دراسة عملية وقانونية تتعلق بالبطريركية المسكونية في القسطنطينية/ الجزء الثاني
البطريركية المسكونية
ان نص معاهدة لوزان ليس فيه ذكر للبطريركية المسكونية، وكان متروبوليت تياتر قد أُوُفدَ بمهمة رسمية الى لوزان ليتابع عن كثب تطور قضية البطريركية، فكتب في تقريره المؤرخ في (٥-١٨ كانون الثاني ١٩٢٣)والذي رفعه الى المسكوني ملاتيوس مايلي: “لن يرد ذكر البطريركية المسكونية في المعاهدة. وقد أجمعت الأراء على عدم الحاجة الى ذلك”.
ولكن اذا صح القول بأن ما لا حاجة اليه لا ضرر منه. فقد يصح أيضاً قول فولتير ان ما لا حاجة اليه قد يصبح أساسياً.

في بداية عام ١٩٢٥ اشتكت اليونان الى مجلس جمعية الأمم على طرد البطريرك قسطنطين السادس، متسلحة بمحضر جلسة ١٠/١/١٩٢٣ لمؤتمر لوزان. فادعى وزير الخارجية التركي وقتئذ، وهو شكري قايا، في كتابه المؤرخ في ١٠/٣/١٩٢٥ والموجه الى الأمين العام لجمعية الأمم، بأنه ليس في معاهدة لوزان ولا في سواها من الاتفاقيات والتصريحات والمكاتبات والبروتوكولات ” بمعنى الصكوك الخاصة” اقل إشارة الى البطريركية خلافاً لادعاءات الحكومة اليونانية (١).
ومن قبيل السهو الطبيعي، ولا شك أغفل شكري قايا ذكر محضر جلسة العاشر من كانون الثاني ١٩٢٣ في مؤتمر لوزان. وهذا المحضر ملزم لتركيا طالما انها وقعت عليه، وهو يقوم مقام المعاهدة حسب آراء ارباب الاختصاص في الحقوق الدولية.
وفي مقدمة كتابه استهل شكري قايا كلامه بأن لفت الأنظار الى ان البطريركية هي مؤسسة تركية داخلية تسري القوانين التركية على تكوينها ونشاطها.
الا ان كرسي كنيسة القسطنطينية قد أُنشيَ قبل ظهور الدولة التركية بتسعة قرون كاملة. وقد اشأته المجامع المسكونية وهي التي نظمت وتنظم، منذ ذلك الوقت، تكوين هذه المؤسسة وعملها ككنيسة كلية القداسة.
وهذه”القمة الارثوذكسية”تسير منذ إنشائهاوفق القوانين والأعراف الكنسية. ولم تستمد سلطتها واولويتها بالنسبة للعالم الأرثوذكسي الا من تطبيقها الدقيق للمبادئ الثابتة في دستورها، ولو ان البطريركية المسكونية كانت تابعة للنظام السياسي في تركيا، ولو انها كنيسة تركية ارثوذكسية، لأدى هذا التغير، اذا حصل، الى جعل تنظيم دستورها وتنظيم عملها خاضعاً للقوانين التركية باعتبارها كنيسة تركية ارثوذكسية.
وفي ختام رسالته ينكر شكري قايا على مجلس جمعية الأمم النظر في شكوى الحكومة اليونانية باعتبارها قضية تمس النظام العام الداخلي في تركيا.
ومع ذلك فان وضع البطريركية المسكونية قد شغل مؤتمراً كمؤتمر لوزان الذي خصص له عشرين جلسة في لجنته الفرعية للتبادل، كما خصص له جلسة عامة بكاملها بتاريخ ١٠/١/١٩٢٣. وعلى كل حال، فإن هنالك واقعاً لا يمكن الأخذ والرد فيه، وهو ان تركيا نفسها هي التي رفعت قضية البطريركية المسكونية الى مؤتمر دولي، مدللة بذلك أوضح الدلالة على انها تعترف بالوضع الخاص جداً لهذه القضية.
وفي ٢٤/٣/١٩٢٥ قرر مجلس جمعية الأمم ان يطلب الى محكمة العدل الدولية في لاهاي ان تبدي رأيها بصفة استشارية في صلاحية او عدم صلاحية المجلس للنظر في الشكوى المقدمة من اليونان، وذلك نظراً للاعتراضات التي اثارها الاتراك، وبعبارة أخرى طُلبَ من محمة العدل الدولية ان تقول القول الفصل في كون الادعاءات التركية مقبولة او غير مقبولة. ومن الجدير ذكره في هذا الصدد ان مجلس جمعية الأمم أحال الى محكمة لاهاي ملف القضية بكامله، ومنه محضر الجلسة المنعقدة في ١٠/١/١٩٢٣ في مؤتمر لوزان.واثناء ذلك كانت تركيا واليونان قد توصتا الى حل فيما بينهما. وبموجبه تخلت تركيا عن مشروعها بطرد عدد آخر من المطارنة اليونانيين على اعتبار انه من الممكن استبدالهم بغيرهم. اما اليونان فقد سحبت اليونان مقابل ذلك شكواها من مجلس الجمعية ورضيت بطرد البطريرك قسطنطين السادس باعتباره امراً واقعاً…! ولذلك لم تصدر محكمة لاهاي أي قرار. ولو صدر قرارها لكان ذا أهمية قصوى بشأن وضع البطريركية المسكونية وحقيقة صفتها. فقد طلب الى المحكمة المذكورة فصل الكلام في لب الموضوع أي في لب قضية البطريؤركية.ولو ان الشكوى لم تُسحَب، مهما كان ثمن ذلك غالياً او فاحشاً، ومهما تطلب ذلك من تضحيات، لكان القرار الصادر عن المحكمة العليا كسباً معنوياً عظيماً، اذ انه يكون ضامناً للبطريركية المسكونية وسارياً على الجميع أصدقاء واعداء…!
وعلى كل حال فان البطريركية المسكونية لم ينشئها صك صادر عن الدولة الإسلامية، ولم تكن يوماً كنيسة هذه الدولة الإسلامية. ولم تكن ابداً جزءاً لايتجزأ منها وتسري عليها قوانينها كمؤسسة داخلية تابعة للدولة الإسلامية…ولم تكن في خدمة الدولة هذه، ولا كانت ارادتها جزءاً من إرادة هذه الدولة… وفي يومنا هذا اكثر من أي يوم سبق، لايمكن اعتبار البطريركية المسكونية كنيسة الدولة التركية التي أصبحت علمانية منذ تأسيسها بعد انهيار الخلافة الإسلامية ١٩٢٣.وقد انفصلت عن الخلافة أي عن الديانة الإسلامية فأصبحت دولة علمانية…
وكما ان استيلاء الايطاليين المسيحيين بقيادة غاريبالدي عام ١٨٧٠ على روما وهي مقر الفاتيكان أي بابا الكنيسة الكاثوليكية في العالم كله منذ قرون عديدة، وبموجب القانون الكنسي، ولايجوز له ان يؤدي الى تحويل الكرسي البابوي الى مؤسسة او وقف إيطالي بالرغم من الدولة الإيطالية مسيحية كاثوليكية والكرسي البابوي هو رئاسة الكنيسة المسيحية الكاثوليكية أي ثمة ترابط بينهما بعكس الحال مع تركيا المسلمة التدين والعلمانية المسار.
كذلك ، ولنفس الأسباب لم يكن استيلاء الاتراك المسلمين بقيادة محمد الفاتح عام ١٤٥٣ على القسطنطينية وهي أيضا مقر البطريركية المسكونية من تسعة قرون بقرارات المجامع المسكونية وإقرار اباطرة الروم، ان يؤدي الى تغيير صفة او طبيعة السلطة العليا في الارثوذكسية والى تحويلها الى مؤسسة او قف تركي إسلامي، ولوكان الامر غير ذلك ولو فرضنا ان القسطنطينية أصبحت تابعة او ملكا لدولة إسرائيل مثلا كان معنى ذلك ان تصبح كنيسة المسيح الكبرى الارثوذكسية وقفاً عبرياً او مؤسسة عبرية يهودية. ووفق ذلك لا صبحت بطريركية اورشليم الارثوذكسية وبطريركية اللاتين في القدس بعد احتلال إسرائيل للقدس عام ١٩٦٧ وضم المدينة المقدسة لها وجعلها عاصمتها لا صبحتا وبقية الكنائس في القدس وقفا عبريا يهوديا!!!
ولكون البطريركية المسكونية ذات شخصية معنوية ومقرها اليوم في الأراضي التركية، يقال اليوم عن البطريركية المسكونية انها ذات جنسية تركية وكذلك بطريركها المسكوني يجب ان يحمل الجنسية التركية…!
ولكن ذلك لا يستتبع مطلقاً ان السلطة العليا في مجموع الكنيسة الارثوذكسية (وهي التي عينت لها مقرها القوانين الكنسية) تفقد طبيعتها وتصبح مماثلة لمؤسسة دينية طائفة صغيرة من الأقليات،
لا لشيء الا لأنها بطبيعة كونها كنيسة تقوم بالحاجات والخدمات الدينية لسكان ارثوذكسيين مقيمين في تركيا، وهم فيها قلة تصغر باستمرار نتيجة الممارسات التركية الداخلية وانعكاس الأوضاع السياسية المعقدة في المشرق والعالم ليس فقط على مسيحيي تركيا بل وكل الشرق الإسلامي ودوله.
وقد شكلت البطريركية المسكونية على مر العصور مجتمعاً مستقلاً استقلالاً عضوياً، بل مؤسسة ذات سلطة مستقلة، حتى من وجهة نظر القوانين التركية السارية المفعول، لم تنقطع البطريركية المسكونية يوماً عن كونها شخصية حقوقية قائمة بذاتها. فبموجب المادة٧ من المدخل الى القانون المدني التركي الجديد، فان الأشخاص المعنويين الذين تم تكوينهم طبق التشريع السابق لشهر تشرين الأول ١٩٢٦، يتعين عليهم ان يجروا تسجيلهم في السجل المنصوص عنه في المادة ٤٥ من القانون المذكور، وذلك في غضون خمس سنوات اعتباً من تاريخ نفاذ القانون الجديد، أي حتى ٦/١٠/١٩٣٦، تحت طائلة فقدان الشخصية المعنوية، لكن تسجيل البطريركية في السجل المشار اليه ليس متوجباً لأن البطريركية لم تتشكل او تتكون وفق تشريع تركي سابق لعام ١٩٢٦، بل تم هذا التكون منذ قرون عديدة قبل ظهور الدولة التركية ذاتها، والواقع الذي لا ريب فيههو ان السلطات التركية، سواء اكانت سياسية ام إدارية ام قضائية، لم تنفك ابداً عن الاعتراف بالشخصية المعنوية للبطريركية المسكونية وفي ذلك برهان على انه حتى في رأي هذه السلطات ليست البطريركية المسكونية من الأشخاص المعنويين في الحقوق الخاصة.
وفي الحقيقة وبموجب القانون التركي النافذ ليست البطريركية المسكونية جمعية دينية ولا هي وقف ديني.

والمادة ٥٤ من القانون المدني التركي، المماثل للمادة ٦٠ من القانون المدني السويسري، تعترف بوجود وبأعمال ” الجمعيات الدينية” أي المؤسسات التي يعبر عنها القانون المدني السويسري مثل هذا التعبير أي (الجمعيات الدينية). وهذا التعبير يفيد في سويسرا كما في فرنسا، اتحاد عدد من الأشخاص لأجل متابعة أغراض دينية بحتة كالقيام بأعمال البر والإحسان ونشر الانجيل والقرآن والتلمود.
ويقضي المنطق بأن المادة ٥٤ من القانون التركي المأخوذة عن المادة ٦٠ من القانون السويسري لا يمكن ان تكون ذات معنى مخالف ومغاير للمعنى الذي أراده الأصل الذي اخذت عنه. وقد نصت المادة ٥٤ من القانون التركي على ان كل جمعية دينية يجب ان تُجري تسجيلها في السجل الخاص المفتوح لهذه الغاية… ولكن ليس بين صفحات هذا السجل أي ذكر لاسم البطريركية المسكونية. ولو اعتبرنا للحظة واحدة فقط، ان رئاسة الارثوذكسية هي جمعية، لنتج عن ذلك ان كل عمل تقوم به البطريركية المسكونية او المجمع المقدس او المجمع الدائم للقسطنطينية، فيما يتعلق برسامة او عزل او تجريد احد افراد الاكليروس مهما كانت رتبته، لكان مثل هذا العمل قابلاً للاعتراض عليه حسب المادة ٦٤ من القانون المدني، ومهاجمته امام المحاكم التركية، لطلب إشرافها عليه، وذلك من قبل أي فرد من افراد الجمعية الدينية العاملة تحت اسم (البطريركية المسكونية). ولكن شيئاً مثل هذا يكون مخالفاً لأنظمة البطريركية المسكونية نفسها. وهذه الأنظمة هي في الحقيقة قوانين كنسية مقدسة او اعراف او تقاليد وعادات كنسية.
وصف البطريركية المسكونية
واذاً فليست البطريركية جمعية دينية. ثم ان البطريركية التي أنشئت بنعمة الله ليست وقفاً دينياً. فالمادة ٨٠ من القانون التركي مأخوذة عن المادة ٧٠ من القانون السويسري، وتعترف بوجود المؤسسات الدينية التي يطلق عليها القانون السويسري اسم الأوقاف الدينية.
والاوقاف الدينية في رأي فقهاء القانون السويسريين، هي المؤسسات التي غايتها ترتيب وتأمين رجال الاكليروس وتعليمهم وتربيتهم وما الى ذلك من أغراض.
فهذا المفهوم المنطبق على نص المادة ٨٠ من القانون التركي ليس له اية صلة بالدستور المنظور للكنيسة التي أسسها الانسان- الاله وهو على صليبه، والتي تختلف غاياتها وأهدافها اختلافاً عميقاً عما ذكر في القانون المدني في مادته الثمانين.
وكلمة (وقف) المترجمة الى التركية بكلمة (تأسيس) هي مرادفة في رأي القانونيين السويسريين لكلمة مؤسسة (٢). وقد استعمل اللفظان كمترادفين تماماً اثناء مؤتمر لوزان.حتى ان المندوب التركي منير بك استعمل تعبير(الكنائس والمؤسسات) مما يدل على انه في المفهوم التركي ذاته لا تدخل الكنائس في عداد الاوقاف الدينية.
هذا وقد نصت المادتان ٧٣ و٧٤ من القانون المدني التركي على انه ” تعتبر اوقافاً او مؤسسات الأشخاص المعنوية التي تم تشكيلها بموجب صك بين احياء او بموجب وصية، بعد تسجيل الصك في السجلات الخاصة المفتوحة لدى المحاكم”. وليس في السجلات ذكر لاسم البطريركية المسكونية، وهذا طبيعي. لأن البطريركية لاتستجمع الشروط المذكورة آنفاً والواجب توفرها لتشكيل الأوقاف الدينية.
فليست البطريركية المسكونية وقفاً دينياً (كما انها ليست جمعية دينية).
فهل هي شخص معنويٌ في الحق العام؟ الجواب ان القانون التركي لايعتبرها كذلك.
فالقانون السويسري (مادة ٥٩ فقرة ب) يشير الى فئتين من الأشخاص المعنويين بحسب الحق العام. اولاهما: الجمعيات المهنية. وثانيتهما: الجمعيات الخيرية والمؤسسات ذات الصفة الكنسية كالكنائس المعترف بها (٣)
ثم جاء القانون المدني التركي فخصص المادة ٥٣ منه لما يقابل المادة المذكورة سابقاً من القانون السويسري، لكن المشرع التركي تبنى فكرة الفئة الأولى من المادة (٥٩ سويسري) فيما يتعلق بتعيين الأشخاص المعنويين في الحق العام ولم يتبن ّ الشق الثاني أي الرأي المتعلق بالكنائس المعترف بها.
من كل هذا نستنتج فقهياً، ان المشروع كان يرمي الى عدم المساس بالمادتين ٣٨، ٤٢ من معاهدة لوزان، وهما تنصان على ان الكنائس هي هيئات من طبيعة خاصة لا تخضع للقوانين التركية المتعلقة بالجمعيات الدينية بل تخضع للنصوص المتعلقة بالحريات الدستورية التي يضمنها القانون التركي. حتى ان الأستاذ مصطفى رشيد بلتزى بحث قضية الأشخاص المعنويين في الحق العام بمقتضى المادة ٥٢ من القانون المدني التركي في كتابه (حقوق الامة) فذكر في تعداد الأشخاص المعنويين: الدولة والمحافظات والبلديات وما كان من هذا القبيل. أي انه لم يذكر الكنائس ولا البطريركية((٤).
منذ معاهدة لوزان لم يُسن أي قانون تركي بشأن البطريركية المسكونية، إما لأن المادة ٦٢ من معاهدة برلين ١٨٧٨ تكفي لضمان عملها وكيانها مستقلين، وإما لان فصل الدولة عن الكنيسة الذي تم بعد ذلك أوقف تدخل الدولة في المسائل المتصلة بالكنيسة.
فمن غير المعقول ان تدّعي دولة ذات ديانة غير مسيحية حق تنظيم المسائل المتعلقة بكيان وتشكيل كنيسة مسيحية، وتنظيم سلطاتها وبصورة خاصة سلطاتها الروحية. فاذا جرى في بلد ما كما جرى في تركيا، أي فصلت الكنيسة عن الدولة، ينبغي على الدولة ان تمتنع عن تنظيم المسائل المتعلقة بالكنيسة وتقنع بالسهر على الا تكون تصرفات الكنيسة في غير صالح الدولة، هذا اذا حرصت الدولة على عدم الظهور بمظهر ” المضطهد للكنيسة” ، خسب تعبير الأستاذ برتلمي(٥). وبالمناسة نذكر هنا ان برتلمي حُجة في القانون تعترف بها حتى تركيا نفسها بل ان تركيا طلبت منه استشارة فقهية حول تفسير كلمة مقيم وأوردت نص استشارته امام محكمة لاهاي عند النظر في القضية.
وفي فرنسا منذ ان انفصلت الكنيسة عن الدولة قبل اكثر من نصف قرن، لم تعد الدولة تتدخل في الشؤون المتعلقة بالكنائس العاملة على أراضيها. وكذلك هو الحال في اميركا وفي عدد كبير من البلدان المتقدمة.وقد جاء نص الفقرة س من المادة ٤٢ من معاهدة لوزان على الشكل التالي: “تتعهد الحكومة التركية ان تؤمن كل حماية مقتضاة للكنائس (المسيحية) وللكنس (اليهودية) والمقابر والمؤسسات الأخرى التابعة للأقليات المذكورة سابقاً ( أي لغير المسلمين). وهذه هي الفقرة هي نسخة صادقة عن الفقرة ٢ من المادة ١٤ من المعاهدة المتعلقة بالأقليات والتي كانت اليونان قد وقعتها في سيفر ١٩٢٠.
وبالنسبة لمعاهدة سيفر هذه تعتبر صراحة مؤسسات دينية إسلامية كل من المدارس الدينية والتكايا والمدارس التي ورد ذكرها في الاتفاقية التركية اليونانيةبشأن التبادل. نستنتج اذن ان المادة ٤٢ من معاهدة لوزان انما تستهدف المؤسسات المسيحية المماثلة، كمدارس الرهبنات والاديرة والجمعيات التي ترمي الى نشر الوعظ الديني(٦).

وفي هذه المادة ٤٢ من معاهدة لوزان ذكرت قبل كل شيء كمؤسسات دينية: الكنائس والكنس والمقابر، ثم بعد هذا،اشارت الى المؤسسات الدينية الأخرى. وهذه الحماية التي توفرها المادة المذكورة للكنائس اولاً فالفضل فيها يعود الى غاياتها الدينية والى كونها أماكن مقدسة في نظر الرأي المسيحي. واما التعبير ” والمؤسسات الدينية الأخرى” فالظاهر بوضوح انه يتعلق بالمؤسسات التي تقل فيها الصفة الدينية عنها في الكنائس والمقابر. واذا كان الامر كذلك اصبح من الخطأ الفاحش تفسير هذه العبارة” والمؤسسات الدينية الأخرى” على انها تشمل البطريركية المسكونية، اذ لو صح هذا التفسير لكان معناه ان معاهدة لوزان أوردت ” البطريركية المسكونية” بعد ” الكنائس والمقابر” وان البطريركية حُشرت في الفئة الثانوية أي فئة ” المؤسسات الدينية الأخرى المشمولة بحماية المادة ٤٢ من معاهدة لوزان. ويجدر بالذكر هنا وبصورة خاصة ان الفقرة س من هذه المادة قد قيلت دون اية معارضة او مناقشة من قبل الوفد التركي، في جلسة اللجنة الفرعية للتبادل يوم ٢٩/١٢/١٩٢٢. وان مجمل المادة ٤٢ قد اقرت بفقراتها الثلاث في جلسة اللجنة المذكورة يوم ٢/١/١٩٢٣. وفي هذين اليومين بالذات تسممت المناقشات امام اللجنة الفرعية للتبادل حول طلب تركيا نقل مقر البطريركية المسكونية وكان ظاهراً ان تركيا ستتصلب في رأيها وان تتهاون فيه. لذلك لم يكن من المنطق في شيء ان توافق في ذينك اليومين( أي في ٢٢/١/١٩٢٣ وفي ٢٩/١٢/١٩٢٢) على تدبير يحمي البطريركية في الوقت نفسه الذي تطلب فيه ابعاد هذه البطريركية عن أراضيها. فطالما ان الاتراك قد وافقوا بدون اجراء أي تعديل او مناقشة على ما جاء في المادة المشار اليها،فمعنى ذلك ان هذه المادة لا علاقة لها ابداً في رأيهم بالبطريركية المسكونية. وان هذه البطريركية بصفتها السلطة العليا في الارثوذكسية ليست (جمعية دينية) للأقليات، وليست (مؤسسة دينية) للاقليات، بل هي كما قلنا سابقاً مؤسسة ارثوذكسية جامعة قائمة منذ قرون. ومن الجدير بنا الا نهمل الإشارة ولو بصورة عابرة، الى ان المادة ٤٢ من معاهدة لوزان بقيت في الواقع والحقيقة، مجرد حبر على ورق، في الجانب الآخر منهر ايفيروس “أي في تركيا”. فلا الفقرة الأولى منها طبقت ( وهي المنظمة للأحوال الشخصية للاقلية الارثوذكسية)ولا الفقرة الثانية طبقت، طالما ان ممثلي الأقليات المنصوص عليهم في هذه المادة قد عينوا تعييناً رسمياً من قبل الحكومة ولم تعينهم الأقلية ذات العلاقة. وكذلك لم تطبق ابداً الفقرة الثالثة من المادة ٤٢. فمن المعروف انه منذ ٣٤ عاماً لا يزال” الخوري افتيم” وهو كاهن ارثوذكسي تركي محروم، يحتل الكنيسة البطريركية ” بانايا كافتياني في غلاطية” دون ان يزعجه احد. ولسنا نريد ان نتوقف بصورة خاصة عند الحماية ( الناجعة جداً !!!) التي ( امنتها؟) الحكومة التركية للكنائس والمقابر التابعة للبطريركية اثناء الاضطرابات التي وقعت في ٦ أيلول ١٩٥٥!!!(٧)
واذا كانت منظمة او مؤسسة الكرسي المسكوني يشغلها منذ قديم الزمان اشخاص من اصل يوناني، فذلك مرده حصراً الى مصادقة تاريخية ثم جاءت العادة المتبعة المستمرة عدة قرون فجعلتها نظاما قائماً لا يتبدل. هذا وان بطريركية القسطنطينية هي ” مسكونية” وليست ” يونانية” فلا الثورة اليونانية عام ١٨٢١، ولا الحربان التركيتان اليونانيتان في عام ١٨٣٧ و١٩١٢، ولا قضية جزيرة كريت كان لها أي تأثير على وضع السلطة العليا في الارثوذكسية: ففي ١٨٩٧ اثناء الحرب التركية اليونانية جرت حفلة تنصيب لبطريرك المسكوني الجديد قسطنطين الخامس، فاستقبله السلطان بكل المراسم والتشريفات المعتادة. وقد جرى مثل ذلك في عام ١٩١٣، ابان الحرب بين اليونان وتركيا، عند انتخاب البطريرك المسكوني الجديد جرمانوس الخامس ثم ان البطريرك المسكوني لم ينقطع قط عن التقيد تقيداً تاماً بالشروط المفروضة عليه في لوزان (أي انه لم يتدخل في الشؤون السياسية والإدارية). وانها لفضيحة في نظر كل ذي وجدان مسيحي ان يرى الكنيسة الام تتحمل في هذه السنوات الأخيرة آثار واصداء التقلبات في العلاقات التركية-اليونانية، كما لو كانت هذه الكنيسة التي هي رمز للوحدة الارثوذكسية بمثابة رهينة لضمان الصداقة بين البلدين المتجاورين. وفي الحقيقة انه لواقع محزن يزيد في الشعور الودي التقوي للمؤمنين نحو الكنيسة الام التي، تحت تأثير سوء المصير، امست تتحمل ثقل آثام الآخرين.

حواشي البحث
1)Proces- verbaux du Conseil de la S.d.N. Vol. 33 p. 579
2)Curti – Forer, Commentaire du Code Civil Suisse,1912
3) Rossel et Mentha, Vol. 1 No 200
4) Theorik M edeni Hukuk, 1937 , p. 176.
5)Droit Administratif 1923, p. 252.
6) Melas, Droit Ecclesiastique.
٧) قامت بلدية إسطنبول بتخطيط مشروع شق طريق يشق دار البطريركية وقررت استملاكها، ولما احتج اليونانيون في إسطنبول حصلت اعتداءات من الرعاع الاتراك على الأقلية اليونانية فحطموا متاجرهم وبيوتهم وعم السلب والنهب والحريق واصابوا العشرات منهم بجراح بليغة فعم الاستنكار والشجب كل العالم وطيرت البطريركيات ومنها بطريركية انطاكية حيث احتج البطريرك الكسندروس طحان ببرقية الى الأمين العام للأمم المتحدة مستنكرا هذا العدوان الوحشي وكان سببا بتقليص الوجود اليوناني الاثوذكسي في تركيا والبالغ ١٥٠ الف لينحدر الى اقلية مرتاعة عددها دون العشرة آلاف…
