المعاجم الثنائية اللغات وتاريخها (الجزء الأول)
فذلكة عن المعاجم العربية
لابد بداية من ذكر هذه الفذلكة عن المعاجم العربية من اول نشأتها الى هذا اليوم ليطلع قارئي الكريم على اسمائها في العصور كافة، وليكّون فكرة عن هذه المعاجم التي أراد بها الرواد أصحابها تزويد الناطقين بالضاد بالثروة اللغوية التي لا يتطرق اليها الفناء والتي لولاها لتبعثرت العربية وضاعت مفرداتها وتعابيرها وامثالها، ولعجز الكتّاب والادباء والشعراء عن التعبير عن أفكارهم واحاسيسهم ولخانهم البيان في كل ما يكتبون وينظمون.
المعاجم هي ركيزة اللغة ومتكأ الكاتب والأديب، وزاد الشاعر والخطيب، ومرجع الناقد اللغوي، واليها يجع الفضل في خلق طائفة كبيرة من الكتّاب والادباء والشعراء واللغويين اللامعين.
ان اسبق الأمم الى تأليف المعاجم اللغوية كان الصينيون، فإنهم وضعوا معجماً فيه أربعون الف كلمة في القرن ١١ ق.م، واسم مؤلفه ” باوتشي “، والفه “وارو” المتوفي سنة ٢٨ ق.م ونحو ذلك الزمن ظهر اقدم معجمٍ للغة هو ميروس ألفه ابولونيس الغراماطيقي الاسكندري في عهد اوغسطوس، ثم ظهر معجم اللغة اليونانية كاملاً سنة ١٧٧ م والفه يوليوس بولكس.
ثم يأتي العرب وهم اسبق الأمم في تأليف المعاجم، فقد ولدت المعاجم في العصر العباسي الثالث، فكان اول معجم شاهدت عيناه النور معجم “العين” الذي الفه الخليل بن احمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، وقد جمع ما كان معروفاً في أيامه من الفاظ اللغة واحكامها وقواعدها وشروطها، ورتب ذلك على حروف الهجاء، ولكنه رتب الحروف حسب مخارجها من الحلق فاللسان فالاسنان فالشفتين، وبدأ بحرف العين وجعل حروف العلة في الآخر، فكأن الخليل حذا حذو الهنود في ترتيب حروف لغتهم السنسكريتية إذ يبدأون بأحرف الحلق وينتهون بالأحرف الشفوية.
والف أبو بكر بن دريد في أوائل القرن الرابع الهجري معجمه “جمهرة العرب” واتبع في ترتيبه معجم “العين”، ويعد كتابه هذا من احسن الكتب اللغوية. واختصر الصاحب بن عبّاد هذا المعجم في كتاب سمّاه ” الجورة”. وفي القرن نفسه الف القالي البغدادي معجمه “البارع”، وأبو منصور محمد الازهري كتاب ” التهذيب”، والصاحب بن عبّاد معجمه “المحيط” في سبعة مجلدات، وأبو نصر إسماعيل الجوهري معجمه “الصحّاح” وفيه نحو ٤٠٠٠٠كلمة رتبها على حروف الهجاء، فجعل الكلمات فيه بعد تجريدها من الزوائد، اولاً التي آخرها الف مهموزة ثم التي آخرها باء وهلمَّ جرا. ولكل حرف أبواب مرتبة فأولاً ما كان يبتدئ بالألف المهموزة ثم الباء ثم التاء الخ، وهكذا اعتبر الحرف المتوسط في الترتيب. زمع ان ” الصّحاح” حسن الترتيب سهل المآخذ صحيح الرواية الا انه لم يسلم من التصحيف في عدة مواضع وأكثرها من باب “الضاد” فصاعداً لأنه أصيب بمرض لم يمكنه من مراجعته وتنقيحه، ونقّحه بعد موته تلميذه إبراهيم بن صالح الوراق بعض التنقيح. وكان معاصراً لصاحب ” الصحّاح” احمد بن فارس فوضع معجمه: “المجمل في اللغة”.
وفي صدر القرن الخامس الهجري الّفَ أبو غالب بن التياني القرطبي معجمه “الموعب” وهو و “البارع”من اضبط المعاجم واصدقها رواية، غير انهما فُقدا في جملة مافُقد من المصنفات اثناء الفتن. وفي هذا القرن الف ابن سيدّه الأندلسي الضرير كتابه “المحكَّم والمحيط الأعظم” في عشرين مجلداً، وقد اشتهر هذا المعجم بغزارة مادته ودقة انتقاده وتعدّد الأمثلة اللغوية فيه.
وفي بدء القرن السادس الهجري وضع الزمخشري معجمه ” أساس البلاغة” ومن مزاياه انه يستهل كل مادة بمعانيها الحقيقية ثم ينتقل الى المعاني المجازية، وقد أدى بذلك خدمة جُلّى للغويين والمنشئين من بعده.
وفي القرن السابع الهجري الف المطرزي الملقب بخليفة الزمخشري معجماً اسماه” المغرب في ترتيب المعرب” وهو ابجدي الترتيب يتضمن الفاظ الفقه الحنفي. وفي القرن نفسه وضع رضى الدين الصفاني معجمه “العباب الزاخر” واستدرك على صاحب ” الصحاح” ما فاته من اللغة وجمعه في كتاب اسماه ” التكملة” وهو اكبر حجماً من “الصحاح”.
وفي القرن الثامن للهجرة جمع محمد بن جمال الدين المعروف بابن منظور معجمه المشهور “لسان العرب” من كل القواميس الأتية: “الجمهرة” و “التهذيب” و “الصحاح” و “المحكم”، وكذلك من معجم “النهاية” لعز الدين بن الأثير و” الأمالي” لأبي علي القالي. و”لسان العرب” أعظم معجم في اللغة حتى الآن، ويقع في عشرين جزءاً، وقد رتب صاحبه مواده على نسق معجم ” الصحاح” وضمنه فوائد جمة من لغة وفقه وصرف ونحو وشرح للحديث وتفسير للقرآن الكريم، وقد عزّز كلامه بالبينات الساطعة والشواهد الموثوق بصحتها. وقد طبع هذا المعجم الكبير على اجمل ورق واصقل حرف وتولى تصحيحه وطبعه بالشكل الكامل فريق من كبار اللغويين. وفي القرن نفسه صنَّف الفيومي معجمه “المصباح”، واختصر أبو بكر الرازي “الصحاح” للجوهري وسمّى مختصره “مختار الصحاح”.
وفي القرن التاسع الهجري وضع الفيروزابادي “القاموس المحيط” معتمداً فيه على “المحكم” و “العباب”، وقد حمل على هذا القاموس نخبة من اللغويين وفي طليعتهم احمد فارس الشدياق في كتابه ” الجاسوس على القاموس” الذي أشار فيه الى مواضع الخطأ في هذا القاموس ولكنه لم يصلحها. على ان الفيروزابادي وان كان قد أخطأ في مواضع آخذه عليها اللغويون، فان له حسنة تشفع فيه ألا وهي ضبطه الألفاظ بالمُثُل لا بالشكل، وفي ذلك خدمة كبيرة للمشتغلين باللغة. وفي أواخر القرن الحادي عشر الهجري شرح المرتضى الزبيدي هذا المعجم شرحاً مطّولاً فأجلى مبهمه وأصلح أغلاطه، مستعيناً بعدة كتب أخصها ” شرح ابن الطبيب” و “لسان العرب” وسماه ” تاج العروس”، وطبع في عشرة أجزاء. و “تاج العروس” و “لسان العرب” هما المرجعان اللغويان اللذان يعوّل عليهما. وقد لخص المطران الماروني جرمانوس فرحات بحلب (١٦٧٠-١٧٣٢م) الفيروزابادي المذكور معجماً مختصراً اسماه “باب الاعراب في لغة الاعراب” ورتبه على نسقٍ ابجدي حديث وقد طبعه الشيخ رشيد الدحداح في مرسيليا سنة ١٨٤٩م.
ومن الضروري ان نذكر قليلاً عن اهتمام العرب بتأليف المعاجم الأدبية والتاريخية والجغرافية وغير ذلك، فهنالك ياقوت الحموي الذي الف معجماً جغرافياً باسم ” معجم البلدان” وهو معجم جغرافي كبير فضلاً عن انه خزانة علم وادب. وقد الف ايضاً ” معجم الادباء” وهو معجم تاريخي يشبه معجمه الجغرافي ولكنه اكبر منه واوسع، وقد توفي ياقوت الحموي سنة ٦٢٦ه . وهناك معجم تاريخي آخر الفه ابن خلكان باسم “فيات الأعيان وانباء أبناء الزمان” وهو معجم ضخم يحوي كنوزا من العلم والادب والتاريخ، وقد فرغ من تأليفه سنة ٦٧٢ه، ونظراً لأهميته نقل الى التركية والإنكليزية.
وقد الف لسان الدين بن الخطيب (١٣١٣-١٣٧٤م) معجماً تاريخياً لمشاهير غرناطة اسماه “الإحاطة في تاريخ غرناطة” وطبع منه جزءان في مصر عام ١٩٠١. وقد صنَّف الدميري المتوفي في القاهرة سنة ٨٠٨ه معجماً في علم الحيوان سماه “حياة الحيوان الكبرى” ورتبه على أسماء الحيوانات، وقد توسع في وصف كل حيوان واصل اسمه وما جاء في الحديث او الاشعار بشأنه. وله مختصر اسمه “حياة الحيوان الوسطى”. وقد اختصر كتابه هذا كثير من الباحثين لما حواه من حقائق تاريخية وعلمية.

الموسوعات العربية
وقد عُني العرب ايضاً بتأليف الموسوعات، فقد ألف شهاب الدين النويري المتوفي سنة ٧٣٢ه موسوعة كبرى سمّاها “نهاية الارب في فنون الادب” في نيف وثلاثين مجلداً قسمها الى خمسة فنون، وكل فن الى خمسة أبواب، فالفن الأول يعالج الفلك والظواهر الجوية والجغرافيا الطبيعية والتاريخ الطبيعي.
والفن الثاني في الانسان والطب وآداب السياسة، والفن الثالث في علم الحيوان بجميع فروعه، والفن الرابع في النبات على اختلاف انواعه، والفن الخامس في التاريخ مبتدئاًمن الخليقة الى دول ملوك الإسلام، وقد طار ذكر هذه الموسوعة في الآفاق. وقد الف ابن فضل الله العمري المتوفي سنة ٧٤٨ ه موسوعة اسماها “مسالك الابصار في ممالك الامصار” في بضعة وعشرين مجلداً قسمها الى قسمين: الأول في التاريخ الطبيعي والجغرافيا، والثاني في الأرض وسكانها والعلوم الطبيعية والحيوان والنبات، وقد طبعت في مصر بعناية دار الكتب المصرية.
وقد صنف احمد القلقشندي المصري المتوفي سنة ٨٢١ه موسوعته “صبح الأعشى في كتابة الانشا” ضمنها جميع أنواع المعارف والعلوم الادبية والتاريخية والاجتماعية والشرعية والطبيعية وعلم تقويم البلدان وغير ذلك، وموسوعته هذه خزانة علم وادب لامثيل لها.
المعاجم اللغوية الحديثة
وفي سنة ١٨٦٩م وضع المعلم بطرس البستاني (١٨٩١-١٨٨٣م) معجمه “محيط المحيط” في مجلدين كبيرين ثم معجمه “قطر المحيط” في معجمين أصغر حجماً. وفي سنة ١٨٨٩ وضع الشيخ سعيد الخوري الشرتوني (١٨٤٩ -١٩١٢) معجمه ” أقرب الموارد” في جزئين وذيل، والف الشيخ إبراهيم اليازجي (١٨٤٧-١٩٠٦) معجمه “نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد”. وفي سنة ١٩٠٧ وضع المعلم جرجس همام (سيرته هنا في موقعنا – اعلام ارثوذوكسيون) (١٨٥٦-١٩٢١) كتابه “معجم الطالب”، وفي النة التي تلتها وضع الأب لويس معلوف اليسوعي (١٨٦٧-١٩٤٦) معجمه “المنجد”، وفي سنة ١٩٢٧ الف الشيخ عبد الله البستاني (١٨٥٤-١٩٣٠) معجمه “البستان” في مجلدين ثم مختصره “فاكهة البستان” وفي السنة وضع جرجي عطية معجمه “المعتمد”، والف الاب انستاس الكرملي (١٨٦٦-١٩٤٧) معجمه “المساعد”، وفي سنة ١٩٥٦ وضع الاب فردينان توتل اليسوعي معجمه “المنجد في الادب والعلوم”، وفي السنة نفسها وضع الشيخ عبد الله العلايلي كتابه ” المعجم” في أجزاء.
الموسوعات العربية الحديثة
وقد المعلم سليم ميخائيل شحادة الدمشقي (١٨٤٨-١٩٠٧) وسليم جبرائيل خوري (١٨٤٣-١٨٧٥) موسوعة جغرافية تاريخيةن وقد طبع منها القسم الجغرافي الى كلمة “بَلج” (١٨٧٥) والقسم التاريخي الى كلمة “ابن القطان” (١٨٧٧). وقد ألف المعلم بطرس البستاني سنة ١٨٨٣ بالإضافة الى معاجمه الآنفة الذكر موسوعته التي سماها “دائرة المعارف – قاموس عام لكل فن ومطلب”، وقد انهى أجزاءها الستة الأولى (١٨٧٦-١٨٨٣)، ووضع ابنه سليم البستاني (١٨٤٧-١٨٨٤) الجزء السابع والثامن (١٨٨٣-١٨٨٤)، ووضع نسيب ونجيب ابنا المعلم بطرس بالتعاون مع اخيهما سليم الجزء التاسع والعاشر والحادي عشر الى كلمة “عثمانية” (١٨٨٧،١٨٩٨،١٩٠٠)، وتألفت لجنة ١٩٥٤ لإعادة النظر في الأجزاء المنشورة ولاتمام العمل بإدارة فؤاد افرام البستاني.
وقد وضع محمد فريد وجدي المتوفي في مصر سنة ١٩٤٥ موسوعة كبرى اسماها “دائرة معارف القرن العشرين” في عشرين جزءاً وطبعت في مصر ١٩٣٨.
انتهى الجزء الأول في تدوينتنا عن المعاجم الثنائية اللغات.
