المطبعة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق: نشأتها، ودورها الثقافي، ووثائقها التاريخية (1908–1933)
إلى أرواحِ الذين حَملوا رسالةِ الكلمةِ المطبوعةْ، وآمنوا بأن الكتابَ رسالةْ، وأنَ المعرفةَ خِدمةْ، وأنَ الطّباعة إحدى وسائلْ حِفظ الإيمانِ والتراثْ… وإلى المطّبعة البطّريركية الأرثوذكّسية بدمشق، التي بقي أثرها في صفحات الكتب بعد أن غابَ صوتُ آلاتها.
مدخل
ليسَ الغرضُ من هذا البحثْ مجّردَ استعراضْ تاريخِ مطبعةٍ اندثرتْ، بّل إحياءُ ذِكرى مؤّسسةٍ ثقافيةٍ كنسية بطّريرّكيةٍ كانَ لها دورٌ بارزٌ في خِدمةِ الكرسي الأنطّاكي، ونشر الكتاب الديني والثقافي، والمساهمة في الحياةِ الفكريةِ بدمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين. وبعد مضي قرن وربع تقريباً على انطلاقِ مشروعِ الطّباعة البطّريرّكية الأنطاكية، باتَ من الواجبِ ردُّ شيءٍ من الجميل لهذه المؤسسةِ البطريركية الأنطاكية الرائدة، وتوثيقِ سيرتها اعتماداً على الوثائقِ البطريركية والمصادر التاريخية، حفظاً للذاكرة الأنطاكية والدمشقيةِ عامةً و الدمشقية الأرثوذكسية خاصةً، وإنصافاً لِمّنْ أسهَموا في نهضّتها.
لأنَ من يحيي ذاكرةَ مؤسسةٍ بطريركية خَدَمت العلمَ والإيمان، لا يؤرخ للماضي فحسب، بل يهب المستقبلَ الأنطاكي المنشودْ ذاكرةً أمينة.
في تاريخها
تمّ انتخابُ وتنصيبُ مطران أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما السيد غريغوريوس حداد (ابن عبيه في جبل لبنان) في مطلع عام1906 بطريركاً على كرسي أنطاكيةَ وسائر المشرقْ بعد وفاة البطريرك المجاهد ملاتيوس الدوماني (1899-1906 المفاجئة بالسكّتة الدمّاغية، وسطَ حُزنٍ عارمٍ على البطريرك البناء والمعمار الراحل المظلومْ الذي كان قد خدّم أبرشّية اللاذقية روحياً حيث كان أول من أهلَّ الإكليريكيين وفي مقدمهم علامة الكرسي جراسيموس مسرة وغفرئيل جبارة المعلم أولاً ومطران حماة ثانياً، وساهم بتنصير العديد العديد وضمهم إلى الارثوذكسية، كما خدم أبرشية اللاذقية عمرانياً من 1864 الى 1898 والقائمقامية البطريركية الأنطاكية من 1898-1899، وبالرغمْ من هذا الحزن على جهاده المنسي، إلاّ أنه قابلهُ فرحٌ عارمٌ سادَ الأوساط الأرثوذكسية الأنطاكية في كل أرجاء الكرسي الأنطاكي، وخاصة الرعية الدمشقية بانتخابِ خيرِ خلّفٍ لخيرِ سلفْ، بالرغم من المقاطعة الأرثوذكسية الشاملة والمؤثِّرة من بطريركيات القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم، ورئاسة أساقفة اليونان ورئاسة أساقفة قبرص …منذ انتخابِ البطريرك الدوماني 1899 كون انطاكية العظمى خرجت عن المظلة والتقليد السائد منذ 1724 بانتخاب سلفستروس (يوناني) على سدَّتها البطريركية، وكان السيد ملاتيوس هو البطريرك الوطني الأول منذ 1724…1899.
الطباعة البطريركية
اولا مطبعة البطريرك اثناسيوس الرابع ( ابن الدباس)
مدَّ البطريرك غريغوريوس اليّدْ، كما فعلَ سلفه مثلثْ الرحمات البطريرك ملاتيوس الدوماني للبطريركيات المحكي عنها، ولكنَ المقاطعةْ استمرتْ في عهده إلى عام 1910، وقد حاولَ إعادةَ الزهّوَ للكرسي الأنطاكي بكلِ وسيلةٍ متاحةْ، وأرسل كسابقه رسائلَ سلامّيةْ للبطاركة الأرثوذكس!!!حين التنصيب!!!، ولما كان الكرسي الأنطاكي قد فقد المطبعة البطريركية الشهيرة التي أحضرها البطريرك العلاّمة اثناسيوس الرابع إبن الدباس 1700 لمنفعة الكرسي الأنطاكي، والتي كان قد طَبَّعَ فيها العديد من الكتب الطقسية في بوخارست (رومانية) أولاً ثم في حلب لما كان مطراناً عليها، وهو يحمل لقب “بطريرك” إلى حين وفاة البطريرك كيرلّس إبن الزعيم عام 1720، وانتقل بطريركاً الى دمشق، بموجب الاتفاق السابق بينه وبين كيرلس، ونقلَ المطبعة الرومانية – الحلبية البطريركية إلى إكليريكية البلمند عند بطريركيته، وكانت غايةُ أمير رومانية الأرثوذكسي الغيور، والحسن العبادة يوحنا من تقديمها للكرسي الأنطاكي طرحَ الكتب الطقسية الأرثوذكسية مطبّوعة في سائر أبرشيات أديار وكنائس الكرسي، تسهيلا على المؤمنين أبناء الكرسي الانطاكي المقدس بديلاً عن المخطوطات، وهي أساساً قليلة ومهترئة، نتيجة كثرة الإستعمال طقسياً، ولتحصّين الكرسي الأنطاكي بتوفير الكتب الدينية الأرثوذكسية التعليمية المطبوعة بين أيديّ الرعية الأرثوذكسية، وتحصّينها في وجه الدعاية اللاتينية الغربية، وبكلِ أسفٍ اختفتْ المطّبعة مع الذي رافقَ معلمه البطريرك ابن الدباس متتلمذاً على يديه في فن الطباعة، وانتقل معها إلى البلمند “الشماس عبد الله زاخر” وكان تعلم الطباعة على معلمه البطريرك اثناسيوس الدباس على هذه المطبعة بحلب، لما كان مطراناً على حلب، لتظهر بعد فترة زمنية قصيرة في دير مار يوحنا الشوير الكاثوليكي في الخنشارة بيد الطّباع الشماس المذكور، الذي سبق بحدود 1724 مع موت البطريرك ابن الدباس، واستيلاء السيد طاناس على المقر البطريركي بدمشق وعلى الكاتدرائية المريمية، أن أعلنَ الكثلكة مع الرهبنة الحلبية من البلمند، وانتقلوا جميعاً إلى دير الشير.
وقيل الكثيرا في حينه والى وقتنا الحاضر دفاعاً عن حادثة سلب المطبعة، بأن هذه المطبعة الشويرية أنشأها الشماس المذكور، وسرت الدعايات (وحتى الان) من أنه رائد الطباعةِ العربية في بلاد الشام، وزاد المزيفون بقولهم، أنه كان أول اول من أدخل مطبعة عربية الى المشرق العربي، بينما تؤكد الوقائع الجلية، وذكريات اهل الكورة المحيطة بالبلمند، والدراسات العديدة في “المنار والهدية وتاريخ انطاكية العظمى (د. اسد رستم) . وتاريخ انطاكية خريسوستوس بابا دوبولس تعريب الاسقف استفانوس حداد” إلى أنها ذات مطبعة البطريرك إبن الدباس المختفية من البلمند مع خروج زاخر والرهبنة الحلبية من البلمند الى الشير، وان زاخراً هو من اختلسّها ومعه الرهبنة الحلبية، وقد أعلنوا الكثلكة وتركوا دير البلمند واقاموا في دير الشير الكاثوليكي وشكّلوا الرهبنة الحلبية الشويرية، وجعلوا هذا الدير والمطبعة مقراً …
ثانيا المطبعة البطريركية بدمشق
كان همُّ البطريرك ملاتيوس الدوماني منذ مطلع بطريركيته 1899بعث مطبعة في المقر البطريركي بدمشق لنشر الكتب الطقسية والثقافية، لاسيما وقد افتتح العام 1900 مدرسة البلمند الإكليريكية، وتولى إدارتها وعمادتها الأستاذ غطاس بطرس قندلفت الدمشقي ، بينما كان الإشراف العام عليها موكلاً إلى مطران طرابلس غريغوريوس حداد (الذي أصبح لاحقاً البطريرك غريغوريوس الرابع). وفي ذلك ووفق الوثائق البطريركية كان الطريق واحداً بين البطريرك ملاتيوس ومطران طرابلس غريغوريوس في كل الشاريع النهضوية الأنطاكية بالرغم من ضراوة المقاطعة من الكبطريركيات والكنائس الأرثوذكسية ذات الصبغة اليونانية، لذلك بادر البطريرك غريغوريوس السعي والجهد لإعادة إحداث مطبعة أرثوذكسية أنطاكية في الصرح البطريركي بدمشق تنفيذاً لحلم الخوري الدمشقي الشهيد يوسف مهنا الحداد في مشروع جامعة الآسية التي انتهت باستشهاده واستشهاد كادر المدرسة ونواة الجامعة الأرثوذكسية فيها، ودمار المدرسة، وهو “القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي المستشهد في 10 تموز عام 1860″، وان تكون على غرار مطبعة القديس جاورجيوس الارثوذكسية الشهيرة في بيروت لصاحبها الشيخ يونس نقولا الجبيلي الملقب بأبي عسكر، وهو من أعيان بيروت الأرثوذكس في القرن الثامن عشر، وهذه المطبعة البيروتية التي أسسها في السنة 1751م كانت من المطابع الرائدة في ” أبرشية بيروت ولبنان” في طباعة الكتب الطقسية وسواها وطُبع بها كتاب “المزامير” لأول مرة عام 1751م. وكتاب “التعليم المسيحي” (طُبع عام 1753م، وأُعيدت طباعته لاحقاً في أطوارها اللاحقة).
ولتعميم الطباعة الارثوذكسية بالكتب الطقسية والمجلات والدوريات الارثوذكسية ارجاء االكرسي الانطاكي المقدس (ما امكن) ولنشر الكتب المطبوعة حتى في أصغر الرعايا الأنطاكية كانت جرت محاولة في القرن التاسع عشر في دمشق، على يد الأب الأيكونوموس يوحنا الدوماني شقيق البطريرك ملاتيوس، وهو أحد أعلام الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية الدمشقية ووجوه النهضة الفكرية والروحية في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين (+1904)، وتُصنف إسهاماته ضمن إطار نشر المعرفة وتأسيس البنى الثقافية الأرثوذكسية.
و يُنسب إليه الفضل الأساس في إنجاز وتنشئة المطبعة العربية في دمشق، حيث ساهم بدور محوري في إرساء العمل الطباعي والنشر الكنسي والثقافي، لتوفير الكتب والمؤلفات الروحية والتعليمية لأبناء الرعية، جاعلاً من العمل الطباعي أداةً نهضّوية وتربّوية تخدم الحضور المسيحي واللغة العربية في المنطقة.
والبطريرك ملاتيوس وشقيقه الإيكونوموس يوحنا، هما من تلاميذ القديس يوسف الدمشقي في “مدارس الأسية الدمشقية الأرثوذكسية”، وتعلما على يديه، اللاهوت والموسيقى الرومية في كليتي اللاهوت والموسيقى الرومية منذ العام 1851 عندما افتتحهما القديس في الآسية، وجدير ذكره أنه تواصل مع صديقه رجل الاعمال المؤمن، والأرثوذكسي المكّين، القديس الأنطاكي المنسّي السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي المقيم في اسطنبول، لشراء مطبعةٍ لمشروعِ “جامعة الآسية الارثوذكسية الدمشقية”، لكن فتنة 1860 ,واستشهاد القديس يوسف بها وكادر المدرسة، ودمارها وما حَّلَ بدمشق المسيحية من خرابٍ ودمّار، ونتائجه لحوالي عقد من الزمان، أنهى مشروع الجامعة والمطبعة بكل اسف.
وكان الإيكونوموس قد أسس مطبعته الخاصة في دمشق عام 1855م. وتعد أولَ مطبعةِ حروفٍ تَدخلْ دمشق، واستقدمَ الدوماني آلاتها وحروفها خصّيصاً من أوربة، وكانت طبيعة مطبوعاتها ترّكز بشكل أساس على الكتبِ الدينيةِ الأرثوذكسية والكنسية. وطبعت كتب الصلوات، والمزامير، والكتب الروحية والطقسية لخدمة أبناء الرعية. وساهمت في نشر الأدب الفكري والديني الإقليمي وتوفير الكتب التعليمية في وقت شحت فيه المطابع.
وقد انتهت هذه المطبعة ببيعها اولاً الى حنا الحداد ثم بيعت لاحقاً الى محمد الحفني.
وكانت هذه المطبعة ” الدومانية” قد مهَّدَتْ لظهورِ المطابع الرسمية والحكومية التالية في دمشق (مثل مطبعة ولاية سورية عام 1864م).
كما تابع متروبوليت حمص وتوابعها المتقدس أثناسيوس عطا الله بتأسيس مطبعة حمص وطبع فيها “جريدة حمص” الأبرشية الأرثوذكسية عام 1909، وكما سبقتها “مجلة المحبة” البيروتية 1885 لمؤسسها متروبوليت بيروت ولبنان المتقدس غفرئيل شاتيلا، و”جريدة المنار” الأرثوذكسية في بيروت، التي كانت بإدارة الشماس أرسانيوس حداد 1892عند انتخاب السيد غريغوريوس حداد مطراناً على أبرشية طرابلس ( مطران اللاذقية لاحقا 1899) والبطريرك 1931-1933.

وفي عام 1908 طلب البطريرك غريغوريوس من والي دمشق ناظم باشا (وكان من الولاة المنفتحين وله بصمات عظيمة في الكثير من المشارع المفيدة لدمشق وصديق للرئاسات الروحية واهمهم البطريرك غريغوريوس) طلب المساعدة في احداث مطبعة واصدار دورية النعمة، وبتوصية من والي دمشق حسين ناظم باشا المذكور صديق غبطته، تم رفع كتابٍ من البطريرك غريغوريوس إلى الصدر الأعظم ( رئيس الوزراء) في القسطنطينية للحصول على رخصة بإحداث “مطبعة بطريركية” في الصرح البطريركي وترخيص إصدار “مجلة للبطريركية بإسم “مجلة النعمة” تصدر مرتين في الشهر، مشفوعاً بتأييدٍ من الوالي ومع اقتراح الموافقة، “نظراً لوطنية الطائفة الارثوذكسية وبطريركها”، “وشدة تمسك البطريرك غريغزوريوس بالدولة العثمانية” إذ كان قبلها ومن تسعينيات القرن التاسع عشر عند ظهور فكرة القومية العربية على يد “حركةُ المتنورين الشوام” كان ممنوعاً الطباعة بمطابع خاصة، وإصدار مجلات محلية، وممنوع أساساً إدخال المطابع، وكانت توصية ناظم باشا مقرونة كما أسلفنا بالاشادة بوطنية البطريرك غريغوريوس “العثمانية”، وكي لا يتّم إستيراد كتبٍ مطبوعةٍ خارجياً، وقام وكيله في الاستانة المحامي كمال بك قزح الدمشقي خليفة الوكيل السابق حبيب بك ابوشعر منذ 1899-1906.
تميز المحامي كما بك قزح اللامع في مجال المحاماة والذي درس الحقوق في معهد الحقوق العثماني في اسطنبول وتخرج بدرجة امتياز ويقيم في الاستانة ويعمل فيها والذي كان قد سبق ان وكله قانونيا البطريرك ملاتيوس عنه خلفا للوكيل حبيب بك ابوشعر عام 1906 قبل وفاته وكيلا عنه في عاصمة السلطنة لتسيير مصالح الكرسي الانطاكي التي توقفت بعد القطيعة الشاملة من البطريرك المسكوني عندما اعتلى السدة الانطاكية بصفته بطريركاً وطنياً، وكان لشخصية البطريرك غريغوريوس والتاييد الخطي من الوالي ناظم باشا والدعم الروسي ودينامية الوكيل الانطاكي المحامي كمال قزح الذي تمتع بمصداقية في الاوساط السياسية والادارية العثمانية،وبعد جهد دؤوب لعدة اشهر صدرت الارادة السلطانية بالترخيص بإحداث مطبعة في الصرح البطريركي والترخيص من نظارة العدلية والمذاهب مؤيدة بفرمان عثماني عالي لإصدار مجلة بطريركية باسم “مجلة النعمة” تطبع في هذه المطبعة وتصدر مرتين شهرياً، وكان ذلك في عام 1908.
وكان لدخول المطبعة افتخار ونشوة عظيمين عند ابناء ابرشية دمشق والكرسي الانطاكي المقدس، فقد تحقق حُلمُ أرثوذكس دمشق، وحلم الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي الذي اراد بمعونة تلميذه النجيب والغيور الارثوذكسي العظيم الخواجا، القديس الأنطاكي المنسي، ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي رفد مدارس الاسية بمطبعة حجرية ( ليثوغرافية) لتسهيل طباعة الكتب للمدرسة ومشروع تحويلها الى جامعة والذي اندثر بمذبحة عام ١٨٦٠ واستشهاد القديس يوسف وكادر المدرسة ودمارها….
مكان المطبعة

خصص مكان المطبعة خارج الصرح البطريركي القديم في الدكاكين المفتوحة على بعضها وتقع في واجهة الصرح البطريركي المطلة على الشارع المستقيم في منطقة طالع الفضة كي لايكون دخول وخروج الزبائن والمطبوعات من داخل الصرح البطريركي، وكان بجانبها الاسطبل الخاص بالخيول، وعربة غبطته. وتلاصق أعتاب المئذنة العمرية والجامع القديم حيث كان يتم الدخول لدار البطريركية والكاتدرائية المريمية ومدرسة مار نقولا الابتدائية الارثوذكسية… من تحت قنطرة المئذنة….
ونرى في الوثائق البطريركية العديد من الأوراق التي تمت طباعتها في المطبعة البطريركية قبل الحرب العالمية الاولى كدفاتر جباية رسوم الماء ( مصلحة مياه عين الفيجة) والكهرباء (شركة الجر والتنوير البلجيكية في دمشق) واستمرت بعد نهاية الحرب بطباعة الكتب الدينية والطقسية كالمزامير والتيبيكون والسواعي الكبير … اضافة الى مطبوعات المجمع العلمي ( مجمع اللغة العربية) برئاسة العلامة محمد كردعلي حيث كان المجمع يطبع اصداراته في المطبعة البطريركية نظرا لتميز الطباعة، وكتب مدرسية لمدارس دمشق الارثوذكسية بالعربية والفرنسية وكتب التعليم المسيحي… الى حين توقيفها وتصفيتها عام 1933.
وثائقيات
نقول “إذا كانت الوثيقة هي الشاهد، فإن الأمانة هي القاضي، والباحث هو من يمنح الشاهد فرصةً ليُسمَع.”
حّدّثتنا السجلات الوثائقية البطريركية المحفوظة مع الوثائق الورقية البطريركية في المكتبة، والمخطوطات البطريركية قليلا عن المطبعة البطريركية…

منها “سجل حسابات المطبعة البطريركية” ورقمه الوثائقي 2678 السنة 1913 وهو بعنوان ” بيلانجو ( الميزانية) المطبعة البطريركية الارثوذكسية من اول ايلول لغاية 31 كانون الاول1913، وفي العام ذاته، أمر البطريرك غريغوريوس الرابع من دير سيدة البلمند، الأرشيدياكون ميخائيل شحادة في البطريركية بدمشق، بالرسالة البطريركية ( رقم وثائقي 2293 ) تاريخ بلا، بتسليم ادارة “مجلة النعمة” و”المطبعة البطريركية” للشماس توما ديبو المعلوف الذي كان يشتغل فيها مع الخوري اغناطيوس بلا تذمر، وكمكافأة من البطريرك للشماس توما على أتعابه.
كما ورد ذكر للمطبعة في “سجل حسابات البطريركية والميزانية اليومية” فيها ( رقم وثائقي 2612) والذي يتضمن ايرادات ونفقات المقر البطريركي… بدون تاريخ…
وفي الوثيقة المؤرخة في17 تشرين الاول 1919 (رقم وثائقي 2173) كتاب “تاريخي قومي النزعة” رفعه رئيس “النادي العربي بدمشق” يرفع فيه الشكر والتقدير الى البطريرك غريغوريوس الرابع على طبع جريدة “حرمون” التي يصدرها النادي العربي في دمشق زمن الامير فيصل بن الحسين في المطبعة البطريركية، مع الإشادة بما يكتبه الكاتب توفيق مفرج من مقالات وطنية وقومية عربية بإسم “شباب الامة العربية”.

ويتناول “دفتر حسابات المطبعة البطريركية” ( رقم وثائقي 2414) حسابات المطبعة مابين إيرادات ونفقات بين عامي 1924-1927… أما في “السجل البطريركي” ( الرقم الوثائقي 2966 )فقد تم إدراج حسابات البطريركية لعام 1928 ومنها حسابات المطبعة البطريركية وكان ذلك في السنة الاخيرة لبطريركية السيد غريغوريوس الرابع المتوفي عامئذ 1928.
في الكتاب ( رقم وثائقي 2733 ) تاريخه 29 ايار 1933 الموجّه من تاجر الورق ولوازم الطباعة البيروتي “السيد محمد خليل الداعوق” من بيروت جواباً عن استفسارِ مدير المطبعة “السيد ميخائيل حموي” ( ميشيل) يبيَّن جواباً على كتاب الأخير له، ما لَهُ من ذمّةٍ مالية على المطبعة البطريركية ثمناً لورقٍ وحِبرٍ وبطاقات أعراس ومغلفات… ومن هذه الذمّم ما يعود إلى زمن بطريركية السيد غريغوريوس الرابع المتوفي عام 1928، ليرفع السيد ميشيل يوسف حموي (ميخائيل) ذلك إلى البطريرك ألكسندروس طحان(1931-1958) بصفته (ميشيل) آخر مدير للمطبعة البطريركية، مع إعلامٍ عما له من دَّينّ على “المطبعة البطريركية” عن رواتبه المتراكمة كمديرٍٍ لها والبالغة 32800 غرشاً عثمانياً ذهبياً محسوباً على سعر صرف الليرة العثمانية 250 غرشاً لليرة العثمانية الذهبية.

وميخائيل هذا تربى في المطبعة على يد الشماس توما ديبو المعلوف منذ كان صبيا صغيرا تم تعيينه للخدمة فتعلم اصول الطباعة من معلمه الحاذق الشماس توما منذ 1913 وحت ى تصفية المطبعة وبيعها من قبل لجنة تصفية ديون البطريرك غريغوريوس حداد التي شكلها خليفته البطريرك الكسندروس طحان منذ توليه السدة البطريركية 1931 لحصر الديون التي ترتبت على البطريرك غريغوريوس نتيجة افعال الرحمة واطعام الجياع في فترة مجاعة سفر برلك بين ١٩١٤-١٩١٨ ورهن اوقاف البطريركية والاستدانة بفوائد فاحشة وخاصة من اغنياء مسيحيين ومرابين يهود ورهن او باع مقتنيات الكنائس والادير البطريركية الذهبية والفضية ومنها على سبيل المثال لا الحصر صليب لاطية ماسي هدية من القيصر الروسي نقولا ( الشهيد بيد البلاشفة1917مع عائلته) اهداه اياه عام 1913 لرئاسة البطريرك غريغوريوس احتفالات “ال رومانوف” باعتلاء كري روسيا منذ300 سنة وقد رهنه على الف ليرة ذهبية عند صائغ يهودي وفك رهنيته تاجر ثري مسلم دمشقي كان صديقا للبطريرك واعاده الى البطريرك بقوله ” او هل يليق بغير البطريرك غريغوريوس ان يتتوج بهذا الصليب؟” ولكن البطريرك مالبث ان باعه خلسة مجددا ليطعم الجياع واقتنى صليبا من الزجاج للتورية. ونشير على ان مطالبات الدائنين لم تتوقف منذ تاريخ الاستدانة الى وفاة البطريرك غريغوريوس الرابع والازمة البطريركية من 1828- 1931 الى حين بطريركية السيد الكسندروس واستقرار الاوضاع له بعد وفاة البطريرك ارسانيوس حداد 1933 لذا شكل لجنة لحصر الديون وكان منها رواتب العاملين في البطريركية والكهنة والديون بانواعها وقر الرأي على بيع مايمكن بيعه وهو بات خاسرا وكان منها المطبعة البطريركية التي لم تعد تطبع مجلة النعمة منذ ١٩١٤ بدء الحرب العالمية الاولى… لذا بيعت المطبعة لصاحب مطبعة ابن زيدون الدمشقي السيد بيضون… وكان من الشيعة سكان محلة الامين في الشارع المستقيم وكانت مطبعته في تلك المنطقة، وقد توقفت هذه المطبعة كذلك، اما مدير المطبعة البطريركية السيد ميشيل حموي فبعدما استوفى ديونه وهي عبارة عن رواتبه المتراكمة وتعويضه عن فترة خدمته المطبعة البطريركية طيلة الفترة من 1912- 1933 قام بتأسيس مطبعة خاصة باسم “مطبعة باب توما” الحالية والشهيرة حالياً ب”مطبعة اسطفان” وقد عمل عنده السيد وليم اسطفان الذي صاهره بعد ذلك وهي اليوم من المطابع الدمشقية المتميزة.
بعض الكتب والمطبوعات التي تم طبعها في المطبعة البطريركية بدمسق
الرقم.…………………….الكاتب……………………………………………………..عنوان الكتاب………………………………………سنة النشر
1………………………داود النبي …………………………………………………مزامير النبي داود………………………………………..1909
2……………………….يوسوية…………………………………………………….ظفر الصليب……………………………………………..1910
3……………………..اسكندر كزما……………………………………………مختصر التاريخ المقدس……………………………………..1911
4……………………. . البطريركية…………………………………………………..السواعي الكبير……………………………………….1911
5………………المطران غريغوريوس جبارة…………………………………….كتاب التعاليم السنية……………………………………..1911
6………………………. البطريركية………………………………………الحجج على صدق العهد الجديد………………………………..1913
7…………………….ابن البطريق……………………………………………….لنا رأينا ولهم رأيهم………………………………………..1924
8……………………اسكندر كزما…………مختصر تفسير الخدمة الالهية فيكنيسة المسيح المستقيمة الرأي الارثوذكسية………..1925
9………………………البطريركية……………………….قانون المدرسة الاكليريكية البطريركية الانطاكية الارثوذكسية………………….1936
10…………………….البطريركية………………………………………………..خدمة القداس الالهي……………………………………. 1952
اضافة الى مطبوعات متنوعة كجداول اسمية باللذين يحق لهم الانتخابات لعضوية للمجالس الملية وجداول اسمية بالناجحين والدعوات للاجتماعات، وبيانات الاعمال السنوية للمجالس الملية والجمعيات الارثوذكسية الدمشقية، وبعض الصحف كصدى حرمون، وبطاقات مجتمعية كبطاقات الاعراس وملصقات النعوة الجدارية والمرسلة بالبريد كما كانت عادة تلك الايام، وبطاقات اسمية (فيزيت) و تجارية خاصة بالشركات التجارية والصناعية، وبالتجار والصناعيين وفواتيرهم ودفاترهم المحاسبية وفق اصول الميزانيات الرائجة، ومطبوعات تتعلق بالمجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية) وخاصة عام 1918 حال تحرير البلاد من الاحتلال التركي، قبل تأسيس مطبعة الحكومة السورية التي تولت طباعة مجلة المجمع وجريدة العاصمة (الجريدة الرسمية)، ومطبوعات دفاتر اشتراك في مصلحة كهرباء وترامواي دمشق، ومياه عين الفيجة، وسجلات الذمم المالية للرسوم المالية المترتبة على مشتركي الكهرباء والماء وتحصيلها، والرسوم الاخرى كالرسوم العقارية ودفاتر طابو الاملاك… وكانت هذه السجلات المالية غاية في الاتقان…
ملاحظة
نلاحظ انه في البندين 9 و10 ان سنتي الطبع كانت 1936 و1953 وكانت المطبعة قد صفيت وكان البديل في الطباعة وباسم مطبعة البطريركية كانت مطبعة باب توما لصاحبها السيد ميشيل حموي وهو الذي تعلم فيها وهو فتى اصول الطباعة على يد الخوري اغناطيوس والشماس توما ديبو المعلوف وهو المعروف وقتئذ باسم ميخائيل كما يرد في السجل الحسابي وقد بقي في المطبعة كما اسلفنا الى حين تصفيتها واستوفى تعويضه وافتتح مطبعته الخاصة وهي الحالية باسم مطبعة باب توما لصاحبها وليم اسطفان، ويتابع اولاده حاليا في ادارتها.
ختاماً
كلمة وفاء
لا ندّعي في هذا البحث أننا أحطنا بتاريخ المطبعة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق من جميع جوانبه، وإنما هو محاولة لجمع ما تناثر من أخبارها ووثائقها، وصون ذكراها من النسيان، وفاءً لمؤسسةٍ أسهمت في خدمة الكلمة المطبوعة، والكنيسة الانطاكية وصوت “نعمتها”، والثقافة الكنسية والوطنية، عبر عقود من تاريخ الكرسي الأنطاكي.
قد تصمت المطابع، وقد تندثر أبنيتها، لكن ما طبعته من فكرٍ وإيمانٍ وتاريخ يبقى شاهدًا على رسالتها عبر الأجيال.
هذه هي انطاكية العظمى، وهذه مطبعتها البطريركية الدمشقية…


