إفاغريوس الحموي Evagrios (والمعروف تاريخياً باسم إفاغريوس سكولاستيكوس هو مؤرخ وعالم ومفكر مسيحي سوري وُلد في مدينة حماة خلال القرن السادس المسيحي.
هو واحد من الكثيرين القليلين، الذين نبغوا في المعرفة وتدوين الحوادث تحت سماء سورية وبين ابناء كنيستها الارثوذكسية المستقيمة الرأي، ويسترشد بنور كتاباته كل من الَّف في تاريخ حوادث سورية الكنسية والمدنية من القرن السادس المسيحي ومابعده، اذ ان سنة ميلاده في حماة كانت ما بين سنة٥٣٦ – ٥٣٧ مسيحية.
حماة
مدينة حماة او حمات الصغرى، تمييزا لها عن حمص التي سميت آنئذ حماة الكبرى، قديمة العهد جداً، وجاء اسمها مراراً وتكراراً في اسفار الكتاب المقدس / العهد القديم حيث يدعوها حماة العظيمة. ولما جملها انطيوخوس ابيفانيوس دُعيت ابيفانيا (Epوifania) نسبة اليه، ولكن اسمها القديم حماة وفي الكتب اليونانية القديمة ( HAMATH ) وقد سماها القديس ايرونيموس باسمها القديم. ومن آثارها المشهورة سورها المعروف بهذه العبارة: ” سور حماة بربها محروس”. وهي تُقرأ طرداً وعكساً.و قد اشتهر من اساقفتها القدماء مانيكيوس الذي حضر مجمع نيقية الاول سنة ٣٢٥م ومجمع انطاكية المكاني سنة ٣٤١مواستاثيوس، الذي اتبع مذهب آريوس ومات سنة ٣٦٣م بعد ان دنّسَ الوثنيون كنيسته، واوسابيوس، ممن حضروا المجمع الثاني ٣٨١م، واستفانوس الذي حضرمجمع انطاكية سنة ٤٣٥م، وافتيخيوس الذي حضر مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م، وابيفنيوس الذي وقع الاحتجاج المرفوع الى القيصر لاون سنة ٤٥٨م وقزما وسيرجيوس وسواهم.
وإفاغريوس يعدّ بحق من اشهر مؤرخي الكنيسة بعد اوسيفيوس اسقف قيصارية ٢٦٥-٣٤٠مسيحية في سرد الحقائق وتفيتها، واليه يعود الفضل في انجاز تاريخ اوسيفيوس الآنف الذكر. بعد ان قام بهذا العمل الشاق كل من المؤرخين اللاحقين وسوزومينوس وثيودوريطوس وكلهم عاشوا وكتبوا في مابين القرن الرابع والخامس للمسيح.
ولم يكن إفاغريوس مؤرخاً فحسب، بل كان محامياً مدققاً في ابحاثه، لذا دعي سخولاستيكوس، وقد تلقى اصول هذه المهنة في مدارس انطاكية، وفيها أقام مدة طويلة يتعاطى المحاماة، وفي انطاكية توفي ودُفن في اواخر القرن السادس المسيحي، ولذا فقد ظن البعض بأنه كان من مواليد هذه المدينة، ومن انطاكية المعروفة في تاريخ افاغريوس وسواه ب”مدينة الله”، انطلق إفاغريوس الى القسطنطينية صحبة بطريركها غريغوريوس الاول ٥٧٠-٥٩٦ مسيحية ليكون بجانبه في المشادة الحادة التي نشبت بينه وبينأستيريوس والي الشرق، وخرج منها بريئاً امام المجمع الذي تألف من اساقفة ومطارنة وبطريركي الاسكندرية افلوغيلوس٥٨١-٦٠٨ واورشليم يوحنا الرابع ٥٧٥ – ٥٩٤ وأعضاء مجلس الشيوخ برئاسة يوحنا الصوام بطريرك القسطنطينية ٥٨٢ – ٥٩٥ وبحضور الامبراطور طيباريوس، ويشير مؤرخنا في طيات كتب تاريخه الى اسماء بعض الكتبة، الذين اعتمد عليهم في تدوين الحوادث من دينية ومدنية، وقد قسا على مخلفاتهم الكتابية الدهر ومحا كيانها. ومن هؤلاء الكتبة: افستاثيوسوبريسكوس وبروكوبيوس ومينذوروس ويوحنا الحموي وغيرهم.
وكان إفاغريوس المحامي المتفوق، والمؤرخ المدقق في القسطنطينية مكرما ومعززا لدى الملكين الروميين طيباريوس وماوريكيوس، ورقياه الى مناصب رفيعة. اما الاول منهما فحباه بمنصب كويستور اي المشرف على الشؤون المالية، والثاني أنعم عليه برتبة ” والي” وهي من. اعلى الرتب التي يحصل عليها من كان بمؤهلات الحقوقي المحامي والمدافع عن عزة وكرامة الناس، هذه هي صورة إفاغريوس الحموي، ولم تكن هذه المناصب تشغله عن خدمة العِلمْ ونفع الناس والاجيال المقبلة، فقد ألّفَّ تاريخاً دينياً ومدنياً، مقسوماً الى ستة كتب، ابتدأ به من حيث انتهى توادوريطوس وسقراط وسوزومينوس، اي منذ مجمع افسس سنة٤٣١ مسيحية وانتهى الى سنة ٥٩٤م. وقد حصل أفاغريوس على رتبة “الوالي” الرفيعة على اثر كتابة خطاب تهنئة الى القيصر ماوريكيوس بمناسبة ميلاد ولده ثيوذوسيوس، كما جاء ذلك على صفحات تاريخه في الكتاب السادس.
ويقع تاريخ افاغريوس في ستة كتب، تراها مدونة في مجموعة الآباء “لمين” (Migne) اليونانية، مجلد ٨٦ من صفحة ٢٤١٩ لغاية صفحة ٢٨٨٥ طبعة باريس سنة ١٨٦٥، وهاك مجملاً لأبحاثها بعد المقدمة: كتاب رقم اول في ٢٢ فصلاً، أهم ابحاثها: يوليانوس الجاحد، العذراء والدة الاله ووالدة المسيح، سمعان العامودي، مباني انطاكية واسماء من بناها (٢٤١٩ – ٢٤٨٤) .- كتاب رقم ثان في ١٨ فصلاً، ابحاثها الأساسية: متنوعات في مجمع خلققيدونية، زلزال انطاكية، سرد روايات في عجائب الشهيدة في القديسين اوفيميا في كنيسة خلقيدونية. – كتاب رقم ثالث في ٢٤ فصلاً، ابحاثها : اساقفة انطاكية ( في الفصل العاشر) (ص ٢٥٩٠-٢٧٠٠. – كتاب رقم رابع في ٤١ فصلاً أبحاثها: عجائب القديسين الابرار وكلام في المجمع المسكوني الخامس ص ٢٧٠٠ -٢٧٨٥. – كتاب رقم حامس في ٢٤ فصلاً وفيه كلام خاص عن بطريرك انطاكية غريغوريوس الاول ٥٧٠ – ٥٩٦ . خليفة البطريرك انسطاسيوس الاول ص ٢٧٨٦ – ٢٨٤١ ويلي ذلك الكتاب السادس والأخير، وهو. في ٢٤ فصلاًتبحث خاصة في المشادة التي نشبت بين البطريرك غريغوريوس الاول واستيريوس والي الشرق، وكيف خرج منها بريئا، وفي ايام البطريرك غريغوريوس الاخيرة. وفي هذا الكتاب يشير المؤرخ إفاغريوس الى المناصب الرفيعة التي حصلعليها من الملكين الروميين طيباريوس وماريكيوس ص ٢٨٤١- ٢٨٨٥.
وفي تاريخههذا يعالج بصورة خاصة تفاصيل انحراف نسطور وتعاليم القائلين بارادة واحدة في ربنا يسوع المسيح، وان طعن البعض باستقامة رأيه في الامور العقائدية من قدماء، على رأسهم زوسيموس المؤرخ في القرن الخامس ٢ -٢٩ ولاحقين به، وقد صرح فوتيوس العظيم في كتابه رقم ٢٩ من مكتبته الشهيرة بارثوذكسية علمنا واستقامة رأيه في العقيدة، وتعاليمه السليمة، وانه فاق غيره في ايراد الحقائق مع الاشارة الى ان ” اسلوب كتاباته ظريف، مع مافيه من الزيادات”.
ومعلوم ان المؤرخ ثيوفانيس في القرن الخامس والكاتب الشهير كاليستوس اكسانثوبولس من رجال القرن الرابع عشر وسواهما، استقيا من كتابات افاغريوس معلوماتهم الخاصة بالعقائد في القرنين الخامس والسادس، مما يبرهن على استقامة رأيه وسلامة تعاليمه، ونظافتها من كل دس وغشّ.
الطبعات التي وثقت تأريخ افاغريوس
لتاريخه عدة طبعات منها طبعة سنة ١٦٧٣ في باريس وبمعرفة فليسيوس ويليها نسخة في كامبريدج سنة ١٧٢٠، واوكسفورد سنة ١٨٤٤ وطبعة مين في مجمعة الآباء اليونانية في باريس ١٨٦٥ من صفحة ٢٤٠٥ لغاية ٣٩٠٦ في مجلد رقم ٨٦ مكررمع ترجمة وحواش باللغة اللاتينية. وللتاريخ ايضاً جملة لاتينية بقلم العالمين مسكولس وكريستو فورسونو وترجمة افرنسية للعالم كوزل المشهور بالرئيس في رواية الدبس في كتابه ” تاريخ سورية مجلد رابع صفحة ٤٥٥ – ٤٥٦.
ويجدر بنا ونحن في ذكر تاريخ افاغريوس ان نضيف ان لهذا النابغة من ابناء الكرسي الانطاكي المقدس كتاب اخر وردت الاشارة اليه في ذيل التاريخ حيث نقرأ بالترجمة الحرفية ما يلي: ” وقد تحملنا العبء لوضع كتاب آخر فيه العرائض والرسائل والقرارات والخطب والمحاضرات وسواها”، ولم نعثر عليه بين المنشورات بالطبع.
ولاشك ان هذا الكتاب كسابقه مشحون بالحقائق والفوائد بلغة يونانية فصحى، مماثلة للغة يوحنا الذهبي الفم، ويوحنا الدمشقي، من مواطني مؤرخنا افاغريوس.
نلخص في تدوينتنا عنه أبرز محطات حياته وأعماله
عمله ومسيرته: شغل منصب مستشار ومحامٍ (سكولاستيكوس)، وكان معاوناً ومقرباً من البطريرك غريغوريوس الاول الأنطاكي.
كتاب التاريخ الكنسي: يُعد عمله الأهم، وهو عبارة عن موسوعة تاريخية تتكون من ستة مجلدات. توثق هذه المجلدات تاريخ الكنيسة والأحداث السياسية للإمبراطورية الرومية من مجمع أفسس عام \٤٣١) م وحتى فترة حكم الإمبراطور موريس.
أهمية المخطوطة: تُعتبر هذه المخطوطات مصدراً أساسياً موثوقاً للمؤرخين الباحثين في تاريخ الشرق الأوسط وبلاد الشام في تلك الحقبة.