الاسرة العربيلية وابنها المحامي نجيب صاحب كوكب اميركا

الاسرة العربيلية وطب الاسنان

من اعلام دمشق في الاغتراب

تمهيد

وان كان طب الاسنان حديث العهد نسبياً في مشرقنا عموماً، الا انه هو كان حرفة من الحرف اليدوية قدمة العهد، ويعود الى أقدم العصور التاريخية، لأن تعاطيه كحرفة تقتبس عن طريق الملازمة او الاستخدام، سبق مزاولته كمهنة تكتسب بالدراسة الجامعية، شأنه في ذلك شأن بقية المهن العلمية كالطب البشري والصيدلية والمحاماة والهندسة… وسواهم من المهن. فإن الطب قبل عهد تعليمه جامعياً كان يكتسبه الواحد عن الأخر، وقد يكون ذلك بملازمة طبيب شهير او بالمواظبة على مستشفى او مصح يتولى التطبيب فيه طبيب شهير مختص ذائع الصيت.

اما طب الاسنان فلبث الاستخدام فيه الوسيلة الوحيدة لاقتباسه الى ان أنشئت مدارس (كليات) طب الاسنان، لا بل بقي الاستخدام في تعلمه أمراً مألوفاً عند طبقة معينة من الناس حتى بعد إنشاء مدارس طب الاسنان. وذلك ما حدث في سورية مثلاً، فإن تعلم طب الاسنان فيها بالملازمة بقي معترفاً به بصورة رسمية الى سنة ١٩٣٠ مع ان مدرسة طب الاسنان بدمشق (الآن كلية طب الاسنان بجامعة دمشق) أنشئت في السنة ١٩٢١. اما في لبنان فان الاستخدام ظل سارياً طوال ثلاثين سنة بعد إنشاء مدرسة طب الاسنان الاميركية في بيروت في سنة ١٩١٠. وهب ان الاستخدام في تعلم طب الاسنان لا يزال ساريا الى هذا الحين فإن المستخدم لا يستطيع الآن الارتقاء الى مستوى الطبيب الدارس، فهو إما ان يبقى مستخدماً طوال حياته أو ان يصبح دخيلاً فيستقل بنفسه ليمارس طب الاسنان بالسرية او خلف الأبواب الموصدة، لأن القوانين الحديثة التي سبتها الحكومات بعد ان أصبح لطب الاسنان مدارسه الخاصة جعلت ممارسة طب الاسنان المقتبس بالملازمة او مرافقة طبيب مختص عملاً غير شرعي يتعرض القائم به لعقوبات ينص عليها القانون لانه يمارس طب الاسنان بدون ترخيص.

وعليه فان الفترة التي اجتمع فيها تعلم طب الاسنان بالملازمة وتعلمه بالدراسة، في سورية ولبنان كانت قصيرة، كما انها كانت كذلك في البلدان الأخرى بعد ان نظمت شؤون طب الاسنان قانونياً لارتباطه بشكل وثيق بالصحة العامة. ومما يستوقف النظر في هذه الفترة القصيرة التي اجتمعت فيها الملازمة والدراسة ان من الذين اقبلوا على تعلم طب الاسنان، من كان لا يرى حرجاً في تعلمه بالملازمة، في حين ان البعض الآخر  كان يأنف من ذلك فلا يجيز لنفسه تعلم طب الاسنان الا بدراسة السنوات الطويلة، ولو قضى ذلك عليه بالسفر الى البلاد الأجنبية وتحمل ما يلازم ذلك من النفقات والمشقات. اما تفضيل احدى الطريقتين على الأخرى فكان يعود كما هو ظاهر الى مواهب الشخص وامكانياته الثقافية والمادية والاجتماعية.

أطباء الاسنان العربيليون الدمشقيون

اما هذه الاسرة العربيلية التي نحن بصددها في تدوينتنا هنا، فهي من الاسر الارثوذكسية الدمشقية  وتعود في اصلها الى قرية عربين التي تعود الى القرن ١٩ والقرن ٢٠، ولعبت دورا محوريا في طب الاسنان في سورية واميركا اضافة الى دورها في خدمة الكنيسة الارثوذكسية عبر كبيرها في عربين وفي دمشق وفي  اللجوء الى بيروت بنتيجة مجازر ١٨٦٠،  فقد نشأ منها منذ السنة ١٨٩٠ خمسة أطباء اسنان، أربعة منهم تلقوا طب الاسنان بدراسته في الجامعات الأميركية، وواحد منهم فقط وهو آخرهم، لم تمكنه احواله الخاصة من بلوغ شأو انسبائه فاكتفى بتعلمه بالملازمة في دمشق، حين كانت العادات المألوفة والقوانين السارية لا تحول دون تعلم طب الاسنان بالملازمة كما سبقت الإشارة اليه. وقد رأينا ان نقتصر هنا على سير الأطباء الأربعة العربيليين الذين اكتسبوها بالدراسة في الجامعات الأميركية حيث كانت الدراسة في الجامعات لا يقبل عليها الا القليلون من الناس، وهم الذين كانت تؤهلهم لهذه الدراسة احوالهم المادية او منزلتهم الثقافية والاجتماعية.

واما هؤلاء الأطباء الأربعة فهم يوسف عوض عربيلي وولداه حبيب ونسيم وابن أخيه جورج حبيب عربيلي ويعود اصلهم الى بلدة عربيل. وهذه البلدة من غوطة دمشق الشمالية الشرقية وتبعد عن دمشق مسافة ١٥ كم وسط طبيعة الغوطة الغناء ويشكل مسيحيوها وكلهم ارثوذكس نسبة قليلة جدا مقابل الأغلبية الساحقة من السكان المسلمين ويتميزون بشدة تقواهم وتمسكهم بالايمان الأرثوذكسي، بينما المسلمون متعصبون جدا، لذلك ومنذ أواخر القرن ١٩ بدأت هجرات من ارثوذكس عربين واستقرت في دمشق ومنهم من شق طريق الهجرة الى اميركا الشمالية.

اما اسم البلدة الشائع حالياً فهو عربين وهو محرف من عربيل، والبلدة قديمة العهد يعود تاريخها الى الاراميين ومملكة دمشق الآرامية، واسمها محرف عن أربيل وهذه الكلمة مركبة من كلمتين آراميتين هما ارب ومعناها اربع وبيل ومعناها اله فمعنى الاسم اذن أربعة آلهة. وعليه يلوح ان هذه البلدة كانت قديما معبداً لأربعة آلهة فهي بذلك لا تختلف عن مدينة أربيل الواقعة في شمال العراق (كردستان العراق حالياً)، وهذه ايضاً يعود اسمها الى العصر الآرامي وسميت كذلك لأنها كانت مقراً لعبادة أربعة من آلهة الآراميين.

اما نسب الاسرة العربيلية فكل ما هو معروف عنه انه يعود الى عوض حنا من قرية عربيل، وهذا كان له ستة أولاد اكبرهم يوسف المذكور آنفاً واحدهم حبيب وهو والد جورج المشار اليه فيما تقدم. وفيما يلي سيرة كل من هؤلاء على حدة:

-يوسف عوض عربيلي

هو الأستاذ الشهير الدكتور يوسف عوض عربيلي، ولد في عربيل سنة ١٨٢٠، وكان والده عوض حنا رجلاً امياً ولكنه رغب بتعليم بعض أولاده الستة. ونظراً لشيوع الامية في ذلك العصر، وافتقار القرية الى مدرسة فإن عوض أحضر معلماً الى منزله في عربيل لتعليم من يتوسم فيه النجابة من أولاده. وبما ان يوسف هو اكبر أولاده فإنه تعلم على يدي المعلم القراءة والكتابة، وكان عمره اذ ذاك نحو ١٥ سنة، ثم انه امَّ دمشق حيث درس في المدرسة البطريركية الارثوذكسية الآسية الشهيرة عدة سنوات على يد الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي (+١٨٦٠) (المعلم والخوري يوسف مهنا الحداد)، فاكتسب علمنا التلميذ يوسف عوض على يديه وبقية أساتذة المدرسة العلوم واللغات وتفوق على اقرانه، مما جعلهم يطلقون عليه اسم العربيلي نسبة الى قريته عربيل، وهو الاسم الذي حملته اسرته واسرة اخوته فيما بعد، ونظراً لذكائه وشدة رغبته في طلب المعرفة فإنه كان يغتنم كل فرصة سانحة للاستزادة من العلم، فكان يختلف أحيانا الى الجوامع والكتاتيب وحلقات الدراسة الدينية الإسلامية ليسمع الخطب والشروح الدينية الإسلامية واللغوية العربية. واستمر على هذا المنوال الى ان تلم بجده واجتهاده الصرف والنحو والعَروض والبيان والمنطق ، وكان ذلك في زمن لم يكن يزيد فيه عدد المتعلمين عن اثنين او ثلاثة في المائة. ولم يلبث ان اشتهر اسمه وذاع فضله فعين مديراً لمدارس الآسية، ومال الى دراسة الطب (بعدما تلقن مبادئه في المدرسة في الصفوف الدراسية العليا حيث أراد القديس يوسف الدمشقي تطوير المدارس الآسية بإدخال مناهج الطب والصيدلة والحقوق ثم اللاهوت والموسيقى الرومية اليها ابتداء من عام ١٨٥١ واستمرت حتى ١٨٦٠ يوم الكارثة والمجزرة واستشهاد الخوري يوسف وكادر المدرسة ودمارها…!)

كيف صار طبيبا؟

قلنا انه مال الى دراسة الطب فلازم العالم الشهير الدكتور ميخائيل مشاقة الذي كان من الكادر التدريسي في المدارس الآسية الارثوذكسية لتدريس العلوم الطبية كما اسلفنا.

من هو ميخائيل مشاقة بايجاز؟

الدكتور ميخائيل ابن جرجس مشاقة هو عالم ومؤرخ ومؤلف ومبشر بروتستانتي شهير، وتعود اسرته في أصولها الى جزيرة المورة اليونانية ارثوذكسيةالمعتقد، انتقلت الى السواحل الفلسطينية، واقامت في عكا، وكانت تتاجر بثمار البحر وما يلزم، لذا دعيت ” مشاقة” وهو اسم المهنة هذه، وقد انتقلت الاسرة من عكا الى صيدا واقامت في قرية رشميا وهناك اعتنقت الكثلكة المنتشرة هناك بكثافة، حيثث تهيأ لكبيرها انه لافرق في الطقوس والقيافة الكهنوتية…مع كنيسته الارثوذكسية، لكنه كالبقية لم يكن يعرف ان الرئاسة لهذه الطائفة خاضعة لسلطة بابا رومية!!! واخلصت اسرة مشاقة في انتمائها  لطائفتها الجديدة وفي الاحسان والتبرع  الى كنائس واوقاف طائفتها الجديدة.

ولد ابنها ميخائيل مشاقة في قرية رشميا سنة ١٨٠٠، ثم انتقل الى دمشق، واقام فيها ودّرَّس العلوم الطبية في الاسية بعد ان رافق القس الدكتور يولدن الطبيب والمبشر البروتستانتي الأميركي الى بلاد الشام للتبشير ومعه الارسالية البروتستانتية، وكانت الارساليات البروتستانتية من انكليكانية إنكليزية وايرلندية وأميركية ودانماركيةتتنافس في التبشير بالبروتستانتية وكل مبشريها القساوسة كانوا في معظمهم أطباء وذوي علوم متعددة، فاكتسب ميخائيل مشاقة الطب عليه ما مكنه من تدريسه في الاسية كما اسلفنا، وكذلك اعتنق البروتستانتية على يديه وصار من دعاتها، وفي عام ١٨٤٦ سافر الى القاهرة حيث انتسب الى مدرسة القصر العيني الطبية العالية التي أحدثها بداية خديوي مصر محمد علي باشا وطورها ابنه إبراهيم باشا وصارت المدرسة الطبية الوحيدة في المشرق. ونال ميخائيل مشاقة شهادتها في الطب والجراحة، عاد بعدها الى دمشق وتابع كما بدأ التدريس في الآسية وسواها والعمل الطبي والتأليف والتأريخ ونظرا لنبوغه وتبشيره بالبروتستانتية كأحد اهم دعاتها، كلف قنصلا لكل من بريطانيا وأميركا في دمشق وتعرض لجراح بليغة باعتداء الرعاع عليه في باب توما ونقله جنود الأمير العظيم عبد القادر الجزائري الى بيت الأمير في باب السلام الى ان شفي…وتوفي في سنة ١٨٨٨ بدمشق ودفن في المقبرة المسيحية وكانت واحدة لكل الطوائف، حيث نقلت رفاته الى مقبرة البروتستانتية عام ١٨٩٢ عندما قامت ولاية دمشق بتقسيم المدفن العام المسيحي والمعروف باسم مقبرة القديس جاورجيوس على الطوائف المسيحية وفق النسبة العددية، واحتفظ المدفن الأرثوذكسي باسم القديس جاورجيوس حيث مقامه فيها وهو مدفن الاكليروس الأرثوذكسي.

ونعود الى علمنا يوسف عوض الذي رافق استاذه في الاسية ميخائيل مشاقة، وكذلك الدكتور القس يولدن ، وفي دمشق تزوج من مريم بنت متري الديراني من عربيل ورزق منها في دمشق ثلاثة من أولاده الستة هم إبراهيم وخليل وفضل الله.

وفي سنة ١٨٦٠ هاجر من دمشق مع اسرته والناجين من المسيحيين الارثوذكسيين الدمشقيين الى بيروت.(١)

الهجرة الى بيروت

الربع الدمشقي المنكوب بقيادة الدكتور يوسف عربيلي الذي لجأ الى بيروت اقام في تلة الاشرفية الدغلية وكانت تطل على ميناء بيروت وهناك بتدبيره اقام لهم مخيم لجوء واوجد لاحقا بعض البيوت البسيطة جعل منها مستوصف وكنيسة…

وكان يوسف عربيلي ذو مكانة عند الارثوذكسيين والبروتستانت أينما حل، لذلك لجأ البروتستانت له في دمشق(٢).

اقام في بيروت مدة ١٨ سنة محفوفا بالتقدير من مطرانية بيروت للروم الأرثوذكس وقضاها في الدرس والتعليم، وعين خلالها رئيساً لمدرسة الروم الكبرى في بيروت الملحقة بالمطرانية، كذلك مديرا لمدرسة سوق الغرب الارثوذكسية في جبل لبنان.

ولمكانته لدى البروتستانت وخاصة الاميركان منهم، دعي لتعليم اللغة العربية في الكلية السورية الانجيلية (الجامعة الأميركية لاحقاً عند انتقالها الى بيروت من جبل لبنان). فعمل مع القس الدكتور كرنيليوس فانديك رئيس مجلس ادارتها في ضبط كلمات بعض اسفار التوراة، ودَرَسَ الفقه الإسلامي على العلامة الشيخ يوسف الأسير، وعلمه لعدد من القضاة الذين اشتهر بعضهم في محاكم الدولة العثمانية. وفي اثناء اقامته في بيروت درس ولداه إبراهيم وفضل الله الطب في الكلية السورية الانجيلية، حين كان الطب لازال يدرس فيها باللغة العربية، فنال كل منهما لقب دكتور في الطب والجراحة. وكان إبراهيم وفضل الله يجيدان نظم الشعر، ويروى عن فضل الله انه لما اتم تخصص التشريح نظم طويلة ضمنها جميع المصطلحات التشريحية العربية فنحا بذلك نو العلامة في الطب ابن سينا الذي نظم الطب في ارجوزته المشهورة. ولكن قصيدة فضل الله فقدت بعد نظمها فلم يعثر لها على اثر.

وولد لعلمنا يوسف عربيلي في مدة اقامته في بيروت أبناؤه نجيب وحبيب ونسيم.

في الولايات المتحدة الأميركية

وفي سنة ١٨٧٨ هاجر مع اسرته الى الولايات المتحدة الأميركية، فكان اول سوري هاجر مع اسرته الى تلك البلاد. واقام اولاً في ماريفيل بولاية تينيسي، ثم انتقل الى مدن أخرى، واخيراً اقام في لوس انجلوس بولاية كاليفورنيا.

قضى يوسف عربيلي حياته كلها في طلب العلم، فعكف منذ وصوله الى الولايات المتحدة على اتقان اللغة الإنكليزية، ونال شهادة في الطب، وشهادة في طب الاسنان من مدرسة طب الاسنان في اتلانتا جورجيا، وأخرى في الحقوق، اما أولاده الستة فان إبراهيم وهو اكبرهم فقد زاول الطب ، وتمكن من الإنكليزية فالف فيها كتابا سماه” الباكورة الغربية في تعليم اللغة الإنكليزية” وطبع في نيويورك سنة ١٨٩٥. واما نجيب فانه نال شهادة دكتور في الحقوق، ودخل في خدمة الوظيفة العامة في الحكومة الأميركية، فكان اول مهاجر سوري يدخل في خدمة الحكومة الأميركية. وانشأ مع أخيه إبراهيم في سنة ١٨٩٢ جريدة ” كوكب اميركا” في نيويورك فكانت اول جريدة عربية ينشئها السوريون في المغترب.

كان لهذين الاخوين الفضل الأول في ادخال احرف الطباعة العربية الى الولايات المتحدة الأميركية. اما بقية أولاده فان خليلاً درس الصيدلة واشتغل بالصحافة مع اخويه في جريدة ” كوكب اميركا”، وفضل الله اشتغل بالطب والجراحة، واما حبيب ونسيم فانهما درسا طب الاسنان.

ويظهر مما تقدم ان الدكتور يوسف عوض عربيلي ذلك الرجل المقدام الفذ كان يختلف كل الاختلاف مع أعضاء اسرته جميعا عن اكثر السوريين واللبنانيين الذين بدأت هجرتهم الى الولايات المتحدة وسواها في الاميركيتين منذ السنة ١٨٧٥، اذ انه هاجر مع اسرته لا للاشتغال بالتجارة، بل للاشتغال بالعلم ولممارسة المهن الحرة. على انه وان نال شهادة في طب الاسنان فانه لم يزاول هذه المهنة، بل اقتصر على مزاولة الطب، انما درس طب الاسنان للازدياد من الثقافة الطبية ولتشويق ولديه حبيب ونسيم كما سنلاحظ. وقد أتيح له نيل الشهادة في طب الاسنان بسهولة لان مدة دراسته في ذلك الزمن كانت قصيرة ولا سيما للأطباء.

ومما يدل على الروح العلمية الخالصة التي كان يتصف بها علمنا الدكتور يوسف عربيلي انه قبل وفاته في سنة ١٨٩٤ لم يتحقق اطباؤه من الداء الذي أصابه. وبناء على وصيته الصريحة فُتحتْ جثته بعد الوفاة للاهتداء الى الآفة التي وضعت حداً لحياته الطويلة المترعة بالأعمال النافعة.

جريدة كوكب اميركا
جريدة كوكب اميركا

دور ابراهيم عربيلي في تأسيس نواة ابرشية نيويورك

وفي عام 1895 تأسست الجمعية الخيرية الأرثوذكسية ، ومقرها في نيويورك واختير السيد ابراهيم عربيلي الدمشقي رئيساً لها، وكانت مهمتها إنشاء كنيسة ارثوذكسية سورية، والتفتيش عن راعٍ صالح قادر على خدمة شعبه هناك، لذلك اتجهت الانظار  نحو الارشمندريت روفائيل هواويني  الدمشقي المقيم في قازان/ روسيا، وكان على خلاف شديد مع البطريرك الانطاكي اسبريدون (19892-1898) ولم يعترف الارشمندريت هواويني به بطريركا اذ كان اتجاهه وكل مطارنة الكرسي العرب والاكليروس الانطاكي والشعب الدمشقي  نحو بطريرك وطني وكان المرشح منذ وفاة البطريرك ايروثيوس للبطريركية هو مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني وكم ناضل الهواويني ومسرة لهذا الهدف، وكان جزاؤه من البطريرك اليوناني اسبيريدون العزل من رئاسة الامطوش الانطاكي في موسكو وتوقيفه عن الخدمة الاكليريكية، وبوساطات روسية رفيعة اذن له بالبقاء في روسيا سمح له بالتدريس في اكاديمية قازان اللاهوتية كأي كاهن روسي.

وبعد مداولات مع الجمعية الخبربة الارثوذكسية في نيويورك، رضي بالسفر الى اميركا ، ورضيت الجمعية بتبعيته للمجمع الروسي المقدس، وجاء اليها ومعه اللوازم والتجهيزات الكنسية، ومعه من الدرسين في اكاديمية قازان الطالبان جان شامية وقسطنطين ابوعضل وكلاهما من دمشق.

٢- حبيب يوسف عربيلي

هو رابع انجال الدكتور يوسف عوض عربيلي. ولد في بيروت سنة ١٨٦٨ وذلك بعد نزوح والده اليها بثماني سنوات ١٨٦٠. وفي سنة ١٨٧٨ نزح  مع والده وسائر الاسرة الى الولايات المتحدة الأميركية وهو في العاشرة من عمره. وبعد إقامة وجيزة فيها، انصب على تعلم الإنكليزية في مدرسة الفرندس بمدينة ماريفيل بولاية تنسي. وسنة ١٨٨٥ دخل الكلية الشهيرة المعروفة باركم كولج في مدينة ريتشموند بولاية انديانافقضى فيها عدة سنوات وانتقل الى مدينة اتلانتا بولاية جورجيا حيث كان شقيقه فضل الله يتعاطى الطب والجراحة، فدخل صاحب الترجمة مدرستها الشهيرة في الولايات المتحدة الجنوبية بتعليم طب وجراحة الاسنان، وكان ذلك في أوائل كانون الثاني ١٨٨٨، فصرف فيها المدة المعينة لتعلم دروسها القانونية، وكانت اذ ذاك ثلاث سنوات. (٣)

وكان خلال دراسته مثال للجد والاجتهاد، فنال الشهادة مع لقب دكتور في جراحة الاسنان في سنة ١٨٩٠، وذلك بيوم احتفلت به هذه المدرسة احتفالاً مميزاً بحضور الكثير من الأطباء وعلية القوم. وقد كان الدكتور حبيب موضع اكرام مدرسته وتقديرها لأنه كان بعد والده الدكتور يوسف عربيلي اول سوري درس طب الاسنان في كلية أميركية ونال فيه درجة علمية، كما انه اصبح بعد تخرجه اول سوري يزاول مهنة طب الاسنان في الولايات المتحدة الأميركية، وجاء في كتاب ” الاقوال الحقيقية في رثاء فقيد العائلة العربيلية” (٤) نقلا عن جريدة ” كوكب اميركا” التي أوردت خبر وفاة الدكتور حبيب عربيلي في سنة ١٨٩٦ ما يلي:

” كان حبيب يوسف عربيلي اول سوري اتقن هذه الصناعة وبرع فيها حتى فاق رفاقه باتقان عمل يديه في معالجة الاسنان وحشو الاضراس بالذهب والفضة والمعادن المختلفة وعمل الصفائح الذهبية او المصنوعة من البلاتين الخ او الالمنيوم، وتركيب الاسنان الطبيعية ووضع تيجان ذهبية وتلبيس الاضراس البالية بصفائح مختلفة ومعالجتها علاجاً نتيجته الشفاء العاجل. وشهد له كثيرون من أطباء الاسنان وحاز على جائزة مالية وشهادة الامتياز بين رفاقه الطلبة، ونال ميدالية السباق من أساتذة وعمدة المدرسة الذين شهدوا ببراعته ومهارته في صناعة يديه وشاقتهما في استئصال الجذور والاضراس وتركيبها.

واخذ من ذلك الحين يمارس الصناعة بنجاح ونال شهادات عديدة من محال مختلفة تشهد له باتقان صناعته وبراعته. واخيراً انتقل الى ولاية كاليفورنيا فنال الشهادة ومُنح الاجازة لمزاولة اختصاصه بجد ورغبة. فنال ثقة ومحبة الجميع واعتبارهم نظراً لما فطر عليه من وداعة واستقامة ومحبته للناس مصداقية صداقته لأصدقائه ومعارفها لذين اشتهر بينهم بمساعدة الفقراء والاعمال الخيرية. وكان عندما يسمع بمريض او محتاج يذهب لتمريضه واسعافه فأحبه الجميع واشتهر بالوداعة وسلامة القلب والصفاء والإخلاص والعفة. وقد بكاه أصحابه الاميركيون بحزن كبير. وفي سنة ١٨٩٥ انحرفت صحته واخذ يشكو من زكام شُعَبيّْ خصوصاً  عند تغير الطقس وتقلباته في تلك البلاد، والتزم بعدئذ ان يترك اشغاله بقصد تغيير المناخ حسب مشورة اطبائه، فسافر الى حلوان بمصر لتمضية فصل الشتاء فيها وحلوان مشهورة بجودة هوائها ومناخها في الشتاء، واسس واخاه الدكتور نسيم عيادة متميزة لطب الاسنان فيها استجابة لطلب العديد من معارفه وأصدقائه القدامى في مصر، ولسوء الحظ لم ينل الشفاء فالتزم ان يتنحى عن الاشغال وعزم على مبارحة  وادي النيل الى سورية مسقط رأسه وأهله ومشاهد الاهل والخلان فيها والسياحة في ربوعها الجميلة فلم تمهله يد المنون واختطفته في ربيع صباه بالغاً من العمر ٢٨ عاماً…” انتهى النص الأصلي من جريدة كوكب اميركا.

فيبدو مما تقدم ان د. حبيب عربيلي الذي كان اول سوري تعلم طب الاسنان وزاوله في اميركا، أصيب بالسل وهو في شرخ الشباب ولما تنقض بعد عليه خمس سنوات على مزاولته طب الاسنان، ولم تذكر جريدة ” كوكب اميركا” التي كان يحررها شقيقاه، ان اصابته كانت بالسل ، بل ذكرت انه زكام شُعَبيّ. وذلك ما اجبر الدكتور حبيب على إيقاف عمله والعودة الى مصر فسورية محاولا الاستشفاء، ولما شعر ببعض التحسن بدأ بممارسة طب الاسنان في القاهرة مع أخيه الدكتور نسيم، لكن داء السل عاود ضربه وبشدة فارتقى شاباً مأسوفا عليه في أيار ١٨٩٦.

ولما بلغ نبأ وفاته اخوانه وأصدقاء اسرته في اميركا، عم الحزن في اوساطهم نظرا للصفات الحميدة التي تحلى بها، ومهنيته الحرفية في طب الاسنان، ونقلت خبر وفاته الجرائد ورثاه الكتاب والشعراء ومن قصيدة للشاعر سعيد شقير يقول مطلعها

حبيب القلب فارقنا ولكن……….لنا افعاله الحسنى عزاء

وقال فيه ميخائيل رستم صاحب كتاب ” الغريب في الغرب”:

مثال الحي في الدنيا كشاة……….وتخطفه المنايا خطف ذيب

٣– نسيم يوسف عربيلي

وهو اصغر اخوته الستة. ولد في بيروت سنة ١٨٧٢ونزح مع والده والاسرة الى اميركا في سنة ١٨٧٨ وله من العمر ست سنوات. ويبدو من المراجع ان نسيم درس طب الاسنان في اميركا فأصبح يدعى حين ذكر اسمه بالدكتور نسيم، ولكن لم تُعرف المدرسة او الكلية التي حاز منها اختصاصه الطبي، ويرجح انه درس حيث يقيم والده الدكتور يوسف واخوه الدكتور حبيب  في كاليفورنيا وحين أصيب حبيب بالسل لم يفارقه طوال مدة مرضه ورافقه الى مصر ١٨٩٥. وبعد وفاته سنة ١٨٩٦، استقل نسيم في عمله وبقي يزاول طب الاسنان فيها الى عام ١٩٠٤ وما بعدها…

ومما يدل على ان اسم الدكتور نسيم كان يُذكر دوما وهو مسبوق  بلقب دكتور، وان الجرائد العربية في اميركا وسورية ومصر حين ايرادها نبأ وفاة أخيه الدكتور نجيب عربيلي في كانون الثاني سنة ١٩٠٤، وهو الصحفي والحقوقي الذي كان يعد في عصره من اشهر السوريين واللبنانيين في الاميركيتين، وكانت تخص بعبارات التعزية  اخويه اللذين كانا لايزالان في قيد الحياة وهما الدكتور إبراهيم  والدكتور نسيم، وتذكر اسم نسيم مسبوقا بلقب ” دكتور”، وهذا على الرغم من الدكتور نسيم كان اذ ذاك مقيما في القاهرة. ومما قالته جريدة المقطم القاهرية في معرض نعيها الدكتور نجيب عربيليووصفها لمأتمه في بروكلن، وذلك في عددها رقم ٤٥٣٠ الصادر أوائل شباط سنة ١٩٠٤” فنعزي حضرة اخوته الكرام في الولايات المتحدة وحضرة أخيه الدكتور عربيلي طبيب الاسنان  في هذه العاصمة”. ومما يدل على ان الدكتور نسيم لم يشهد مأتم أخيه الدكتور تجيب سنة ١٩٠٤ لوجوده حينئذ القاهرة، كلمة التأبين التي القاها الأرشمندريت روفائيل هواويني ” رئيس الارسالية السورية الارثوذكسية في بروكلن( وهوالقديس روفائيل هواويني الذي أعلنت قداسته  من قبل الكنيسة الروسية الراعية للوجود الانطاكي الأرثوذكسي في الاميركيتين، وأكد قداسته غبطة البطريرك الانطاكي كقديس انطاكي وارثوذكسي)

ومما جاء فيها: ” واما شقيقك الحزين الشيخ الجليل الدكتور إبراهيم، فبأي عبارات ام باي كلمات يمكنه ان يخبر شقيقه الأصغر الدكتور نسيم بموتك…”

لا نعلم شيئا عن اخبار الدكتور نسيم يوسف عربيلي في القاهرة بعد عام ١٩٠٤.

٤- جورج حبيب عربيلي

هو الابن البكر لحبيب عوض عربيلي وابن اخ الدكتور يوسف عوض عربيلي، ولد في بيروت سنة ١٨٧٧ . ويظهر ان اسرته فرت الى بيروت في سنة ١٨٧٥ خوفا من وباء الكوليرا ( الهواء الأصفر) الذي كان متفشيا اذ ذاك في دمشق ولسان حالها يقول مع الشاعر:

” كنا نحاذر من عدو ازرق…………حتى بُلينا بالعدو الأصفر”

وقد تم العثور في أرشيف أخيه يوسف حبيب عربيلي في دمشق على بعض التواريخ الخاصة بالاسرى والتي دونها والده (كعادة كل ارباب الاسر المسيحية الدمشقية والى عهد قريب)، وبها العبارة التالية المتعلقة بمولده” عمر ولدنا جورج في٢ حزيران سنة ١٨٧٧ حين كنا في بيروت. وقت صار حرب روسيا مع الدولة العثمانية كنا في بيروت” انتهى.

ويظهر ان جورج عاد الى دمشق مع ابيه واسرته حيث درس في مدارس الاسية الارثوذكسية، وتعلم اللغة العربية فاتقنها واصبح ممن يجيدون استعمالها نظماً ونثراً.  ورغب جورج في تعلم طب الاسنان وهو لايزال دون العشرين، وكان ذلك فيما بين سنتي ١٨٩٦ و١٩٠٠ فلم يشاء ات يقتبسه ممن كانوا يزاولونه في أسواق دمشق وبيروت فسافر الى القاهرة ولازم عمه الدكتور نسيم سنة او بعض السنة، ثم سافر الى الولايات المتحدة  الأميركية في سنة ١٩٠٠، وانتسب الى جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا حيث درس طب الاسنان ونال من هذه الجامعة درجة دكتور في جراحة  الاسنان في سنة ١٩٠٣.

وعاد الدكتور جورج عربيلي الى دمشق قبل سنة ١٩١٠، وحين نشبت الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ التحق بالجيش التركي برتبة ضابط طبيب اسنان ووقع في اسر الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة أي “قوات الثورة العربية الكبرى” وكان الجيش العربي يقاتل مع الجيش البريطاني في جبهة فلسطين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، رجع الى دمشق واخذ بمزاولة طب الاسنان فكانت عيادته الأولى في منزله في سفل التلة بباب توما، ثم انتقل الى مأذنة الشحم. وحين اخترقت هذه انتقل الى سوق الحميدية، واخيراً انتقل الى محلة السنجقدار. واشتهر الدكتور جورج عربيلي في المدة القصيرة التي زاول فيها طب الاسنان في دمشق، وهي مدة تخللتها فترة الحرب العالمية الأولى(١٩١٤ – ١٩١٨)، اشتهر باقتداره في جراحة الفم فكان يُدعى الى بعض المستشفيات الخاصة لاجراء العمليات الجراحية مما يدل على متانة الدراسة الطبية والجراحية اللتين تلقاهما في جامعة بنسلفانيا.

وبما ان الدكتور جورج عربيلي كان اديباً وشاعراً فانه كان يكتب او ينظم في بعض المناسبات الخاصة كما في مواقف الرثاء والتهنئة وما اشبه. وله مجموعة مقالات وقصائد فقدت لعدم الحرص على حفظها. ومما يثبت تضلعه في الادب والشعر انه حين شهد المأتم الكبير الذي أقيم في بروكلن لابن عمه الدكتور نجيب، وبعد ان تعاقب الخطباء والمؤبنون القى باسم اسرة الفقيد كلمة بليغة موجزة قابلها السامعون بالاستحسان وتناولتها الجرائد العربية بالتقريظ والثناء. على ان من يقرأ شعره لا بد ان يلقى فيه آثار الكلفة او الصنعة، وان يلمس خلوه من السلاسة والمعاني المبتكرة، فهو اذن ناثر اكثر منه شاعراً. ومما يدل على أسلوبه الخاص في النظم قصيدة قالها في أواخر أيامه ومما جاء فيها:

“رماني الدهر قسراً بالكلال……….وعمري ما تهنا بالكمال”

وكأني به حين ينظم قصيدته على هذا البحر ومن هذه القافية يحاول مجاراة المتنبي الذي قال منذ الف سنة:

” نعدُّ المشرفية والعوالي…………وتقتلنا المنون بلا قتال”

وكان في نثره يسلك أسلوب السجع القديم. ومثال ذلك نثره الرثاء الذي قاله في ابيه المتوفي السنة ١٩١٠ ومما جاء فيه:

” وُلدت من ابوين فاضلين. دأبهما التقى والصلاة في الابردين( الغداة والعشى)…

وفي سنة ١٩٢١ تقر احداث شعبة لطب الاسنان على ان تكون ملحقة بالمعهد الطبي العربي بالجامعة السورية ( كلية طب الاسنان الان). غير ان بعض الصعوبات الطارئة حالت دون تعيين أستاذ على الفور ودعا الى تأجيل تعيينه الى ستة ١٩٢٢. وكان الأستاذ الأول الذي عُيِّنَ ليشرف على تدريس مواد طب الاسنان بصورة خاصة هو الدكتور جورج عربيلي.

ونشرت جريدة الف باء الدمشقية في عددها الصادر بتاريخ ٢١/١١/١٩٢٢نبأ تعيينه استاذاً كما يلي:

“عين حضرة النطاسي جورج افندي عربيلي استنادا لطب الاسنان في المعهد الطبي”. ولم تشاء الجريدة المذكورة كما يبدو الا ان تشر الخبر بهذه الصورة المقتضبة وذلك لاتها على الرغم مما اشتهرت به من الرصانة والوطنية، كانت شديدة التحفظ في كل ما ينعلق بانباء المعهد الطبي.

غير ان الدكتور جورج عربيلي لم يبقَ في وظيفته التعليمية غير سنة واحدة. فعين في سنة ١٩٢٣  بدلاً عته الدكتور عفيف إيليا وهو طبيب اسنان لبناني وأحد خريجي مدرسة طب الاسنان في الجامعة الأميركية في بيروت. وبعد ان ترك الدكتور جورج المعهد الطبي الدمشقي زاول عمله مدة قصيرة في عيادته الخاصة ، ثم سافر الى لبنان والى مصر حيث حاول مزاولة طب الاسنان في القاهرة، لكنه عاد بعد ذلك الى الشام واقام فيها وتابع في فنه ومهنته وانخرط في اعمال البطريركية بدمشق زمن البطريرك الكسندروس في المرحلة الأولى من بطربركيته الى ان توفي في سنة ١٩٣٥.

حواشي البحث

(١) قاد الدمشقيين الارثوذكسيين اللاجئين الى بيروت هربا من مجزرة ١٨٦٠ وكانت نسبتهم ربع ارثوذكسيي دمشق حيث  استشهد نصف الأرثوذكس والربع لجأ الى بيروت، والربع الأخير بقي القلة الارثوذكسية المرتاعة،( ومن الجدير ذكره ان الكارثة الكبرى في دمشق حلت على الارثوذكسيين نظرا لنسبتهم العددية الأكبر تقريبا من كل الطوائف المسيحية من جانب، ومن جانب آخر لتجاورهم بالسكن مع جيرانهم المسلمين بدءا من البزورية غرب دمشق وهناك استشهد الخوري يوسف مهنا الحداد وكان يتفقد الشهداء والجرحى الذين تم قتلهم في تلك المحلة، ووكان الوجود الأرثوذكسي شمالا من باب السلام  في العمارة الجوانية مرورا بحارة الجورة وشمولا بآيا ماريا ( القيمرية) بينما كانت بقية الطوائف داخل هذا  التجمع وان كانت كالارثوذكس قد احترقت محالها وخاناتها وبيوتها وكنائسها الا ان الضحايا البشرية كانت قليلة جدا، حتى ان السريان الكاثوليك جميعا رافقوا مطرانهم الى دير سيدة صيدنايا البطريركي واحتموا هناك واستشهد للموارنة خمسة اخوة من ال المسابكي إضافة الى عدد من الجماعات الرهبانية الكاثوليكية، حيث اوى الأمير عبد القادر بجنوده وفي بيته وقلعة دمشق بقية المجموعات الرهبانية الكاثوليكية وحماهم من المعتدين، وكان عدد المسيحيين عموما في دمشق بين ٣٠الى ٣٥ الف من اصل ١٢٥ الفاً ويشكل الأرثوذكس من المسيحيين الدمشقييين  حوالي بين ٦٠-٦٥٪ قضى منهم ذبحا بين ١٠ الى ١٢ الف مسيحي ارثوذكسي وكان عدد الشهداء في دار البطريركية والمريمية ٦٠٠٠ منهم ٤٠٠٠ دمشقي والبقية من جبل الشيخ وإقليم وادي العجم الذين جاؤوا دمشق محتمين بها فكان كمن احتمى من الرمضاء بالنار، والربع احتمى في ابار بيوتهم المحروقة وبحماية الجيران المسلمين الذين تم إيذاء الكثيرين منهم من الرعاع لحمايته للمسيحيين، والرب فر الى بيروت.

(٢)  فقام يوسف عوض عربيلي بتسجيل كنيستهم (كنيسة الطائفة الانجيلية الوطنية ومقرها الأساس والحالي في ساحة الدوامنة بدمشق القديمة) باسمه،  في عام ١٨٥٨   كمواطن عثماني، اذ لم يكن يحق وفق قانون الطوائف المسيحية المعمول به في الدولة العثمانية للبعثات البروتستانتية التملك كونها لم تكن معدودة ضمن الطوائف المسيحية وليست متجذرة، بل كانت وافدة من الغرب واقامت طائفة حديثة العهد نشأت بحكم الامر الواقع بالأمس القريب وليس من اعتراف اصولي من الباب العالي العثماني بها.

(٣) كانت دراسة طب الاسنان اذ ذاك ثلاث سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، ومن المؤكد انها بقيت كذلك الى سنة ١٩١٢، ويرجح انها لم تصر اربع سنوات الا في عام ١٩١٨ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. اما الجامعة الأميركية في بيروت فان مدة الدراسة فيها بقيت ثلاث سنوات الى مابعد ١٩٢٣، غير ان مدة الدراسة في شعبة طب الاسنان في كلية الطب في الجامعة السورية بدمشق جعلت اربع سنوات منذ تأسيس شعبة طب الاسنان فيها السنة ١٩٢١ ما يدل على عراقة جامعة دمشق علمياً، وفي عام ١٩٥٨ جعلت خمس سنوات.

(٤) طبع هذا الكتاب في نيويورك سنة ١٩٠٤ وجمعه سعيد يوسف شقير الذي انتقلت اليه ملكية جريدة ” كوكب اميركا” النيويوركية التي أسسها إبراهيم ونجيب عربيلي في نيويورك سنة ١٨٩٢. وكانت هذه الجريدة اول جريدة عربية انشأها السوريون بعد هجرتهم الى الولايات المتحدة وكانت تصدر حين تأسيسها يوم الجمعة من كل أسبوع ولكنها عادت جريد يومية في سنة ١٨٩٩.