دار البطريركية المسكونية في القسطنطينية

دراسة علمية قانونية تتعلق بالبطريركية المسكونية

دراسة علمية قانونية تتعلق بالبطريركية المسكونية

ملخص للوضع القانوني للبطريركية المسكونية في تركيا

لا تعترف تركيا رسمياً بالشخصية القانونية (الاعتبارية) للبطريركية المسكونية في إسطنبول (القسطنطينية). فمنذ توقيع معاهدة لوزان ١٩٢٣، تتعامل السلطات التركية مع البطريركية كمؤسسة دينية محلية خاضعة للقانون التركي وليست كياناً سيادياً أو دولياً. 
يوضح الواقع والمستجدات المتعلقة بهذا الملف الآتي:

الوضع القانوني استناداً إلى لوزان: لم تُذكر البطريركية صراحةً في معاهدة لوزان، غير أن المعاهدة كفلت حماية الأقليات الدينية (المادة 42). وتستند البطريركية إلى هذه المادة للمطالبة بحقوقها، بينما تعتبرها أنقرة مؤسسة تركية تخضع لسيادتها وقوانينها الداخلية حصراً. 

أزمة الشخصية الاعتبارية: إنكار الشخصية القانونية يمنع البطريركية من امتلاك العقارات باسمها المؤسسي. نتيجة لذلك، كانت الكنائس والأوقاف تُسجل غالباً بأسماء الأشخاص الطبيعيين (البطريرك أو المطارنة)، مما أدى تاريخياً إلى مصادرة آلاف العقارات والممتلكات.

المستجدات والمسار القضائي:

حاولت تركيا تحسين وضع الأقليات عبر مراسيم في 2011 سمحت بإعادة بعض العقارات المصادرة، إلا أن نطاقها كان ضيقاً ولا يزال الكثير من طلبات الاسترداد عالقاً. 

شهدت أروقة العدالة الأوروبية تطوراً في هذا الشأن، حيث أُدينت تركيا بقرارات تاريخية صادرة عن المحمة الاوربية لحقوق الانسان. 

دراسة علمية قانونية تتعلق بالبطريركية المسكونية

كتب في هذا الشأن الفقيه اليوناني والحقوقي الشهير المرحوم افريليوس سباتاريس عضو المجلس القومي للبطريركية المسكونية بتاريخ ١٠ اذار ١٩٥٨ بعد انتهاكات صارخة من قبل الاتراك حكومة وشعبا بحق البطريركية المسكونية عام ١٩٥٥ و١٩٥٨ وادت الى استشهاد اعداد من اليونانيين وتدمير ممتلكاتهم وحرقها نتيجة ردات فعل اقل مايمكن ان توصف بها حيث كانت سلمية تمثلت باحتجاجات ووقفات قوبلت بعنف دموي…

حول هذه المؤسسة الروحية الأولى في الكنيسة الارثوذكسية وموقعها القانوني وتجذرها في القسطنطينية،(١) ما سيسهم في انارة الاذهان في العالم كله حول البطريركية ومكانتها القيادية شأنها في ذلك شأن كرسي رومة البابوي ودوره في الكنيسة الكاثوليكية من جانب وكدولة الفاتيكان، وشأن الخلافة الإسلامية الشاغرة بعد سقوط الدولة العثمانية وتحويل تركيا الى دولة علمانية.

دار البطريركية المسكونية في القسطنطينية
دار البطريركية المسكونية في القسطنطينية

البطريركية المسكونية مؤسسة ارثوذكسية عامة قائمة منذ القرن الرابع المسيحي

ذلك هو الامر الذي كان يفكر فيه اللورد ولتر فيليمور الابن عندما كان يحاضر في كلية الحقوق الدولية في لاهاي خلال شهر آب ١٩٢٣ أي بعد مؤتمر لوزان، اذ انه كان يؤكد في محاضراته ان هذه المؤسسات الثلاث (البطريركية المسكونية في القسطنطينية، الكرسي الرسولي الكاثوليكي في الفاتيكان، والخلافة الإسلامية الشاغرة!!!) ليست مجردة من صفة ” الشخصية المعنوية” في الحقوق الدولية العامة(٢).

ولنلاحظ هنا ان كلمة (مؤسسة) ذات مدلول أوسع وأعم مما ينبغي، فلا هي، ولا مثيلاتها بالفرنسية او الإنكليزية تعادل في الدقة مايقابلها من الالفاظ اليونانية. ( thesmos(

ومنذ تشرين الثاني من عام ٥٣٠ مسيحية، في عهد الامبراطور يوليانوس نص في القانون الصادر عن هذا الامبراطور على الاعتراف:” بالكنيسة العظمى والكلية القداسة، كنيسة المدينة السعيدة  القسطنطينية…أمّاً لنا ورأساً لجميع الكنائس الأخرى”(٣).

فالبطريركية المسكونية هي فوق كل شيء، مؤسسة ارثوذكسية شاملة. واذا كان مؤتمر لوزان قد قرر حمايتها فما ذاك الا بصفتها رمزاً للكنيسة الارثوذكسية ومرجعاً للمذهب الأرثوذكسي.

ومنذ ان تم تشكيل مؤسسة البطريركية المسكونية بصورة نهائية، وفي العهد الرومي كما في العهود التالية له، فان الشخص الذي يُنتخَبْ لرئاسة الكنيسة الرسولية المقدسة على سدة القسطنطينية (أي البطريرك المسكوني) يُقلد فوراً وبمجرد انتخابه، صفة رئيس أساقفة القسطنطينية وتكون ابرشيته منطقة القسطنطينية بحسب التفسيرات الكنسية. وهذا هو تماماً ما يجري في الكنيسة اللاتينية اذ ان الشخص المنتخب لرتبة البابوية من قبل مجمع الكرادلة يحتل بمجرد هذا الانتخاب ابرشية روما ويصبح رئيساً لها. وهذا الاجراء يكرس رسمياً المبدأ الكنسي الأساسي القاضي بألا تجري رسامة رجال الاكليروس الا في الظروف التي تضمن اتحادهم الروحي التام مع مكان ممارستهم وظيفتهم الدينية.

والبطريرك المسكوني يجمع في شخصية واحدة صفتين اثنتين مترابطتين ومتلازمتين تلازماً دائماً. اولاهما صفة رئيس كنيسة المسيح العظمى في القسطنطينية وبالتالي صفة الرئيس الأعلى للأرثوذكسية، وثانيتهما صفة رئيس أساقفة القسطنطينية نفسها. هذا، وان السلطة الروحية لكنيسة الكرسي القسطنطيني لم تكن يوماً، وعلى مدى قرون عديدة، محصورة ضمن الحدود الضيقة للبلاد التي يكون فيها المقر الكنسي لهذا الكرسي سواء اكان هذا المقر في الإمبراطورية الرومية اولاً ام في الإمبراطورية العثمانية بعد ذلكبقرار السلطان محمد الفاتح ١٤٥٣ لما اقتحم القسطنطية اعطى براءة للبطريرك المسكوني جناديوس (بطريرك ملة باشي) وحق الرئاسة على مسيحيي السلطنة استمرارا لما كان الحال زمن الاباطرة الروم …  وحتى في أيامنا هذه، لايزال هناك عدد كبير من رجال الدين  التابعين كنسياً لكرسي القسطنطينية، وهم يمارسون مهامهم الدينية في النصف الشمالي والنصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث تبلغ الرعية التابعة للكرسي المذكور عدداً ضخماً. وفي الاحتفالات الدينية التي تقيمها الكنائس الارثوذكسية البعيدة عن مقر البطريركية المسكونية، فإنما يذكرون اولاً اسم البطريرك المسكوني بصفته الرئيس الكنسي لهذه الكنائس.

وهذه السلطة الروحية الواسعة التي تتمتع بها البطريركية المسكونية، قد اعتُرفَ بها منذ قرون عديدة حتى من قبل الاتراك. ففي القرن الرابع عشر عندما جُعِلَ مقر عاصمة الدولة التركية في (بروسه) أيام السلطان اورخان، ثم في (ادرنه) أيام السلطان مراد الأول، اقامت البطريركية المسكونية في العاصمتين التركيتين المذكورتين رؤساء أساقفة تابعين لها كالمتروبوليت نيقولا في بروسه ١٣٢٨ م والمتروبوليت متى ١٣٨٠ في ادرنه وكان كلاهما عضوين في المجمع القسطنطيني المقدس.(٤)

اما الموافقة الدولية الكاملة على السلطة الروحية التي تمارسها البطريركية المسكونية على الارثوذكسيين خارج الحدود، فيجدر بنا ان نذكر بشأنها الوثيقتين الرسميتين التاليتين، وكلاهما من الحقبة المعاصرة:

ففي ١٨٨٠ وفي ١٩٠٤ عقدت امبراطورية النمسا والمجر مع البطريركية المسكونية اتفاقاً متعلقاً بوضع كنيسة البوسنه والهرسك. وفي هذا الاتفاق ورد صراحة وبصورة رسمية الاعتراف بأن البطريركية المسكونية هي السلطة الروحية العليا لكنيسة البوسنة والهرسك.

ومن جهة ثانية فالاتفاقية المعقودة في ١٠ آب ١٩٢٠ بين اليونان وإيطاليا (والتي لم تنفذ قط) بشأن مصير كنيسة الدوديكانيز، فقد نصت على الاعتراف ايضاً بأن الكنائس الارثوذكسية والمؤسسات الخيرية الدينية في جزيرة رودس الباقية تحت السيادة الإيطالية تكون تابعة للبطريركية المسكونية. وفي اتفاقية فينزيلوس – تيتوني المعقودة قبل ذلك أي بتاريخ ٢٩ /٣ /١٩١٩ ورد في النص ان متروبوليت رودس يُعَّينْ من قبل البطريركية المسكونية.

وفي مؤتمر لوزان، أعلن كل من الوفد الفرنسي (٥) والوفد البريطاني (٦) على السواء، ان البطريرك المسكوني هو الرئيس الأول للكنائس الأرثوذكسية، وفي جلسة العاشر من كانون الثاني عام ١٩٢٣، عندما أشار رئيس المؤتمر اللورد كيرزون

الى هذه الصفة الخاصة بالبطريركية المسكونية، قال ان البطريرك قد أصبح عملاً وواقعا (وخلال الخمسمائة السنة الأخيرة) أي منذ الاستيلاء على القسطنطينية، واحداً من زعماء العالم الروحيين الأكثر اعتبارا والأكبر مقاماً(٧).

وفي أواخر هذه الجلسة ذاتها، وفي تعقيبه على الحل الموفق الذي تم التوصل اليه في قضية البطريركية المسكونية، لم يفت اللورد كيرزون ان يعبر بألفاظ قوية الدلالة عن اقتناعه بأن هذا الحل سيحدث انطباعاً عميقاً في جميع انحاء العالم.

شعار البطريركية المسكونية النسر الرومي ذي الرأسين
شعار البطريركية المسكونية النسر الرومي ذي الرأسين

ومن المهم ايضاً الا نهمل ذكر الخطاب الرائع الرفيع البيان الذي القاه “راكتيش” مندوب يوغوسلافيا في موضوع البطريركية المسكونية. وكأنما أراد راكتيش ان يوسع فكرة (اوغست كونت) اذ يقول ان الإنسانية مؤلفة من الأموات أكثر منها من الأحياء، فطبق المندوب اليوغوسلافي هذه الفكرة على هذه المؤسسات الجليلة لقدمها وللخدمات التي ادتها، هذه المؤسسات التي كان لها السهم الأوفر في صنع الإنسانية بشكلها الحاضر. وهذا ينطبق تماماً على حالة البطريركية المسكونية التي لعبت على الدوام دوراً هاماً جداً في اعداد وتشكيل قسم كبير من البشرية تشكيلاً خلقياً ومعنوياً. فجيلاً بعد جيل وعلى مدى قرون طويلة، كان المؤمنون ييمون شطر هذه البطريركية، اما للحصول على الجزاء أيام المحن، واما لينهلو من معينها مبادئ الأخلاق المسيحية الرفيعة في حياتهم اليومية. ولو ان البطريركية المسكونية زالت من الوجود لأحدث زوالها فراغاً واسعاً يبتلع في أغواره قسماً كبيراً من الحضارة البشرية، ولا ضطرب وجدان البشر على اختلاف طوائفهم واديانهم. ولا يستطيع المرء ان يمتنع عن ملاحظة ان تركيا وحدها دون سائر بلاد العالم قد رفضت الرضا بهذه المؤسسة المسيحية التي توالت عليها القرون والتي اتخذت القسطنطينية مقراً لها قبل ان تنشأ الخلافة بزمن طويل، والتي استمرت دائبة في مهمتها الإنسانية والحضارية دون أي انقطاع حتى في تلك الأزمنة البعيدة التي ساد فيها التعصب والاضطرابات الدينية. على ان تركيا قد اعترفت للبطريركية المسكونية بصفة السلطة العليا للأرثوذكسية وذلك في” الأنظمة العامة للبطريركية المسكونية” التي صدرت في ١٨٦٠- ١٨٦٢ على صورة قوانين امبراطورية. فالمادة الثالثة من تلك “الأنظمة العامة” تتناول الكفاءات والأهليات التي يجب ان تتوفر فيمن يحق له ان ينتخب بطريركاً. وهي تنص على ان البطريرك هو:

“رئيس الكنيسة الارثوذكسية والأب الروحي لكل المؤمنين من هذه الطائفة. وهو الصلة التي تربط بين المطارنة التابعين لكرسي البطريركية كما يصل بين جميع الكنائس الارثوذكسية المستقلة الأخرى”.

ومن هذا الجدير بالملاحظة انه في أيام صدور هذه الأنظمة العامة بشكل قوانين امبراطورية أي في ١٨٦٠ – ١٨٦٢، كانت مقرات بطريركيات الإسكندرية وانطاكية واورشليم ( ومقر كنيسة قبرص ايضاً) واقعة في الأراضي التركية.

في عيد الفصح السنة ١٨٦٧ وجه الجنرال اغناتيف سفير روسيا ، والروسي المتعصب، كتاباً الى البطريرك غريغوريوس السادس. فبعد ان بيّن في مقدمة الكلام انه يمثل القيصر نفسه، (وينطق بلسانه)، صرح انه يؤكد على الملأ قوله “ونحن نعتبر البطريرك المسكوني أباً مشتركاً لجميع الأرثوذكسيين”.

وفي تموز عام ١٩٢٣، عندما دعت جمعية الأمم (عصبة الأمم) البطريركية المسكونية الى الاشتراك  مع ممثل الكنيسة اللاتينية وممثل الكنيسة البروتستانتية في مؤتمر ينظم تحت رعاية جمعية الأمم لاصلاح التقويم، لم تكن دعوتها موجهة الى الكنيسة المحلية للروم الأرثوذكس في تركيا، بل كانت موجهة الى السلطة العليا للكنيسة الأرثوذكسية بوصفها ” احدى السلطات العامة ذات العلاقة” كما جاء في نص الدعوة المؤرخة في ٢٦ /٧/ ١٩٢٣. وان الملوك المتوجين الذين كثيراً ما زاروا البطريركية المسكونية واهدوا الاوسمة الرفيعة الى بطاركة القسطنطينية، كذلك رئيس جمهورية بولونيا الكاثوليكية الذي انعم في أيار ١٩٣٠ ( أي بعد معاهدة لوزان بسبع سنوات ) بوسام الصليب الأكبر لبعث بولونيا على البطريرك فوتيوس الخالد الذكر، كل هؤلاء لم يهدفوا الى تكريم رئيس أساقفة ابرشية القسطنطينية وانما هدفوا الى تكريم مؤسسة البطريركية المسكونية التي تمثل العامل الأساسي اللاخلاقي والتاريخي في كنيسة الشرق، كما قال عنها رئيس جمهورية بولونيا في حفلة رسمية بتاريخ ٢٠ /١٢/١٩٣٠.

مؤتمر لوزان ١٩٢٣
مؤتمر لوزان ١٩٢٣

وان العالم المسيحي بأسره قد رُوِّع في كانون الأول ١٩٢٢، وكانون الثاني ١٩٢٣، عندما حاول الأتراك في لوزان ان يغيّروا مقر البطريركية المسكونية. وان الوف الاحتجاجات التي وجهت يومئذ الى تركيا الكمالية لم يكن الغرض منها عدم حرمان بضعة آلاف من الروم الأرثوذكس من بركة راعيهم الذي ألفوه بقدر ما كانت ترمي الى إبقاء الرئيس الأعلى للارثوذكسية في المقر الذي اختارته له المجامع المسكونية منذ ما يقرب من ستة عشر قرناً، وعلى وجه التحديد منذ ٩١٨ عاماً قبل تأسيس الدولة التركية عام ١٢٩٩ على يد السلطان العثماني عثمان.

اما لقب ” بابا” الذي يطلق على صاحب كرسي روما القديمة، ولقب ” البطريرك المسكوني” الذي يطلق على صاحب كرسي القسطنطينية، وهي روما الحديثة، المتمتع بنفس الامتيازات والمراسم (٨)  فهما لقبان كرسهما وايدهما توالي القرون، ومردهما الى الأهمية المتزايدة التي حصل عليها هذان الكرسيان خلال تطورهما التاريخي.

وان القانون الثامن والعشرين من قوانين المجمع المسكوني الر ابع (٤٥١) قد وسع صلاحية كرشسي القسطنطينية بحيث تشمل كل بلاد واقعة خارج الحدود النظامية لكل كنيسة على حدة. وكان من الطبيعي ان مثل هذه السلطة تشمل تكريساً للقب المذكور.

ولسنا نحب ان نطيل الوقوف عند نشأة لقب “البطريرك المسكوني”وتكونه وتكريسه من الناحية الكنسية. وسنقتصر على الإشارة الى ان جوستنيان (وكان امبراطوراً ورئيساً دينياً للأمبراطورية الرومية) قد أقر هذا اللقب بصورة رسمية وصريحة وذلك في كتاب وجهه الى البطريرك ابيفانيوس في شهر نيسان من عام ٥٣٣مسيحية. قلنا (أقّرَّ) ولم نقل (أنشأ) هذا اللقب لأنه قبل عشرات السنين، كان البطريرك يلقب ب (المسكوني) لا من قبل رعاياه فقط بل من قبل اشخاص من غير رعيته أيضاً ، وبصورة خاصة من قبل بعض رجال الدين من الكنائس الأخرى، ككنيسة انطاكية مثلاً. وتشهد على ذلك محاضر جلسات المجمع المسكوني المنعقد في القسطنطينية في عام ٥١٨مسيحية(٩).

هذا، علماً بأن جوستنيان، كما يلاحظ شارل ديهل، كان يعتبر نفسه، بصفته امبراطوراً للامبراطورية الرومية، مثلاً لله تعالى على الأرض. وعلى اعتبار انه يعمل دائماً بوحي مباشر من لدن الله، فقد كان يسن القوانين دون تحفظ ، ويشّرعفي الشؤون الكنسية والدينية. فهو الذي يلي على الناس بنود ايمانهم ، ومنه تستمد قوانين المجامع المسكونية قوتها ومفعولها اذ انه هو الذي يأمر بتنفيذها. فالامبراطور هو القانون الحي مجسماً، وهو معادل الرسل ومساويهم.

وفي عام ٥٣٦ مسيحية اثناء انعقاد المجمع المقدس الدائم في القسطنطينية أيام الامبراطور جوستنيان بالذات، اعلن البطريرك ميناس صراحة انه ( لايجوز ان يصنع شيء داخل الكنيسة الكلية القداسة الا بإرادة من امبراطورنا وحسب أوامره(١٠). وبعد هذا وطول دورة المجمع المقدس الأعلى الدائم المنعقد في القسطنطينية لمحاكمة بطريرك انطاكية غريغوريوس الأول، برئاسة البطريرك القسطنطيني يوحنا الصوام (٥٨٢-٥٩٧) وباشتراك بطريركي الإسكندرية واورشليم، درج المجتمعون على تلقيب الرئيس ب (المسكوني)، ولم يُثَرْ أي اعتراض على ذلك. مما يعني ان الامبراطور جوستنيان والكنيسة متفقان علانية على هذا اللقب الممنوح الى الأول بين أساقفة الشرق.

ثم ان الاستعمال المتصل المستمر من قبل الكنيسة مدة ما ينيف على أربعة عشر قرناً، والوجدان المسيحي لدى الأجيال المتعاقبة، قد كّرّسا وثبتّا لقب البطريرك المسكوني. حتى ان الزمان، وهو هذا التيار الخفي، من تعاقب الأيام والقرون، الذي يهدم ما كان قد بُنى، هذا التيار لم ينقطع ابداً عن احترام وصون هذا اللقب التاريخي الذي تجله جميع الكنائس المسيحية من ارثوذكسية وغير ارثوذكسية فيما عدا الكنيسة الكاثوليكية. وان الملوك، والحكام الأجانب، وفي أيامنا هذه جمعية الأمم ومحكمة العدل الدولية، كل هؤلاء لا يفوتهم ابداً ذكر صفة المسكوني كلما أرادوا ذكر بطريرك القسطنطينية او أشاروا اليه.

حتى تركيا الحديثة نفسها استعملت لقب ” البطريركية المسكونية” في تصريحها الخطي المؤرخ في ١٦ كانون الأول ١٩٢٢ امام اللجنة الفرعية “للتبادل” التابعة لمؤتمر لوزان(١١). كما ان الرئيس مونتانيا الكاثوليكي المذهب، عندما قدم تقريره الى اللجنة المذكورة في ٩ كانون الثاني ١٩٢٣، ذكر فيه البطريركية مالا يقل عن اثنتي عشرة مرة، مشفوعة دائماً بصفة (المسكونية).

وبسبب السلطة الواسعة التي تتمتع بها كنيسة القسطنطينية العظمى، لم تنقطع هذه الكنيسة خلال القرون الطويلة عن اسداء المعونة والدعم الأخويين الى الكنائس الارثوذكسية الأخرى. ونذكر على سبيل المثال انه منذ القرن السابع عشر وحتى عام ١٨٧٠ قام البطريرك المسكوني على انتخاب اثنين من بطاركة الإسكندرية وستة من بطاركة انطاكية واحد عشر من بطاركة اورشليم مما يدل على ان لقبه الذي توالت عليه القرون ليس مجرد كلمة جوفاء او لفظ لغوٍ.

وقد طرحت قضية البطريركية المسكونية امام اللجنة الفرعية  للتبادل التابعة لمؤتمر لوزان،وكان طرحها بصورة عابرة على حد تعبير الرئيس مونتانيا. ومع ذلك دار النقاش حولها خلال اكثر من عشرين جلسة. ولكن خلافاً للعادة لم تدون محاضر لمداولات جلسات اللجنة الفرعية في تلك الفترة. ولما لم تتوصل هذه اللجنة الى حل ما، احيل الموضوع الى المؤتمر فتولاه في جلسته التاريخية المنعقدة في ١٠ /١/١٨٢٣.

ومنذ السادس والعشرين من كانون الأول ١٩٢٣، كان الوفد اليوناني في جملة الوفود التي صرحت خطياً اما اللجنة الفرعية للتبادل ان أي قرار يتخذه مجلس سياسي ويتناول نقل المقر البطريركي من مكانه الذي عينه له المجمعان المسكونيان الثاني والرابع، أي قرار مثل هذا يكون لاغياً من الوجهة القانونية لأنه يمس قضية دينية. اما مدى صحة هذا الرأي اليوناني، فقد تكفل بالبرهان عليها نفس الوفد التركي الى مؤتمر لوزان، بعد انقضاء شهر على ذلك.

وكان الإنكليز قد طالبوا امام اللجنة الفرعية المختصة التابعة لمؤتمر لوزان باسترداد كنوز قبر النبي محمد.  وهي الكنوز التي كانت قد نقلت  الى القسطنطينية اثناء حرب المدينة المنورة، فدفع الوفد التركي هذا الطلب بأن آثار قضية صلاحيات الخلافة، وقال بصورة خاصة، ان المؤتمر غير مؤهل للحكم في تنظيمات ذات طابع ديني، وانه ليس من العدل ان تتضمن اية وثيقة دولية نصوصاً مخالفة للقوانين الدينية. وختم الوفد التركي رده بالتأكيد على ان كل مسألة دينية تتعلق بالمسلمين انما يعود حلها الى المسلمين وحدهم. وبالتعبير عن امله في ان الدول الكبرى ستحسب لهذه الأمور حسابها حتى تتحاشى الخلط بين الشؤون الدينية والشؤون السياسية.(١٢).

وفي ١٦ كانون الأول ١٩٢٢ اعلن وفد الولايات المتحدة الأميركية امام اللجنة الفرعية للتبادل “وباسم حكومته” عن وجود رغبة واضحة وصريحة لدى قسم كبير جداً من الرأي العام الأميركي في ان تظل البطريركية المسكونية في القسطنطينية. ثم نوه رئيس المؤتمر، اللورد كيرزون، امام المندوبين الاميركيين (درايت وآمدري) بأن الوفد الأميركي الذي كان برئاسة (تشايلد) قد اعلن عن تأييده الشديد لإبقاء البطريركية المسكونية في القسطنطينية مظهراً الأهمية الكبيرة التي توليها اميركا الى هذه القضية رغم بعد الشقة ونأي الديار.

وباسم وفود الحلفاء، وبإجماع آرائها قدم الرئيس كيرزون مشروعاً تعترف بموجبه الدول  المتحالفة بأن مؤسسة البطريركية يجب ان تتخلى عن صفتها السياسية والإدارية على ان يظل مقرها في القسطنطينية وعلى ان تصبح مؤسسة دينية بحتة(١٣).

وفي رده على هذا المشروع قال عصمت باشا انه يسجل على وفود الحلفاء واليونان ما صدر عنها من تصريحات وتأكيدات تنقطع بموجبها البطريركية انقطاعاً كاملاً عن العمل في الشؤون السياسية والإدارية وتقصر عملها على الشؤون ذات الطابع الديني الصرف. ولكي يعطي الدليل على النوايا المسالمة التي يكنها الوفد التركي، اعلن عصمت باشا ان الوفد يتنازل، بالشروط المذكورة، عن اقتراحه السابق الرامي الى نقل المقر البطريركي المسكوني، وذلك على ذمة التصريحات والتأكيدات التي اخذ بها علماً(١٤).

وحل القضية البطريركية في مؤتمر لوزان لا يشكل اتفاقاً ثنائياً بين تركيا واليونان بل هو اتفاقية دولية متعددة الاطراف بين تركيا من جانب، وبين الدول الثماني المشتركة في مؤتمر لوزان والموقعة على محضر جلسة ١٠ كانون الثاني عام ١٩٢٣، من جانب آخر. وهذه الدول هي: إنكلترا، اميركا، اليونان، إيطاليا، اليابان، رومانيا، يوغوسلافيا وغيرها. وهذه الاتفاقية أصبحت ملزمة للجميع، ولتركيا أيضاً بالطبع بمجرد التوقيع على محضر الجلسة المذكورة آنفاً.

مؤتمر لوزان ١٩٢٣
مؤتمر لوزان ١٩٢٣

اما الاهتمام الكبير الذي ابدته نحو البطريركية المسكونية جميع الدول الموقعة على هذا المحضر التاريخي، فمن اليسير ادراك سببه. فأكثر من مليون ارثوذكسي يقيمون في اميركا، وقد انشؤوا فيها مدرسة بطريركية للاهوت، وثلاثمائة كنيسة بطريركية برئاسة رئيس أساقفة بطريركي يساعده تسعة أساقفة وثلاثمائة وستون كاهناً ارثوذكسيا مسكونياً. وقد اعترفت وزارة الدفاع الأميركية رسمياً وبمرسوم خاص ان الكنيسة (الارثوذكسية) الشرقية واحدة من الطوائف الدينية الأربع القائمة في البلاد. والجنود الارثوذكسيون العاملون في القوات المسلحة تكون اللوحات المعدنية التي يحملونها محلاة بحرفين لاتينيين يقابلان حرفي ا. ش. أي ارثوذكسي شرقي.

هذا في اميركا ، اما في إنكلترا فهي مركز الأساقفة البطريركية التي تشمل اوربة الوسطى والغربية، ويتبعها عدد من  الأساقفة وخمس كنائس بطريركية. وقد كتب روبرت فيليمور الابن، منذ عشرات من السنين  انه بالنظر للعلاقات المتزايدة توثقاً بين كنيسة إنكلترا الانكليكانية والكنيسة الارثوذكسية،. فان ا هتمام  الذي توليه إنكلترا للبطريركية المسكونية له من  المبررات مثل ما لاهتمام الدول الكاثوليكية بمصالح البابا (١٥).

وفي باريس توجد مطرانية تابعة للبطريركية المسكونية تشمل تسع كنائس ارثوذكسية في البلاد الفرنسية بالذات (عدا المستعمرات).

هذا ولم نذكر الدول الثلاث الأخرى الموقعة على المحضر المذكور، أي المجر واليونان ورومانية. فهذه الدول باعتبارها بلاداً ارثوذكسية تربطها صلات متينة بالكنيسة الام في القسطنطينية.

والاقتراح الذي قدمه اللورد كيرزون باسم واجماع وفود دول الحلفاء، والذي يتعلق بوضع البطريركية المسكونية ، ثم قبول هذا الاقتراح من قبل عصمت باشا، يشكلان معاً تعهداً دولياً ملزماً يكرسه محضر الجلسة التاريخية المنعقدة في ١٠/١/١٩٢٣. وقد وافق على المحضر ووقع عليه الأمين العام للمؤتمر والامناء العامون لجميع الوفود  الممثلة للدول المتعاقدة دون أي استثناء، بما فيها تركيا.

والمعروف ان محاضر الجلسات في المؤتمرات والمجالس، بعد توقيعها حسب الأصول، تزيد في قوة النتائج المتوصل اليها أي في قوة المقررات المتخذة والتي تكتسب من جراء ذلك تكريسها الرسمي(١٦). اما التعهدات والالتزامات الدولية الناجمة عن هذه المحاضر فان ماهيتها  ومعناها الحقوقي يعينهما النص. وقد صرح عصمت باشا نفسه في لوزان ان محضر الجلسة يشكل صكاً بلوماسياً ذا صفة رسمية.

ومن جهة ثانية أشار الأستاذ (سترب) الى انه في الحقوق الدولية العامة تكون الدول ملزمة بتصريحاتها دون التقيد بأي شكل معين. وليس هنالك اية قيمة قانونية لكلمات مثل معاهدات، اتفاقيات، تنظيمات، بروتوكولات وتصريحات ( أي ان من المهم هو محتوى النص لا اسمه (المترجم، ونحن بصفتنا دكتور في الحقوق الدولية العامة).

وكذلك يلاحظ الأستاذ (دسبانيه) ان ( البروتوكول) او (محضر الجلسة) لمؤتمر ما، اذا نال الموافقة والتوقيع فهو يقوم مقام المعاهدة (١٧).

نستنتج من ذلك ان محضر جلسة ١٠/١/١٩٢٣ في مؤتمر لوزان، المتعلق بوضع البطريركية المسكونية في القسطنطينية، طالما انه قد حصل على توقيع جميع المشتركين في المؤتمر، وبضمنهم تركيا، فهذا المحضر اصبح مماثلاً للمعاهدة وله قوتها القانونية. وقد قال الأستاذ بادمشان رئيس المحكمة الدولية العليا في لاهاي:” ان تعبير (محضر جلسة)وكلمة (بروتوكول) هما متعادلان ولا فرق بينهما، ويمكن استعمال احدهما مكان الآخر(١٨).وكذلك لا يجد الأستاذ دسبانيه أي فرق بين هاتين الكلمتين المتعادلتين. اما فوشيل  فهو يذهب الى ابعد وادق من ذلك فيقول: لقد جرت العادة على تسجيل محضر في آخر كل جلسة لدعم المقررات التي تم التوصل اليها اثناء تلك الجلسة. وفي مؤتمر فيينا ١٨١٤ سميت هذه المحاضر (بروتوكولات).

من الاتفاقيات في لوزان
من الاتفاقيات في لوزان

وبالطبع فان كلمة بروتوكول تفيد معاني أخرى بالإضافة الى معنى (محضر الجلسة). منها الصك الدبلوماسي الخاص الهادف الى دعم وتقوية الاتفاق الحاصل بين دولتين او اكثر حول موضوع معين، ومنها ايضاً: النص المتمم او المفسر الملحق باتفاق سبق عقده.

وان النظام الداخلي لمؤتمر لوزان يستعمل كلمة بروتوكول بمعنى محضر جلسة، وانما قصد عصمت باشا هذا المعنى بالذات أي معنى محضر الجلسة عندما استعمل كلمة بروتوكول كما يظهر ذلك بصورة جلية من أقواله عندما اقترح ان يوقع على البروتوكولات الأمناء العامون لوفود الدول المذكورة في المادة الرابعة من النظام الداخلي مما يوفر على المؤتمر قراءة هذه البروتوكولات في مطلع كل جلسة والمعلوم طبعاً ان ما يُقرأ في اول كل جلسة من جلسات أي مؤتمر او مجلس او اجتماع دولي انما هو محضر الجلسة السابقة  وفي مطلع كل محضر من محاضر جلسات مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ الذي اشتركت فيه تركيا، وجلسات مؤتمر القسطنطينية ١٨٧٧  وهي محاضر وقعت عليها تركيا ايضاً، نجد دائماً عبارة تقليدية لا تتغير وهي: “قد تلي بوتوكول الجلسة السابقة ووفق عليه”. اما فيما يتعلق بالبروتوكولات التي تمتاز بشكل الصكوك الدبلوماسية الخاصة، فهذه لايوقعها ابداً الأمناء العامون، بل تحمل دائماً تواقيع ممثلي الدول المتعاقدة . كما كان الحال في مؤتمر لوزان وبروتوكولاته السبعة التي من هذا النوع والتي تحمل تواقيع عصمت باشا، رضا باشا، حسن، وتواقيع أعضاء الوفود الأخرى. ولذلك فاذا اكد عصمت باشا منذ الجلسة الأولى للمؤتمر، ان البروتوكول هو صك دبلوماسي رسمي، كما ذكرنا أعلاه، فليس من شك انه يريد بذلك محاضر الجلسات. وقد حرر في مؤتمر لوزان ولجانه الفرعية ١٧٧ محضراً سمي ١٧٤ منها باسم محاضر جلسات، وسمي ثلاثة منها اضخم وافخك بروتوكولات. وهذه الثلاثة هي محاضر جلستي الصباح والمساء من يوم الافتتاح ٢١/١١/١٩٢٢ والجلسة الختامية في ٢٤ تموز ١٩٢٣ وهي التي تم فيها عقد الصلح وتوقيع المعاهدات والصكوك المتعلقة بهذا الصلح.

وكل هذه المحاضر وهذه البروتوكولات لم يقرأ عنها شيء في مطالع الجلسات التالية لها”… وكلها، بعد ان نالت موافقة الوفود ووقع عليها الأمين العام للمؤتمر والامناء العامون لجميع الوفود، دون استثناء، وذلك  وفقاً لاقتراح عصمت باشا نفسه بعد ان تبناه المؤتمر في الجلسة الأولى بشيء من التعديل، وبذلك توفر وقت ثمين لأعمال المؤتمر”

حواشي البحث

١)تعريب الأستاذ حنين حاصباني (مجلة النعمة البطريركية الانطاكية عدد أيلول ١٩٦٥) بتصرف منا.

2) Recueil des Cours de l, Academie de Droit International, 1923

3) Code de Justinien 1.2.24.

4) Gedeon, Breve Notice sur les Droits Ecclesiastiques, 1909

5),6),7) Prices – verbaux  1.

8) 3e Canon du 2e Concile Oecumenique (381).

9) B. Stephanidis, Hist. Eccles `1943.

10) Poulitsas, Rappirts entre L,Etat er

L,Eglise,1946.

11) Proces-verbaux,Vil. 1p. 274-248

12) Proces-verbaux, Vol. 2 p. 170-171.

13) Proces-vepbaux, Vol. 1p. 264.

14)Proces-verbaux, Vol. 1p. 260-270.

15) Commentaries upon International Law>

16) Fauchille, Droit International Public, 1920.

17) Droit International Public Universel. 1927 , P. 176.

18) Cours a L,Academie de Droit Internationag de la Haye 1926.

 ويليه الجزء الثاني والاخير.