢ : ٢٢ – ٢٧ ، ٤٣ – ٤٥ ، ٣٨ – ٤٢ ، ٥ : ١٥ ، ٦ : ٢٢ – ٢٣

الاستعداد الدائم …………………………………………. ١٢ : ١ – ١٢ ، ٢٢ – ٥٩ …………….. ١٠ : ٢٦ – ٣٣ ، ١٢ : ٣٢ ، ٦ : ٢٥- ٣٣ ، ١٩- ٢١، ٢٤ : ٤٣ – ٥١، ١٠ : ٣٤ – ٣٦، ٥ : ٢٥ – ٢٦

حبة الخردل وغيرها…………………………………………….. ١٣ : ١٨ -٣٥ ………………………………………… ١٣ : ٣١ – ٣٣، ٧ : ١٣ – ١٤، ٨ : ١١ – ١٢، ٢٣ : ٣٧ – ٣٩

التجرد ………………………………………………………١٤ : ، ٢٦ – ٢٧ ، ٣٤ – ٣٥…………………………………………..١٠ : ٣٧ – ٣٨، ٥ : ١٣

الناموس والطلاق …………………………………………. ١٦ : ١٣ ، ١٦ – ١٨…………………………………………. ٦ : ٢٤ ، ١١ : ١٢ – ١٣، ٥ : ١٨ ، ٣٢

ويضيف هؤلاء  ان مجرد ورود نصوص مرقس  في انجيلي متى ولوقا لا يضمن سلامة الاستنتاج بأن نص مرقس هو اقدم هذه النصوص اذ لابد من التثبت ايضاً من ان اتكال متى ولوقا على نص مرقس هو التعليل الوحيد لهذه الظاهرة. ولما كان لا يمكن اثبات هذا الاستنتاج الثاني، وكان الاقتضاب وارداً  في بعض الاحيان في مرقس والاسهاب في متى ولوقا، وكانت البداهة في التعبير غير محصورة في مرقس، ولما كان التقليد الكنسي بشهادة الآباء الاولين ينص على ان متى دوَّنَ اولا تعليماً ” Katechesis” بالآرامية، كما سيجيء في اثناء  الكلام عن انجيل متى، وكان متى هو الرسول الوحيد الذي مارس الكتابة والتدوين، جاز القول ان التعليم الذي دونه متى بالآرامية هو مرجع الأناجيل الثلاثة المتوافقة. اما انفراج  الاناجيل المتوافقة وتباعدها الشكلي فانه يعود في رأي بعض العلماء الى استمرار بعض  التقاليد الشفهية اليونانية أو الآرامية او الى اختلاف في ظروف القراء الذين وجهت اليهم هذه الاناجيل من حيث ماضيهم ومفاهيمهم.

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

تأثير الانشقاق البروتستانتي في الغرب الكاثوليكي

وكان ماكان من امر مارتن لوثر وكالفن وزوينغلي… وخروجهم  وتمسكهم  فقط بالانجيل دون سواه . فاشتدت عناية اتباعهم بالنصوص المقدسة وبذلوا جهودا جبارة في هذا الحقل من العمل. نقح اندراوس او سياندر الفولغاتة، واعد في السنة ١٥٣٧ مصنفاً جديداً قابل فيه بدقة نصوص الاناجيل واسماه ” التآلف” فكان اول محاولة من نوعه في العصور الحديثة. واشتدت الحركة العلمية التي كانت قد بدأت في عصر النهضة فتجددت العلوم الطبيعية والرياضية وذهب رجال الفلسفة مذاهب جديدة فتوطد المذهب الحسي في بريطانيا وبرز ديكارت بفلسفة “عقلية ” روحية. فأثر هذا كله في التفكير الديني، وقامت مشادة بين رجال العقل ورجال الايمان. فشذَّ ريمارس  الالماني (١٦٩٤ – ١٧٦٨)، استاذ اللغة العبرية في هامبورغ، وانكر الوحي والعجائب وقال بتناقض النصوص المقدسة وبتزويرها فأحدث ضجة قوية في الاوساط الدينية  في المانيا وخارجها. وتبعه هنري بولس  (١٧٦١ – ١٨٥١) استاذ التفسير والتاريخ الكنسي في هايدلبرغ فحاول في السنوات ١٨٣٠ – ١٨٣٣  التوفيق بين صحة نصوص الاناجيل ونكران العجائب والعوامل التي تفوق الطبيعة. ولكن ظله تقلص بظهور داود شتراوس (١٨٠٨ – ١٨٧٤).

بدعة وهرطقة شتراوس

انكر شتراوس كل مافوق الطبيعة في الاناجيل، وقال ماهي الا اسطورة حيكت خيوطها في اثناء القرن الاول. واضاف انه لا يمكن فهم النصرانية الاولى الا على ضوء ديالاتيك هيغل الفيلسوف الالماني. ففرق مع زملائه في مدرسة توبنغن بين البطرسيين وهم المسيحيون المتهودون وبين البولسيين وهم الامميون وقال بنزاع بين هاتين الطبقتين دام مائة عام او اكثر، وانتهى بمرَّكَبْ جامعي مركب الكنيسة الجامعة. وادى به هذا القول الى اعتبار الاناجيل فئتين بطرسية وبولسية والى تأخير تدوينها وظهورها حتى القرن الثاني. فانجيل متى تحوير انجيل العبرانيين ومرجع المسيحيين المتهودين، وقد تم اعداده بشكله الحالي  في خوالي السنة ١٣٠ وانجيل لوقا بولسي اساسه انجيل مرقيون وقد ظهر بشكله الحالي بين السنة ١٤٠ والسنة ١٨٠، وانجيل مرقس  وهو محاولة لايجاد المركب بين الطرفين.

لم تعمر مدرسة توبنغن طويلاً، وتقلص ظلها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتفوق ادولف هرنك (١٨٥١ – ١٩٣٠) وانتشار آرائه في المانيا وسائر البلدان الانجيلية. ومع ان هرنك لم يكن مع هيغل او هيغلياً في فلسفته، فانه اعتبر الميتفيزيقية في المسيحية غريبة عن السيد المسيح والمسيحيين الاوائل، ومن آثار الفكر الهليني المعاصر. وفي شتاء السنة ١٨٩٩-١٩٠٠ القى هرنك سلسلة من المحاضرات في برلين شدد فيها على الناحية الادبية الاخلاقية من المسيحية كايمان وعقيدة، ولاسيما اخوة البشر، واهمل النظر في كل مايمت الى العقيدة بصلة.

وعالج هرنك في السنوات ١٩٠٦-١٩١١ قضية تآلف الاناجيل المتشابهة (الازائية)، ففاجأ مؤيديه ومعارضيه معاً باعترافه بقِدم الانجيل واعمال الرسل. فأكد، مثلا، ان لوقا دوَّن سفر اعمال الرسل بينما كان بولس لا يزال في روميه في اثناء اعتقاله وحبسه الاول، وعين تاريخاً قديماً جداً للأصل المجهول (ق).

واستفز تطرف شتراوس وهرنك وغيرهما الاوساط اللاهوتية الانجيلية المحافظة في المانيا، فأدى الى جدل عنيف. وأدى الجدل بدوره الى تطرف جديد. ورجع الطرفان الى النصوص وتذرعا بالنقد الداخلي والنقد الخارجي والنقد العالي والنقد الواطي فتوصلا الى استنتاجات متطرفة واهية في بعض الاحيان لا يقرهم فيها علماء الميثولوجيا التاريخية. وراجت هذه الاراء في الاوساط الانجيلية العالية خارج المانيا. واهم ما لقي قبولاً منها ما يلي

١- ان انجيل مرقس هو اقدم الاناجيل المتآلفة الازائية الثلاثة، وانه الاصل الذي تبناه كل من متى ولوقا.

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

٢-ان ما لم يردفي انجيل مرقس وجاء في انجيلي متى ولوقا مأخوذ من اصل مفقود.

٣- ان كلاً من متى ولوقا استعان بمراجع اخرى مدونة فأخذ عنها ما ينفرد بروايته. وهذه المراجع هي م M لمتى و ل L للوقا.

وتفرع عن هذه الافتراضات الثلاثة افتراضات اخرى اهمها

١- قول القس ستريتر الانكليكاني ان لوقا اعّد اولا مسودة لانجيله، تضمنت ما ينفرد بروايته وما يأخذه عن (ق). اي المجهول. وهذه المسودة هي ما يُشار اليها بلوقا الاول.

٢- القول ان قصة الآلام الواردة في لوقا مأخوذة من اصل يختلف عن مرجعيّ متى ومرقس في هذا الموضوع نفسه.

٣-  ان اخبار الطفولة في انجيلي متى ولوقا مأخوذة من مرجع مستقل بذاته.

ويعتري هذا النتاج تسرع في الاستنتاج لا تقره أبسط قواعد المنطق والميثولوجية التاريخية. فالمصدر (ق) غير موجود وهو افتراضي ومشبوه، لا نعلم شيئاً عن صاحبه او عن الزمان والمكان اللذين كتب فيها هذا الاصل المفترض. ونجهل اللغة التي عبر بها (ق). عن اخباره. والاغرب من هذا وذاك ان هؤلاء العلماء يستعينون بما جاء في تاريخ افسابيوس نقلا عن بابياس اسقف هيرابوليس فريجية من ان متى رتب اقوال السيد بالعبرية وان كلاً رجمها قدر المستطاع فيغضون الطرف عن ورود اسم متى لهذه المناسبة، ويفترضون ان ق هو المرجع الذي استقى منه متى ولوقا ويعتبرون صاحب هذا المرجع مجهولاً. ثم يطلقون لأنفسهم العنان فيجعلون ق اللغة الاصلية الآرامية! ويقولون بترجمتها الى اليونانية، وبتدوينها اما في فلسطين خارج اورشليم واما في انطاكية، وانها دونت قبل تدوين انجيل مرقس وبين السنتين ٤٥ و٦٥ مسيحية.

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

ومن ظواهر هذا الحماس والتسرع والتطرف بعض ما استنتجه علماء المان من ابحاث حصروها في اشكال الفاظ النصوص وتركيبها لتبيان اصلها وصحة نسبتها الى اصحابها. وهو ما اطلقوا عليه اسم تاريخ الشكل، والسابق هو هرمان غونكل (١٨٦٢ – ١٩٣٢) استاذ لاهوت العهد القديم في هالي فانه حاول في السنة ١٩٠٧ ان يؤرخ ويفسر المزامير على اساس الشكل في لفتها واسلوبها. وفي السنة ١٩١٢ حوَّر يوحنا فايس  استاذ تفسير العهد الجديد في جامعة هايرلبرغ مقالاً في تاريخ ادب العهد الجديد حبذ فيه طريقة فارس وابان كيفية تطبيقها على نصوص العهد الجديد. وخلف فايس في هايدلبرغ تلميذه مرتينوس ديبالوس (١٨٨٣-١٩٤٧) فقسم نصوص الاناجيل الى قُدى (قدوة) وقصص عجيبة وعظات وحكايات، وخرافات. فمما جاء في مرقس ( ٢ : ٣ – ١٢) عن مخلع كفر ناحوم ، وفي مرقس ( ٢ : ٣ -١٢)عن اليابس اليد، وفي مرقس  (١٢ : ١٣ -١٧) عن ضريبة قيصر  انما كان من نوع النماذج  والامثلة التي يلجأ اليها الاستاذ لتوضيح الدرس الذي يلقيه. والقصص العجيبة انما رويت لتظهر سيرة يسوع على المرض والطبيعة ومن قصة الابرص ( مرقس ١: ٤٠ – ٤٥) وقصة بنت يائيد ( مرقس ٦ : ٣٥ -٤٤). اما الحكايات فانها ادخلت في النصوص  لتعريف المؤمنين بالقديسين  الذين رافقوا يسوع وللتعرف الى يسوع نفسه بهذه الطريقة. ومن هذه الحكايات اخبار ميلاد المسيح وطفولته  (لوقا ١ : ٥ -١١) ومنها توبة يهوذا وموته (متى ٢٧ : ٣-٨)، منها ايضا حلم زوجة بيلاطس (متى ٢٧ : ١٩). والخرافات تتضمن الكائنين الالهيين وتدخلهم وافعالهم كما جاء في اخبار المعمودية والتجربة والتجلي.

ثم استرسل رودلف بولتمان استاذ العهد الجديد في ماربورغ، في درس الشكل والاسلوب فهام في اودية الضلال وطالب بتطهير الأناجيل وسائر العهد الجديد من الخرافات ولا سيما القول بأرض  وسماء وعذاب اليم.

وقد حدد البابا الروماني بيوس الثاني عشر موقف الفاتيكان من هذا النوع من التدقيق والنقد فأوجب نبذ تطرف رؤساء هذه الجوقة وأباح درس النصوص المقدسة على ضوء ظروف المؤمنين الاولين لفهم معطيات التقليد فهماً علمياً دقيقاً.

الانجيل قبل الاناجيل الاربعة
الانجيل قبل الاناجيل الاربعة

الخاتمة

نرى ان الرجوع الى اللغة التي نطق بها الرب يسوع امر مفيد لفهم النصوص المقدسة ولكن الاحكام التي اصدرتها “الجوقة الالمانية” على اساس الاستعارات الآرامية واساليب التعبير والتعليم بهذه اللغة ضعيفة وواهية لسببين

اولهما ان ما تبقى من آثار هذه اللغة ضئيل جداً في حد ذته لا يصلح وحده اساساً للتعميم.

ثانيهما ان هذا النوع من الاستنتاج التاريخي يقع تحت باب الاجتهاد الايجابي. ولهذا النوع من الاجتهاد شروط يجب ان تتوفر بكاملها لكي يصبح الاستنتاج لازماً. فلا بد من تعبير معترف بصحته، كأن نقول  مثلاً ان كل قصة تفيد القدوة هي دائماً مجرد افتراض لا اساس له في الواقع التاريخي، او كأن نقول ان كل ظاهرة طبيعية لا يمكن تعليلها بقدر ما نعلم هي حكاية او خرافة. ولابد ايضا  من جزئية صحيحة كأن نقول ان هذه القصة تفيد القدوة فتلزم عندئذ النتيجة بطبيعة الحال ونقول مع ارسطو كل ما صدق على حد صدق على كل مايصدق عليه ذاك الحد سلباً وايجاباً. وانى لنا ذلك في ما يجتهد به هؤلاء الرؤساء وجوقتهم.